‫سَــنـدَو َ‬

‫َ‬
‫"يومياتَفيَكواليسَافريقيا" َ‬
‫َ‬

‫رواية َ‬
‫َ‬

‫آدمَيوســـــفَموســـــى َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪1‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫الطبعةَالثالثة َ‬
‫الناشر‪َ:‬ناديَالقصةَبالسودان َ‬
‫الخرطوم‪2015،‬م َ‬

‫‪2‬‬

‫إدا كانت الوردة التي تشرق علينا كل صباح بهجة‬
‫فإن الشمس التي تشرق علينا كل يوم ثروة‬
‫(‪2004‬م)‬
‫آدم يوسف‬

‫‪3‬‬

‫نجم بال خطيئة‬

‫‪4‬‬

‫‪1‬‬
‫وقف عظيماً ‪ ،‬تململ قليالً ثم مسح الكتابة التي على اللوح الخشبي األسود و‬

‫عدل في بدلته القطنية وأدخل يده في جينزه األزرق ونظر أسفل فرأي (البابوش)‬

‫‪‬‬

‫األبيض يلمع ‪ ،‬جلس متراخياً على المقعد فجاءت صورته كرسمة كركتير سياسي ‪،‬‬
‫عدل من هندامه وقال و في صوته نغمات مختلفة كأوتار الكوندو‪:‬‬

‫ عليكم أن تراجعوا الدروس‪.‬‬‫طأطأ الطالب رؤوسهم المختلفة األحجام و األشكال ‪ ،‬و المتشابهة في دورانها‬
‫ولونها وما تحمله من شعر أجعد و أنوف كبيرة‪.‬‬
‫نهض المعلم من جلسته وتحرك بخطوات متناسقة حتى جاء صوت هادئ من‬
‫خلف الكنبات ‪:‬‬
‫ (هل ننصرف يا أستاذ؟)‪.‬‬‫أجاب دون أن يلتفت إلى جهة الصوت‪:‬‬
‫‪ -‬عندما تسمعون رنين الجرس!‬

‫‪‬‬

‫حذاء بلدي ‪ ،‬صنعة محلية تكثر في مدينتي أبشة و أنجمينا‪.‬‬

‫‪‬‬

‫آلة موسيقية يكثر استعمالها في جنوب تشاد‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫الشمس ما تزال في وسط السماء تتوهج بعظمتها ‪ ،‬الجو يوحي بالشراسة ‪ ،‬و‬
‫العرق يتصبب من على الجباه بصورة مستمرة و الروائح تشذ ‪ ،‬وتتراكم في الجو بال‬
‫انقطاع ‪ ،‬تتبلور الحاالت المختلفة في لحظة واحدة و تنفض من أمام المدينة الصغيرة‬
‫‪ ،‬مرة أخرى تدور و تدور في هذه التقلبات وتبدو العاصمة أنجمينا بمنازلها الطينية و‬
‫أشجارها شامخة عظيمة ‪.‬‬
‫جاء الفتى "سندو" متأخ اًر ‪ ،‬بعد ساعة كاملة من دخول التالميذ الفصل ‪ ،‬طرق‬

‫الباب ‪ ،‬كانت طرقاته هادئة ‪ ،‬تراجع حياء ‪ ،‬نظر إليه المعلم وقال ‪:‬‬
‫ أخر مرة يا فتى!‬‫أجاب طائعاً ‪:‬‬

‫ حاضر يا أستاذ ‪...‬‬‫ أدخل‪.‬‬‫دخل الفصل مرتعشاً كمن يدخل النهر ‪،‬دخل بخطوات منتظمة وجلس على‬

‫الكنبة بتهالك جلس كمن قفز في حوض سباحة ‪ ،‬تحرك المعلم عندما فتح أحد‬
‫الطالب النافذة وتسللت من خاللها أشعة الشمس هادئة ذهبية على شكل خيوط‪.‬‬
‫حك شعره الناعم بالقلم ‪ ،‬فابتسم ينظر لزميله فإذا بلونه األسود مع انعكاس‬
‫الشمس يعطي صورة جملية ‪.‬‬
‫على اللوح الخشبي األسود أرقام و معادالت ‪ ،‬مالمح المعلم هادئة ‪ ،‬الجدار‬
‫األبيض يحمل لوحات قديمة ‪ ،‬ممزقة ‪ ،‬مبهمة ‪ ،‬السماء من خالل النافذة تبدو صغيرة‬
‫‪ ،‬و السحب المتناثرة تروح و تجئ سابحة في الفضاء‪.‬‬
‫جلس المعلم على كرسي صغير يقع في ركن الحجر ‪ ،‬و انحنى برأسه الصغير‬
‫بخيالء وصب أنظاره إلى الفتى "سندو" و قال بصوت مرتفع‪:‬‬
‫ مفهوم‬‫أجاب الفصل‪:‬‬
‫‪6‬‬

‫ نعم مفهوم‪.‬‬‫سرت النشوة في داخله ‪ ،‬نهض بخفة و خرج كتيار هوائي بال استئذان وال‬
‫مقدمات‪.‬‬
‫الشتاء يهل بهدوء ويدخل العاصمة كعابر سبيل ‪ ،‬يدخل قاسياً كالجوع ‪ ،‬تنبثق‬

‫الشمس في األفق بال توقف ترسل أشعة دافئة‪.‬‬

‫نهض "سندو" ساخ اًر من رفاقه الذين حضروا ولم يفهموا الدرس ‪ ،‬و اتجه‬

‫صوب المكتب ليالقي المعلم "ياسر" و يعو إلى الفصل ‪ ،‬جلس على كرسي المعلم‬
‫الصغير يراجع المسائل ‪ ،‬و قبل أن يعود إلى مقعده دخل المعلم ونظر إليه نظرة عاتبة‬
‫بعينين تتوسطهما بؤبؤتان عسليتان ‪ ،‬كان معجباً بتلميذه الذي ظل منهمكاً في كتابة‬

‫المسائل ‪ ،‬وقف خلف رأسه المدور و التالميذ يتغامزون بمرح و سخرية ‪ ،‬تذكر عندما‬

‫جاء هذا التلميذ ألول مرة كان يحمل وجه ًا حزيناً كيتيم هذا البلد ‪ ،‬وضع يده على كتف‬
‫الفتى وأمره بالعودة إلى مقعده ‪ ،‬لم يكن "سندو" مرتبكاً أو خائفاً ‪ ،‬كان يدرك أن المعلم‬

‫طيب القلب وانه يحترمه رغم أنه لم يكن يدرك السبب ‪ ،‬لم يكن سريع البديهة ‪ ،‬يفهم‬
‫الدرس و يهمل‪ ،‬فقد كان مرحاً و عبوساً ‪ ،‬شجاعاً و جباناً‪.‬‬

‫لفت المعلم نظره تجاه النافذة فأنساب هواء لطيف ‪ ،‬كان المارة يغدون ويقبلون ‪،‬‬

‫استلقى على الكرسي الصغير وقال بصوت عادي‪:‬‬
‫ هل أكملتم كتابه المسائل؟‪.‬‬‫جاءت اإلجابات مختلفة على السنة الطالب‪:‬‬
‫‪( -‬أكملنا)‪( ،‬لم ننته بعد)‪( ،‬بقي قليل يا أستاذ)‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫اتكأ دقائق وهو يسرح بعيداً‪ ،‬تذكر انه لم يعد شاباً صغي اًر‪ ،‬حمل نفسه ناهضاً‬

‫من الكرسي ‪ ،‬كانت أصوات الطلبة تعلوا وتهبط كأمواج ما بين جدل‪،‬و ضحك‪،‬‬
‫وقسم‪،‬وصراخ ‪ ،‬واستعطاف ورجاء ‪.‬‬
‫عاد بوجهه ذي القسمات الهادئة‪ ،‬اختفت الضوضاء فجأة وأصبحت حركاتهم‬
‫جامدة كالجدار األصم‪.‬‬
‫حمل المعلم اسفنجة صغيرة مقدار كف اليد وأزال ما علق من كتابات‬
‫ومعادالت وأرقام‪ ،‬أدار ظهره تجاه الفصل واستغرق يكتب ويكتب ‪ ،‬عاد بروحه ذات‬
‫الظالل الخفيفة يشرح بمالمح متغيرة وكأنه ممثل يقوم بدور محام مرموق ‪ ..‬الحياة‬
‫جعلت من شخصيته قدوة حسنة وجعلت منه إنساناً متواضعاً ‪ ،‬مرت به في كل‬

‫هذه السنوات تجارب جعلته يحس بأنه لم يكن وحيداً برغم وحدته التي جعلته يكمل‬

‫بقية حياته يتيماً بال أم وال أب‪..‬‬

‫لقد احترق من أجل قومه وواصل طريقه ‪ ،‬الحب ‪ ..‬الكفاح ‪ ..‬الموت‪ ،‬كلها جعلته‬

‫ينظر إلى اآلخرة بإيمان عميق !‬
‫ظل يواصل في درسه‪ ،‬كانت تنتابه نوبة نشوة واضطراب من حين آلخر‪ ،‬وبعد‬
‫أن اكمل كتابة الدرس رفع رأسه إلى األعلى ثم األعلى وقال‪:‬‬
‫‪ -‬واضح؟‬

‫رد الفصل بصوت واحد‪:‬‬

‫‪ -‬واضح يا أستاذ‪.‬‬

‫عاد وجلس على المقعد‪ ،‬جلس بال اكتراث وأزاح تفكيره عن الفصل وظل‬

‫يدور بعقله إلى أيامه التي مضت فنظر إلى السماء بأحاسيس جياشة فعادت به‬
‫مشاعره إلى الفصل وقال بصوت متيقظ كصوت أمواج البحر‪:‬‬
‫ اكتبوا المسائل‪.‬‬‫‪8‬‬

‫حمل نفسه إلى مكتب المعلمين‪ ،‬تعالت أصوات التالميذ مرة ثانية تروح‬
‫وتجيء بال انتظام‪ ،‬فاألصوات تعلو والهمسات تشكل لحظة مبهمة‪ ،‬وأصوات‬
‫الكراسات والحقائب وهي تخرج من األدراج تصنع جواً لطيفاً من البهجة‪ ،‬كانت‬

‫المدرسة ترقد مطلة على الشارع العام في حي (مرجان دفق) مترامية‪ ،‬تأخذ موقعاً‬

‫استراتيجياً مناسباً‪ ،‬ذي جدران طينية وقليل من الفصول لطخت باألسمنت والجير‬

‫األبيض‪ ،‬لم تكن تشد االنتباه فقد كان يفصل الجزء األكبر من فصولها‬
‫شرقانيات*‪، 1‬وفي ركنها ماسورة واحدة وعدد ال بأس به من االزيار تسمى (دوانة)‬
‫‪ ،‬ومكتب المعلمين شيد على نظام جميل ‪ ،‬ومستوصف شيدته أحدى المنظمات‬
‫اإلسالمية ووضعت الفتة كبيرة بخط عربي جميل أمام الباب‪.‬‬
‫المدرسة تبدو جميلة وتطل على شارع أشبه بوجه أنثوي خجول‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪*-‬شرقانيات‪ :‬جمع شرقانية وهي قش واقصاب يصنع منها حواجز ويفرش في سقف البيوت قبل طليه بالطين‬

‫‪9‬‬

‫‪2‬‬
‫أشرقت الشمس وخرجت كوجه بشوش‪ ،‬كطفل يخرج لتوه من رحم أمه إلى‬
‫الحياة‪ ،‬الهواء الطلق ينساب باردا ويحرك أوراق األشجار‪.‬‬
‫كان المعلم (ياسر) يسير في شوارع حارته (أم رقيبة) بهدوء وتأن‪ ،‬في جو‬
‫الطقس فيه ال بارداً وال حا اًر‪ ،‬والعصافير الصغيرة تزقزق بألحان عذبة وتحوم في‬
‫الفضاء الرحب‪ ،‬والطريق خال مقفر‪ ،‬قفز مجرى الماء وتقزز إثر رؤيته المياه الراكدة‬

‫وبقايا براز األطفال على أطراف الجدران‪ ،‬والدخان يتصاعد من بين أكوام األوساخ‬
‫المشتعلة على أشكال تلقائية‪.‬‬
‫مر بعد صعوبة فلمح تلميذه (سندو) يجلس على مقعد خشبي‪ ،‬أمام منزل طيني‬
‫ذي بوابة خضراء‪ ،‬وكان يدرك ان تلميذه يقطن هذه الدار‪ ،‬فيمر أحيانا بتحية أهل‬
‫البلد‪ ،‬ومرات يهمل ويتجاهل رؤيته خوفاً على أن يضيع وقته في صرف الكالم ويقطع‬

‫حديث الشباب الصغار عندما يكونون في حوارات ولغو ‪..‬‬

‫انتاب "سندو" قشعريرة باردة‪ ،‬وهو يرى خطوات معلمه‪ ،‬تململ في مقعده القديم‬
‫‪ ،‬وأغلق الكراسة ليضعها جانباً‪ ،‬ثم استعد لمالقاته‪.‬‬

‫اقترب المعلم ونهض الفتى يصافحه بأدب وتقدير ناكساً رأسه نحو األسفل‬

‫باسطاً كلتا يديه احتراماً‪ ،‬فقال المعلم لتلميذه العاجز عن التعبير‪:‬‬
‫‪ -‬هل تقطن في هذا المنزل؟‬

‫‪10‬‬

‫كان المعلم عالماً باإلجابة إال انه أراد أن يشجعه على الكالم‪ ،‬فأجابه اآلخر بال‬

‫تردد وشفتاه منفرجتان غليظتان كأنهما أوراق شجرة عتيدة ذات خضرة داكنة‪ ،‬فخرجت‬
‫الكلمات متقطعة كأنها أوتار ذات نغمات فيها مسحة حزن‪:‬‬
‫أجل يا أستاذ أقيم هنا منذ سنوات‪.‬‬‫إذن نحن في دائرة واحدة‪.‬‬‫نكس الفتى رأسه واصطنع سؤالً خفيفاً يريد أن يطيل الحديث مع معلمه‪:‬‬

‫ نحن في حارة واحدة ولم يحدث أن تالقينا !‬‫‪ -‬لكنني رايتك قبل ذلك !‬

‫دار بينهما حوار بسيط حتى هم باالنصراف ‪ ،‬لكن التلميذ أبى وأخذ يرجوه على‬
‫تقبل ضيافته‪ ،‬دهش في أول أمره لكنه أعجب به وبهذا الترحيب وخطى بقدميه‬
‫المستقيمتين بتردد وشيء من االرتباك‪ ،‬و"سندو" يتقدمه بنشوة ويقظة مشاعر‪ ،‬أزاح‬
‫الستار بيده النحيلة ودفع بابه المغلق‪ ،‬أصدر اصواتاً متكررة خافتة‪ ،‬فنظر إلى معلمه‬

‫وتكلم بثقة وحياء‪:‬‬

‫‪ -‬تفضل ‪ ..‬هذه هي غرفتي التي استأجرتها !‬

‫خلع نعليه ودخل الغرفة مشدوها‪ ،‬سرح بباله نحو البعيد فبدأت شباك ذاكرته‬

‫تعيده إلى حياته األولى‪ ،‬لحظات متقلب‪ ،‬آراء تدور في دواخله‪ ،‬أول مرة يضع نفسه‬
‫في غرفة احد تالميذه‪ ،‬يمر الوقت وهو يتذكر سريعاً هذه المرة أيام الشقاء‪ ،‬الحيرة‪،‬‬
‫المتعة والنضال‪ ،‬العزوبية واالجتهاد‪ ،‬الم اررة والكفاح‪.‬‬

‫أسرار الحياة تقفز في أعماقه فتشكل في روحه رسوم الزمن الحلو‪ ،‬أيام األمل‬
‫والرجاء يأتي إلى مخيلته كطيف قوي‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫لف االثنين صمت خفيف وأخذ كل فرد منهما يفكر بهدوء‪ ،‬نهض الصبي وقبل‬
‫أن يخطو بأي حركة أقعده المعلم ونظر إلى أركان الغرفة الضيقة فرأى جدرانها الطينية‬
‫الصماء تعكس رمو اًز وصو اًر وأشكاالً‪ ،‬أجلسه وقال‪:‬‬
‫‪ -‬هل تقيم مع أسرتك؟‬

‫تبسم الصبي ذو القسمات البريئة وأجابه بعد صمت وبثقل‪:‬‬

‫ أقيم وحدي لكنني ألتقي بوالدي في كل يوم‪.‬‬‫ وأين يقيم أبواك؟‬‫ أبي يبعد عن الدار بضعة أمتار وأمي يرحمها اهلل‪.‬‬‫ عظم اهلل أجرك لم أكن أريد أن أعيد لك الماضي‪.‬‬‫ كلنا من التراب والى التراب فال حرج‪.‬‬‫نهض وخرج دون أن يستأذنه كما يفعل في الفصل‪ ،‬اختفى تاركاً معلمه في‬

‫تفكير عميق ‪ ،‬يفكر في أمر تلميذه الذي أحسسه بالفرحة‪ ،‬واالنتقال‪.‬‬

‫غرفة صغيرة ذات اثاثات بسيطة‪ ،‬دوالب صغير في ركن الغرفة بداخله قليل‬
‫من الكتب والكراسات المدرسية‪ ،‬يبدو البساط القديم صنعة محلية‪ ،‬بالقرب من النافذة‬
‫أدوات الشاي موضوعة بعشوائية‪ ،‬في الركن األيسر زير ماء بالقرب منها طاولة‬
‫صغيرة فيها بعض األدوات كالمشط واألو ارق واألقالم واألشرطة وجهاز مذياع قديم‪...‬‬
‫مجموعة مسامير على الجدران علق عليها مالبساً قليلة‪ ،‬وصور مناضلين من أفريقيا‬
‫ألصقت بانتظام‪.‬‬

‫أدرك المعلم من خالل رؤيته أن الفتى يعيش وحده منفرداً ‪ ،‬حياة تلقائية هي‬

‫مزيج من واقع العاصمة أنجمينا ومزيج من الكآبة واأللم والضعة‪.‬‬

‫لقد انتابته نشوة فرح عندما اكتشف شيئاً جديدًا فهذا يعينه على فهم تالمذته‬

‫أكثر وأكثر‪ ..‬مرة أخرى تحلق به الذكريات‪ ،‬تعيده إلى الماضي القديم‪ ،‬تضعه في دنيا‬
‫ماتت كما تموت األجساد عندما تهجرها األرواح‪ ،‬فالحياة التي يحياها تلميذه لم تكن‬
‫‪12‬‬

‫تختلف عن حياته األولى إال طفيفاً‪ ..‬نفس النظام‪ ،‬نفس الظروف‪ ،‬نفس الصبر‬
‫والمقاومة‪ ،‬نفس القساوة ! حياة تختلط فيها الم اررة بالمعسول‪ ،‬كآبة ففرح ‪ ..‬تمور به‬

‫الكبرياء فتنهض به الثورة ويسكنه التواضع فيجلس القرفصاء‪.‬‬
‫منتظ اًر الصبي‪ ،‬يقبل عليه باسم الثغر يحيه مرة أخرى‪ ،‬تدور الحوارات ويظل‬

‫"سندو" يهز برأسه المدور فيتشجع ويتكلم بحرية وبال توقف‪.‬‬

‫اتجه صوب آلة الطهي الصغيرة‪ ،‬يعد الشاي‪ ،‬وضع البراد المسود القعر على‬
‫اآللة الصغيرة فتصاعد لهيبها األزرق وقد مأل جو الغرفة ذات السقف الزنك الدفء‬
‫والح اررة ‪ ،‬بعد قليل كان كل شيء معد وجاهز‪.‬‬
‫ارتشف المعلم رشفة قوية فأحس بلذة أدرك من خاللها أن الصبي فنان في الطهي‬
‫ولكنه شم رائحة االدام وعلم انه ادخل ملعقة مبقعة بادام البارحة في البراد لتذويب‬
‫السكر داخل الشاي‪ ،‬تناول األمر بروح رياضية‪ ،‬وأصبحت هذه اللحظة هي لحظة‬
‫انتقال من مرحلة إلى مرحلة في حياة االثنين‪.‬‬
‫نهض المعلم بعد جلسة قصيرة جعلته يعيد نفسه قليالً ويلملم بعض تصرفاته‬

‫الهادئة وقبل إن يخرج اعتذر التلميذ عما بدر منه فضحك المعلم وقال‪:‬‬

‫ أن هذه المسألة عادية عندما كنت في عمرك جربت كل ما أنت عليه اآلن وما‬‫تقوم به فلنكن صديقين في الحي‪ ،‬حاول أن تجرد نفسك من المجامالت‪،‬‬

‫وسأفعل أنا أيضاً‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫‪13‬‬

‫في منتصف المساء حيث األصيل يتدفق بأشعة برتقالية ناصعة‪ ،‬قام الفتى‬
‫"سندو" يحيي معلمه الذي جاء على موعد مسبق‪ ،‬لم يدخل هذه المرة الغرفة‪ ،‬جلس‬
‫خارجا في المقعد الخشبي‪ ،‬حاول أن يقدم له ضيافة الئقة إال أن المعلم اجبره على أن‬
‫ال يقوم بإعداد شيء فهو يحس ألماً في معدته ولقد تبين له ذلك من اثر سوء هضم‬
‫ليلة البارحة يعلل ذلك على أنها قرحة في المعدة‪.‬‬

‫يأتي الهواء مرة أخرى يمأل األفق البهيج فيبدو الطقس منعشاً فياضاً مثل الماء‬

‫الدفيء في الجسد المتعب‪ ،‬تحوم الطيور في الفضاء ترسو على األشجار فتظهر‬
‫لوحة‪ ،‬رائعة‪ ،‬حلوة معلقة على مسرح الحياة ‪..‬‬
‫الدرب نظيف هذه المرة ‪ ،‬يستقيم الوضع بين صرخات األطفال يلعبون ويمرحون‬
‫وكلب صغير يلعب ويركض خلف حبل غليظ يريد أإل لحاق به‪.‬‬
‫يصمت "سندو" والمعلم يواصل كالمه وكأنه يشرح درساً‪:‬‬

‫(ولدت وسط أسرة فقيرة‪ ،‬خرجت من رحم أم ارة كانت تعاني آالم البرد القارس‪ ،‬لم تجد‬‫ما يدفئها غير براءة وجهي‪ ،‬قمت أصارع الحياة وتياراتها‪ ،‬بدأت اكبر وأواجه عاصفة‬
‫الحياة القاسية‪ ،‬منذ طفولتي وأنا عامل‪ ،‬أول عمل أشغله عامل متجول أبيع (الجاز)‬
‫أدور في الحارة وادخل المنازل بال استئذان‪ ،‬احمله في علبتي الصغيرة وأصبه في‬
‫كروسيناتهم‪ ،‬أدخلني والدي المدرسة وأنا قد بلغت العشر سنوات حينها شغلت صاحب‬
‫كشك أبيع الجوارب والمصابيح الجيبية والحقائب والمحافظ وأقفال البيوت والنظارات‬
‫وأحيانا أحاول أن أقلد الباعة المتجولين فألفها حول عنقي كالقالدة‪ ،‬أدور بها‪..‬‬
‫قاطعه "سندو" بروح الصبا العالية‪:‬‬
‫رائع‬‫لقد كانت بين البيت الذي اقطنه والمدرسة ساعة وبضع دقائق أتجاوزها بساقي‬‫النحيلتين‪...‬‬
‫‪14‬‬

‫قاطعه مازحاً‪:‬‬

‫أراك سمينا يا أستاذ‬‫(قل ما شاء اهلل)‬‫‪-‬ما شاء اهلل‬

‫(كان ذلك في الماضي عندما كنت في سنك‪ ،‬لقد كنت نحيالً‪ ،‬انحف تالميذ‬‫المدرسة‪ ،‬الظروف القاسية ولدت في دواخلي عقداً وانفعاالت شجعتني على التحدي‬
‫المستمر‪ ،‬عملت بائع أكياس فأعانني هذا العمل على شراء كراسات المدرسة واألدوات‬

‫األخرى‪ ،‬كنت ألف المدينة كتيار هوائي تحت الشمس الحارقة‪ ،‬اآلن لم أعد أتحمل‬
‫ح اررة الشمس أما في الماضي كانت الشمس جزءاً من ذاتي أنها قريبة مني أشبه‬
‫بقطعة من قلبي) !!‬

‫سكت ينظر إلى أسفل بنفس حزينة و"سندو" ينظر مشدوها بعينيه الملتهبتين‬
‫كأنهما قرنان مستقيمان ألبقار الكوري‪ ،‬هبت عليهما رياح غبرة مما جعلهما يدخالن‬
‫الغرفة‪ ،‬جلس المعلم على البساط القديم وجلس الفتى على فراشه المهتري‪ ،‬وحمل‬
‫وسادة قديمة قدمها ألستاذه بكلتا يديه‪ ،‬اتكأ وحدج تلميذه بنظرة شاخصة ثم اخذ يرنو‬
‫إلى السماء من خالل النافذة فرآها صغيرة زرقاء كبحيرة (فتري)*‪ 2‬فأكمل بصوت‬
‫متغير‪:‬‬
‫( قبل أن أنال الشهادة االبتدائية بأيام فوجئت بأسوأ خبر وقع على مسمعي‪ ،‬حادثة‬‫وفاة والدي‪ ،‬مرت م اررة الحزن بالصبر‪ ،‬انتقلت إلى دار عمي وارتحلت والدتي إلى‬
‫الفريق*‪ ،3‬حيث غلو إيجار البيت‪ ،‬رحت أبيع الصحف الفرنسية‪ ،‬كنا مجموعة من‬
‫الصبية يمنح كل واحد فينا خمسون صحيفة‪ ،‬ثمن الصحيفة ‪ 300‬فرنك سيفا‪ ،‬وفي كل‬
‫‪2‬‬

‫‪ *-‬بحيرة تقع في منطقة اتيا‬

‫‪3‬‬

‫‪ *-‬المنطقة التي تستوطنها القبائل الرحل أثناء ترحالها‬

‫‪15‬‬

‫صحيفة يربح احدنا ‪ 25‬فرنك ‪ ،‬جمدت الصحف وانتقلت إلى بيع السجائر وقد كان‬
‫مربح ًا إال أن عمي أبدى اعتراضه فافتتحت بقالة صغيرة هي طاولة أرص عليها الكثير‬

‫من أدوات الزينة واألطعمة كالبسكويتات والحلويات ‪. )..‬‬

‫سكت المعلم فجأة وتنفس نسمة هوائية باردة‪ ،‬وفي وجهه خليط من الحزن‬
‫عبارته كهطول ديمة بال توقف‪:‬‬
‫ا‬
‫والفرح فجاءت‬
‫‪ -‬شغلت مع صاحب مطعم أحبني كثي اًر فوثق بي وأخذ يعاملني كابنه فاستطعت أن‬

‫اقسم أوقاتي ما بين الدراسة والعمل‪ ،‬بعد أن انتقل صاحب المطعم إلى جوار ربه ظللت‬
‫بال عمل مدة طويلة‪ ،‬كآبة وحسرة وبقايا مشقة وألم حتى عثرت على عمل لدى رجل‬

‫في الثالثين من العمر فعملت معه عامالً في سيارة حافلة كان عمالً شاقاً‪ ،‬استيقظ‬

‫فج اًر‪ ،‬واعمل مساعداً للسائق أجمع النقود من الركاب واغسل الحافلة وأنظف مقاعدها‪،‬‬

‫كنت أتلصص وأذهب إلى المدرسة وهناك أعاقب واخرج فلما أعود إليه يخصم من‬
‫راتبي ويحرجني بكلمات طاعنة مما جعلني اكره نفسي وأسرتي وقبيلتي‪ ،‬بوضوح‬
‫وصراحة لقد نشأت بين أناس مأديين أكثر مما تتصور‪ ،‬حياتي مكبوتة‪ ،‬ليس لها معنى‬
‫وال حرف‪ ،‬حياة موسومة بالكفاح المستمر وأنا احمد اهلل على ذلك)‪.‬‬
‫قطع "سندو" الحديث بحزن عميق‪:‬‬
‫أنت أقوى مما كنت اتصور‪.‬‬‫لم يجب مما جعله يتحدث وهو مدرك ما يقول‪:‬‬
‫‪(-‬كان والدي برغم ما يمتلك من قوة جسدية وشجاعة إال انه قنوع وكنت هزيالً جبان ًا‬

‫ولكنني طموح ‪ ،‬كان والدي يحب العمل ويريد العلم وكنت أحب العلم وربما فضولياً‪،‬‬
‫والدي خلقه اهلل ضخم الجسم‪ ،‬عريض المنكبين وذراعيه كبيرتين كأنهما ساقان من‬

‫أبنوس يتكلم كثي اًر بال توقف ويصمت أحيانا وكأنه تمثال‪ ،‬تمنى أن يراني متعلماً‪ ،‬سرت‬
‫على الدرب بال كبرياء‪ ،‬أبي طيب ومسكين ومتوسط الحال لكنه خالف ذلك شجاع‬

‫ووقور واعتقد أنني اكتسبت شيئاً من صفاته)‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫كان "سندو" يحدق معلمه بنظرة عميقة غائرة‪ ،‬مرت لحظة صمت فأراد االثنان‬
‫الحديث‪ ،‬اضطربت كلماتهما في لحظة واحدة فاعتذر ليواصل معلمه الحديث‪:‬‬
‫الشجاعة ليست أن تحمل سيفك وتضارب بفروسية‪ ،‬هي أن تثابر لتحقيق اهدافك‬‫التي اتخذتها بعزيمة واصرار‪.‬‬
‫أنت رجل عالمة‪.‬‬‫‪-‬لم أقص عليك جزءاً من حياتي بحيث أني رجل عالمة وال رجالً حقق هدفاً كبي اًر إنما‬

‫رأيت فيك حالة شدتني إليك وجعلتني أفضي بكل ما في صدري‪ ،‬صدقني لم احك ألحد‬
‫عن قصتي حتى اقرب الناس إلي‪ ،‬أريدك أن تستفيد من تجارب اآلخرين‪.‬‬
‫لم يتكلم "سندو" ولم يفتح "ياسر" شفتيه مرة ثانية‪ ،‬كان الصمت يخيم على‬
‫المكان فال تسمع غير أصوات الرياح وهي تحرك فروع األشجار وتهز أعواد القصب‬
‫التي وضعت في ردهات البيوت‪ ،‬انعكس الهواء العنيف وجاء النسيم ناعماً‪ ،‬حلواً‪،‬‬

‫فانتعش وقال بصوت ثقيل الحروف‪:‬‬
‫‪-‬ما رأيك بزيارة منزلي؟‬

‫ابتسم "سندو" بدمه الدفيء وظهرت الفرحة على وجهه األسود‪:‬‬
‫يسرني ذلك‪.‬‬‫هيا بنا‬‫نهض "سندو" وسار خلف معلمه‪..‬‬
‫سا ار معاً إلى الجناح األيسر من الحي الشعبي‪ ،‬يمضيان في الدروب المنعرجة‪،‬‬

‫المتسخة‪..‬‬

‫األصيل الذهبي الجميل مثل الضفائر الشقراء ‪ ..‬المساء الساطع يأتي ازحفاً يزيح‬

‫النهار القوي و"ام رقيبة" في مثل هذه االوقات ترقد بين أحضان الصمت والهدوء ‪..‬‬
‫تبدو وكأنها قرية ال حارة في عاصمة‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫‪4‬‬
‫تقبع المدرسة في العاصمة انجمينا على ارض "مرجان دفق"‪ 4‬تأخذ طابع‬
‫المدارس اإلسالمية‪ ،‬مالبس التالميذ موحدة كالجنود والتلميذات يغطين رؤوسهن بتحكم‬
‫بليغ ‪ ..‬حين يدخل المعلمون الفصول تهدأ وكأنها ديار قديمة‪ ،‬مهجورة ‪ ..‬التالميذ‬
‫خليط من القبائل التشادية‪ ،‬من مختلف األلوان واألحجام‪ ،‬ال سن محدد في دفتر‬
‫التسجيل ‪ ..‬صوت الجرس الضئيل يتصاعد في التاسعة صباحاً فيالقي التالميذ‬

‫بائعات البقلو‪ ،5‬والسندوتشات في حالة نشوة ال حد لها ‪ ،‬يتدفقون لشراء اإلفطار‬
‫والمأكوالت المتنوعة من اآليس كريم والبطاطس والكوسي ‪..‬‬

‫يتعالى الجرس مرة أخرى في العاشرة لتختفي األيادي الملتهفة والحاالت المختلطة‬
‫والمرح الصبياني داخل الفصول‪.‬‬
‫جاء "سندو" في التاسعة (وقت االستراحة) فاختلط مع التالميذ مخبئاً كراسته‬

‫داخل سترته ودخل الفصل بتلصص وشيء من الخوف !‬

‫جلس وحيداً فمل الجلوس وأخذته خطاه لمالقاة رفاقه‪ ،‬صغي لصوت المعلم‬

‫يتردد في أذنيه‪ ،‬التفت إلى جهة الصوت فرآه يسترخي على مقعد خشبي والى جانبه‬

‫‪4‬‬

‫إحدى الحارات في العاصمة‬

‫‪5‬‬

‫البقلو‪ :‬البلقاس‬

‫‪18‬‬

‫ثالثة معلمين يرتشفون القهوة‪ ،‬اتجه إليهم مرتبكاً‪ ،‬وقف أمامهم وفي وجهه أسئلة‬

‫وغموض‪ ،‬فحدثه بلهجة عطف قبل أن يحادثه‪:‬‬
‫كنت أود أن آتي واعتذر قبل أن تناديني !‬‫نظر إليه بارتياح وقال‪:‬‬
‫‪-‬هل هناك شيء؟‬

‫لقد تأخرت ولهذا أتيت ألشرح لكم سبب تأخري‪.‬‬‫ابتسم احد المعلمين وقال‪:‬‬
‫أنت داهية مثل معلمك‪.‬‬‫اردف المعلم "ياسر"‪:‬‬
‫‪-‬أنا أيضاً لم أنادك ألنني لم أشاهدك داخل الفصل في الحصص األولى‪ ،‬ال تتعمد‬

‫التأخر مرة أخرى‪.‬‬

‫حاضر يا أستاذ‪.‬‬‫انصرف ليذوب داخل الجمهرة الصبيانية‪ ،‬تغطي المدرسة أشجار النيم والمانجو‬
‫والبان وتبدو رائعة المنظر‪.‬‬
‫يأتي الصباح بلوحة مشرقة جميلة‪ ،‬تختلط النسائم في الفضاء وتمر لحظات المرح‬
‫وتغيب ‪ ..‬يعم الدفء المدينة فتنقلب العاصمة من حالة ركود وكسل إلى حالة حركة‬
‫ونشاط ‪ ..‬تحلق العصافير باغاريدها الصداحة‪ ،‬وتتحرك أوراق األشجار حيث لمسات‬
‫الهواء الطلق‪ ..‬يكثر المارة في الشوارع اليابسة ويروح العمال يظهرون بنشاطهم‬
‫المستمر‪.‬‬
‫(اصحاب البووس)‪ *6‬بعرباتهم الصغيرة‪ ،‬الحطابون بفؤوسهم‪ ،‬البائعون‬
‫المتجولون ببضائعهم المتنوعة ‪ ..‬األغنام واألبقار تروح في الطرقات بثغائها وخوارها‬

‫‪6‬‬

‫البووس عربة يدوية صغيرة ناقلة للبضائع ‪ ،‬وهي كلمة فرنسية األصل‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫وفي االزقة الدجاج ب صياحها والكالب بنباحها مرات تأتي الحمير بنهيقها‪ ،‬واالحصنة‬
‫بصهيلها‪ ،‬كل هذه الحركات تلف المدينة‪ ،‬العاصمة الخضراء انجمينا التي بدأ التصحر‬
‫يجتاحها كسفينة عابرة‪.‬‬
‫وفي المساء عندما يتصاعد صوت المؤذن الى السماء‪ ،‬ويخرج المصلون من‬
‫المساجد تهدأ الضوضاء قليالً قليالً وتظل الدنيا الصغيرة هاجعة في سكون كأنها‬

‫تماثيل من رخام‪.‬‬

‫في صبيحة الجمعة استيقظ "سندو" ونهض يغسل وجهه و يبلل جسده ‪.‬‬
‫غسل الفتى مالبسه وجلس في ردهة البيت بسرواله القصير يذاكر ما طاب له من‬
‫الدروس‪ ..‬أغلق كراساته وهذب نفسه ونهض ينوي زيارة معلمه فإذا بالمعلم يدخل عليه‬
‫فجأة !‬
‫جلس المعلم بكبتانيه‪ 7‬األنيق وتحدث وعروق رقبته مشدودة كحبال سميكة‪:‬‬
‫ القرار الوزاري الذي ينص على االزدواجية قرار غير متكافيء لهذا رفضناه بشدة‪.‬‬‫ ماهو القرار الذي رفضتموه؟‬‫ المواد العلمية كالرياضيات والعلوم تدرس باللغة الفرنسية ‪ ،‬والعربية تدرس كلغة‬‫مثلها ومثل اللغة االنجليزية‪.‬‬
‫تابع المعلم حديثه‪:‬‬
‫ان رئيس الوزراء أصدر مرسوماً ينص على ترجمة جميع لوائح الدولة‪ ،‬قامت بعض‬‫الجهات بترجمة اللوحات واإلعالنات كذلك هناك مرسوم ينص على أن اللغة العربية‬

‫إجبارية في المدارس الفرنسية‪ ،‬والفرنسية إجبارية في المدارس العربية‪.‬‬
‫لم يفهم كثي اًر لكنه تحمس مع معلمه الذي واصل حديثه بطمأنينة‪:‬‬

‫‪َ-َ7‬زيَتشاديَيفصلَمعَسروالهَوهوَلباسَمشهورَفيَأفريقيا‬

‫‪20‬‬

‫البد أن يكون هناك وعي من الطرفين الطرف الفرنكفوني والطرف العربفوني‪ ،‬أن‬‫االزدواجية في حاجة إلى تفهم ووعي كامل‪.‬‬
‫نهض االثنان وخرجا معاً في اتجاه واحد‪.‬‬

‫***‬

‫استيقظ "سندو" عص اًر بعد طرقات متواصلة مزعجة استطاع أن يدرك من خالل‬

‫الطرقات القوية أن الطارق هو صاحب المنزل جاء ليستلم إيجار الغرفة‪ ،‬تجاهل‬
‫طرقاته ورقد على فراشه بال مباالة‪ ،‬إال أن الطرقات المتواصلة جعلته يالقي الرجل‬
‫العجوز بترحاب‪ ،‬جلس على بساطه وقال بصوته األجش‪:‬‬
‫جئت ألتقاضى أجر شهرين متتالين لقد امهلتك فترة كافية عيب في حق الشاب أن‬‫يتثاقل ويتماطل‪.‬‬
‫ادخل يده في جيبه فتبسم العجوز إال انه اخرج منديالً قديماً ومسح عرقه وأجابه‬

‫بابتسامة صفراء‪ ،‬مد العجوز يده إلى براد الشاي فوجده فارغاً أعاده إلى مكانه بقسوة‬
‫واخذ يدور بعينيه الصغيرتين أطراف الغرفة الضيقة‪ ،‬نظراته الحادة المتقلبة أزعجته‪،‬‬

‫حاول خاللها أن يمهد إال انه لم يجد فرصة الكالم‪ ،‬وعندما لفظ "سندو" كلماته ببالغة‬
‫أعجب (علي كرباج) وهو صاحب البيت ببداهته واخذ يهز رأسه هزات متكررة هي‬
‫أشبه بالكلمات المعسولة‪.‬‬
‫انصرف العجوز واتجه الفتى إلى البقالة المجاورة بقالة العم "برمة" اقترض‬
‫بعضاً من األدوات وعاد يعد فنجان شاي‪ ،‬بدأت تراوده عدة أفكار‪ ..‬اإليجار‪ ،‬الدراسة‪،‬‬

‫المعيشة‪ ،‬كلها ترقد أمامه كشياطين متهورة بينما كان يرتشف الشاي دخل عليه صديقه‬

‫"جبريل" بقامته القصيرة وجسمه الممتلئ فاستوى واقفاً يستقبله باهتمام ‪..‬‬

‫الجو هادئ هدوء القرى الصغيرة‪ ،‬السماء صافية وهادئة كبحيرة كبيرة‪ ،‬تجري النسائم‬
‫في اتجاهات متعددة‪ ،‬يخطو المساء على المدينة وتنساب األشعة الناصعة إلى‬
‫‪21‬‬

‫الحارات الشعبية تزحف قليالً قليالً‪ ،‬ظالل وألوان ثم تجثو بكل ثقلها‪ ،‬جاء صوت‬

‫"جبريل" متهدجاً ناعماً‪:‬‬

‫‪-‬آسف على حضوري المفاجئ‪.‬‬

‫وقبل أن يضيف شيئاً آخر قاطعه بابتسامة كبيرة‪:‬‬
‫‪-‬مرحباً بك في أي وقت‪ ،‬فالبيت بيتك‪.‬‬

‫ أيام ولم تظهر؟ ال في بيت "نورالدين ابوسكين" وال عند "عبدالرازق" وال "محمد‬‫كلي"‪.‬‬
‫مشاكل الدنيا‪.‬‬‫أي المشاكل تقصد؟‬‫نحن في الربيع وتتساقط علينا الهموم والشقاء وكأننا نواجه ضغوطات سماوية‪.‬‬‫هل علمت بأن "عبدالرزاق" بدأ يلعب القمار؟‬‫نظر إليه بهدوء وتكلم بثقة‪:‬‬
‫دعه يفعل ما يحلو له‪.‬‬‫أراك تشجعه‪.‬‬‫شاب يلعب لعبة قائمة على التركيز والبداهة‪ ،‬هل هناك عيب؟‬‫أي لعبة تتحدث عنها؟ أحصنة تتسابق في أوروبا ويتم اختيار األوائل عن طريق‬‫الحظ أين التركيز والبداهة؟‬
‫‪-‬أرجو أن تكون أكثر واقعية يا "جبريل" انه يمارس هذه اللعبة فإذا ربح شيئاً اخبر‬

‫أسرته بأنه تحصل على مكافأة مدرسية بذلك تدعمه األسرة وتقدر دراسته‪.‬‬
‫هذا غش ال يمكن أن يفعله شخص كصديقنا "عبدالرزاق" !‬‫دعنا من هذا الحديث‪.‬‬‫تململ "سندو" وقال في اكتراث وضيق‪:‬‬
‫أصبح الفرد منا يعيش كغريب بال وطن وال أهل !‬‫‪22‬‬

‫سكت يق أر عبارته في وجه صديقه‪ ،‬وقبل ان يضيف جملة أخرى دخل عليهما‬
‫"عبدالرزاق" متلصصاً كالظل‪ ،‬حدجه بنظرة حادة وقال‪:‬‬
‫‪ -‬ولد حالل‪ ،‬قبل قليل كنا في سيرتك !‬

‫تحدث "عبدالرزاق" بصوت ناعم طروب‪:‬‬
‫هي أربعة أرقام واختياري لثالثة أرقام صحيحة جعلني اربح بضع فرنكات ولو‬‫وضعت مكان الرقم األخير عشرة بدالً من ثمانية لربحت مبالغ كبيرة‪.‬‬

‫كان يتكلم بال توقف حتى قطع حديثه (جبريل) بعيون شاردة غير آبه بما يقول‪:‬‬

‫لقمة من حرام ال يقبل دعاؤك أربعين يوماً !‬‫رد "سندو" بشيء من الجمود‪:‬‬

‫ال تعقد األمور أنها استراتيجيات مؤقتة‪.‬‬‫كانت الثلة في لغو وثرثرة حتى حل عليهم المساء كضيف ثقيل‪ ،‬وافترق‬
‫األصدقاء ليلتقوا في المدرسة‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫عاد "جبريل" من مسجد بالل (جماعة الخروج في سبيل اهلل)‪ 8‬والهواء منعش‪،‬‬
‫اخرج مالبسه من الغرفة وألقاها في طست كبير‪ ،‬تناول الدلو من يد أخيه الصغير‬
‫واستخرج ماء من البئر‪ ..‬غسل قطعتين من المالبس فحملته ذاكرته إلى عبارة "سندو"‬
‫((في الدول األخرى ترمي الناس مالبسها داخل جهاز آلي وبعد خمس دقائق تأخذ‬
‫مالبسها نظيفة)) ضحك لغرابة العبارة وشعر بمتعة تسري داخله ورأى نفسه للمرة‬
‫األولى يتشجع على أن ينافس أصدقاءه في االمتحانات المدرسية ليأتي من العشرة‬
‫األوائل‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫‪-‬يعرفون بجماعة االحباب‬

‫‪23‬‬

‫جاءت شقيقته تعينه في غسل مالبسه‪ ،‬تركها متجهاً إلى غرفته ما بين إرهاق وكسل‬

‫‪ ..‬جلس بخشوع و تناول القرآن الكريم واخذ يتلو من سورة مريم ‪ ..‬ترك التالوة عندما‬
‫صغى إلى طرقات خفيفة على الباب أشبه بحجارة صغيرة اصطدمت اثر رياح ثائرة‬
‫فصاح بفرحة كبيرة‪:‬‬
‫ادخل يا "سندو" ‪..‬‬‫دخلوا ثالثة في مقتبل العمر‪ ،‬احدهم طويل القامة واآلخر قصير ممتلئ كالبطريق‬
‫والثالث قصير ونحيل تبدو عظام صدره بارزة وملتوية على شكل أقواس ‪ ..‬قام‬
‫يستقبلهم ببشاشة‪ ،‬تحسس أياديهم فكانت باردة وناعمة وفي أصواتهم لذة ورقة‪ ،‬جلس‬
‫يتوسطهم‪ ،‬فقال احدهم وفي صوته رنين طبيعي‪:‬‬
‫أخشى أن ال تذكرنا !‬‫رد بهدوء واستلطاف‪:‬‬
‫كيف ال أتذكركم وأنتم الذين شجعتموني على الخروج في سبيل اهلل الى ضواحي‬‫العاصمة‪.‬‬
‫تدخل فرد آخر من الشباب الثالثة‪:‬‬
‫بارك اهلل فيك‪..‬‬‫جاء أخوه بالقهوة‪ ،‬أخذت الثلة تتناقش في أمر الدين والدنيا حتى قرروا االلتقاء‬
‫في مسجد بالل‪.‬‬
‫وفي ضواحي انجمينا ‪ ..‬في منطقة "والية"‪ *9‬يختلط المسلمون والمسيحيون في‬
‫منازل واحدة ويشتركون في تعاملهم‪ ،‬في تجارتهم‪ ،‬في مدارسهم حتى في بعض‬
‫العادات‪ ،‬وفي مسجد يقع طرف المنطقة‪ ،‬أقام جماعة الخروج في سبيل اهلل خيامهم‪،‬‬

‫‪9‬‬

‫والية هي حارة تقع في جنوب العاصمة‬

‫‪24‬‬

‫يرشدون الناس ويعظوهم ‪ ..‬يسمع "جبريل" ويشاركهم في الخدمة‪ ،‬كانت حياتهم‬
‫بسيطة‪ ،‬حلوة‪ ،‬شاقة‪.‬‬
‫انتشى بعد تناول الغداء وأخذت المحبة تدخل في أعماقه كما تدخل الشجرة‬
‫جذورها في عمق التربة‪ ،‬ثالثة أيام عملت خاللها الجماعة وعادت إلى موطنها‪.‬‬
‫استلقى على سريره وراح في نوم خفيف ‪..‬‬
‫خرج عقب صالة المغرب متجها لمالقاة رفيقه "ابوسكين" ‪...‬‬
‫وجده بصحبة "سندو" يلعبان الورق‪ ،‬حدثه "ابوسكين" بلغة الواثق‪:‬‬
‫هل هذه اللعبة حرام أم حالل؟‬‫أجابه بأدب‪:‬‬
‫سألعب مع الفائز‪.‬‬‫***‬
‫مرت األيام سريعة باهتة للفتى "سندو" اعد نفسه لصالة الجمعة فهو يكره أن‬
‫تفوته الصالة‪ ،‬دخل عليه المعلم فحمل الفتى جسده الهزيل واقفاً بأدب ووقار باسطاً‬

‫كلتا يديه وجلس قربه بخشوع وكأنه يتعبد‪ ،‬كان القلق من الداخل يجتاحه‪ ،‬قتلت الحسرة‬

‫روحه البيضاء فشعر بنكبة‪ ،‬بألم‪ ،‬بغثيان يفتته من الداخل فأحس بأنه جرثومة حقيرة‬
‫في هذه المدينة فتجمد يستمع الى معلمه ثم نهض يكرمه بكوب ماء‪.‬‬
‫الصمت يلفهما‪ ،‬تمنى أن يقدم له ضيافة الئقة‪ ،‬لعن قدره وحظه ثم استغفر‪ ،‬وبدأ يفكر‬
‫في أشياء كثيرة حتى قطع حبال أفكاره صوت المعلم المخشخش‪:‬‬
‫‪-‬ال اعرف فيما تفكر دائماً‪ ،‬دع األمور هلل‪ ،‬كن قنوعاً‪ ،‬أن رحمة اهلل واسعة‪ ،‬أنت اآلن‬

‫فتى أمامك الشباب فال تدع الشيطان يقيدك ويسيطر على روحك‪.‬‬

‫تغيرت مالمحه وارتسمت البسمة الصغيرة على ثناياه‪ ،‬وتوردت وجنتاه فتمالك‬
‫أعصابه وقال‪:‬‬
‫اعتقد أن الحفلة اليوم أليس كذلك‪.‬‬‫‪25‬‬

‫ضحك المعلم وشعر بارتياح وهو يرد‪:‬‬
‫أنها فرحة صغيرة على نجاح ابني في الشهادة المتوسطة‪.‬‬‫‪-‬لم أكن اعلم بأن لك ابناً يجهز للشهادة‪.‬‬

‫الكثير ال يعلم ذلك أن ولدي في سنك عند أخي الكبير‪.‬‬‫‪-‬اال تحس ألماً في فراقه؟‬

‫أن شقيقي لم يرزق بمولود لهذا أحس بأني قدمت له عمالً جليالً‪.‬‬‫صمت ثم قال فجأة‪:‬‬

‫لماذا الحياة مملة يا أستاذ؟‬‫هنا أجابه المعلم بدهشة بالغة‪:‬‬
‫ما يجعلني استغرب أن روح المقاومة والصبر مفقودة عندك‪ ،‬خذ األمور ببساطة وال‬‫تعطي الدنيا اكبر من حجمها فهذه الحياة التي تحياها ستكون لك ذكريات فنحن جميعاً‬
‫مررنا بها ال تستسلم أمام تيار الحياة فأنت ما تزال في مقتبل العمر‪.‬‬
‫لم افهم كلمة مقاومة !‬‫من يسمع صوتك ولم يراك ظن بأنك في الثالثينيات‪ ،‬أن المستقبل أمامك كبير وأنا‬‫متفائل بأنك ستكون صاحب شأن كبير‪.‬‬
‫أشكرك يا أستاذ‬‫نهضا والجو شديد الح اررة والطقس حار‪ ،‬والمدينة غامضة هذه المرة‪ ،‬واألشجار‬
‫ساكنة والسماء صافية‪ ،‬الطيور تختبئ في أوكارها إال بقايا طيور جارحة تلف السماء‬
‫بعيدة تنظر وجه األرض‪ ،‬ال احد غير هواء دافئ وشمس حارة تصب أشعتها بغضب‬
‫وتهور‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫‪6‬‬

‫كان الفتى "سندو" يسير نشطاً‪ ،‬يقفز مجرى مائي ًا قذ اًر في الوقت الذي لمح‬

‫صبية صغا ار يجلسون على الطريق ويتبرزون فوق أكوام األوساخ‪ ،‬تجاهلهم‪ ،‬قطع‬
‫مسافة قصيرة حتى رأى مجموعة صبية يلعبون كرة القدم‪ ،‬يعومون وسط غبار كثيف‬
‫وكرتهم الصغيرة تتدحرج فيتبعونها بهيجان‪ ،‬كان بعضهم يصيح منفعالً والبعض اآلخر‬
‫يصرخ وهناك من يضحكون ومن يئن اثر إصابة خدشت ساقيه وكانوا يتلقبون بأسماء‬

‫كبار الالعبين‪ ،‬وفيهم من يقف خارج الدائرة يشجع ويهمس وكرتهم التي هي مجموعة‬
‫جوارب وأكياس تدور في هذه الدوامة فتتفكك ثم تعاد الى الميدان مرة أخرى ‪ ..‬كل هذه‬
‫الضوضاء مر من أمامها ليحيي شباب الحي الكبار‪ ،‬يجلسون على الكنبة يصغون‬
‫"إذاعة أفريقيا رقم واحد" ‪ ،‬دخل غرفته وهو يفكر في حلق شعره ‪ ،‬اخرج جواربه القديمة‬
‫فاح منها رائحة كريهة وضع حذاءه في موضع مناسب ‪ ..‬وقبل أن يجلس دخل عليه‬
‫بائع الماء (الساقي) يحمل على كتفيه عصاة طويلة تتدلى من طرفيها سلسلة سميكة‬
‫يعلق عليها صفيحتين من صفائح الزيت أو الجبن‪ ،‬فرغ له الماء وغادره دون أن‬
‫يحدثه‪ ،‬اخذ يعد نفسه لالستحمام على طريقة السطل البدائية‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫داهمه صبي صغير بال استئذان واخبره الصغير بأن " نف اًر " ينتظره في الخارج‬

‫‪ ،‬نهض يتبع خطى الولد الصغير فرأى صديقه "محمد كلي" على دراجته النارية ماركة‬
‫"سقلو" ‪ ،‬فأمر صديقه بلهجة الدبلوماسي أن يتفضل إال أن اآلخر أبدى له فكرة أعجب‬
‫بها ‪ ..‬عاد الى الداخل وخرج مرحاً بشوشاً‪ ،‬جلس رديفاً خلف صاحبه‪ ،‬نزل مرة أخرى‬

‫وانحنى رفيقه يصلح عطالً فيها ثم اسند ماكينتها على رجليها واخذ يدير محركاتها‪.‬‬

‫صعدا وتحركت عجالتها ببطء تهبط الحفر وتصعد التالل الصغيرة‪ ،‬تتعرج وسط‬

‫التربة الرملية وتهدأ في سيرها‪.‬‬
‫توقفا في منطقة محاطة بأشجار المانجو‪ ،‬استقبلهم الحارس مبتهجاً وراحاً‬

‫يجلسان على بساط النيلون وقبالهما يجلس الحارس القرفصاء وبين الثالثة كان البراد‬
‫فوق (الكانون) تحته جمرات مشتعلة‪.‬‬

‫الجو لطيف والحديقة رائعة عذبة غناء مترعة بهواء بارد ينثر سح اًر ممتعاً ال‬

‫يحمل جنادل وال روائح كريهة والحارس يتكلم بشيء من اللباقة‪:‬‬
‫هل تستطيعون تناول الشاي الذي أعده أم تعداه بطريقتكما؟‬‫اضطرب "سندو" وأجابه مرتبكاً‪:‬‬
‫‪-‬طاب ما أعددته‪.‬‬

‫التفت "محمد كلي" موجهاً حديثه الى رفيقه‪:‬‬

‫انه عبدالرحمن "ابيسو" حارس المزرعة ثم انه من أهلي وعشيرتي‪ ،‬صب لهما الشاي‬‫في الفناجيل وقدمها على سفرة قديمة‪ ،‬تناوال الفنجان بروح فياضة وراح "ابيسو" يرتشف‬
‫الشاي بلذة بينما لم يستطع الرفيقان ارتشافه فالشاي يخلو من السكر‪ ،‬هنا فهم الرفيقان‬
‫السؤال الذي طرحه "ابيسو" قبل أن يعد الشاي‪.‬‬
‫نهض الحارس بعد ألي وطاف المزرعة بكيس ازرق وجلب لهما مجموعة من‬

‫ثمرات المانجو‪ ،‬أحضرت زوجته الماء وجلست جاثية على ركبتيها احتراماً‪ ،‬بعد‬
‫ارتشاف الشاي كان الرفيقان ينويان المغادرة بينما تشجع الرجل الكبير على أن يفتح‬
‫‪28‬‬

‫لهما قلبه وذكرياته‪ ،‬نفرت عروق وجهه وجحظت عيناه‪ ،‬فحك شعراته البيضاء وقال‬
‫مستلذاً‪:‬‬

‫‪ " -‬كان ذلك قبل استقالل البالد وقتها كنت شاباً قوياً لقد مرت األيام سريعة أول يوم‬

‫أضع فيها قدمي على العاصمة كان يوم خميس تختلف الحياة تماماً عما نحن عليه‬

‫اآلن‪ ،‬انجمينا آنذاك كانت "فورت المي" محصورة في خمس حواري سكانها قليلون من‬
‫قبائل معدودة‪ ،‬جئت من قريتي ألسكن في غرفة صغيرة‪ ،‬في تلك األيام كان إيجار‬
‫الغرف بأسعار ال تتجاوز المائة فرنك سيفا وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية‬
‫هاجر بعض من رفاقي الى حماية فرنسا لقد استشهد بعضهم في سبيل قضية ربما‬
‫ليست قضيته‪ ،‬بعد االنتصار منحت البالد استقاللها تعويضاً عما جرى لشبابها ‪ ،‬لم‬

‫أكن ممن شاركوا في حرب تحرير فرنسا لكنني ممن لعبوا دو اًر هاماً في بناء مطار‬

‫انجمينا الدولي‪ ،‬عندما التقيت بجون الفرنسي كان ثائ اًر كالثور جسيماً فمن شاهده راقداً‬

‫ظن بانه فيل صغير ‪،‬عيناه زرقاوان قليالً وأذناه مفلطحتان كجناحي طائر جارح‪ ،‬انفه‬
‫طويل وحاد ‪ ،‬شفتاه تغيرت من االحمرار الى لون التراب من اثر استعمال الغليون " ‪..‬‬
‫صمت الرجل الكبير للحظات وقال‪:‬‬
‫ أضف الى الشاي كمية سكر‪.‬‬‫قاطع "سندو" الذي أراد التدخل في حديثه‪:‬‬
‫ " حاولت أن التقي به وبالفعل تالقينا بلهجة عنف‪ ،‬وطلب مني أن أتقدم واقف قربه‬‫فتحركت بثقل صاح صيحة أرعشت بدني فتسرعت في خطواتي حتى ال يتهمني‬
‫بالعجز والكسل اقترب مني أكثر وقال بعينين ناعستين (تريد عمالً أم تريد سرقة‬

‫معداتنا) أجبته باحترام (أريد عمالً) اردف بابتسامة ساخرة وهو ينظر الى جهة أخرى‬

‫(ماهي ديانتك ايها الشاب؟) اجبته بال تردد (مسلم الديانة) قال (نحن هنا نبدأ في‬

‫السادسة صباحاً وننصرف في السادسة مساء) قلت (حاضر) فرد منفعالً (قل حاضر‬

‫يا سيدي) قلت بصوت غيلظ (حاضر يا سيدي) وأضفت (وكم يكون اجري ؟!) أن‬
‫‪29‬‬

‫مثل هذا السؤال يعني فرض رأي وفرض رأي عليه تعني جريمة لذا صاح منفج اًر‬

‫(عليك أن تعمل فقط ومن حقك ان تجيب ال أن تسأل‪ ،‬مفهوم؟) قلت (مفهوم يا سيدي)‬
‫يبدو أن إجابتي أراحته كثي اًر لذا قال بصوت هادئ (ستأخذ راتب قدره ألف فرنك سيفا‬

‫يومياً) كم فرحت ليلتها ولم انم ‪ ،‬أن هذا المبلغ يعد كبي اًر في ذلك الوقت فإذا كانت‬
‫المصروفات اليومية خمسين فرنكاً لكل أسرة فكيف ال يكون أجري مغرياً‪.‬‬

‫صمت "ابيسو" وهبط النسيم الساحر على المنطقة المشبعة بالندى والخضرة‪،‬‬

‫ال‪:‬‬
‫ارتشفوا الشاي فتحمس الفتى "سندو" قائ ً‬
‫‪-‬وماذا بعد يا عم "ابيسو"؟‬

‫ " مسكت المعول قبل بزوغ شمس الصباح وبدأت العمل‪ ،‬وكنت أتجاهل القيود‬‫وأودي فريضة الصالة وهذا ما جعل السيد "جون" يعطيني ثقة كاملة ألنه في أحدى‬
‫المرات ثار في إثناء ما كنت أتوضأ ثم صرحت بأنني سأترك العمل إذا كان هذا العمل‬
‫يعيق صلواتي وعبادتي‪ ،‬ربي فوق كل شيء‪ ،‬لمحت أن وجهه أشرق وتبسم انه يحب‬
‫الرجل العابد رغم انه ال يدين بديانتي‪ ،‬جاء دوري بعد ستة اشهر على تعلم إدارة‬
‫(الت ركتر) فتعلمتها بدون صعوبة وهذا ما جعل "جون" يمنحني عالوات وهدايا‪ ،‬عندما‬
‫اكتمل البناء طلب مني أن اصحبه الى أفريقيا الوسطي لكنني فضلت حياة الشباب‪،‬‬
‫فالمال عندي وكذلك الصحة غادرت الى السودان وليبيا والغابون وساحل العاج‬
‫والكمرون ونيجيريا ثم فضلت االستقرار في بالدي ومن نصائحي لكما عدم ترك‬
‫الدراسة والصالة "‪.‬‬
‫في اللحظة التي صمت فيها "ابيسو" كان "سندو" يستمع الى القصة باهتمام‬
‫و"محمد كلي" يغط في نوم عميق‪ ،‬أيقظ رفيقه وفارقا الرجل الكبير‪.‬‬
‫وصال "أم رقيبة" وسط ظالم بهيم‪ ...‬اقتسما المانجو وتفرقا‪.‬‬
‫خربشات البرد تخطط فوق بشرته السوداء بقعاً بيضاء‪ ،‬فتدثر تحت لحافه القديم يعاني‬

‫الهواء البارد ومن خالل النافذة المستطيلة كان يرنو الى القمر الساطع فتذكر أمه‬
‫‪30‬‬

‫الحنونة‪ ،‬تذكر القرية ‪ ،‬تذكر الطفولة‪ ،‬رائحة المطر على الحقول وطعم العصيدة‬
‫بالسمن فدخلت في روحه الطمأنينة ونام نومة عميقة وراحت يد الهواء تطفي نور‬
‫قنديله فانطفأ يوماً كامالً‪.‬‬

‫أشرقت شمس الشتاء الدافئة وأعلنت ميالد يوم جميل‪ ،‬كانت السماء تلوذ‬

‫بالوداعة والصفاء ثم أصبحت العاصمة بعد ساعات تلفها رياح همجية تحرك أوراق‬
‫الشجر بعنف حيناً و ضباباً ‪ ،‬ومرة أخرى صفاء‪.‬‬

‫كانت الوجوه السوداء تحمل تجاعيد حزينة وشقوقاً بارزة‪ ،‬تغيرت البرامج اليومية‬

‫وتغيرت المالبس الى مالبس صوفية‪ ،‬وتغيرت ألوان األشجار والبحر‪ ،‬في الواحدة‬

‫والنصف ظه اًر يبدو المعلم "ياسر" أمام ضيفه قلقاً فمالمح وجهه تحمل عدة معاني‪،‬‬
‫يجلس الضيف على المقعد متكئاً واضعاً ساقاً على ساق ‪ ،‬لم يتجاوز الثالثين من‬
‫العمر ‪ ،‬اسمر البشرة‪ ،‬تتدلى شواربه الطويلة كالقوس‪ ،‬يحجب عيناه الصغيرتان بنظارة‬
‫سوداء نزلت على انفه الصغير وكأنهما صنعت لعينيه الصغيرتين فقط‪.‬‬
‫تململ المعلم وهو يحمل القهوة من يدي ابنته ويقدمها لضيفه‪ ،‬و"سندو" يحدج‬
‫سيقانه التي تشير الى سيقان رياضية ‪ ،‬تنحنح واتكأ على الكرسي مرة أخرى وهبوب‬
‫الصمت يلف المكان ويجعل المجلس في سكون و"سندو" ينظر الى وجهه وكأنه رأى‬
‫الرجل من قبل‪ ،‬قدم المعلم القهوة موجهاً خطابه الى تلميذه "سندو"‪:‬‬

‫ انه "حسن مؤمن" كان معلم في المدرسة ربما تذكره‪ ،‬كان يعلم الحساب كما انه‬‫قريبي من جهة والدتي‪.‬‬
‫عرفته‪.‬‬‫قالها وهو ال يذكر أحداً بهذا الشكل كل الذين كانوا يعلمون الحساب يتذكرهم ومازال‬

‫طيفهم ال يفارق خياله يبدو انه التقى به في مكان آخر‪ ،‬تعرف باألستاذ ودار بينهم‬
‫حوار شيق ومن خالل عباراته أعجب بشخصه‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫أعدت ابنة المعلم األباريق ونهض "حسن مؤمن" يتوضأ وخلفه المعلم وتلميذه‪،‬‬
‫تقدمهما وصلى صالة فيها خشوع وطمأنينة وراح الضيف يحكي قصصاً شاهدها خارج‬

‫الوطن فالتقطتها مسامعه فقد كان حلو الحديث يعرف كيف يستخدم الكلمات ثم نهض‬

‫ال عن الفتى ثم عادا والتفت‬
‫وتحدث جنباً مع المعلم في موضوع يهمه مبتعدان قلي ً‬
‫"حسن مؤمن" إليه وقال بصوت مبحوح خفيض‪:‬‬
‫يبدو انك تحب الحياة‪.‬‬‫أجابه بارتياح‪:‬‬
‫وهل يوجد من يكره الحياة؟‬‫نعم يوجد من فهم الحياة وتعامل معها بزهد ‪ ،‬قل لي ماذا تعني لك الحياة؟‬‫تلعثم وأجاب متمتماً‪:‬‬

‫‪-‬ال اعرف وأنت ماذا تعني لك؟‬

‫ابتسم ورأى في وجهه براءة ناهدة تشرق من بين محياه تطفوا وجهه بتأمل ‪ ..‬أجابه‬
‫بثقة‪:‬‬
‫ تعني لي كل شيء‪ ،‬تعني ربما السعادة‪.‬‬‫شالل من النسيم يتدفق على المدينه‪ ،‬شهوة األشجار لهذا النسائم قوية‪ ،‬خرج‬
‫"سندو" يغادرهما الى بيت والده‪ ،‬ينظر الى السماء فتمنى لو أنها بحيرة كبيرة يعوم فيها‬
‫بال انقطاع‪ ،‬األرض تفوح بنكهة حلوة تذكره أيام القرية ‪ ..‬تذكره أيام فالحة األرض وهو‬
‫يقف خلف أبويه يلعب بالتراب واألرض المبتلة كجزيرة خضراء تكاد أن تطمس في‬
‫عمق البحر‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫الوقت مساء ‪..‬‬

‫‪32‬‬

‫والرفاق يتقدمهم "سندو" الى صالة عرض (شهرزاد) المطلة على السوق الكبير‪ ،‬رغم‬
‫أنهم ال يحبون السهرات المتأخرة إال أنهم فضلوا أن يقضوا الليلة في السينما ولو لوقت‬
‫متأخر من الليل‪..‬‬
‫كان الجو حا اًر عندما دخلوا من البوابة الصغيرة‪ ..‬ارتصوا على المقاعد وأنظارهم‬

‫مصوبة على الجدران الصماء‪ ،‬جلس قربهم رجل يرتدي مالبس عسكرية‪ ،‬اتكأ الجندي‬
‫وعيناه تجوس في الوجوه‪ ،‬مر من قربهم شاب صغير يحمل في يديه منديالً مبلالً‬
‫بالبنزين يستنشقها بمتعة‪ ،‬ثمة عوالم تدور حوله مما جعل الجندي يظن أن الرائحة‬
‫قادمة من "سندو" فنهره وشتمه فكان يتكلم وفي صوته رعب‪ ،‬منظره وهو يرتدي البدلة‬
‫الرسمية في هذا الليل البهيم توحي بالرهبة‪ ،‬فرد "جبريل" بلغة المدرك لألمور‪:‬‬
‫احترم نفسك‪..‬‬‫صاح الجندي في وجه الشلة باحتقار مصوب سبابته تجاه "جبريل"‪:‬‬
‫عليك بالصمت‪ ،‬وأال ألكلت التراب‪.‬‬‫ظنت الشلة أن الجندي مخمور ولهذا دعم "جبريل" قوله‪:‬‬
‫اهلل يهديك‬‫قام الرفاق واحتلوا موقعاً آخر أكثر هدوءاً ‪ ..‬بعد فلم طويل العرض‪ ،‬خرجوا‬

‫متجاوزين الزحام وفي الطريق كان حديثهم محصور في الفلم وفي الجندي‪ ..‬انقسم‬
‫الخمسة الى قسمين‪ ،‬وشقا طريقهما والهالل نحيل أشبه بالخنجر‪.‬‬
‫في اليوم التالي ‪ ..‬كان اليوم عادياً ‪ ..‬عندما عبر "سندو" الدروب المترامية في‬

‫طريقه من المدرسة‪ ،‬لفت انتباهه مجموعة أبقار تسير على شكل أربعة قطعان والغبار‬
‫يمأل الشارع‪ ،‬روائح األبقار تحمله الى أيام الطفولة‪ ،‬كان المارة منزعجين ساخطين‬
‫على المشهد‪ ..‬كان يشم رائحة األبقار كأنه يشم عطرا‪ ،‬تذكر الطفولة األولى‪ ،‬والصبا !‬
‫‪ ..‬اتجه الى حي "انبستنا"‪ ،‬لف المنطقة يبحث عن منزل ضل وصفه وقف أمام بقالة‬
‫صغيرة‪ .‬سأل صاحبها على أن يرشده الى دار األستاذ "حسن مؤمن"‪ ..‬عبر ثالثة‬
‫‪33‬‬

‫منازل حتى دخل بيتاً فاخ اًر تنبت األشجار أمامه وتقف مستقيمة كالحرس ‪ ..‬انزوى الى‬
‫الداخل‪ ،‬دارت عيناه الرقراقة ارجاء الغرفة ذات االثاثات الفاخرة‪ ،‬تأملها بمهل فرأى أن‬

‫غرفته في حارة "أم رقيبة" ما هي إال وكر عنكبوت‪ ،‬قام الرجل وحياه وقبل أن يتبادال‬
‫الحديث دخل عليهما شاب في األربعين من العمر‪ ،‬قصير القامة ترسو البقع البيضاء‬
‫على مؤخرة رأسه وآثار الصلع في جبهته غيرت من مالمحه‪ ..‬قال "حسن مؤمن"‬
‫بلهجة عامرة بالعطف‪:‬‬
‫‪-‬نبدأ العمل أم تأخذ قسطاً من الراحة؟‬

‫أجاب الشاب األصلع‪:‬‬
‫‪-‬نبدأ لنكسب الوقت‪.‬‬

‫قام "حسن مؤمن" ليعود بعد لحظات يحمل في يديه ورقتين كبيرتين تشبها‬
‫الوسائل التي يستخدمها أبناء المدارس كجرائد حائطية‪ ،‬فتح الورقتين أمام ناظريهما‪،‬‬
‫فكانت هندسة معمارية لمدرسة ابتدائية وأخرى لمسجد وقال‪:‬‬
‫ان العمل يرتبط بهاتين الورقتين‪ ،‬وهناك أوراق أخرى من جهات رسمية قد تعينكما في‬‫العمل‪ ،‬أنني واثق من نجاحكما‪.‬‬
‫أجاب الشاب األصلع‪:‬‬
‫اتفقنا‪.‬‬‫قال جملته هذه وغادر الجلسة ‪ ..‬ظل "سندو" بصحبة رفيقه الجديد يتبادالن‬
‫أحاديث شيقة‪ ..‬اخرج له ورقة نقدية من فئة الخمس آالف فرنك سيفا وقدمها هدية‪،‬‬
‫حاول جاهداً عدم أخذها فلما ضغط عليه الرجل أخذها ووضعها في جيبه وفي داخله‬
‫فرحة ودهشة‪.‬‬

‫جاء مساء اليوم التالي فضفاضاً وكان الطقس بارداً عندما رفع "سندو" عينيه‬

‫يحدق في األفق البعيد‪ ،‬مرت في الفضاء الرحب أسراب طيور البجع ذات البياض‬

‫الناصع تأخذ طريقها الى اتجاه الغروب في شكل رسوم وأشكال فخاطب روحه (سيكون‬
‫‪34‬‬

‫اليوم يوم راحة وسالم) هكذا يعتقد الصبية األفارقة عندما يرون أسراب طيور البجع‪،‬‬
‫أخذته خطاه الى حارة "انبستنا" ليلتقي برفيقه الشاب األصلع القصير وانطلقا يحمالن‬
‫األوراق وا لمستندات تاركين الرفيق "حسن مؤمن" يغط في نوم عميق ‪ ..‬دخان يتصاعد‬
‫الى السماء ويغطي برائحته الكريهة الدروب واألجواء‪ ،‬زوبعة من الغبار تأتي وتأتي ثم‬
‫تتفرق كسرب الجراد‪.‬‬
‫يلتقيان بمجموعة من التجار ويتسلالن الى فيال التاجر "ياسين احمداي" احد‬
‫المشهورين بالسخاء استقبلهما بحفاوة في صالونه الفاخر وتركهما على ان يعود بعد‬
‫لحظات‪ ،‬اللحظات تتحول الى دقائق والدقائق تتحول الى ساعة‪ ،‬ساعة كاملة ولم‬
‫يحضر‪ ،‬ارتشفا آخر ما تبقى في صبارة القهوة واخذ الشاب يرصد مالمح ابن التاجر‬
‫فدخلت الشرطة وتم القبض عليهما‪ ،‬مرت ثالثة أيام متتالية عاد فيها بوجه شاحب‪،‬‬
‫محمالً بالقلق واالضطراب‪ ،‬اكتشف أمرهم وتبين أنهما يحمالن خارطة لمسجد ومبنى‬
‫تعليمي بغرض إكمال البناية بالتبرعات‪ ..‬وحين علم المعلم بهذا الخبر رأى المتاهات‬

‫واضحة في مالمحه وراح يعاتبه بلطف بينما رفاقه الذين بحثوا عنه في البيت وأماكن‬
‫جلوسه والفيديو المسائي سموه رجل أعمال فاشل فاعتبرها خطيئة عابرة‪.‬‬
‫****‬
‫حل المساء بأصيله الزيتي وارتدى "سندو" الجلباب واتجه بصحبة "جبريل" الى‬
‫المسجد وفي رحاب الجامع اتجها صوب برميل كاشف الغطاء مملوء بماء عذب‬
‫صاف تعوم في لبه كأس بالستيكية‪ ،‬تناوال من األرض المبتلة كوباً من أكواب الطماطم‬

‫الفارغة التي تحولت مع مرور األيام الى أباريق‪ ،‬بعد فريضة المغرب خرج من الصف‬

‫األمامي رجل يبدو في الستين من عمره‪ ،‬مالمحه تشير الى انه من دولة باكستان‪،‬‬
‫الوقار‪ ،‬الخشية واضحة في تجاعيد الكبر وسيماء السجود تقع وسط جبهته بارزة فقال‬
‫بصوت حلو‪:‬‬
‫‪35‬‬

‫أن اهلل لم يخلقنا عبثا لنأتي الكرة األرضية نلعب ونمرح ثم نتركها كما جئنا منها ال‬‫تغركم الحياة الدنيا فما هي إال لحظات تنتهي وتزول‪.‬‬
‫دعم قوله بآية من القرآن الكريم‪:‬‬
‫يقول سبحانه وتعالى‪(( :‬وما خلقت الجن واالنس إال ليعبدون))‪.‬‬‫كان "سندو" ينظر إليه بقوة فواصل التحديق في وجه الرجل الوقور ليرصد‬
‫مالمحه المتغيرة من حين آلخر ‪ ..‬تابع كالمه وهو يرمي بنظراته المتحولة الى‬
‫صفوف المصلين‪:‬‬
‫أنني ادعوكم الى الخروج للدعوة في سبيل اهلل وأنني أقف أمامكم ألرى الذين لهم‬‫رغبة في الدعوة‪ ،‬يقول الرسول صلى اهلل عليه وسلم (بلغوا عني ولو آية)‪ ،‬فمن منكم‬
‫يستطيع أن يخرج في سبيل اهلل لمدة أربعين يوماً‪.‬‬

‫ال احد يتكلم وال إشارة تأتي من المصلين بعضهم ينهض تاركاً المسجد‬

‫وبعضهم اخذ يزحف بجسمه ليقترب من الشيخ فأردف الرجل الوقور‪:‬‬

‫إذا كانت األربعين كثيرة فمن يستطيع الخروج الى الدعوة لمدة عشرة أيام؟‬‫رفعت قلة أياديها كما يفعل تالميذ المدرسة االبتدائية حباً في اإلجابة ‪،‬أكمل‬

‫الشيخ لمحدثيه وهو يتصبب عرقاً‪:‬‬
‫‪-‬ثالثة أيام‪.‬‬

‫رفعت ثلة أخرى أياديها وارتصوا بجانب فئة كانت تقعد في المسجد ثم تم‬
‫االنصراف ليلتقوا في الموعد المتفق عليه‪..‬‬
‫يأتي الصباح دافئاً تتناثر الغيوم على الفضاء وتبزغ الشمس صفراء منعشة‪ ،‬تلمس‬

‫المدينة رياح باردة تنساب عذبة وتجري كنهر فيضاني ‪ ..‬وفي منطقة (فرشة) حيث‬
‫تبعد سبعة كيلومترات أو ثمانية عن العاصمة‪ ،‬يدخل جماعة الخروج مسجداً عمالقاً‬

‫جميالً تبدو صورته من الداخل كأنه قصر ملكي ذو نقوش فارسية ‪ ..‬وضعوا متاعهم‬
‫واتجهت فرقة أخرى الى مسجد صغير في ضواحي الحارة وقبل أن تطأ أقدامهم عتبة‬
‫‪36‬‬

‫الباب طردوا من قبل بعض المتصوفين المتشددين الذين اعتقدوا بأنهم من السلفيين‬
‫فاتجهوا الى مسجد آخر يقع في زاوية بيت جميل حيث الوعظ واإلرشاد‪.‬‬
‫في العاشرة مساء كانت السماء مظلمة إال من بقع صغيرة بيضاء تبدو رائعة‬
‫أشبه بلوحة تشكيلية‪ ،‬انقسمت المجموعة الى فرقة تقوم بطهي الطعام وأخرى تذاكر‬
‫دروسها مع ثلة من أهل المنطقة و "سندو" ظلت عيناه يطويهما جفن فأخذته غفوة نوم‬
‫عميق‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫‪8‬‬

‫كان الجو مسحو اًر والطقس شتوياً وهناك غيم قليلة عالق في فضاء اهلل‪ ،‬هب‬

‫"سندو" من نومه مذعو اًر كمن اقترف إثماً كبي اًر ونهض مذهوالً يقف بترنح‪ ،‬خلع سرواله‬

‫ال اخ ار‪ ،‬ترك حجرته ليغسل جسده النحيل‪ ،‬عاد يحملق في أركان‬
‫القصير وارتدى سرو ً‬

‫الحجرة فرأى من خالل النافذة أن جميع أبواب جيرانه مغلقة‪ ،‬التاجر‪ ،‬وصاحب البووس‬

‫والحطاب كلهم عمال إال هو طالباً‪..‬‬

‫رفع الوسادة وتناول بنطلونه وقميصه المدرسي كالعادة وخرج من المنزل وفي يديه‬

‫يحمل كراستين‪.‬‬
‫وصل في تمام موعد الفسحة‪ ،‬دخل باحة المدرسة حريصاً بخطوات تلصصية‪،‬‬

‫ال إخفاء ارتباكه‪،‬‬
‫دخل الفصل كرجل يدخل في مغارة مظلمة‪ ،‬صافح أحد زمالئه محاو ً‬

‫حجرة الفصل تخلو إال من ثالثة أفراد كانوا يحاولون حل تمارين الرياضيات‪.‬‬

‫تقدم نحو الكنبة الثالثة‪ ،‬اخرج من درجها كراسة الزميل "ابا عمر" احد الطالب‬
‫المتفوقين‪ ،‬اقتبس الحلول وأعاد الدفتر الى مكانه‪ ،‬خطى ثالثة خطوات وقبل أن يضع‬
‫الخطوة الرابعة تعالت أصوات الجرس‪ ،‬عاد التالميذ الى الفصول وجلس كل فرد في‬
‫مقعده ‪،‬وقف المعلم "ياسر" أمامهم وجعل حجرة الفصل تخيم بالسكون‪ ،‬فتكلم بصوت‬
‫اخشن آمر‪:‬‬
‫‪-‬اخرجوا كراسة الرياضيات‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫نهض "سندو" يجمع الكراسات ويقدمها بأدب‪ ،‬راجع الدفاتر واحدة تلو األخرى‬
‫وعندما وصل الى كراسة "ابا عمر" وضعها على الطاولة واصل في تصحيحه حتى‬
‫وصل كراسة "سندو" وضعها هي األخرى على الطاولة كان عدد المهملين سبعة يقفون‬
‫ناكسي الرؤوس بخجل‪ ،‬واثنان "سندو" و"آبا عمر" يقفان بأمر من المعلم الذي‬
‫امتدحهما وصمت للصفقات التي جاء دويها عاصف متواصل‪.‬‬
‫تعالت أصوات الجرس برنين يعلن االنصراف وانتفض الطالب كسرب حمام ‪..‬‬
‫في طريق العودة‪ ،‬الطالب يسيرون جماعات جماعات‪ ،‬اقترب "ابا عمر" من "سندو"‬
‫وقال له بهمس‪:‬‬
‫انك شديد الذكاء ولقد لمحت فيك ذلك منذ بداية العام الدراسي‪.‬‬‫سكت يحلق بتفكيره نحو البعيد ثم قال‪:‬‬
‫‪-‬أشكرك في الحقيقة أنت أكثر تفوقاً‪.‬‬

‫صمت "ابا عمر" برهة وابتسم بخجل ثم أكمل بمرح‪:‬‬

‫إال هذه المرة فان أخي الكبير قد حل لي التمارين‪.‬‬‫هز "سندو" برأسه هزات استفهامية‪:‬‬
‫الطريقة األولى الذي شرح فيها االستاذ الدرس كانت غامضة‪.‬‬‫صدقت‪.‬‬‫افترق الطالب وشق طريقه وحيداً بال رفيق‪ ،‬عبر الطرقات واألزقة بفرحة‬

‫صغيرة ‪ ،‬مشى من أمامه اسكافي غادياً تجاه الشمس المحرقة‪ ،‬قفز بقعة مبتلة بماء‬
‫عكر‪ ،‬عبر تالل األوساخ المحروقة وقد انطفأت نيرانها وبدأت بفضفضة دخانه‬
‫المتصاعد ‪ ...‬كتم الهواء الملوث أنفاسه وقطعت بنات أفكاره‪ ،‬وصل الدار ‪ ،‬وفتح‬
‫غرفته بنظرات هاربة‪ ،‬كانت أنفاسه سريعة‪ ،‬وصرير الباب الموجع يتسرب في جسده‬
‫وينخر عظامه‪ ،‬رمى أوراقه على الطاولة الصغيرة المربدة واستلقى على فراشه‪ ،‬بدأ‬
‫الجو ينطوي بالح اررة ‪ ،‬والعرق ينزلق من على جسده وقد ارتفع صوت المؤذن صوت‬
‫‪39‬‬

‫يصعد حلو في السماء‪.‬القى كراساته وادواته على الطاولة الصغيرة وسقط منهك على‬
‫السرير‪.‬‬
‫نهض عص اًر‪ ،‬رمى عينيه يراقب من نافذته رحيل المساء‪ ،‬قام من فراشه يصلي‬

‫صالة الظهر والعصر معاً‪ ،‬يحس الجوع والفقر معاً‪.‬‬

‫انطلق متجهاً لرؤية أصدقائه‪ ،‬كان يمشي مسرعاً كمن يحمل نبأ عظيما‪ ،‬شاهد‬

‫حشداً هائالً أمام المنزل المجاور لمنزل رفيقهم "نورالدين" كان منزالً فخماً اقترب بضع‬

‫خطوات ‪ ،‬اندس بين الحشد الملتصق بعضه ببعض فقد ذكره هذا المنظر بمنظر خروج‬
‫المصلين عقب صالة الجمعة‪ ،‬أثناء ما كان يدخل بين الجموع بمشقة إذ به يقف جوار‬
‫رفيقه "نورالدين ابوسكين" شارد البال ‪ ..‬أخرج من المنزل شخص ملفوف بقماش ابيض‬
‫بتحكم حتى أصبح كالمومياء أشبه بالمكفن وخلفه صاحب المنزل وعلى يديه قيد‬
‫وأربعة من رجال األمن بمحاذاته‪.‬‬
‫تفرق الزحام واتجه الصديقان الى حجرة الدار‪ ،‬جلسا على السرير الخشبي‪ ،‬مد‬
‫"نورالدين" يده الى صبارة الشاي وأفرغها في كأس صغير قدمها وقال بصوت عميق‬
‫أجش متردد" ‪:‬‬
‫نحن في زمن غريب‪ ،‬يا لفظاعة السحر األفريقي‪.‬‬‫وضع كأس الشاي وأحس بدمه يغلي‪:‬‬
‫احك لي ما جرى‪.‬‬‫وبوجه حزين أكمل "ابوسكين"‪:‬‬
‫لم يعتقد احد بأن هذا الرجل الطيب يمكن أن يفعل ذلك‪ ،‬ان الصبي الذي أخرج‬‫ملفوفاً بقطعة قماش قيل انه يدر لهذا الرجل التاجر أوراقاً نقدية كلما نادى اسمه !‬
‫سكت لحظة يصب فيها الشاي وأكمل‪:‬‬

‫أن الضحية صديق البن التاجر‪ ،‬اختفي فجأة فبحثوا عنه في كل األماكن التي‬‫يعرفونها ولم يعثروا له على اثر طيلة فترة غيابه انكشف السر فجأة‪ ،‬كان كل هذا‬
‫‪40‬‬

‫الوقت عند التاجر الذي سحره وادخله في غرفة محكمة بعيدة عن العيون وقد عرفت‬
‫من جارنا صاحب البقالة "إبراهيم" انه خلع قلبه ومسه بيديه الساحرتين وصنع به بعضاً‬
‫من الطقوس السحرية وسمعت جارنا "يوسفي" الذي دخل وشاهد المنظر أن الصبي‬

‫كان معلقاً في وسط الحجرة بين األرض والسماء تحت قدمه اليمنى القرآن الكريم وفي‬
‫اليسرى كتاب قديم الغالف وكانت عضالته مشدودة وهو يقف معلقاً في الهواء مصلوباً‬

‫على هيئة عالمة الضرب إذا نادى التاجر اسمه در من فمه أوراقاً نقدية وفي هذه‬

‫اللحظة شاهد سائقه المنظر وهرع يخبر والدي والجيران فألقوا القبض عليه متلبساً‪.‬‬
‫صمت بعمق ونظر "سندو" الى رفيقه بعينين فاترتين‪:‬‬

‫ال نعرف بماذا تفسر مثل هذه الجرائم!‬‫نهض "ابوسكين" يقول بوجه مشرق‪:‬‬
‫دعني اعد لك شاياً آخر فأنت تحب الشاي األخضر‪.‬‬‫حبذا لو قهوة ساخنة‪.‬‬‫اكيد ستكون ساخنة‪.‬‬‫قلتها ألنك معتاد على ان تاتينا بها باردة‪.‬‬‫وفجأة دخل "محمد كلي" و"عبدالرازق اللوان" و"جبريل حسن" ‪ ..‬تعانقوا برفق‪.‬‬
‫فابتسم وفتح عينيه بجحوظ فجاءت صورته أكثر وضوحاً‪ ،‬عينان واسعتان وحاجبان‬

‫معقوصان نحو األسفل كالهالل ومالمح يبدو فيها المكر والدهاء أكثر من الكآبة‬
‫والمسكنة‪ ،‬قام يمازحهم بمرح‪ ،‬عاد "ابوسكين" ونظر الى زحف الشمس كانت تصبغ‬
‫بلونها العسجدي وترسل دفئاً طبيعياً ناعماً ‪ ..‬جلس وقال على مهل‪:‬‬
‫‪-‬قضية عجيبة‪.‬‬

‫حلوة‪:‬‬

‫قالها متشجعاً يريد أن يحكي الحادثة التي جرت إال أن "جبريل" حدثه بلهجة‬

‫‪41‬‬

‫الم تالحظوا اختفاء الفرنكات في هذه األيام كله بسبب تفشي القمار‪ ،‬أقصد قمار‬‫الحصين!‬
‫تدخل "سندو" والدهشة تظهر على وجنتيه‪:‬‬
‫الفرنكات من يومها نادرة‪.‬‬‫تناول كل فرد فنجان القهوة وراح "جبريل" يفتح الموضوع من جديد‪:‬‬
‫جارنا الرجل "مامصا" كتب ثالثة أرقام ألحصنة جديدة وأعطى شقيقه األصغر بضع‬‫فرنكات ليأخذ له من كشك القمار ورقة اللعبة‪ ،‬غادر "مامسا" الى منطقة "كندل" وسمع‬
‫هناك في المذياع النتيجة وكانت األرقام التي اختارها هي األرقام الفائزة‪ ،‬عاد فو اًر‬

‫يتقطر فرحاً كالذي يتقطر عرقاً‪ ،‬ودهش عندما اخبره أخوه بأنه لم يأخذ اإليصال‪،‬‬

‫وتشاج ار فاخرج "مامصا" الخنجر وطمسها في صدره فمات المسكين وراح ضحية‬

‫عملية تافهة‪.‬‬
‫تنفس "محمد كلي" الصعداء وكأنه اختنق من هواء الغرفة الكاتمة وقال‪:‬‬
‫السبب الرئيسي في مشاكلنا يعود الى الجهل ألننا بطبيعة تكويننا مهملون أكثر مما‬‫يجب‪.‬‬
‫واصل "جبريل" بطمأنينة‪:‬‬
‫كذلك الجار "قرفي" كتب لزوجته ثالثة أرقام في ظل ظروف صعبة‪ ،‬تناولت المرأة‬‫مصروفها اليومي وأعطاها فرنكات إضافية لتأخذ ورقة اللعبة وفي الساعة السادسة‬
‫عندما سمع "قرفي" المذياع وعلم انه من الفائزين فرح شديداً ثم تبين له انها لم تذهب‬
‫لسحب اإليصال‪ ،‬هنا أحس بدوار غير طبيعي وطلقها بال رجعة‪.‬‬

‫تغيرت المواضيع من سياسة الى رياضة ومن ثم الى حوارات ساخنة حتى‬
‫شعروا بالفتور والكسل وتفرقوا حين ارتفع صوت المؤذن منادياً لصالة العشاء‪ .‬وصل‬
‫"سندو" الدار فرأى جارتهم المرأة العجوز تغسل ابنتها في ردهة البيت‪ ،‬وقف يحدق الى‬

‫فتاة التاسعة بعينين غارقتين بالشهوة‪ ،‬كانت ممتلئة‪ ،‬ناعمة ال نهود وال أماكن فاتنة‪،‬‬
‫‪42‬‬

‫أدهشته العجوز التي تغسل ابنتها الصغيرة بعد أن كانت الصغير تغسل جسدها‬
‫بنفسها‪ ،‬تمأل كفها بماء دافئ وتصبه على جسد الفتاة العاري التي كانت خجلة من‬
‫نظراته‪ ،‬تغرق جسدها بالماء والصابون وتدعكها باسفنجة صغيرة خشنة‪ ،‬تدعك الجسد‬
‫الناعم وتقول بصوت شرب الدهر رونقه ((هكذا االستحمام يا ابنتي‪ ،‬تصبين الماء‬
‫على جسدك وتعودين دون دعكها)) نزلت الصغيرة من فوق البانيو الصغير المصنوع‬
‫من بالستيك وقد اكتسى وجهها بشروق عظيم و"سندو" ما يزال يحدقها بيقظة مشاعره‬
‫وعندما التقت عيناه بعين الصغيرة رآها شديدة الخجل‪ ،‬فتح بابه‪ ،‬كان الصوت مزعجاً‬

‫مما جعل العجوز تقول ((على الرجل أن يتسلح بالنشاط)) دخل حجرته متجاهالً‬

‫عباراتها ‪ ..‬توضأ وصلى أربع ركعات سريعة نهض بتعجل‪ ،‬مشط شعره بعناية‪ ،‬وعدل‬
‫هيئته وغادر الحجرة‪.‬‬
‫أزعجه الغبار والدخان المتصاعدة من أكوام األوساخ‪ ،‬وشعر بأنه يعبر الدروب‬
‫مشنوقاً بحبال قوية‪ ،‬دخل دون أن يطرق الباب‪ ،‬التقى بابنة المعلم "كبرى" وهي تحمل‬
‫سفرة الطعام في اتجاهها الى الصالة‪ ،‬حياها بال مباالة وحيته برقة وقالت باسمة‪:‬‬
‫لماذا غبت عنا هذه األيام؟‬‫أجابها بعد أن حمل عنها السفرة الكبيرة‪:‬‬
‫‪-‬أعمال بسيطة‪.‬‬

‫لفت رأسها الكاشف بغطاء اصفر اللون عبارة عن طرحة صغيرة‪ ،‬تحاو ار قليالً‬

‫في مسألة النوادي الطالبية رغبة منها في االنضمام الى أحدى النوادي‪ ،‬كان وجهها‬
‫صافياً صفاء السماء‪ ،‬وجنتاها الورديتان تشبهان الندى في طلعته‪ ،‬تحرك من أمامها‬

‫مستقيماً وهي ساطعة كالنجم‪ ..‬استقبله المعلم وضيفه بحفاوة بالغة‪ ،‬تمايل الضيف‬
‫القروي وقال بعد أن بصق داخل الحجرة‪:‬‬
‫يبدو انه ابنك أليس كذلك؟‬‫أجابه بصوت هادئ‪:‬‬
‫‪43‬‬

‫نعم انه ابني‪.‬‬‫وسكت دون أن يقول أكثر من ذلك‪ ،‬التفت الرجل صوب "سندو" يحاوره بلهجة‬
‫تشادية قديمة‪:‬‬
‫ما اسمك يا صبي؟‬‫محمد ولكن ينادونني "سندو"‪.‬‬‫هل تواصل في دراستك ام انك مشاكس؟‬‫نعم أواصل في المرحلة اإلعدادية‪.‬‬‫كم عمرك اآلن؟‬‫السادسة عشر‪.‬‬‫يبدو انك أكثر ذكاء من أبيك‪.‬‬‫ضحك "ياسر" وجذب سفرة الطعام وخاطبهما بجمل حسنة‪:‬‬
‫هيا الى العشاء‪.‬‬‫اخذ الضيف القروي لقمة كبيرة واردف‪:‬‬
‫‪-‬انه شديد الشبه بك‪.‬‬

‫****‬
‫الوقت ليل ‪..‬‬
‫يدخل "سندو" من ذقة الى ذقة‪ ،‬هاجمه كلب ضخم كان ينبح نباحاً متواصالً‪ ،‬تجاهله‪،‬‬

‫فخرج من احد األبواب الفاتحة كلب أكثر ضخامة ينبح بعنف‪ ،‬اخذ يمشي وسط‬
‫الطريق بدالً من أطرافه كما كان يفعل عادة‪ ،‬داس أحدى فضالت األطفال‪ ،‬لعنهم‬

‫وأولياء أمورهم‪ ،‬لعن الطبيعة والقدر‪ ،‬لعن نفسه وتنهد من أعماقه تنهيدة رهيبة يسترجع‬
‫ذكريات الطفولة المرحة‪ ،‬وصل بيته‪ ،‬غسل قدميه ‪ ،‬واتجه نحو حجرته‪ .‬كانت الحجرة‬
‫‪44‬‬

‫دافئة‪ ،‬قلب أوراقه وكتبه حتى عثر على علبة الثقاب‪ ،‬أشعل واحدة في الهواء الطلق‬
‫حتى يتمكن من رؤية القنديل‪..‬‬
‫كان الليل قد خيم على جميع أركان البالد والطقس بارد والرياح عاصفة‪ ،‬ال أصوات‬
‫أو حركة غير حفيف األشجار وأصوات الكالب وتموجات الليل الخضيب‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫‪9‬‬
‫في يوم جميل ‪..‬‬
‫الطيور تحوم في الفضاء‪ ،‬والهواء يتجسد إلى حاالت متعددة‪ ،‬ينساب في األرواح‬
‫وي بعث على الطمأنينة كموسيقى هادئة‪ ،‬كصوت البحر وعبق الحدائق الخضراء‪،‬‬
‫تمارت الشمس ترسل أشعة ضوئية دافئة وتنشر األشجار ظاللها خصبة غنية‬
‫كاألحالم‪.‬‬
‫جلس "محمد كلي" يصلح دراجته النارية‪ ،‬يفك محركاتها‪ ،‬والهواء يتغزل بجسده‬
‫فتتمايل خيوط الكبتاني الذي يرتديه وقد مأل جو البيت بصوته الخشن يلحن أغنية‬
‫سودانية‪ ،‬دخل عليه"جبريل" بهدوء وتمهل‪ ،‬ترك دراجته ونهض يالقي رفيقه‪ ،‬وبصوت‬
‫اعتيادي قال "جبريل"‪:‬‬
‫يبدو انك تنوي الخروج ألمر طاريء‪.‬‬‫أجابه بعد كحة متواصلة‪:‬‬
‫ سنخرج سويا إلى رحلة قصيرة لزيارة مزرعة والدي في اطراف العاصمة ‪,‬ستكون‬‫رحلة رائعة‪ ،‬لقد ذهبت المرة السابقة بصحبة "سندو" لحظتها تمتعنا بمناظر‬
‫وبأحاديث "ابيسو" ‪.‬‬
‫قال "جبريل" بوقار‪:‬‬
‫ ومن يكون "ابيسو" ؟‬‫ انه خالي الشقيق األكبر لوالدتي ‪.‬‬‫‪46‬‬

‫أدار "محمد كلي " محركات دراجته ‪ ,‬دوت آالتها بأصوات مختلفة ‪ ,‬فركب "‬
‫جبريل" في المقعد الخلفي بضيق وتحركت عجالتها في أناة مصطحبة أصوات‬
‫مزعجة ‪....‬‬
‫كان "جبريل" يتململ بانزعاج محاوالً تغير جلسته‪ ،‬فجسده الممتلئ ال تجعل‬
‫مؤخرته تجلس بارتياح أبدا تضايقه ‪ ،‬ألح ‪ ،‬وتنحنح ثم اندفع بكلمات شديدة‬
‫اللهجة حتى أعطى "محمد كلي" لرفيقه القيادة وراح يصف له الدروب ‪.‬‬
‫***‬
‫قطع حديثهما طرقات متواصلة ‪ ،‬دخل المدير "حمودة " احد أصدقاء المعلم‬
‫األعزاء ‪ ،‬جلس بتواضع‪ ،‬يحك صلعته التي أخذت حي اًز كبي اًر من شعر رأسه‪،‬‬

‫يداه تالمسان ذقنه المحلوق بلطف‪ ،‬برهة حتى قال المدير موجهاً حديثه لسندو‪:‬‬

‫‪ -‬لماذا وعدتني البارحة ولم تأت ؟‬

‫أجابه عالماً باإلثم الذي اقترفه ‪ ،‬متحايالً ‪:‬‬

‫ كان في حضرتي ضيف عزيز علي !‬‫استطرد المدير ‪:‬‬

‫ أرجو أن ال تكررها مرة أخرى ‪ ،‬وعبارة ضيفة عزيزة أجمل‪..‬‬‫ضحك وصمت‪..‬‬
‫لم يجبه ‪ ،‬ظلت خياالته تحمله إلى البعيد ‪ ،‬تبحر به في رحالت بال حدود ‪،‬‬
‫قطع تفكيره المدير بصوت قوى‪:‬‬
‫ أراك تحب مجالس العقالء وهذه فضيلة ‪.‬‬‫ أشكرك‬‫‪47‬‬

‫عاد المعلم بعد غيابه القصير‪ ،‬وجلس في موقعه السابق فوجد "سندو" فرصة‬
‫ال من اإلجابات على أسئلة المدير‪:‬‬
‫ليتكلم بد ً‬

‫‪ -‬حضرة المدير أين تلقيت دروسك ؟‬

‫وألنه من الذين يحبون الشموخ والتباهي أجابه بتصنع ‪:‬‬
‫ سؤال وجيه ‪ ،‬أنت تريد أن احكي لك قصة عابرة وحاول أن تستفيد من مغزاها‬‫‪ ،‬كان يدعى "يحيي" ينتمي إلى أسرة ثرية ‪.‬‬
‫سكت المدير ‪ ،‬فتصاعدت قهقهات بال أسباب ثم واصل ضحكاته كمن يشاهد‬
‫فلماً كوميدياً ‪:‬‬

‫ تعلق قلبه بفتاة اسمها " فاطمة " اتفقا على الزواج فرفض والده هذه الزيجة‬‫بحجة أنها بنت فقيرة وليست من قبيلة ذات مكانة ‪ ،‬إصرار الشاب "يحيي" خلق‬
‫حوا اًر مهماً سأسرده لك اآلن‪ ،‬قال لوالده (( أن القلب ال ينصف بين الفقير‬
‫والغنى وال بين القبائل و إذا كانت القبيلة تنظر الى األمور بنظرة تختلف عن‬
‫ديننا الحنيف فانا في غني عنها ))‪.‬‬
‫أجابه والده بقهر (( ال يهمني أن تعارضني أو تعارض مقدسات سأعطيك‬
‫كل مستلزماتك لتسكن معها في بيت آخر )) تزوجها وعاش معها في حارة‬
‫تاجر في انجمينا والجنوب في‬
‫شعبيه هادئة ‪ ،‬تحقق لهما احالمهما ‪ ،‬عمل‬
‫اً‬

‫"مدينة مندو" وضعت له زوجته مولوداً اسماه "حمودة " هكذا كبر الولد وادخل‬
‫المدرسة فواصل المراحل التعليمية باجتهاد ولحقت به اخته الصغرى ‪ ،‬وفي أحد‬

‫األيام عندما كان ابنه عائداً من المدرسة بوغت بخبر وفاته في حادثة انقالب‬
‫سيارة وحزنت األسرة الصغيرة حزناً بالغاً ثم قامت تطالب بالوراثة إال أنها لم تنل‬

‫حقها بسبب الرشوة‪ ،‬واصل الفتى "حمودة" بكفاح حتى اخذ الثانوية العامة من‬
‫"فلكس ابويه" ثم واصل تعليمه في معهد "أنام " لإلدارة ‪ ،‬وتخرج منها بعد سنتين‬
‫‪48‬‬

‫ووظف نائب محافظ كما كانت الحياة سائدة في تلك االيام‪ ،‬بعد أن عمل خبا اًز‬

‫وبائع فواكه ومزارعاً ‪ ،‬جاء جدهم يعتذر تاركاً ثروته تحت تصرف " حمودة "‬

‫قبل مالقاة ربه ‪ ،‬لقد حمل هذا االبن صورة إنسان عظيم ‪ ،‬إنسان تحدى‬

‫ظروف قاسية ‪ ،‬إنسان عقيدة ان صح التعبير‪.‬‬
‫كان "سندو" ينظر الى جلسته وهيئته بجحوظ حتى خاطبه ‪:‬‬
‫ أنها قصة رائعة لكنها مأساة !‬‫ وهل عرفت " حمودة " ؟‬‫فأجابه بالنفي فواصل بانشراح ‪:‬‬
‫ انه أنا الذي أمامك !‬‫قال جملته وضحك بصورة بلهاء ‪ ،‬و "سندو" يتبعه بال انقطاع فسكت الفتى‬
‫وقال‪:‬‬
‫انت عظيم‬‫رفع رأسه ينظر السقف بتأن ‪:‬‬
‫ العظمة هلل يا فتى وعلى المرء أن يثق في نفسه ‪ ،‬أن يقاوم فالستسالم يولد في‬‫اإلنسان الضعف والضعف يؤدى إلى الهزيمة والهزيمة هي النهاية‪ ،‬تعرف‬
‫معنى النهاية ؟‬
‫ ال أعرف‪.‬‬‫ النهاية هي أن تموت وأنت على قيد الحياة !‬‫واصل قهقهاته المرتفعة فقاطعه "سندو" بأدب‪:‬‬
‫‪ -‬لم افهم ‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫ يجب أن تملك نفسك ألنك إذا ملكت نفسك نجوت من الفخ الذي ينسجه‬‫األشرار في هذه األيام واذا لم تفعل ذلك ستصبح ملكاً لآلخرين ‪.‬‬
‫خرج المعلم من صمته العميق قائالً بصوت حزين ‪:‬‬

‫ عجيب أمرك يا حمودة ال تزور أحداً إال إذا كانت لك حاجة ؟!‬‫جاءت قهقهة باردة من "حمودة " أعقبها بألفاظ حسنة ‪:‬‬
‫ ال تأخذني بهذا المقياس ‪.‬‬‫كانت السماء زرقاء‪ ،‬الهواء يشذ بروائح األشجار الطيبة ‪ ،‬و " سندو " يصب‬
‫الشاي وهو يغنى بصوت منخفض‪ ،‬ترتسم في وجهه مالمح الشباب وفي صوته‬
‫نبرة الرجولة واضحة رغم أن حباله الصوتية تأتي بأوتار رقيقه كصوت امرأة‬
‫ناضجة ‪ ،‬قال "حمودة " بوجه يحمل عدة معاني ‪:‬‬
‫ اآلن على الدول اإلسالمية أن تقدم مساعدات للبالد ألن فيها أزمات ‪.‬‬‫رد المعلم " ياسر" مغتاظا ‪:‬‬
‫ لماذا تساعدنا الدول ‪ ،‬ما فائدة إنسان لم يستطع حتى مساعدة نفسه على أي‬‫دولة تمد بالمساعدة أن تحاكم ألنها تسبب الكسل وتحسس الناس بالضعف ‪.‬‬
‫ ال تأخذ األمور بهذه العصبية ‪ ،‬العون حتى بين الحيوانات كما أن ديننا ينص‬‫على ذلك ‪.‬‬
‫ افهمني يا أستاذ‪ ،‬العون في حاالت فيضانات ‪ ،‬كارثة ‪ ،‬وهناك جوانب‬‫كالتصحر وانتشار الحشرات على الدول الكبرى أن تساعد فقط ألنها تمتلك‬
‫األجهزة الحديثة أما أناس بسواعدهم وبكامل صحتهم يمدون يدهم طالبين‬
‫العون فهذا ضعف ومذلة ‪.‬‬
‫تدخل "سندو" بلهجة ساخنة‪:‬‬
‫‪50‬‬

‫ "حمودة " يقصد ان هناك معتقدات وتيارات متعددة وأنظمة جديدة وثقافات‬‫متنوعة كل ذلك إذا وجد اإلنسان دعماً يستطيع أن يقف قوياً ويتحدى ‪.‬‬
‫ارتشف المعلم " ياسر" الشاي وواصل بثقة مطلقة ‪:‬‬
‫ اوالً دولتنا كلها شيدت بالمساعدات‪ ،‬مراكز التعليم العالي ‪ ،‬الكنيسة الكبرى‪،‬‬‫والمسجد الكبير‪ ،‬و ازرة الخارجية ‪ ,‬قاعة ‪ 15‬يناير اكبر قاعه في المدينة ‪،‬‬
‫الكبارى ‪ ،‬الشوارع المعبدة ‪ ،‬كل المؤسسات التعليمية العربية والفرنسية ‪,‬خذ مثالً‬
‫الدعم السنوى من فرنسا واروبا ال تنسى سنوي ًا امارض الكوال ار أو المالريا و‬
‫االعالنات المتكررة في المذياع ثم يليه دعم متواصل ‪ ،‬األدوية ‪ ،‬الكتب‪ ،‬الغذاء‬
‫أي امة هذه ؟! هل اإلسالم حث على ذلك ؟ رغم معلومتي البسيطة عن الدين‬
‫إال اننى اذكر في كتب السيرة كان اصحاب الرسول يربطون حجارة على‬
‫بطونهم ‪.‬‬
‫سكت ثم واصل المعلم " ياسر" دون أن يعطى مجاال لضيفه " حمودة" ‪:‬‬
‫ لقد أخبرك صاحبك قبل قليل يا "سندو" وارجو أن ال تنسى مرة أخرى ‪ ،‬يجب‬‫أن تملك نفسك إذا أردت أن ال تصبح ملكاً لآلخرين لقد رأيت رجالً في أحد‬
‫االيام منحه مواطن أوراقاً نقدية فرفض و قال له على أي أساس تمنحني هذه‬
‫النقود ‪ ،‬انه يريد أن يقول له أنا لست عاج اًز وال متسوالً أنا مثلك ‪.‬‬
‫عندما اكمل جملته وصمت نهض " حمودة " منتعشاً ‪ ،‬والغيوم الصغيرة تغطى‬
‫الشمس وتجعل أشعتها الدافئة ظالل باردة ثم تعود بضوئها منعكسة على أشجار‬
‫النيم فترسم حواليها خطوطاً مستقيمة ذات ظالل وارفة ‪ ،‬افترق الثالثة وظل المعلم‬
‫ممدداً بارتخاء ‪.‬‬
‫‪51‬‬

‫اخذ يفكر في أمر تلميذه فهو يرى فيه الذكاء والطموح والنشاط ‪ ،‬فكر في‬
‫المدرسة ‪ ،‬وفي أسرته ‪ ،‬وفي يوم غد فغطى النعاس جفنيه ونام ‪.‬‬
‫‪10‬‬
‫عص اًر ‪..‬‬

‫نهض "سندو" من نومه يحس ألماً في عنقه ‪ ,‬خرج يغسل وجهه ‪ ,‬جلس في‬

‫الهواء الطلق يحدق بعينين ناعستين شاحبتين كبحيرتين جفت مياههما بينما‬
‫كان ينظر الى اول الشارع واخره وصل "نور الدين ابو سكين" بصحبة زميل‬
‫الفصل " ابا عمر " ‪ ،‬انسحب "سندو" الى الداخل ياخذ مقاعد الجارة العجوز‬
‫فمقعده ال يسع ألكثر من اثنين ‪ ،‬مرت دقائق من جلوسهم حتى ظهر بائع‬
‫الشاي المتجول يحمل في يده ابريقاً تحته صحن بداخله جمرات ‪ ،‬يتصل‬
‫بالصحن سلسلتان رقيقتان تلتصقان باطراف اإلبريق مما يجعل الجمرات تتوهج‬

‫وتلتهب ‪ ...‬اخذ يناديه نداء متكر اًر ‪....‬‬

‫وقف البائع وتبسم بسمة رقيقة وتركهم قائال ‪ " :‬حافظوا على الفناجين" ‪...‬‬

‫بينما زقزقات العصافير تعلو في كل ارجاء الحارة ‪ ،‬وقبل أن يجرفهم الحديث‬
‫وقف قبالتهم رجل كفيف يقوده صبى رث المالبس مد يديه طالباً صدقة‪ ,‬اخرج‬
‫له فرنكا من فئة (المائة فرنك سيفا) وقدمها للصبي قائال ‪" :‬خذ ‪ 25‬واعطني‬

‫الباقي" ‪ ,‬همس االبن لوالده فأدخل الرجل الكفيف يديه يقلب جيوبه فلم يعثر‬
‫على عملة اقل قيمة من فئة المائة فرنك ‪ ,‬فانطلق الصبي لصرف العملة ‪,‬‬
‫عاد وأعطاه ما تبقى فأعقبها الرجل برطانة لم يفهمها احدهم ‪ ,‬أدعية واناشيد‬
‫ذات ألحان رائعة ‪ .‬نهض الرفاق لحضور مباراة لكرة القدم في ملعب برنارت‬
‫في حارة ربو ‪...‬‬

‫‪52‬‬

‫افترقوا بعد تأجيل المباراة ‪ ،‬عاد "سندو" بخطوات ثقيلة ‪ ,‬الرفيقان يحدقانه‬
‫ويرصدان سيره البطئ ‪ ,‬مشي بثقل حتى توارى ‪ ,‬تسمر أمام باب من الذنك‪،‬‬
‫فتح الباب وانساب الى الداخل ‪ ،‬وقف في ردهة البيت يحي أهل البيت ‪...‬‬
‫تفحصت عيناه االتجاهات ‪ ،‬جلس على كرسي خشبي كطير جارح يهبط عشه‬
‫‪ ,‬شعر بيد باردة على كتفه ‪ ,‬التفت مذعو ار فاذا به " حسن مؤمن " يصافحه ‪.‬‬
‫ اسف لقد كنت في الحمام ‪ ,‬ما رأيك لو ذهبنا الى صالة العرض ؟‬‫ ما نوع الفيلم ؟‬‫ فلم رومانسي على ما يبدو لي ‪.‬‬‫خطى بأناة الى غرفته ‪ ,‬وعاد يحمل في يديه عصير ليمون وقال وهو يقدم‬
‫الكأس ‪:‬‬
‫ األفالم خدعة فليكن في علمك ال يوجد حب في هذا العالم ‪.‬‬‫تناول "سندو" جرعات متتالية من عصير الليمون وقال لمحدثه ‪:‬‬
‫ أجمل ما في الحياة الحب وكيف ال يوجد ؟ أن كلمة العالم كبيرة جداً ‪ ,‬عجيب‬‫أمرك !‬
‫ بل أنت العجيب ‪ ,‬وارجوا أن تعرف لي كلمة الحب ‪.‬‬‫ تريدني أن أعربها أم أعرفها ؟‬‫قال جملته هذه وضحك بسخرية واخذ "حسن مؤمن" جرعته األخيرة بشراهة‬
‫وواصل ‪:‬‬
‫ اسمع ‪ ,‬الحب الذي نحن بصدده أنت تجهله تماماً ‪ ,‬أعرف انك تقول لي حب‬‫اهلل ‪ ،‬حب األبوين ‪ ،‬حب األسرة ‪ ,‬حب المعلم ‪ ,‬الى أخره ولكنني ال أحب بتاتاً‬

‫‪53‬‬

‫اعطف على من رحموني و أما الحب فأنا أنكر وجوده ‪ ,‬إنما النفوس تخادع‬
‫بعضها البعض من أجل إشباع شهواتها وملذاتها ‪.‬‬
‫ كلمة حب يا أستاذ كلمة كبيرة ال يفهمها كل الناس أساندك فيما تقوله ولكنني‬‫ارفض كذلك أن هذا هدف العالم كله ‪...‬‬
‫نهض االثنان يتجهان الى صالة العرض ‪ ,‬داس "حسن مؤمن " على‬
‫البنزين و أدار المفتاح في المقود فتحركت العربة الصغيرة شاقة طريقها بتمهل‬
‫‪.‬‬
‫***‬
‫تساقطت األوراق الخضراء كما تتساقط األفكار على "سندو" يتلوى في أحشائه‬
‫شعور غريب ‪,‬الخوف ‪ ,‬القلق ‪,‬الشهوة ‪ ,‬لم يذق في حياته مثل هذا األلم وقته‬
‫يمر وأحالمه ال تنقطع حلم وراء حلم ‪ ,‬خياالته تفرقت في تيه عميق ‪ ,‬مرة‬
‫حدث الفتاة الرشيقة "كاكانى" فلم تبال ‪ ،‬ومرة تغزل بجارتهم "زهرة" فعاتبته برقة‬
‫‪ ،‬واألرملة "حلومة" تعامله كولد صغير ‪ ,‬وهذه الحاالت جعلته يعود الى التيارات‬
‫الطالبية التنظيمية ‪.‬‬
‫كان يجلس كئيباً ‪ ,‬حزيناً كمن اقترف إثماً عظيماً ‪ ,‬مرت دقائق حاول‬

‫فيها إغالق عينيه ‪ ،‬فكر في إعداد الشاي لوال جيوبه الخاوية ‪ ,‬األسى ‪ ,‬الحلم ‪,‬‬
‫الكراهية ‪ ,‬تلطخ صدره ‪ ,‬قام متجهاً الى البقال عم "برمة" ف أرى البقالة مغلقة‬
‫هاله شيء غير طبيعي رفع كراسته ليراجع فالقاها باستنكار ‪ ,‬ارتفع صوت أذان‬

‫العصر فأحس بطمأنينة بسيطة فتوضأ ينوى الصالة عند رفيقه في حي رضينة‬
‫وفجأة قبل التأهب للخروج من المنزل دخل عليه "محمد كلى " و "ابيسو" تعانقوا‬
‫وتالطفوا فخاطبه الشيخ " ابيسو" بصوت هادئ يملوه الحنان بلهجة قديمة ‪:‬‬
‫‪54‬‬

‫ لماذا امتنعت عن زيارتنا ؟‬‫سكت يفكر في اإلجابة السليمة فأكمل الشيخ ‪:‬‬
‫ تفضل اجلس وال تتعب حالك بارك اهلل فيك ‪.‬‬‫وضع "محمد كلى" الكيس الذي في يديه وقال ‪:‬‬
‫ لعلك لم تتناول الغداء بعد ‪....‬‬‫شطائر اللحوم والخبز وقليل من الفواكه جعلته يشعر بأحاسيس جياشة‪،‬‬
‫رصها في سفرة الطعام وأشعل الموقد الصغير ووضع عليه البراد والتفت تجاه‬
‫الشيخ "ابيسو" الذي أخذته غفوة عابرة ‪:‬‬
‫ هل تريد الشاي بقطعات السكر أم بال سكر ‪.‬‬‫ضحكت الثلة وتناولت طعامها ‪ ..‬قال " ابيسو" بصوت خشن مفتعل ‪:‬‬
‫ أن "سندو" قريب من الشاب "كلمي" في تواضعه ‪.‬‬‫تساءل "محمد كلى" ‪:‬‬
‫ ومن يكون "كلمى" هذا ؟‬‫ ال تعرفونه ‪ ،‬انها قصة سمعتها وأنا في النيجر‪ ،‬قصة جرت احداثها في قاع‬‫ال شجاعاً ‪.‬‬
‫أفريقيا لقد كان رج ً‬
‫ابتسم "سندو" يقول ‪:‬‬
‫ الشجاعة مهمة مثل التعليم ‪.‬‬‫قال الشيخ بوجه يحمل خرائط كأنها رسمت بأقالم الحبر‪:‬‬
‫ كان "كلمى" على عالقة وطيدة بفتاة قريبته ورفيقة صباه الجميلة ‪",‬آللي" فتاة‬‫ناصعة السمرة ‪ ،‬رائعة في مشيتها ‪ ,‬تمط مؤخرتها فترتجف عضالت أنوثتها‬
‫كحراير ‪ ,‬حتى أن سكان القرية يقولون بأنها كانت تلعب على أطراف ينبوع مع‬
‫‪55‬‬

‫أخواتها الصغار فجاءت امرأة على ثياب غريبة فهرب الصغار قبضت عليها‬
‫ومسحت على وجهها وصدرها بنور وضاء ثم رشتها بماء له رائحة طيب كل‬
‫أرجاء القرية ولهذا يبرز نهدها رائعا كنهر في صحراء جرداء ‪ ,‬شعرها األسود‬
‫الحالك أشبه بتموجات الليل الضاحك وعينان تميزها من بين آالف األعين ولها‬
‫من األدب واألخالق والصفات ما ال أستطيع وصفه ‪ ,‬طلب "كلمى" الزواج منها‬
‫فهو القريب والحبيب فرفض والدها بحجة انه في حاجة الى رجل يضمه تحت‬
‫جناحيه ويدفئه من برد الفقر القارس ‪.‬‬
‫صمت "ابيسو" بينما كان الرفيقان يصغيان بوعي كامل ‪:‬‬
‫ تقدم عمدة القرية المجاورة فوافق والدها ورفضت هي بشدة ‪ ,‬أقيم حفل عظيم في‬‫القرية ‪ ,‬سافر خاللها " كلمى" متأث اًر بالحدث ومشى بعيداً يبحث عن ارض‬
‫يكمل فيها بقية حياته ‪ ,‬فقد انقطع أمله وتحطمت كلمته وقبل أن تؤخذ الفتاة الى‬
‫بيت العمدة ذاع خبر بأن هنالك مصارعاً يدعى "تبرى" من طرحه أرضا له ما‬
‫يحب ويطلب من العمدة ‪ ,‬انتشر الخبر وعاد "كلمى" ليكون الخصم وبعدها‬
‫سيطلب أميرة أحالمه ‪ ،‬وفي احتفال كبير ‪ ,‬التقت الجموع والتفوا حول الحلقة‬
‫والغبار يتصاعد ويخرج من تحت األقدام لتختلط مع دقات الطبول والتقى‬
‫االثنان ‪ ,‬اشتبكا في معركة عنيفة حتى فكر "كلمى" وقطع حبل السروال الذي‬
‫يرتديه المصارع العمالق وهناك تعالت الضحكات الساخرة ‪ ,‬ظل العمالق يفكر‬
‫في ربط سرواله وانتهز هو الفرصة وراح يضربه ضرباً مبرح ًا حتى حاول‬
‫رجال العمدة التدخل فاندلعت حرب القبائل فقتل العمدة على يد رجل مجهول‬
‫وثارت الجموع ثم هدأ كل شيء ‪.‬‬
‫‪56‬‬

‫سكت الشيخ من سرد الحكاية ‪ ,‬ونظر "محمد " الى الساعة وقال ‪:‬‬
‫ لقد حان الوقت لنغادر ‪.‬‬‫تدخل "سندو" بلهجة ملحاحة ‪:‬‬
‫ إلى أين ؟‬‫ إن "ابيسو" يشكو من ضربات متزايدة في القلب لذا نود مراجعة الطبيب ‪ .‬خرج‬‫"ابيسو" عن حاله قائال ‪:‬‬
‫ أحس بضربات قلبية متكررة ثم تغيب الحالة فأشعر بنعاس شديد فخيل لي أن‬‫المسألة سحر أو مس شيطاني ‪ ,‬إال أن ابني "محمد" أجبرني على أهمية‬
‫مراجعة الطبيب أوالً فتقبلت الفكرة ‪.‬‬
‫***‬
‫كانت شوارع أنجمينا تضئ بضوء القمر الساطع ‪ ,‬ال احد فالشوارع تخلو من‬
‫المارة ‪ ،‬أكوام األوساخ تتراي في ذلك الليل كتالل من الرمال والبيوت الطينية‬
‫ومآذن المساجد ترتفع شامخة ‪ ...‬اكتست الظلمة النور ‪ ,‬وغطت السحب وجه‬
‫القمر وفي منتصف الليل كانت أصوات الدف تمأل الفضاء وبدأ األطفال‬
‫يخرجون ويملئون الشوارع بتهاليلهم العذبة وتكبيراتهم الحلوة ‪ ,‬وظل الرجال‬
‫ينقرون على طبول صغيرة وهم يرددون عبارات أشبه بالمأثورات كل ذلك‬
‫الحدث في األحياء الشعبية ‪ ,‬ورقدت األحياء الكبرى تواصل في نومها غير‬
‫آبهة بخسوف القمر‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫‪11‬‬
‫دخلوا مطعماً متواضعاً يتقدمهم الشيخ " ابيسو" ومن خلفه "سندو" و"محمد كلى"‬
‫لتناول وجبة اإلفطار ‪ ,‬المقاعد مهملة ‪ ,‬طاوالت الطعام قديمة تعلوها فضالت‬

‫الزبائن ‪,‬الضفادع تتريض تحت الكراسي بحثاً عن قوتها‪ ،‬وشباك العنكبوت على‬
‫السقف يظهر كخرق بالية ‪.‬‬

‫جاء الجرسون يمسح بمنديل صغير الطاوالت ‪ ,‬هبت نسمة من جهة الشمال‬
‫وتحدث "ابيسو" بتواضع ‪:‬‬
‫ هات ما عندك ‪.‬‬‫احضر الجرسون ثالثة صحون وسبعة قطعات من القاتو وفي وعاء كبير‬
‫أحضر ماءاً دافئاً ‪،‬تناولوا طعامهم تاركين المكان‪ ..‬اختنق الجو ‪ ،‬وبدأت رائحة‬
‫المجاري تفوح وأصبحت المنطقة تحمل وجهاً قبيحاً ‪ ,‬وصلوا السوق الكبير‬
‫وكانت الشرطة تقوم بحماية السوق فنشرت شرطة األمن رجالها في جميع‬

‫االتجاهات ‪ ,‬التقوا وجهاً لوجه مع رجال الشرطة الذين طلبوا منهم بطاقة‬

‫األحوال الشخصية اخرج "محمد كلى" بطاقته المدرسية فالقوا القبض على‬
‫"سندو" الذي نسى البطاقة في المنزل وعلى الشيخ "ابيسو" الذي لم يستخرج‬

‫‪58‬‬

‫البطاقة ولم يفكر يوماً في ذلك ‪ ...‬الرشوة والحوار الدبلوماسي والعنف كلها لم‬

‫تجدي ‪.‬‬

‫كان السجن عبارة عن غرفة صغيرة ‪ ,‬حجرة صلبة الجدران ‪ ،‬عالية السقف ‪..‬‬
‫وقع احد السجناء إلختناق الجو ‪ ,‬الصمت يخيم على المكان ‪ ,‬صوت أقدام‬
‫الشرطي يأتي وقعه على األرض ويشعرهم بالتقزز فتح الباب وقال بصوت‬
‫متوتر ‪:‬‬
‫ من يملك ‪ 2000‬فرنك سيفا عنده فرصة العفو واالنصراف ‪.‬‬‫خرج احدهم وأغلق من خلفه الباب ‪...‬‬
‫عاد وقع األقدام على األرض بعد وقت قليل‪ ,‬فأصيب السجناء بالخوف وشيء‬
‫من الذل القاسي ‪،‬وقف الشرطي فحاولت المجموعة ان تكلمه وترضيه إال انه‬
‫اكتفي بنص هذه العبارة ‪:‬‬
‫ من يملك ‪1000‬فرنك سيفا عنده فرصة العفو واالنصراف !‬‫تبعه اثنان واختفيا ‪.‬‬
‫كان المنظر صعباً هذه المرة ‪ ،‬لم يأت المساء بسرعة كما هي عادة كل يوم‬
‫‪ ...‬الباعوض وبقايا الحشرات المختلفة بدأت تنتشر وتنتقض ‪ ,‬الجو يخيم عليه‬

‫سكون ‪ ,‬الرائحة الكريهة اشبه برائحة الدم في الجرح ‪ ,‬ارتخت األجسام ‪,‬‬
‫والساعة بعقاربها تعلن السابعة مساء ‪ ,‬تعالت أصوات الرجال بالصحيات تشتم‬
‫ومرة أخرى تستعطف‪ ...‬عاد وقع القدم مرة أخرى ‪ ,‬وقف الشرطي جادا وتكلم‬
‫بعنف وغلظة ‪:‬‬
‫ كالب لعنة اهلل عليكم وعلى أمثالكم ‪،‬هل تخرجون البطاقات أم ال ؟‬‫ردوا بصوت واحد "سنخرجها" ‪..‬‬
‫فتح لهم الباب وخرجوا بانتظام ينتشرون في المدينة ‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫***‬
‫ومع األيام التقى "سندو" و "حسن مؤمن" في ردهة البيت يجلسان على بساط‬
‫جميل أمام الباب الخارجي مطلين على الشارع شأن أهل البلد ‪ ,‬قال "سندو"‬
‫ينظر الى رفيقه بعينين مرتخيتين ‪ ,‬ناعستين من اثر القراءة الليلية على ضوء‬
‫المصباح التقليدي ‪:‬‬
‫ الم تفكر في القنوات الفضائية ؟‬‫ عندي حتى االنترنت ‪.‬‬‫قال عبارته وراح يقلب أوراقه ومستنداته وظل يراجع بهدوء ثم قال ‪:‬‬
‫ خرجت ليلة البارحة بصحبة رفيقي وفي الطريق ظهرت لنا فتاة جميلة هممت‬‫بالوقوف لوال أن اعترض صاحبي وقال لي لعلها "مامي واتا" ‪.‬‬
‫ ومن هي "مامي واتا" ؟؟‬‫ يقولون أنها جنية رغم أنني ال أؤمن بالجن إال أنني فضلت أن أجامله‪.‬‬‫ وكيف أدرك أنها جنية ؟‬‫ يقول بالخبرة !‬‫ هذه رواية اقرب إلى األساطير ‪.‬‬‫وقفت دراجة نارية أمام المنزل ‪ ،‬نزل منها رجل عمالق ‪ ،‬بشوش الطلعة ‪,‬‬
‫صافح "سندو" وكأنهما على معرفة مسبقة ‪ ,‬جلس بمرح ‪ ,‬وأشار إليه "حسن‬
‫مؤمن" قائالً لرفيقه الصغير ‪:‬‬

‫‪ -‬انه الكمندو شاري ‪.‬‬

‫رحب به وصافحه مرة أخرى ‪ ,‬فواصل "حسن مؤمن" حديثه ‪:‬‬
‫ اعتقد بأنك سمعت بقصة زواج األنس والجان !‬‫‪60‬‬

‫ غريب‬‫تدخل الكمندو شاري ‪:‬‬
‫ ال تذهب بعيداً‪ ،‬صديقي "إبراهيم " متزوج بجنية ‪.‬‬‫قبل أن يكمل كالمه حياهم رجل بدين وجلس بأدب ‪ ,‬خرجت فتاة مربربة‬
‫وقدمت الشاي على صينية وصبارة رائعتين فواصل شاري حديثه ‪:‬‬
‫ كانت جنية صديقي "إبراهيم" شديدة الجمال وكان شرطها أن ال يدخل عليها‬‫الغرفة إال بعد أن يستأذن ‪ ,‬وفرت له أشهي أنواع المأكوالت وأحسن المالبس ‪,‬‬
‫جاء في أحد األيام ودخل عليها ناسياً الشرط الذي بينهما‪ ,‬رأى ما لم تره عيناه‬
‫وما لم تصدقه حواسه ‪ ,‬ثعبان ضخم له أرجل وتاج كعرف الديك وله جناحان‬
‫كجناحي الصقور وقرن كناب الفيل يتدلى من تحت شفته ‪ ,‬وظفر طويل في‬
‫مؤخرة ذيله ‪ ,‬هرب منها وجاء يخبرنا بالمشهد عدنا ووجدناها امرأة طبيعية وفي‬
‫اليوم التالي سمعنا خبر وفاته ‪.‬‬
‫سكت "شاري" يتفحص الوجوه بعينين ذات نظرات حادة ‪.‬‬
‫تحدث أحد الضيوف ‪:‬‬
‫ لم يصادفني جناً في حياتي ‪..‬‬‫قطع "حسن مؤمن" حديثه بخفة ‪:‬‬
‫ إلى أين ذهبت و ماذا صنعت حتى يصادفك ! ؟‬‫واصل الضيف كالمه ‪:‬‬
‫ ولكن والدي قص لنا حكاية يقول فيها سافر إلى إحدى قرى منطقة كسري‬‫كانت قرية افريقية ذات من ‪,‬وفجأة ظهر لهم طائر عمالق ليحلق في الليل على‬
‫سماء القرية ‪ ,‬قام رجال القرية يسبحون اهلل ويدعونه ليخلصهم من هذا الشر ثم‬
‫‪61‬‬

‫أدرك رجال الدين في القرية بأن الطائر ما هو إال واحد من الجن المجندين‬
‫(للقوني مالم) ‪ ،‬ذهب إليه خمسة رجال‪ ،‬العمدة والشيخ وفارسان وأبي ‪ ,‬وسألوه‬
‫عما يريد فأجابهم بأنه يريد الزواج بابنة العمدة ‪ ,‬مع األيام أحست الفتاة بأنها‬
‫السبب فتسللت خلسة وذهبت إليه فدار بينهم حوار ‪...‬قالت له "أتيت ألتزوجك‬
‫فـال تؤذي قومي " هبط الطائر بعد أن تحول إلى هيئة شاب وسيم وقال لها ‪:‬‬
‫ " احببتك "‬‫فقالت ‪:‬‬
‫"ولماذا اخترتني من دون الفتيات األخريات ؟ "‬

‫‪-‬‬

‫قال‪:‬‬
‫ " انك تشبهينها " !‬‫فقالت ‪:‬‬
‫ " ومن تكون هذه " ‪.‬‬‫قال‪:‬‬
‫ " إنها زوجتي سرقها احد األنس وتزوجها "‬‫فقالت ‪:‬‬
‫ " وما ذنبي أنا ؟ "‬‫فقال‪:‬‬
‫ "تعلمت من البشر بأن القوي يأخذ حقه بيده " !‬‫فقالت‪:‬‬
‫ " ولكن إن ظلم سيخصر اهلل"‬‫‪62‬‬

‫ثم عم المكان دخان كثيف واختفى ‪.‬‬
‫قال "شاري" موجهاً حديثه "لسندو" ‪:‬‬

‫ إن بعض األمور سحر واغلبها جن ‪.‬‬‫تململ احد الضيوف وتقدم الى الحلقة ثم قال بصوت عميق منفعل ‪:‬‬
‫ هاك قصة كنا نسمعها منذ طفولتنا ‪.‬‬‫انتبه الجميع وجمع "حسن مؤمن" أوراقه ومستنداته ‪ ،‬وقد هبطت الشمس أمتا ار‬
‫عن خطها األفقي التي تسير عليه بانتظام فأكمل الضيف ‪:‬‬
‫ يقال أن شاباً مسكوناً بحب النساء ‪ ،‬وكانت حياته تكمن في البحث عن النساء‬‫حتى التقى بامرأة في العراء فطاردها ‪ ,‬دخلت مغارة فتبعها من جحر إلى جحر‬

‫‪ ,‬وصلت سابع ارض ‪ ,‬رأى خلفه فإذا بالطريق مظلم ال يطاق ‪ ,‬وجد عالماً‬

‫آخر تماماً كالعالم البشري ‪ ,‬طيور لها راس بني ادم ‪ ,‬بشر رؤوسهم على هيئة‬
‫حيوانات ‪ ,‬خاف الشاب ثم تذكر اهلل ‪ ،‬وسأله بأن ينجيه من هذه المخلوقات ‪,‬‬

‫تتبع خطوات الفتاة حتى دخلت قص اًر كله مجوهرات ‪ ,‬دخل خلفها فاتجهت الفتاة‬
‫الى مجلس فاخر ‪ ,‬وهناك جلست بين يدي والدها فدخل هو اآلخر يلتقي بأفراد‬
‫أسرتها ‪ ,‬فدار بينهم حوار طويل ‪ ,‬ركز الشاب حديثه على انه جاء ليتزوجها ‪,‬‬
‫مكث عندهم واخذ يخدمهم بتواضع حتى أحبوه وزوجوه ‪ ،‬عاش معهم مدة‬
‫طويلة وخرج إلى األرض وقد بلغ األربعين من العمر يحفظ القرآن واألحاديث‬
‫ويجيد كل أنواع الحرف والصناعات ‪.‬‬
‫قال "حسن مؤمن" بتثاؤب ‪:‬‬
‫ اغرب ما سمعت أن هناك جماعة في السودان تدعى باسم (البعاتي) قيل إن‬‫أحدهم عندما ي فارق الحياة يعود إلى أهله في اليوم التالي ويأخذ أهم ما يحتاج‬
‫من اغراضه ويرحل ‪.‬‬
‫‪63‬‬

‫ارتفع صوت آذان المغرب وافترقت الجموع ‪ ,‬نزل قليل من الظالم ‪,‬‬
‫أحضرت الفتاة الجميلة طعام العشاء ‪ ,‬وجلست بحياء وقد انتاب "سندو" هو‬
‫اآلخر الخجل ‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫‪12‬‬
‫بدأت الطبيعة في العاصمة تتلون وتتغير من حين آلخر فالشوارع ابتلت بالمياه‬
‫الغزيرة والمنازل بدأت خائرة في ليلة كانت الغيوم تغطى صدر السماء ‪.‬‬
‫عينا "سندو" تدوران في السماء ‪ ,‬نظراته استفهامية حول الغيوم الداكنة لعلها‬
‫تريد أن تمطر ‪ ,‬فتح دوالبه الصغير ‪ ,‬اخرج قارورة العسل وكوب الزيت ‪ ,‬وضع‬
‫البراد على المطهاة ‪ ,‬واخرج علبة الحليب ‪.‬‬
‫ارتفعت أحاسيسه‪ ,‬أصبحت البسمة تحتل مكان التجهم والعبوس ‪ ,‬فكر في‬
‫شراء دراجة نارية فأسعارها معقولة ‪ ,‬فتح كتاباً يتصفح سطوره و الديمة تهطل‬
‫وتصب على شكل ذرات الرمال ‪ ,‬تدق في سقف المنزل كدقات التام تام ‪.‬‬
‫اندست الشمس بين الجبال والوديان وتوارت ‪.‬‬
‫في عمق الليل اخذ يحدق في السماء عبر النافذة ويتأمل خلقها وصورتها‬
‫شارد الذهن‪ ،‬ظلت األمطار تواصل الهطول ‪ ,‬الجو شديد الرطوبة والحياة‬
‫شديدة القساوة ‪,‬هجر المواطنون المدينة إلى القرى ‪ ،‬وظل عشاق العاصمة‬
‫‪65‬‬

‫يتألمون ‪ ,‬تساقطت المنازل اثر المياه الغزيرة ‪ ,‬لم تفلح اإلدارة الحكومية في‬
‫عمليات اإلنقاذ ‪ ،‬ولم تتحدث منظمات حقوق اإلنسان التي ظل هي األخرى‬
‫تبحث عن مقر ‪ ,‬والمجلس األعلى للشؤون اإلسالمية أصدر فتواه ((من مات‬
‫تحت أعمدة البيوت وجدرانها يعد شهيداً )) ‪.‬‬
‫***‬

‫كان "حسن مؤمن" يقضي أجمل اللحظات في مدينة "سار" التي أحبها‬
‫وأحبته ‪ ,‬وسع في مشاريعه ‪ ,‬وراح يقضي األوقات الصيفية بين أصدقائه‬
‫ومحبيه ‪.‬‬
‫كانت "كلثومة" شمالية األب وجنوبية األم ‪ ,‬ال تستطيع مفارقته ‪ ,‬تعتبره‬
‫جزءاً من وجودها ‪ ،‬وتقضي جل أوقاتها في منزله الفاخر ‪ ,‬الواقع في قاع‬
‫المدينة ‪ ...‬مشت بتثاقل وبرقة ‪ ,‬ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة ‪ ,‬فقال‬

‫"حسن مؤمن" يخاطبها ‪:‬‬
‫ فكري في المسألة بأهمية !‬‫أجابت وهي ترفع عينيها الجميلتين ‪:‬‬
‫ أرجو أن يكون حبنا قائم على الصدق والوفاء‪.‬‬‫ ما رأيك أن نجلس في تلك الناصية ؟‬‫أشار لها بيده الى ركن يخلو من الجلوس ‪ ,‬وصوت الموسيقى الكنغولية‬
‫الصاخبة تمأل األجواء ‪،‬جلسا في هدوء ‪ ,‬والصوت الغنائي في كل مكان ‪ ,‬قام‬
‫يقف في وسط الحلقة يواصل الرقص ‪ ,‬عاد بعد لحظات وقد ابتل جسده عرقاً ‪,‬‬

‫جلس قربها قائالً‪:‬‬

‫ ال تعقدي األمور ‪.‬‬‫ صدقني احبك ‪.‬‬‫‪66‬‬

‫كان صوتها الهث ومنعش و ينساب الى مسامعه ممتعاً ‪ ,‬تركها تنهض‬

‫بحلمها ‪ ,‬حدجها وتفحصها ثم قال بصوت منخفض ‪:‬‬

‫ أنا رجل غنى فال تخافي على ثروتك ‪ ,‬لي ما يعيشنا قرناً كامالً !‬‫نهض في رضوض فتبعته بعبارات لطيفة ‪:‬‬
‫ هل قلت ما يضايقك ؟‬‫كانت تتكلم وتحس بشيء يخربش حنجرتها ‪ ,‬اختنق الجو ‪ ,‬هالها الشعور‬
‫بالذنب والكراهية ‪ ,‬صمت االثنان لحظات طويلة ‪ ,‬فأخذت تالعب شعره بأنامل‬
‫أنثوية ‪ ,‬فشعرت كأنها تمسح شيئاً عظيماً ‪ ,‬تابعت سيرها برشاقة وصدرها الناهد‬
‫مخبئ خلف قميص حريري شفاف يتالعب كورقة لينة ‪,‬فقالت وهي تهز رأسها‬

‫في حنان ‪:‬‬
‫ أرجو ان ترفع النظرة الرجعية التي ينظر بها آبائي الصحراويون إلى أخوتي كلنا‬‫سواسية هكذا قال الحديث الشريف ‪.‬‬
‫ضحك بصوت هامس وقد أحيته العبارة من غفوته ‪ ،‬العب خصرها فخيم على‬
‫المكان الصمت والنظرات المتبادلة ‪,‬جذبها برقة متناهية إلى صدره العريض ‪,‬‬
‫ثم اتجهت النظرات تحدق األرض المخضرة ‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫‪13‬‬

‫ضجيج المواطنين يعلو ويهبط في كل مكان ‪ ,‬عمت اإلشاعة القادمة من‬
‫أطراف مدينة "قلندن" في العاصمة أن ينبوع ًا تشفي مياهه البرص والعمى‬

‫واألمراض الجلدية وجرعة قليلة من تلك المياه تجعلك على قدر واسع من الذكاء‬
‫‪ ...‬القوي والضعيف على سواء تزاحموا حول الينبوع ‪.‬‬

‫كان اإلجهاد في عيني "جبريل" القلقتين واضحاً ورفيقه "محمد كلى" و‬

‫يزحمون الجموع ليظفروا بشرب الماء أو لمسه ففي لمسه أيضا‬
‫"أبو سكين " ا‬
‫بركات ‪...‬‬

‫المنظر يوحى بالرعب والدهشة ‪ ,‬خرجوا يلهثون بأياد مبتلة ‪...‬وفي الطريق‬
‫على عربة النقل قال " محمد كلي" في صوت فيه حشرجة ‪:‬‬
‫ نظر "سندو" إلى األمر بسخرية ‪.‬‬‫أجاب "جبريل" زاف اًر ‪:‬‬

‫ أصبح المرء فينا ال يعرف ا هو على صواب أم خطأ !‬‫كانت العربة تقطع المسافة بسرعة ‪ ,‬فتصنع خلفها سحباً كثيفة من الغبار ‪,‬‬

‫تحدث "أبو سكين" وعيناه تزرفان دموعاً مرئية اثر الغبار والرياح الباردة ‪:‬‬

‫‪ -‬بدا الغرور يسكن "سندو" ‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫لم يجد تعقيباً على جملته مما جعله يستلقى بتكاسل ‪ ,‬يعطس بين الركاب‬

‫وفي جفنه شيء من النعاس ‪.‬‬

‫صوت العربة القديمة يأتي متنوعاً كاألنين ‪,‬كالقهقهات ‪ ,‬أصوات أخرى حادة‬

‫كصرخات المرأة وأخرى كنقيق الضفادع‪..‬‬

‫***‬
‫كان الفتي "سندو" يسير وحيداً في ليل ثائر بالرياح الباردة ‪ ,‬عيناه تلحقان‬

‫بغيوم السماء الداكنة ‪ ,‬رأى خلفه جيشاً من الكالب تطارد أنثى ‪ ,‬غير طريقه‬
‫المعتاد وأكمل خطواته وسط المياه الراكدة بعد أن شمر بنطلونه رافضاً إخراج‬

‫حذائه خشية زجاج أو حديد جارح ‪.‬‬

‫قرع الباب بعنف وقف يتأمل بأفكار السحب الكثيفة ‪ ,‬دخل غرفته ‪ ,‬اتكأ‬
‫على فراشه يدور بعقله ‪ ،‬يتذكر قريته الوديعة وأيامه األولى ‪ ،‬رأى صورة أمه ‪،‬‬
‫ظلت دموعه تجري بغ ازرة ‪ ،‬ونام بعد سهر طويل ‪.‬‬
‫الح الفجر بلونه المعهود وظهر الضوء من قصر األفق البعيد‪ ,‬استيقظ من‬
‫نومه وفي قلبه الخوف والرجاء واألمل ‪ ،‬ارتسمت على وجهه صور النكد‬
‫والطرافة ‪،‬فانتابته حالة شعر فيها وكأنه كره الحياة وكره نفسه ثم كره الدولة‪.‬‬
‫توالت األيام على نمطها الطبيعي بال تغير وظل حديث الشعب يدور حول‬
‫الثورة الجديدة التي اتخذت من جبال "تبستي" مق اًر لها ‪،‬لم تكن المدن مضطربة‬

‫ولم تكن قلقة ‪.‬‬

‫كان الضجر والسأم والملل يحملونه كل محمل ‪ ،‬لم يعجبه رأى أستاذه "ياسر"‬
‫على أن يشاطره السكن في منزله لقد أحب العيش وحيداً ال احد يتدخل في‬
‫شؤونه ‪ ،‬يسهر حتى آخر الليل ويظل عاطل كيفما يشاء ‪ ..‬الحب‪ ،‬واألمل‪،‬‬

‫والطموح تعني له الحياة الحلوة والجنة الصغيرة ‪.‬‬
‫نهض ليلتقي بصديقه "حسن مؤمن" في منزله بال موعد ‪ ،‬وخرجا حال لقائهما‬
‫‪69‬‬

‫واتجها إلى الحواري التي تقع جنوب أنجمينا ‪ ,‬نزال من العربة ‪ ،‬تقدمه "حسن‬
‫مؤمن" في األزقة الضيقة ‪.‬‬
‫أطفال يلعبون في الشوارع بعشوائية ‪ ،‬الكالب أمام األبواب ‪ ,‬نساء وشباب‬
‫ومسنون يتعاطون النبيذ ويتمايلون مخمورين ‪ ,‬الحفر ظاهرة في الطرقات‬
‫والكتابات الفرنسية على لوحات البيوت والمطاعم مثل التجاعيد في الوجوه‬
‫اآلدمية ‪ ،‬لم يكن "سندو" من الذين ألفوا حارة "كبالي" لهذا ظل غريباً فيها رغم‬
‫اعجابه بها‪.‬‬

‫الطرقات تخلو من المارة ‪,‬األشجار ساكنة ‪,‬والحانات هادئة ‪ ،‬وأصوات الكالب‬
‫تأتي كعواء الذئاب المفترسة ‪,‬فارق رفيقه وهو يمشي متثاقل الخطى ‪ ،‬آوى إلى‬
‫فراشه ورمى نفسه متهالكاً على الفراش ‪ ،‬أخذته أحالمه إلى البعيد ‪ ،‬ظل يرنو‬
‫إلي الدنيا برفق ثم أغلق جفنيه ‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫‪14‬‬

‫مرت الشهور وكأنها محمولة على أقدام ‪ ،‬بحالوة وشقاء ‪ ,‬بنعيم وبؤس ‪,‬‬
‫تمضي األمور ثقيلة وخفيفة ‪ ,‬شفافة كالماء ‪ ,‬الحياة ما تزال بين الحلو والمر ‪،‬‬
‫الزمن يدور في وجه أنجمينا بهدوء‪ ،‬تتقلب األوضاع وتشكل رؤية بعيدة المدى‪,‬‬
‫وتقف الدولة حالة مبهمة كالموت ‪.‬‬
‫"سندو" مثل باقي رفاقه لم يتغير فيه إال ظهور شعرات صفراء فوق شفته‬
‫العليا ونمت حبات قليلة من شعر الذقن ‪ ,‬استأجر غرفة أخرى في حارة‬
‫"بالبلين"‪ ..‬الشهادة الثانوية التي حلم بها لم تغير شيئاً البته وجعلته يرى الدراسة‬

‫في دواخله شيئاً غريباً ‪ ،‬شهادات و أوراق ومستلزمات أشبه بالتدريبات‬
‫العسكرية‪،‬كان يتساءل دائماً ‪،‬لماذا كل هذه القيود التي تفرض نفسها ؟ ما سر‬

‫األنظمة العقيمة ؟ األسئلة تتشربك في عقله حتى ترك الدارسة !‬

‫العمل في وجهة نظره روح وانتقاضة للحياة القديمة والجديدة إال أن العمل في‬
‫طرمبة بنزين ال تسد الرمق حتى اإليجار بات قاسياً وعسي اًر ‪.‬‬

‫كان جالساً على منضدة يراجع في كتاب (نحو) أغلقه في ملل عندما دخل‬
‫عليه زائر بال استئذان ومقدمات ‪ ،‬عرفه للوهلة األولى انه أحد أقاربه القاه‬

‫ببشاشة ثم جلس مشدوهاً فانه رأى ام اًر غير طبيعي من حين آلخر في وجه‬
‫‪71‬‬

‫الزائر البائس ‪ ،‬شاحبة مالمحه كورق الشجر المصفر ‪ ،‬عاج اًز عن الكالم حتى‬

‫قال بصوت واضح ‪:‬‬

‫ األخوان يطلبونك في بيت والدك !‬‫خرج خلفه ومشى يتبع ظله ‪,‬‬

‫شعر بضربات قلبه تزداد كلما اقتربت‬

‫المسافة ‪,‬شعر بهلع ‪ ,‬ركض مهروالً إلى الجموع ‪ ,‬أحس بأمر لم يطاوعه سأل‬
‫الرؤوس الملتحفة بالعمائم البيضاء فأجاب أعقلهم ‪:‬‬

‫ إنا هلل وانا إليه راجعون ‪.‬‬‫اجتاحه الم شديد ‪,‬جرت الدموع المرئية تغطى وجنتيه بغ ازرة ‪،‬بكى بصوت عال‬
‫كطفل صغير ‪ ،‬جثا بركبتيه امام جثة أبيه ‪ ،‬رفع عن وجهه الكفن جاءته نوبة‬
‫إغماء !‬
‫حل له األرض تزلزل من تحته وقلبه يخطو على جمرات ملتهبة ‪ ،‬تسللت‬
‫مفاصلة رعشة كآبة أبدية بحالة حزن فاجع ‪،‬اخذ يبكى من جديد وينتحب ‪..‬‬
‫يغسل وجهه بدموعه ‪ ،‬ال احد يدرك صراخه الخافت إال العالم بذات الصدور ‪،‬‬
‫همومه مسكونة باآلالم ‪ ،‬يقف في صفوف المصلين يؤدون صالة الجنازة في‬
‫المسجد ‪،‬وضوء المصباح الذي غطى المسجد بنوره ال تبصره عيناه فـكل شيء‬
‫أمامه ظلمه دامسة كظالم الليل الهارب من شمس النهار ‪ ...‬تبعثرت أحالمه‬
‫وأفكاره ‪ ,‬لم يعد هناك رؤى غير الذكرى ‪ ،‬انقض صدره وانهال عليه الحسرة‬
‫وهم يدفنون أباه ‪ ،‬أفاق على حقيقة أمره فلم يعد له هناك ثمة إنسان قريب ‪،‬‬
‫ذهب مصدر القوة كما كان يخيل اليه‪ ،‬و ارتخت عضالته كالقميص الرث‬
‫الممزق ولم يخطر بباله أن هذا الذي جاء من صلبه سيصمت جامدا تحت‬
‫التراب ‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫وفي اليوم التالي وقف يحدق الحضيض المبتل بالماء ‪ ,‬صب الماء عمدًا أكثر‬

‫ليصبح الجو أكثر برودة ‪ ،‬وقف وكأنه يخاطب األرض ‪,‬الحلم ‪,‬اإلنسان‪,‬نظراته‬
‫كانت يائسة كالمنتحر ‪.‬‬
‫نصبت الخيام في قلب الطريق وبدأ المعزون يتوافدون حتى جاء يوم‬
‫(الصدقة)* كان الكثير يحاولون أن يخففوا عنه األلم ‪ ،‬جاءه المعلم "ياسر"‬
‫وفتح معه صفحة طويلة يتكلم فيه‬

‫ويوعظ ‪ ،‬و "حسن مؤمن" دعمه في‬

‫(الصدقة) بمواد السكر والشاي وبعض االحتياجات‪ ،‬وشخصيات كبيرة من‬
‫رجال الحارة شاركوه حزنه إال انه هادي وساكن بال وعي وال حركة ظل صاب اًر ‪،‬‬

‫وصاب اًر‪ ,‬و صاب اًر‪.‬‬

‫توالت األيام وما يزال ماض في حزنه ‪ ،‬همومه تنمو يوماً بعد يوم كأنها‬

‫كائن حي ‪ ,‬الحياة صعبة بعد أن فصل من العمل ‪ ،‬كره دخول الجامعة‬
‫ومواصلة التعليم ‪ ،‬أصعب من كل ما يعانيه صعوبة الحصول على لقمة‬
‫العيش ‪ ،‬والمعاناة في جدوله اليومي ثابتة والهموم تتدفق والفشل أمامه بوضوح‬
‫والنجاح حلم عظيم ‪.‬‬
‫اآلن الصمت جزاء منه ‪،‬هادي الطباع ‪ ,‬قليل الضحك ‪ ,‬سريع الحزن‪,‬‬
‫حازم في معامالته ‪ ,‬شاحب الوجه ‪,‬وظهر للناس فجأة وهو يدخن السيجارة‬
‫بشراهة طوال اليوم وكانه كان يمارس هذه العادة منذ الطفولة رغم ان رفاقه‬
‫جميعاً يتفقون على انها عادة جديدة اكتسبها فجأة ‪.‬‬

‫وفي المساء وحيداً جلس ينفث دخانته دفعة واحدة‪ ..‬الغرفة تفوح برائحة التبغ‪،‬‬

‫راح يغلق عينيه ويفكر في عالم آخر غير أن طنين الذباب آفاقه عندما وقع في‬
‫شرك عنكبوت ‪ ،‬حدج في المنظر ال يعرف ما يفعله ينقذها أم بذلك يظلم‬
‫العنكبوت ‪ ،‬نهض من كرسيه وخاطب نفسه إن ما يحدث اآلن في ملء عينيه‬
‫قضية أشبه بالعولمة ‪ .‬فجأة دخل عليه المعلم "ياسر" والمدير "حمودة"‪،‬أفسح‬
‫‪73‬‬

‫لهما المكان ‪ ،‬جلسا بلطافة ‪ ،‬شعر بالخجل الهادي عندما لم يجد ما يقدمه‬
‫لضيفيه غير الماء البارد ‪ ،‬هز أرسه يوبخ هذا الواقع المرير‪ ،‬لم يمكث األمر‬
‫طويال حتى دخل عليهم "حسن مؤمن" كأنه يحمل رسالة هامة حاولوا أن يعيدوه‬
‫إلى الجامعة أو الكنبة إال أنه اخرج لفافة تبغ وأشعلها ‪ ,‬أنكر معلمه هذا المشهد‬
‫فخاطبه "سندو" متوددا ‪:‬‬
‫ عفوا معلمي خلق اهلل اإلنسان قوياً وأحس دائماً بذلك وبت اشعر أن بالدي‬‫نفسها تتلمس في ما يجعلها تحبني وأحبها لقد توصلت إلى أن الهجرة هي‬
‫وسيلة من الوسائل التي تضع اإلنسان على مشارف الطريق ‪.‬‬
‫قال "حسن مؤمن" بهدوء وثقة موجهاً كالمه للمعلم "ياسر"‪:‬‬

‫ أن ابنك "سندو" يعرف ما ينفعه ويضره أما إذا رأى فينا ما نستطيع أن نفعله‬‫فليخبرنا حتى نقدم له العون اقصد الواجب اما بالدك تحبها وتحبك وفي الوقت‬
‫نفسه تريد الهجرة فهذا ال استحسنه‪.‬‬
‫قال "حمدون" بصوت خافت قبل ان يتدخل المعلم ‪:‬‬
‫ الصبر مفتاح الفرج ‪..‬‬‫سكت "سندو " طويال حتى تكلم بحزن وشيء من الوقار ‪:‬‬
‫ عجيب أمر الدنيا بت انظر إليها بتمهل هناك من أدركوا كنهها فتعاملوا معها‬‫بحكمة وأتمنى أن أكون منهم !‬
‫اتكأ "حسن مؤمن" وقال بمرح ‪:‬‬
‫ اخبرنا النبي بأن الدنيا حلوة خضراء‪,‬إنها نعمة اهلل على اإلنسان ‪.‬‬‫قاطعه وفي نفسه شروخ ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫منذ صغري ‪.‬‬
‫‪74‬‬

‫ابتسم وأكمل بأناة ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫ منذ صغري عرفت أن الدنيا بوجهين ‪ ،‬الحوادث التي مرت كأنها وقعت اليوم ‪،‬‬‫كانت قريتنا من القرى المشهورة وكنت من الصبية المشهورين والدي رجل طيب‬
‫‪ ،‬وكريم ‪ ،‬وأمي كذلك بعد زواجها من أبي بعام توفى أبوها فورثت جزاء كبير‬
‫من ممتلكاته فدللتني ‪ ،‬منذ صغري يصفوني بالذكاء أنا اآلن ال امتدح نفسي‬
‫إنما شيء بداخلي يتحرك فال بد أن أخرجه حتى يطمئن قلبي ‪ ،‬كثي اًر ما نقيم‬
‫حلقات يتجمع فيها الفتيان والفتيات ونتعارك نحن الصغار فارمي أصدقائي‬
‫واطرحهم أرضاً برغم أن لعبة المصارعة كانت من المحرمات كشرب الخمر إال‬
‫أن أمي تشجعني على العراك باستمرار ‪ ،‬ماتت وأنا ابن الثامنة ‪،‬عندما مضت‬
‫شعرت أن كل شيء مضى‪ ،‬حاول الكثير من األقارب أن يتبناني إال أن عمتي‬
‫هي التي نجحت ‪ ،‬أعرف أنها كانت تفكر في ثروتي فأنا الذي سأرث أكثر من‬
‫سبعين رأس بقر لم يهتم والدي بأمري شأن أهل القرى في بالدنا ‪ ،‬تزوج بأخرى‬
‫وهاجر ‪ ،‬بدأت عمتي تعاملني بقسوة فبدالً من ذهابها إلي البئر كامرأة أصبحت‬
‫أنا الذي اقطع المسافة حامالً على أكتافي جرة كبيرة ‪ ،‬لم تكن تعلم بان ذلك ‪،‬‬
‫كان يزيد من قوتي وشجاعتي ولو كانت تعرف ذلك لمنعتني ‪ ،‬في األعياد‬
‫كانت أمي تشتري لي أحسن المالبس فنغدو سوياً لزيارة األهل واألحباب في‬
‫القرى المجاورة أما هي فقسمت مالبسي بين أوالدها باسم أخوتك ‪ ،‬أصبحت في‬
‫العيد أذهب وحدي وسط األشجار الكثيفة أتسلق إحدى األشجار أفرح بصحبة‬

‫‪‬‬

‫الصدقة عادة في تشاد وبعض البلدان األفريقية المسلمة ‪,‬يأتي المعزون في اليوم الثالث يذبحون ويطلبون‬
‫الرحمة للميت ‪.‬‬

‫‪75‬‬

‫البالبل والطيور الصغيرة فقد كانت تكتسي بريش جميل تشعرني وكأنني واحداً‬
‫منها إنها لحظة جعلتني أرى الدنيا بمظهرها الحقيقي ‪ ,‬ذات يوم جاءت ثلة من‬
‫الصبية إلى المرعى يريدون المبارزة ‪,‬كان الصغار خائفين يرتعشون ال أحد‬
‫منهم يجرؤ على الدفاع حتى عن نفسه فثارن الفتيات على هذا الجبن وفجأة‬
‫ظهرت من بين األعشاب كالثعبان ودخلت الدائرة بال مقدمات فتراجعوا وظهرت‬
‫عمتي هي أيضاً فجأة كالموت‬

‫وأخذت تضربني بعنف وتشتمني فغضب‬

‫أصحابي الصغار وثاروا ضدها حتى تجمع الكبار وأخذت هي موقفاً عنيداً‬
‫ضدي خاصة وأن ذلك من االلعاب المحرمة في قرانا ‪ ،‬لقد عشت حياة قاسية‬
‫ال اعتقد أن صبياً يعيش مثل هذه الحياة في القرى األفريقية الهادئة الحلوة‬
‫المسالمة ‪ ،‬حياة أشبه بعذاب القبر ‪ ,‬تجعد شعري وتشققت رجالي وظهرت‬
‫تجاعيد الكآبة واضحة في وجهي فترهلت وأصبحت أفضل العزلة لهذا ربما‬
‫وحيداً بال أسرة وال أهل كالعفريت ‪ ،‬لم يفكر احد في تعليمي فالتحقت بنفسي‬
‫ودرست في الخلوة ‪ *11‬وحفظت القرآن ‪ ،‬كنت اقطع المسافة إلى قرى بعيدة في‬
‫منتصف الليل اقطعها بعد اجتياز مخاطر فاشعر بالمتعة ألنني أسير وحدي ال‬
‫أحد يضايقني وال هناك ما يشعرني بالنقص وهذا ما جعلني اتحدى القساوة ‪،‬‬
‫مرت األيام واألشياء كالغيوم وعاد أبي من رحلته وفوجئت بأنه عائد من الحج‬
‫استقبلته كل القرية كرجل مبارك إال أنا كنت أحدق فيه بتقزز لقد اخطأوا عندما‬
‫قالوا إن حنان األمومة اقوى من األبوة كالهما سواء إال أن الفرق هو أن حنان‬
‫األبوة يأتي ببطء وهكذا ركض من بين الزحام وحملني في حضنه ‪ ،‬إن حضنه‬
‫‪‬‬

‫الكتاتيب‬

‫‪76‬‬

‫عوضني الكثير مما فقدته بكى يومها بكاءاً م اًر ‪ ،‬وفي عودته أخذني برفقته إلى‬
‫أنجمينا فأرسلني إلي شيخ صالح يقوم بتدريس القرآن وتفسيره ‪ ,‬واصلت مواظباً‬
‫في دروسه بطمأنينة عالية ثم مات الشيخ بعدها اتجهت للعمل في عربة نقل‬
‫كبيرة مع ابن عمي كان عمالً أشبه باألشغال الشاقة في السجون فتركته ‪.‬‬
‫صمت ينفث دخانه على مهل ‪ ،‬تتقمص الحاالت المتغيرة في وجهه‬
‫وتعكس ما في داخله ‪ ،‬أغمض عينيه فتحسس المعلم "ياسر"مالمحه فكانت‬
‫تعطي رؤى المستقبل البعيد فأكمل وقد ارتسمت على وجهه صور األلم والمتعة‬
‫‪:‬‬
‫ اتجهت إلى المدرسة النظامية بالصف الرابع االبتدائي وألنني كنت أجيد القراءة‬‫والكتابة و أحفظ كتاب اهلل من الجلد إلى الجلد نقلت للصف الخامس ‪ ،‬كان‬
‫طريقي للمدرسة طريقاً واحداً وفي الطريق كنت أشاهد شابة من الملونين‬
‫تعطيني أهمية وتتغزل بكلمات أكبر من سني فأنا ابن األثنى عشر ال افقه شيئاً‬
‫من هذه الكلمات المعسولة بل كنت أحيانا اشتم وأثور ‪...‬‬
‫ إنها موجودة اآلن ؟‬‫قال "حمدون" جملته هذه ساخ اًر وهو يترصد وجهه بحذر ‪ ،‬أشعل سيجارة أخرى‬

‫وواصل بال مباالة وبدون ان يمازحه كالعادة ‪:‬‬

‫ يقال إن والدها فرنسي جاء من أحد أحياء باريس ‪،‬واحد من الخمسة آالف‬‫جندي فرنسي المتواجدون في العاصمة‪ .‬تعرف بوالدتها ووقع األلم الوخيم عندما‬
‫ظهرت الجميلة كإبنة غير شرعية بدأت تعطيني حلويات وبسكويتات غريبة لدي‬
‫وقد احببت ذلك‪ ،‬فأصبحت ابحث عنها ال أنكر بأنها استطاعت أن تقدم لي‬
‫شيئاً من العاطفة فأصبحت انظر في عينيها السوداء وجه أمي وفي بشرتها‬
‫‪77‬‬

‫الصفراء عظمة الشمس الوهاجة التي تعيدني إلى القرية ‪ ،‬عندما اذكر القرية‬
‫اقصد القرية في حياة أمي وفي شعرها األشقر اكتشف وحدتي ‪ ,‬غابت أيام‬
‫فتسللت منزلها بتلصص وعندما تقدمت نحو الغرفة خرج كلب لم يخفني بنباحه‬
‫ومن خلفه خرج رجل ابيض كل شيء فيه ابيض شواربه ‪ ،‬شعر رأسه ‪ ،‬حتى‬
‫لحيته القليلة ‪ .‬نظر إلي بعينيه الزرقاوين واخذ يلملم أطراف يديه في رخاوة‬
‫وقبل أن‬

‫يقل كلمة ظهرت ما بين كاسية وعارية اقتربت مني و أمسكت‬

‫بذراعي فقلت لها بصوت الصبية قبل أن تقل كلمة ‪(( :‬من هو هذا الرجل ؟))‬
‫أجابت ضاحكة ‪:‬‬
‫(( انه حبيبي وخطيبي أنت رفضتني لهذا أخذت حبيباً آخر ))‬
‫فقلت لها ‪:‬‬
‫((ومن أين جاء هذا الرجل؟؟ ))‬
‫قالت باسمة بسمة الخجل‪:‬‬
‫((جاء من فرنسا قبل أسبوع )) ‪.‬‬
‫أول مرة اسمع فيه فرنسا ظننت في أول أمري بأنها احد المديريات التشادية‬
‫فسرعان ما عرفتني بأوربا و إفريقيا وبالدي ثم أخبرتني بأنه جاء لحماية بالدي‬
‫وهذا ما جعلني انظر إليه بإعجاب بالغ وأخي اًر رايتها تهمس إنه يشبه "محمود"‬
‫لم أكن أعرف من هو "محمود" هل هو حبيب مفقود أم شقيق ؟ تزوجت بالرجل‬
‫األبيض وأعطتني عنوانها وهاجرت إلى مرسيليا ‪....‬‬
‫‪ -‬وهل احتفظت بعنوانها حتى اآلن ؟‬

‫‪78‬‬

‫قال ذلك "حسن مؤمن" وصمت باحترام ‪ ،‬أخرج "سندو" علبة السيجارة وفتحها‬
‫بمهل فإذا بها خالية ‪ ،‬تغيرت مالمح وجهه فناوله "حسن مؤمن" سيجارة فواصل‬
‫براحة بال ‪:‬‬
‫ نعم احتفظ بعنوانها ال اخذ وقتكم بالكالم كبرنا وازدادت همومنا وظلت األهداف‬‫التصل الى مرماها ‪ ،‬لو ال أن االنتحار نوع من الهزيمة إل نتحرت!‬
‫قاطعه المعلم بلهجة عاتبة ‪:‬‬
‫ على اإلنسان أن ينظر إلى خالقه ومدبر شؤونه ‪ ،‬فالحياة تافهة ال تستحق أن‬‫يعطيها المرء اكبر من حجمها‪.‬‬
‫قال "حمدون" بصوته الغليظ ‪:‬‬
‫ أنت قوي منذ صغرك ؟‬‫فأردف "ياسر" مرة أخرى ‪:‬‬
‫ كلنا مررنا بحياة صعبة لكننا لم نكن مثلك لقد رفضت الكثير مما كنا نتخاطف‬‫عليه ‪.‬‬
‫قال ياسر مرة اخرى ‪:‬‬
‫ تاثير المستعمر تجسدك فيك بطريقة مباشرة من خالل فتاة جندت لهذا الغرض‪.‬‬‫قاطعه حسن مؤمن‪:‬‬
‫ ما عالقة ذلك بالمستعمر ثم يكفى ان لهم قاعدة لحماية الدولة ‪.‬‬‫قال ياسر ‪:‬‬
‫‪ -‬اتقي اهلل يا حسن‬

‫‪79‬‬

‫دار جدل ولغط عنيف ‪ ،‬ملوا الحديث وتعبوا من الثرثرة و الكالم ‪ ،‬ونهضوا‬
‫مفترقين عندما أصبح الطقس بارداً يحمل في طياته رياحاً مجنونة عارية من‬
‫الغبار واألوراق ‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫الحلم األبيض‬

‫‪81‬‬

‫‪15‬‬
‫استيقظ وفي نفسه شوق كبير تواق لرؤية الشمس بدفئها وحنانها ‪ ,‬كان يوماً‬

‫جيداً‪ ،‬الهواء الطلق يمأل المدينة ‪ ,‬نهض من فراشه وتمطى واقفاً ثم استرخى ‪ ,‬اخرج‬
‫من تحت فرشته حافظة الصور التذكارية ‪ ،‬تذكر صديقه "جبريل" قبل مغادرته إلى‬

‫السعودية ‪,‬تذكر زواج "محمد كلي" وهجرته إلي جنوب البالد‪ ،‬لم يبق معه في أنجمينا‬
‫إال "أبو سكين" لقد اعترف بينه وبين نفسه ربما أقواهم إرادة ألنه الوحيد الذي ظل‬
‫يواصل الدراسة الجامعية أما صديقاه "جبريل" و "محمد كلي" فلم يناال حتى الثانوية‬
‫‪،‬تذكر "عبد الرازق" الذي اختفى فجأة وزميله " أبا عمر " ‪ ،‬هز رأسه بعمق واخذ يقلب‬
‫الصور األخرى ‪ ,‬وقف عند فتيات جميالت و أغلق الحافظة في حزن ‪.‬‬
‫خرج ضحى يسير متثاقالً على بطء حتى وصل دار النادي الثقافي ‪ ،‬دخل المكتبة‬
‫يطالع ‪ ،‬جاءت فتاة صغيرة وحيته بأنوثة فياضة لم يسمع تحيتها فوضعت األنثى يدها‬

‫على الكتاب فالتفت مذعو اًر فإذا بعينيه تلتقي بعيني "كبرى" ‪،‬فابتسم لها ابتسامة‬
‫أظهرت طقم أسنانه البيضاء بلثة داكنة ‪,‬بدا يخاطبها بمواضيع متنوعة وهي تسمعه في‬

‫وقار ‪ ,‬صمت الشاب فقالت ‪:‬‬
‫‪82‬‬

‫ ال اعرف كيف أفسرك ؟حاولت أن أتقرب اليك فابتعدت عني لماذا كل ذلك ؟‬‫أجابها بوجه متأمل ‪:‬‬
‫ أنني في يدك ولم أحاول مرة أن اهرب منك فهل يعقل إلنسان مثلي أن يهرب‬‫من كل هذا الجمال إنني في طاعتك متى ما شئت أريدك أن تعيشي في ظل‬
‫حياة سعيدة مثلما يعيش باقي البشر‪،‬أنا واثق انك ال تتحملين هذه القسوة والكآبة‬
‫‪.‬‬
‫ ال تقل ذلك وال تجرحني فأنا لست فتاة ضعيفة ! ‪.‬‬‫ األمر ليس سهال كما تعتقدين ‪.‬‬‫ كل الشباب يتزوجون وهم في ظروف مثل ظروفك ‪.‬‬‫ أوالً المهر ‪ ،‬ثانياً السكن ‪،‬ثالثاً العمل والراتب‪،‬هذه األمور هي التي تحدد‬‫مصيرنا وبقاءنا ‪.‬‬
‫ إن الذي يحدد مصيرنا وبقاءنا هو اهلل والظروف في أنجمينا واحدة ‪.‬‬‫ كوني واقعية ‪.‬‬‫قال جملته هذه وعاد إلى الصمت والحزن فقالت ‪:‬‬
‫ إن المهر بسيط لي بعض من الحلى الذهبية ذات قيمة كبيرة أما السكن فوالدي‬‫سيتكفل به وأستطيع أن آتيك برأس مال تتاجر به أو تقوم بمشروع صغير ‪.‬‬
‫ال تتكلمي مرة أخرى بمثل هذه األلفاظ ثم لماذا كل هذا التعب ؟ ‪.‬‬
‫ ألني احبك‪.‬‬‫‪ -‬وأنا كذلك احبك ‪....‬‬

‫‪83‬‬

‫ األرزاق مقسمة ثم إن األزواج الذين يبنون أعشاشهم بأيديهم كما تفعل الطيور‬‫أقوياء ‪.‬‬
‫ ربما أقوياء ولكن إلى متى عش وراء عش ؟ عمرها الطيور لم تفكر أن تبني‬‫منازلها كعرين األسد ‪.‬‬
‫ ولكن إلى متى نظل نحلم ؟‬‫ إلي أن يستجيب اهلل !‬‫ لو كنت محلك عندي حق االختيار والزواج لتقدمت وتزوجنا‬‫ آه لهذا السبب أعطى اهلل المرأة حق المهر !‬‫مرت لحظات ظل فيها يفكر في البعيد وهي األخر تفكر في حزن حتى‬
‫أفاقا على طرقات الباب ‪ ،‬دخل عليهما األمين العام للنادي وجلس بينهما‬
‫يستأنث الحديث‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫‪16‬‬
‫توالت الشهور ‪ ...‬في يوم بارد قبل أن تغرق الشمس بين الجبال الراسية ‪ ،‬غرقت‬
‫الدولة في إجازة عامة خمسة عشر يوماً وبدأ الناس يتزاحمون في األسواق استعداداً‬
‫لحلول العام الجديد ‪...‬‬

‫أشرقت شمس يناير األولى على الكون وأعلنت ميالد عام جديد ‪ ،‬ارتدت الشوارع‬
‫الواناً جديدة ولبست الجدران لوحات جميلة وخرج الشباب يطردون ما في صدورهم من‬
‫الحزن والضيم الى حواري "كبالي" و "مرسال" و "دمبي " حيث أنها أكثر بهجة ‪.‬‬

‫خرج "سندو" بصحبة "حسن مؤمن" واتجها إلى ملهى مكرير‪ ،‬كانت الساعة تشير‬
‫بعقاربها الى الحادي عشر ليالً ‪ ،‬الظالم خفيفاً هذه المرة والجو لطيفاً واكثر اعتداالً ‪..‬‬
‫كانت الموسيقى الكنغولية تأتي صاخبة ‪ ,‬الرؤوس تتصادم ببعض ‪،‬والرقصات تتنوع‬

‫مثل جسد الحرباء ‪..‬‬
‫جلسا على المقعد في شكل طبيعي واحضر الجرسون على سفرة صغيرة براقة‬
‫مشروبات متنوعة (جنيس) (وسكي) (كاستل) و(كوكا)‪.‬‬
‫مرة أخرى تحركت عجالت العربة إلى ملهى (او رورو) و أحس "سندو" بأن‬
‫األنوار المتصادمة واأللوان المختلفة والموسيقى الهادئة يبتلعها الهواء البارد اآلتي من‬

‫‪85‬‬

‫جهاز التكيف يعانقه في حالة نشوة ‪ ،‬والمقاعد األسفنجية مريحة وأكثر نعومة ثم نهضا‬
‫بال مقدمات ‪ ،‬وعالمات اإلرهاق واإلجهاد واضحة ليصال الى البيت ‪.‬‬
‫واستيقظ سندو صباحاً ووجد رفيق منهكاً في مراجعة فواتير كثيرة ‪ ،‬رمى نظرة تجاه‬
‫السقف وقال لرفيقه ‪:‬‬

‫ أصبحت انظر إلى األمل وكأنه بدأ يموت ويتوارى ‪.‬‬‫أجابه بصوت خافض ‪:‬‬
‫ خذ األمور ببساطة !‬‫ وماذا بعد البساطة ؟‬‫ يفتح اهلل ‪.‬‬‫ لو كنت مكانك لتزوجت !‬‫ و من تكون صاحبة الحظ ؟‬‫ "كبري" ابنة المعلم !!‬‫ ال يمكن "لياسر" ان يزوجك ابنته الجميلة ‪.‬‬‫ ولماذا؟‬‫ لعدة أسباب ولكن بإمكانك أن تتصرف بحكمة !‬‫ كيف ؟؟‬‫ أريد أن أقول لك انتهي عهد الحب الطويل ‪،‬إن الطريقة التقليدية التي تخطوها‬‫هي نفس طرق الشعراء الذين لم نق أر في قصائدهم إال البكائيات ‪ ،‬يجب أن‬
‫تشعرها بأنها أنثى وانك الذكر وهذا ال يتم باأللفاظ ‪.‬‬
‫ قلت لك ابنة معلمي ثم إنني شاب يخاف اهلل ‪.‬‬‫ كلنا يخاف اهلل وهي ليست عذراء ‪.‬‬‫‪86‬‬

‫ ومن قال لك ذلك ؟‬‫ الظن والشك ‪،‬رأيت في مشيتها انفراج القدمين وارتخاء في عجيزتها والخجل‬‫الزائد ‪.‬‬
‫ كذاب‬‫نهض غاضباً فلحقه رفيقه ليعيده إلى هدوئه ‪,‬جلس للحظات ثم انصرف تاركاً‬

‫رفيقه إلى حيث داره ‪.‬‬

‫دخل حجرته يحس دوا اًر وظلمة داكنة جعلته يرنو ما حوله بلون الدم ‪ ,‬أحس هذه المرة‬

‫بأنه وحده يتألم ‪ ،‬وحده يعيش في العالم المترامي ‪ ،‬داهمته حالة مستفهمة في غرفة‬
‫ظلماء جعلته ينظر إلى نفسه بإشفاق وازدراء وخوف ‪ ،‬جلس على فراشه متكئاً على‬
‫الجدار يخاطب نفسه "هذه هي الغربة" ‪ ،‬بكي بكاء ذاق طعم م اررته وشم رائحة‬

‫دموعه المرئية كريهة كرائحة الجرح ‪ ,‬مرت الساعات بطيئة ووقف بصعوبة متجهاً‬

‫صوب الخارج ‪.‬‬

‫كان ملقى على فراشه عندما سمع طرقات متالحقة لم يستطع النهوض مما جعل‬
‫الطارق يدخل بال استئذان ‪ ،‬أجهد نفسه ليستضيفه إال أنه اخفق حمل نفسه ليقف‬
‫فأصابته دوخة قوية فسقط على فراشه متألماً ‪...‬‬

‫تحسسه "أبو سكين" فتركه في الحال ليعود بصحبة الطبيب ‪ ،‬قلبه ومط يديه‬

‫المرتعشتين ‪ ،‬طمس في ذراعه حقنة ذات إبراة حادة وأعطاه أقراصاً وقدم نصحا "ألبو‬
‫سكين " بإعطائه الدواء بانتظام ‪.‬‬

‫دخل المعلم يرنو إلى وجهه البريء وهو يغط في النوم ‪ ،‬تناول األدوية يقرؤها‬
‫مشدوداً فتوقفت شعيرته كاإلبر الصينية ‪ ،‬تبين له أن األقراص تجاوز علىى انتهاء‬
‫صالحيتها ثالثة أشهر وسبعة أيام ‪...‬‬

‫جلس قربه دقائق حتى أظلم المكان فقام "أبو سكين" وأشعل القناديل ‪.‬‬
‫‪87‬‬

‫في أواخر المساء نهض "سندو" بثقل وجد أمامه سفرة الطعام وكأساً من عصير‬

‫الليمون ‪ ،‬لم يذق الطعام ‪،‬شرب جرعات من العصير البارد وبدا العرق ينزلق من‬
‫جبهته بال توقف ‪،‬انتعش ووقف بشدة وصعوبة كطفل يتمرن على الوقوف ‪ ،‬في هذه‬
‫اللحظة قال "أبو سكين" ‪:‬‬
‫ ال بد أن نذهب غداً إلى رضينة ‪،‬أعرف هناك شيخاً بارعاً في عالج الكثير من‬‫األمراض ‪.‬‬

‫لم يجد من يعقب على كالمه و "سندو" مستعداً ألي إجراء يقوم به صديقه ‪.‬‬

‫وفي اليوم التالي كان يستند على كتف "ابو سكين" ويبذل قصارى جهده ليمشي‬

‫على قدميه في حي ( رضينة ) بالقرب من سوق (غلة) حيث يقيم الشيخ "أبكر" في‬
‫بيت محطم السور ‪ ،‬ال قاهما بشوق وترحاب ‪...‬‬
‫قدم "أبو سكين" صديقه مريضاً متعباً ‪...‬‬

‫نظر الشيخ إلى وجهه وفتح عينيه وقبض ذراعيه يعتصرها بشدة وتحسس كفه ثم قال‬
‫‪:‬‬
‫ اعتقد أن البول عندك اصفر اللون ‪.‬‬‫ صحيح ‪.‬‬‫ انك مصاب بمرض أبو صفار‪.12‬‬‫فتدخل "أبو سكين" ‪:‬‬
‫ أرجو أن تشفيه‪.‬‬‫‪ -‬الشفاء من اهلل يا ولدي ولكنني سأعطيه (أوالد الكول)‪ 13‬يشربه باللبن ‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫‪13‬‬

‫ابو صفار ‪ :‬داء الكبد الوبائي‪TB‬‬

‫أوالد الكول ‪ :‬نوع من الشجر يستخدم أوراقه لالدام وأوالد الكول تطلق على بذوره ‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫قدم له مشروب احمر اللون فشرب منه وأحس كأن روحه تخرج من جسده‬
‫فانزل الوعاء وشفتاه تحترق كأنهما غسلت باالسيد ‪.‬‬
‫نظر الشيخ إلى "أبو سكين" وقال ‪:‬‬
‫ يأتيني أخوك غداً الساعة السادسة صباحاً ال يتناول شيئاً غير كأسة ماء‬‫ساخن ‪.‬‬
‫***‬
‫أفاق على شروق ناصع وبديع ‪,‬شعر بتحسن كبير ‪ ,‬أوصد الباب وادخل مفتاحه في‬
‫جيبه وخرج منصرفاً ‪.‬‬

‫الجو لطيف والطقس معتدل ‪ ،‬وصل منزل "حسن مؤمن" ‪ ،‬أعجبه النظام الجديد الذي‬
‫استخدمه رفيقه في تغيير األثاثات ونوعها الفاخر ‪ ,‬جلس على الكرسي قبالة شاب‬
‫اسمر من فرط شعره األجعد يخيل إليك انه يرتدي شع اًر اصطناعياً ‪ ..‬تحدث الشاب‬

‫بصوت بارد ‪:‬‬

‫_ (( من كان يؤمن باهلل واليوم اآلخر فليكرم ضيفه )) هذا حديث شريف يا أستاذ‬
‫"حسن" ‪.‬‬
‫لفهم صمت حتى قال الشاب محدثا " سندو " ‪:‬‬
‫_ اسمي "بانا"‬
‫_ وأنا اسمي محمد ولكن يلقبونني "سندو"‬
‫‪-‬مات اشقاء لي قبل والدتي وهم اطفاالً من العين كما تقول امي فسمتني (ساندو)‬

‫على غرار (دنقس)‪،‬ويمكنك ان تطلقها (صاندو)‪( ،‬سندو‪،‬ساندو‪،‬صاندو) كما يحلو لك‪.‬‬
‫جاءت فتاة جميلة بصبارة القهوة ‪ ،‬فقال "حسن مؤمن" مشي اًر "لسندو" ‪:‬‬
‫_ لماذا االنقطاع يا رفيقي ؟ اشتقنا لرؤياك ‪..‬‬

‫_ أشكرك فقد كنت أشكو المرض ‪.‬‬
‫_ لم أكن اعلم بذلك سامحني ‪.‬‬
‫‪89‬‬

‫اكتفى بالصمت وفجأة دخل عليهم " الكمندو شاري" يقف بال إشارة أو تنبيه ‪ ،‬جلس‬
‫بتواضع فقال " حسن مؤمن" لمحدثه ‪:‬‬
‫_ وما مرضك ؟‬
‫_ ابو صفار ‪.‬‬
‫_ مرض الفقر والجوع ‪.‬‬
‫_ كالم شوارع ‪.‬‬
‫فتدخل "شاري" مغي اًر مجرى الحديث ‪:‬‬

‫_ سمعت بأن شارعاً جديداً وضع باسم المناضل "رابح" ‪.‬‬
‫فخاطبه "حسن مؤمن " بلهجة هادئة ‪:‬‬

‫_ شخص ومات وانتهى ‪.‬‬
‫فقاطعه "سندو" ‪:‬‬
‫_ أال يحق أن نكرم هؤالء الذين ناضلوا نضاالً مستميتاً من اجل الوطن ‪.‬‬

‫_ يا سندو أنت ال تعرف شيئاً عن التاريخ ‪.‬‬

‫_ هذه اساءة ‪ ،‬عندما نذكر كلمة التاريخ ال نقصد قصة حياتك انما سجل البشرية‬

‫الحافل باألشخاص واألمم والحضارات ‪.‬‬
‫أنا ال أؤمن بالتاريخ وخاصة اإلفريقي ألنه متالعب به ثم إذا كان المؤرخ في ملة غير‬‫ملتك فكيف تصدقه وكيف يصدقك ؟‬
‫_ المسألة في األدلة والحجج والبراهين ‪.‬‬
‫_ أن "رابح" ما هو إال رجل كان يتاجر بالرقيق ثم غ از أفريقيا لمصالح ذاتية واستولى‬
‫على خيراتها وعندما جاء االستعمار واجهه لحماية مصالحه ال أكثر ‪.‬‬
‫_ المناضل هو من يريد التحرير ‪ ،‬والكثير من السالطين وزعماء القبائل اإلفريقية‬
‫اتفقوا مع المستعمر األبيض فعاشوا أذالء ولكن هناك من فضلوا زوال نعمهم وملكهم‬
‫على أن يدوسهم بشر واألمثلة كثيرة ولكنني أعطيك مثاالً "عمر المختار" الذي حاول‬
‫‪90‬‬

‫اإليطاليون أن يقدموا له كل شيء مقابل التنازل عن الشرف والكرامة ولكنه فضل أن‬
‫يضع رقبته بين حبال المشنقة هذا هو النضال ‪.‬‬
‫تريد أن تقارن عمر المختار برابح ؟ تعقل يا صديقي‪.‬‬‫اقصد أن رابح كان يحلم بامبراطورية افريقية‪،‬كان مثلك طموحاً في سبيل الوصول‬‫الى اهدافه لم يكن يريد سرقة خيرات افريقيا الى قارة اخرى‪.‬‬

‫كان "شاري" و "بانا" ينظران إليه وكأنهما يريدان ابتالعه ثم نهض االثنان معاً‬
‫‪-‬سنتناقش في هذا الموضوع مرة أخرى ‪.‬‬

‫قال ذلك "حسن مؤمن" ثم صمت يتأمل رفاقه ‪.‬‬
‫حدث "سندو" رفيقه بثقة ‪:‬‬
‫_ سأهاجر قريباً ‪.‬‬

‫_ غريب والى أين تنوي الهجرة ؟‬
‫_ إلى المكان الذي يحقق لي ولو جزء من أهدافي !‬
‫_ حدد امريكا ‪ ،‬فرنسا ‪ ،‬استراليا ‪.‬‬
‫_ لماذا هذه الدول بالتحديد أنا ال تغرني األسماء ولي هدف انوي تحقيقه ‪.‬‬
‫_ لم اقل ما يزعجك فقط سألتك إلى أين ؟‬
‫_ الى جنوب أفريقيا ‪.‬‬
‫_ اعدل عن فكرتك واال دفنت حياً في األدغال األفريقية ‪.‬‬

‫_ أن ادفن خي اًر لي من هذه الحياة ‪.‬‬
‫_ هل وضعت برنامجاً أم لذلك ؟؟‪.‬‬

‫_ عندما اصل أفريقيا الوسطى أدخل زائيرالكنغو واشق طريقي الى انقوال ثم ناميبيا‬

‫وبعدها جهانسبرج ‪.‬‬
‫صفق ‪ ،‬وبضحكة متواصلة قال ‪:‬‬
‫_ تصلح مدرساً لمادة الجغرافيا ‪.‬‬
‫‪91‬‬

‫فتجاهله وأكمل ‪:‬‬
‫_ لي صديق كريم يصطحبني ووعدني بأنه سيعينني حتى دخول جهانسبرج‪.‬‬
‫_ كريم صفة من صفات اهلل ولكن لنفرض إذا مات في الطريق !؟‬
‫واصل بمرح ‪:‬‬
‫_ سكوتك أوصلني الى ما أريد ضع برنامجاً كامالً ثم انطلق بعد أن تكون قد ضمنت‬

‫الهدف بنسبة ‪ %99‬إذا لم يكن ‪. %100‬‬

‫_ أنا لست من الذين يضعون حواجز تعجيزية فالوقت واألشخاص والبيئة يغيرون‬
‫البرامج دائماً والبرامج للجبناء عفواً‪.‬‬
‫_ اهلل معك ‪.‬‬

‫نهض مرهقاً وغادره ‪ ...‬كان يسير متعباً فلقد شعر بالمرض مرة أخرى ‪ ,‬احس‬

‫به يدخل مفاصله ‪ ,‬مشى ببطء ‪ ,‬تناول من صاحب عربة صغيرة زجاجة (المارديب)‬
‫شرب المشروب بشراهة واحس بقليل من النشوة ثم أكمل خطواته بهدوء حتى وصل‬
‫منزله وجد ورقة معلقة على الباب فأدرك أن المعلم "ياسر" جاء لزيارته ‪ ،‬اغلق بابه‬
‫بتحكم واستلقى على فراشه يفكر في الغد حتى أعياه التفكير ونام ‪.‬‬
‫الشمس تغيب بألوانها المختلفة ‪ ..‬و الشفق األحمر يظهر كثيفاً و "سندو" ال‬

‫يزال في حالة قلق عظيم يحلم بالرحيل ‪ ،‬وبانقشاع الضباب وموت اليأس ‪ ،‬المدينة‬
‫اآلن غدت وكأنها ملكه ‪ ،‬تقفز في أحشائه روح تنبهه بعودة الفجر والحياة ‪.‬‬
‫خرج صباحاً يمشي تحت ضوء الشمس العسجدي وقد تلون في صوره العديد من‬

‫االشياء ‪ ،‬الجمال واإلباء واإلنسان ثم الحقيقة ‪،‬أخي اًر تم تحديد موعد الرحيل ‪...‬‬

‫االسبوع االول يمر سريعاً ‪ ،‬والعربة في عطل ولهذا أجلت الرحلة الى وقت آخر ‪ ،‬مرة‬

‫أخرى يأتي االضطراب الى قلبه متسلالً وتبذر الظنون في أعماقه ويعود إليه القلق‬

‫يدخل في أنفاسه ويحبطه ‪ ..‬تخلى صديقه "ابو سكين" السفر برفقته وشكل في داخله‬

‫ألم طفيف ‪ ،‬وصله خبر لم يجد الى مسمعه طريقاً فالسائق أصيب بداء المالريا والرحلة‬
‫‪92‬‬

‫ما تزال مؤجلة ‪ ,‬مل من هذه الوعود وغدا يرى نفسه صغي اًر أمام جيرانه وأصدقائه ‪،‬‬

‫الجميع يوجه إليه اسئلة ال يستطيع الرد عليها ‪ ،‬وبدأ يشعر وكأنه يكذب على من هم‬

‫حوله ‪ ..‬وفي كل أسبوع هناك عذ اًر يحد عن السفر ‪.‬‬

‫فالسماسرة رغم أنهم بارعون في إقناع المسافرين إال أنهم لم يستطعوا إقناعه‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫‪17‬‬
‫وفي المساء استقبله "حسن مؤمن" بأهمية وجلسا على البساط القرفصاء ‪ ,‬ودخل‬
‫عليهم شخص كسهم طائش ‪ ،‬يبدو من مالمحه انه من أحدى الطوائف الدينية ‪ ،‬أتت‬
‫فتاة ناهدة بالشاي وسفرة أخرى فيها كعك وفول محمص واتكأ "سندو" وقال بطمأنينة ‪:‬‬
‫_ أين "بانا" ؟‬
‫أجابه "حسن مؤمن" ‪:‬‬
‫_ أراك تسأل عنه باهتمام ؟‬
‫لم يجبه مما جعله يلتفت الى الضيف ‪:‬‬
‫_ األدوية الشعبية ال بد أن يتم بحثها بدقة وصبر ‪.‬‬
‫فتدخل "سندو" ‪:‬‬
‫_ برغم أنني من المؤمنين باألدوية الشعبية إال أن صديقاً ما زلت اذكره اخبرني بأنه‬
‫استعمل األعشاب لمرض جنسي فتحجر قضيبه وكاد أن يفقد قدرته الطبيعية لوال أن‬
‫اتصل بالمستوصف‪.‬‬
‫تكلم الضيف بثقة ‪:‬‬
‫_ المعلومات كلها تأكد أن األدوية الشعبية أكثر فائدة من األدوية الطبية ولكن طريقة‬
‫االستعمال ‪ ،‬وبعض األشخاص نعطيهم طريقة معينة لإلستعمال فيستخدمها بطريقة‬
‫أخرى ‪.‬‬
‫فتدخل "حسن مؤمن" ‪:‬‬
‫‪94‬‬

‫_ حتى إن "الزعيم احمد سيكتوري" استخدم األطباء الشعبيين أو الطب الشعبي‬
‫والصينيون ما يزالون حتى اآلن يستخدمونه ‪.‬‬
‫فقال "سندو" ‪:‬‬
‫_ بالفعل ال أنكر أهمية الطب الشعبي وأنا قد تعافيت من داء كاد أن يفتك بي لوال‬
‫الطب البلدي ولكن هناك من األطباء أنفسهم من يعطيك عشباً معيناً تستعمله فيضرك‬

‫بدل أن يفيدك فالطبيب يكشف عليك ثم يعطيك الدواء بينما األطباء الشعبيون يعطونك‬

‫ال عندما يأتي مريض ويقول انه مصاب بمرض في بطنه ال بد‬
‫الدواء دون كشف ‪ ,‬مث ً‬
‫هنا من التحليل حتى يتبين المرض و إال فأمراض البطن كثيرة ‪.‬‬

‫تدخل الضيف ‪:‬‬
‫_ الخبرة ’ لكل مهنة خبراء ‪ ،‬نحن األطباء الشعبيين ال نعطي الدواء إال عندما ننظر‬
‫إلي عين المريض أو نشم رائحة فمه ‪ ,‬وكلها طرق لمعرفة نوعية المرض ولكن هناك‬
‫من المدعين بأمور الطب الشعبي ‪ ،‬فهؤالء اضروا المواطن واضروا بالمهنة ‪.‬‬
‫أعقب "سندو" ‪:‬‬
‫ مثل الشيخ ابكر في حي "رضينة"وهو من القالئل الذين اجادوا المهنة كما أنني‬‫سمعت بشخص يعيش في منطقة (أم حجر) استطاع أن يداوي مرض فقدان‬
‫المناعة مرض (السيدا) هل هذا صحيح ؟‬
‫تدخل "حسن مؤمن " لإلثارة ‪:‬‬
‫يقولون بان هناك أعشاب يمكن أن تجعل امرأة ال تحبك ‪ ،‬تحبك ‪ ،‬وأخرى تجعلك‬‫تختفي وتطير!‬
‫قاطعه الرجل بحيوية وثقة الشيوخ التقليديين ‪:‬‬
‫_ لي رفيقاً أعجب ب فتاة ذات ثقافة عالية إال أنها متغطرسة حاول الكثير من الشباب‬
‫االقتراب أو الزواج منها لكنها رفضت ‪ ،‬سافر إلى منطقة بعيدة وهناك قابل الشيخ‬
‫"ياسين" داخل كوخ صغير ‪ ،‬شرح قصته فأعطاه بيضة قال له إنها قلب فتاته كلما‬
‫‪95‬‬

‫أحرق البيضة احترق قلبها حباً فيه ‪ ،‬وفي احد األيام بالغ رفيقي في حرقه عند منتصف‬
‫الليل فقامت الفتاة تنوي الخروج وظل رفيقي يشعل البيضة فحملت البنت سكين ًا‬

‫وانتحرت ‪.‬‬

‫تدخل "سندو" ‪:‬‬
‫_ لكن هذا سحر ليس إال ‪...‬‬
‫أشعل "حسن مؤمن" سيجارة وقدمها لسندو وقال على مهل ‪:‬‬
‫_ دعنا من هذه الحكاوي هيا "سندو" عد إلى رشدك وأنسى السفر !‬
‫أجابه واالجهاد واضح في عينيه الزائغتين ‪:‬‬
‫_ بت أرى نفسي على حق والناس على باطل ‪.‬‬
‫* * *‬
‫يظهر الشارع مفروش باألوراق الصفراء اليابسة ‪ ,‬ممتلئ بأصوات األطفال‬
‫وزقزقات الطيور‪ ،‬تسامت األشجار والبيوت الطينية جعلت المدينة اقرب إلى قرية كبيرة‬
‫‪ ,‬قلة المياه على الطرقات وغياب الروائح الكريهة جعلت العاصمة صورة رائعة من‬
‫صور اللوحات العظيمة ‪.‬‬
‫استيقظ صباحاً على صوت "كبرى" فالح له الصباح بابتسامة معهودة وخرجت‬

‫أشعة الشمس متسلسلة جميلة ‪ ,‬ابتسم يالقيها بوجهه البريء وكأنه وجه بدائي قديم ‪.‬‬

‫كان الطقس أشبه بإشراقه طفل جديد والمدينة كأنها إحدى المدن الغناء ‪ ,‬جلس قبالتها‬
‫باضطراب وقابلته هي األخرى بحزن‪ ،‬نكست برأسها وأزاحت ضفيرتين انسدلتا على‬
‫وجهها وقالت بلهجة مفعمة باألنوثة ‪:‬‬
‫_ ربما ال نلتقي بعد اليوم أليس كذلك ؟‬
‫قطع حديثها بكره ‪:‬‬
‫ال تقولي ذلك ياعزيزتي ‪.‬‬‫واصلت ‪:‬‬
‫‪96‬‬

‫_ لهذا جئت أقدم لك هدية عسى ولعل عندما تنظر إليها تتذكر بأن هناك في أنجمينا‬
‫قلباً قد احبك !‬

‫قالت جملتها هذه ونهضت فو اًر ‪ ،‬قام هو اآلخر ينظر إليها فحل له األرض‬

‫كأنها تبتلعه ‪ ،‬زوت روحه كآبة صماء ورأى أن شيئاً أشبه بالمغنطيس يجذبه نحوها‬

‫بقوة ‪ ،‬كاد ضمها لوال أن تمالك نفسه وقال بصوت مرتفع بين كطلقات الرصاص‪:‬‬
‫‪"-‬كبرى" انتظري ‪.‬‬

‫اقترب منها ‪ ،‬جحظت عيناه القلقتان ‪ ،‬ضربات قلبه متالحقة ‪ ,‬قال وهو يحمل في‬
‫طيات وجهه مالمح متغيرة ‪:‬‬
‫_‬

‫صدقيني أنا دائما لك يا "كبرى" وأحب اآلن أن انفرد بعبارات أسمعتك لها من‬

‫قبل ‪ ،‬إن الحياة صعبة وأصعب من ذلك الهموم المتدفقة علينا وأيضا الفشل دائماً‬

‫والنجاح بات حلماً عظيماً لقد حلمنا أكثر مما يجب وال بد أن تنقشع السحابة من أمام‬
‫الشمس حتى نتمكن من رؤية الموجدات والمحسوسات ‪ ,‬وان نجاحي في الحياة يعنيك‬

‫أنت أكثر من إي إنسان ‪ ,‬فأنا بين يديك ولكنني عندما أصر على الهجرة والرحيل ال‬
‫يعني أنني كرهت اإلقامة في بالدي ‪ ,‬بالدي حلوة وكل ما فيها حلو حتى الفقر واأللم‬
‫ولكن الحياة اآلن ‪ ،‬البقاء لألقوى والفناء لألضعف ‪ ،‬واعدك بأن أعود إليك سواء‬
‫نجحت في الغربة أو فشلت ألن بعدك عني أيضا فشل عظيم ‪.‬‬
‫_‬

‫أرجو أن ال تجري وراء تيا اًر ينطلق بك نحو شالل عال ‪ ,‬إن خطاك جعلني أرى‬

‫فيك شاباً قوياً وزاد من حبي لك ولكن على اإلنسان أن ال يتشبه بالعفاريت واذا اقتنعت‬
‫بما أعطاك اهلل صدقني ستنجح ‪.‬‬

‫قالت جملتها هذه وتحركت دامعة ‪ ,‬جمد ينظر إليها بعمق وقلبه مزروع بالحسرة‬
‫والشوك ‪ ,‬وتوارت من ناظريه ‪...‬‬

‫‪97‬‬

‫دخل عليه "بانا" فرآه يمسح دموعاً مرئية ‪ ,‬أحرجه دخوله المفاجئ ‪ ،‬لفت وجهه نحو‬

‫الجدار ومسح دمعاته والتفت إلى رفيقه وكأنه لم يحدث شيئاً واتجها صوب كافتيريا‬

‫الحارة يتناوالن اإلفطار ‪.‬‬

‫وفي الكافتيريا قال "بانا" يصارح رفيقه ‪:‬‬
‫_ ما عالقتك بالسيد "حسن مؤمن" ؟‬
‫أجابه بال اكتراث ‪:‬‬
‫_ صديق ال أكثر ‪...‬‬
‫_ ظننته شقيقك األكبر إنه يحترمك ويهابك ‪.‬‬
‫_ أنا كذلك احترمه وأهابه ‪.‬‬
‫ارتشف "بانا" الشاي قائالً ‪:‬‬
‫_‬

‫لم أر شاباً أقوى من "حسن مؤمن" ‪.‬‬

‫وجم رفيقه يرد باعتبار ‪:‬‬

‫_ هل "حسن مؤمن" خريج جامعة ؟‬
‫أجابه وهو يرتشف الشاي بشدة ‪:‬‬
‫_ إنه اكبر من ذلك ‪ ,‬حادثة واحدة جعلته يغير مجرى حياته إنه أذكى مخلوق ‪.‬‬
‫_ إي حادثة تقصد ؟‬
‫_ حادثة الحريق ‪ ,‬كنا أطفاالً وكان هو من الصبيان ‪ ,‬عاد من المدرسة بعد تقسيم‬

‫نتائج الفترة األخيرة وقتها في الصف األول اإلعدادي لم يكن من التالميذ المهملين فقد‬
‫كان متفوقاً ومهذباً ‪ ،‬وصل المنزل وهنا وجمت أحاسيسه وراحت الفرحة تتحول الى‬
‫نكبة ورأى الناس يطفون الحريق ويخرجون والده وبعضاً من الجيران جثثاً هامدة ‪ ,‬أرعبه‬

‫المنظر وجعله ينظر الى الحياة بقسوة خصوصاً عندما لم يجد أقرباءه وأهله بقربه وقرب‬
‫شقيقته الصغيرة ‪ ،‬ثم سر الحريق ‪ ,‬البعض يقول بأن هناك خالفاً بين والده ورجل‬

‫غريب هو الذي أشعل الحريق والبعض اآلخر يقول بأن الحكومة هي من وراء الحريق‬
‫‪98‬‬

‫وهذه نقطتان ولدت فيه الحقد وصار جزءاً من ذاته ‪ ,‬اختفى وعاد يحمل طباعاً غريبة‬
‫‪ ,‬وبدأ يلعب القمار حتى قيل انه يلعب بالسحر ‪ ,‬وعندما جلس يلعب القمار أمام‬
‫الباترون‬

‫‪14‬‬

‫"جمعة" كان يلعب بخبرة فائقة ‪ ,‬وتجمع خلق اهلل حولهما فأخذ من "جمعة"‬

‫ما عنده وقبل أن ينهض ‪ ،‬قال له ‪ " :‬نلعب بعربتك " فأخذها " نلعب بزوجتك " فأخذها‬
‫ال ‪ " :‬ال أخذ منك شيء شرط أن تترك لعب‬
‫" نلعب بمنزلك " فأخذه " ‪ ,‬نهض قائ ً‬

‫القمار الى األبد " وغاب ‪ ,‬هذه القصة جعلت اهل القمار يخافونه ويهابونه ‪.‬‬
‫شرب "سندو" قهوته وقال ‪.‬‬
‫_ انه خطير ‪.‬‬
‫تململ رفيقه قائالً ‪:‬‬

‫‪ -‬هل معك فرنكات ؟‬

‫_ نعم‬
‫_ اطلب لي شيئاً آخر ‪.‬‬

‫وواصل كالمه بمشاعر قوية ‪:‬‬
‫ إنه فعل فعلة لم يفعلها احد غيره من البشرية عندما عشق رفيقه "مصطفي"‪،‬‬‫شقيقته الصغرى التي يحبها ويغار عليها ‪ ,‬اهتزت أعصابه ولملم غضبه‬
‫بالمكائد ‪ ,‬قام بعالقة مع شقيقة صديقه "مصطفي " وجاء بها ليال واستجاب‬
‫لشهوته وأطفأ القنديل وما هي اال دقائق حتى جاء بمصطفي واستجاب هو‬
‫اآلخر إلرضاء شهوته ولبس قميص " حسن مؤمن "ودخل الغرفة بخطوات‬
‫منتظمة كما كانا يفعالن عندما ينوي احدهما مشاركة صديقه في الجسد الناعم‬
‫‪ ,‬خاطبته باسم "حسن مؤمن" ‪ ,‬فأبتسم "مصطفي " يقفز فوق كتلة لحم عار ‪,‬‬
‫كان شاب عارم الشهوة وأخته كذلك لهذا التقيا بسرعة كنهرين موسمين يلتقيان‪,‬‬
‫لحظة فيها المتعة واللذة واأللم والعقدة ‪ ,‬خرج" مصطفي " بخنجره المدبب‬
‫‪14‬‬

‫‪ -‬الباترون ‪ :‬كلمة فرنسية تطلق على البرجوازين‬

‫‪99‬‬

‫يبحث عن " حسن مؤمن " ‪ ,‬فشل في الحصول عليه ‪ ,‬اختفى وجاءت اخباره‬
‫بعد سنوات بوفاته ‪ ،‬يقال ان " حسن مؤمن " هو الذي قتله بالسحر والشعوذة ‪.‬‬
‫وبارتباك قال " سندو" ‪:‬‬
‫‪ -‬أنها رذيلة وان مثل هذا اإلنسان يكون ملعوناً ولكن هل حدث كل ذلك فعالً ؟‪.‬‬

‫واصل رفيقه وكأنه يريد أن يغرس شيئاً في نفسه ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أصبح ال يفارق المسجد ‪ ,‬عص اًر يتصل بجماعة الطريقة التجانية حيث‬

‫يحيطون قطعة قماش ابيض ويؤدون الذكر‪ ,‬مساء يقوم داخل المسجد بقرض‬

‫اشعار المديح بصوت حلو طروب ثم يتصل مرة أخرى بمسجد أنصار السنة‬
‫بعد ان يرتدي جلبابه القصير ويرمي السبحة في درجه ويحضر الندوات فلما‬
‫لم يخرج بنتيجة ‪ ,‬اتصل بالكنيسة واعتنق المسيحية ‪...‬‬
‫شهق رفيقه شهقة بالغة ‪ ,‬فواصل حديثه بطمأنينة ‪:‬‬
‫ وجد الهدايا والترحاب ثم رحل الى نيجيريا عندما أحس بصعوبة الموقف ‪ ,‬عاد‬‫الى انجمينا صحفياً يجوب بيوت التجار بعربة دبلوماسية ‪ ،‬يغشهم وينهبهم ‪,‬‬

‫بعدها اتجه الى تدريس مادة الرياضيات وألنه كان محبوباً من قبل الطالب‬

‫‪,‬لعب لعبته بنظام و أرسل أجمل الفتيات الى سوق بعيد أثناء االنصراف ‪,‬‬
‫عادت والمبنى التعليمي يخلو تماماً ‪ ,‬وهنا ارتكب جريمته ‪ ,‬والغريبة خرج منها‬
‫ببراءة ‪ ,‬تزوجها ثم ماتت بعد أربعة اشهر من زواجهما ‪ ،‬ويقال انه من قتلها ‪،‬‬

‫وألنه يجيد لغات ثالثة بطالقة ويمتاز بالذكاء الحاد لم يجد صعوبة في‬
‫الحصول على عمل ‪ ،‬عاد مهندساً معمارياً ونصب مشاريع كبيرة وطرد من‬

‫اتحاد المهندسين ومن ثم تحول الى رجل أعمال ‪ ..‬هذه قصته ‪ ,‬إنه رجل قوي‬

‫‪ ،‬قوي مثل جبال تبستي ‪.‬‬
‫قاطعه بشدة ‪:‬‬
‫‪100‬‬

‫‪-‬‬

‫هذه ليست قوة ‪ ,‬دناءة وجرائم ‪ ,‬القوي من يموت جوعاً دون ان يمس مال احد‪,‬‬

‫القوي هو من أحبه اهلل ‪ ,‬القوي من مات وترك لغيره العطاء ‪ ,‬هيا بنا ‪..‬‬
‫قال جملته هذه وتحركا ‪.‬‬

‫ضجيج السوق يعلو ‪ ,‬صوت العربات والورى يرتفع ‪ ,‬تتصادم األكتاف ‪ ,‬والعمال‬
‫حول العربات كالنمل ‪ ,‬والحركة تدب في كل االتجاهات ‪ ,‬والرفيقان "سندو" و "بانا" في‬
‫اتجاههما نحو العربة ‪.‬‬
‫رصت البضائع في صندوق العربة بانتظام وارتص الركاب من فوقها متراكمين بعضهم‬
‫بجانب بعض كالصناديق وبدأت محركاتها تهتز وتعمل مكونة خلف العربة سحب كثيفة‬
‫من الدخان األسود ‪ ..‬انطلقت والمودعين من حولها يلوحون بأياديهم ‪ ,‬فسرت رجفة‬
‫حلوة في نفس "سندو" رغم أن ال احد جاء يودعه ‪.‬‬
‫كانت العربة تصعد التالل وتهبط منها ‪ ,‬تدخل الغابات الكثيفة والضوء الدافئ يسطع‬
‫من حولها ‪ ,‬تسقط الوهاد وتخرج من الرمال الهثة و شاقة طريقها بخفة ‪.‬‬
‫ارتمى يفكر في البعيد فقطعت العربة حبال أفكاره حين سقطت في حفرة طينية‬
‫وواصلت سيرها والجميع صامت في عياء ‪.‬‬
‫انحدرت الشمس نحو األفق الغربي وتحولت الكرة النارية إلى برتقالة ضخمة معلقة‬
‫في فضاء اهلل ‪ ,‬غرقت بين الجبال ونزل الليل بسحره األنيق وفجأة راح الظالم يبتلع كل‬
‫شيء حتى النجوم والقمر ‪ ..‬توقفت العربة في واحة صغيرة ونزل سائقها مشي اًر إلى‬

‫الركاب بالنزول فالمكان آمن ‪ ..‬بعد صالة الفجر واصلت سيرها تشق الغابة الكبيرة‬

‫والركاب ينكمشون حول بعضهم من أثر البرد القارص ‪ ,‬عبرت األشجار الشوكية حتى‬
‫الحت لهم قمم المنازل ‪ ,‬وتوقفت أمام قسم الشرطة لدقائق وواصلت سيرها من جديد ‪..‬‬
‫طفت على وجوه الجميع بسمة عريضة وهم يدوسون األرض الجديدة ‪ ,‬تفرقوا بعد‬
‫ساعات أشتاتاً وبقى الرفيقان ال يعرفان الى اين يتجهان حتى بادرهم السائق بالسؤال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫الى أين تنويان الوصول ؟‬

‫‪101‬‬

‫أجابه "بانا" مرتعباً ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ننوي الوصول الى الكنغو زائير فهل ساعدتنا ؟‬

‫ حسنا امكثا الليلة في داري وغدا ننظر في األمر !‬‫رائحة التبغ تعلو في الفضاء مكونة خرائط وهمية ‪ ،‬أطفأ "سندو" سيجارته وادخل‬
‫بنصره في رمادها وأخرجها ثم استلقى على حصير قديم يصغي الى "بانا" الذي جعل‬
‫السائق يستمع إليه ويحدجه باهتمام ‪ ,‬بدأ "سندو" يشعر بثقل جفنيه وتراخت عضالته‬
‫فاستسلم لنوم عميق ‪.‬‬
‫رأى ضوء ينسل الى الغرفة ‪ ,‬جحظ ‪ ,‬ورأى السائق بحذر يخرج من الغرفة ورفيقه‬
‫"بانا" ملقى على فراشه جثة هامدة ‪ ,‬زحف يحاول إيقاظه ‪ ,‬تحسس جسده فإذا بقلبه نزع‬
‫عنوة ‪ ,‬هاله المنظر ‪ ,‬أفزعه الوضع ‪ ,‬ادمع بألم ‪ ,‬خرج هارباً ‪,‬تعثرت قدماه وكاد‬

‫السقوط ‪ ,‬تسلق الحائط وتابع سيره وخلفه مجموعة من الرجال ‪ ,‬لم يكن يخطر في باله‬

‫بأن مثل هذه األمور ستحدث له ‪,‬كان سريعاً بين األشجار ‪ ,‬رأى أمامه رجالً يقف قرب‬

‫بئر ‪ ,‬جسمه آدمي ورأسه أشبه برأس كلب ‪ ,‬فر هارباً يشق طريقاً آخر ‪ ,‬ظل يركض‬
‫ويركض فرأى السائق يقف قدامه طويل القدمين واليدين ومن حوله كالب وأشباه كالب‬

‫‪ ,‬ادرك انه وقع فريسة لهذه المخلوقات التي يسمع عنها في الحكايات والمجالس ‪ ,‬ق أر‬
‫آية الكرسي وسورة الفاتحة وخطى نحوهم ‪ ,‬نهض من نومه مذعو اًر والعرق يبلل جسده‬

‫النحيل المضطرب ‪ ,‬التقت عيناه بعيني رفيقه ‪ ,‬ابتسم له برفق وقال يحيه بصوت‬

‫خافض ‪:‬‬
‫_ صباح الخير ‪.‬‬
‫_ أراك مسرو اًر ‪ ،‬اخبرني ماذا جرى ؟‬

‫_ رأيت البارحة رؤية سأقصها عليك مرة أخرى ‪ ,‬اآلن رد التحية ‪.‬‬
‫دخل عليهما السائق يحمل في يديه طعام اإلفطار المكون من لوبيا مطبوخ وقاتو وأرز‬

‫‪ ,‬هلل "بانا" بوجهه الممتعض حين احضر الشاي األسود بدال من الشاي األخضر ‪.‬‬
‫‪102‬‬

‫تبدو إفريقيا الوسطى الراقدة في المنطقة االستوائية اقرب إلى الريف المصري ‪,‬‬
‫تتألق بمبانيها الصفراء ذات‬

‫القواعد اإلسمنتية ‪ ,‬جميلة ‪ ,‬كوردة دوار الشمس‪،‬‬

‫والخضرة يانعة ورزاز مطر يأتي من حين آلخر ‪ ..‬يشق الرفيقان الطرقات يتتبعون‬
‫خطى الرجل "برجو" الذي سيقودهم إلى (كنغو زائير) من زقاق إلى زقاق ‪ ..‬الطرق‬
‫تخلو من األرواح ‪.‬‬
‫وفي احد الدروب ظهر أمامهم أربعة من رجال الشرطة وقال احدهم ‪:‬‬
‫ األوراق !‬‫اشتعل األسى في فؤادهم وتوقفوا متكاسلين ‪ ,‬متراخين كالمخمورين‪ ،‬واصل "برجو" خطاه‬
‫واقترب منهم يحدثهم بلغة (السنقو)‬

‫‪15‬‬

‫فأخذ من الرفيقين ورقة نقدية وقدمها للجنود ‪,‬‬

‫تواروا يضحكون بصوت عال ‪.‬‬
‫عندما حل المساء ‪ ,‬كانوا ستة أفراد يجلسون داخل عربة البيجو العائلية ‪ ,‬تحركت في‬
‫منتصف الليل تشق غابة مظلمة في طريقها نحو الكنغو الديمقراطية ‪ ,‬الغابة تبدو‬
‫مظلمة كالبئر العميق والرياح همجية ‪ ,‬عاصفة ‪ ,‬الطريق خال والعربة مسرعة في‬
‫سيرها كالسهم ‪.‬‬
‫وقفت مسمرة داخل تربة طينية ‪ ,‬تحدث السائق "برجو" إلى ركابه بصوت مشروخ مفعم‬
‫باالنفعال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ينزل أحدكم ‪ ,‬ويزيح ما تحت إطار العربة ‪.‬‬

‫نزل "سندو" ليبتلعه ظالم الليل الدامس ‪ ,‬تسري في مفاصله رعشة وخوف ‪ ,‬دخل‬
‫تحت العربة ‪ ،‬لم ير شيئاً ‪ ,‬عاد إلى السائق فناوله مصباح الجيب ‪ ,‬بحث هذه المرة‬

‫بدقة فعثر على غصن سميك تحت إطارها األمامي ‪ ,‬نزل اثنان من الركاب وعاوناه ‪,‬‬

‫‪ 2‬لغة أهل البلد ‪ ،‬من اللهجات اإلفريقية ‪ ،‬وهي اللهجة الرئيسية في أفريقيا الوسطى بجانب الفرنسية ‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫وبعد ألي اخرج الغصن ‪ ,‬تقدم بعينين حائرتين يعطى السائق اإلضاءة فبادره السائق‬
‫بلين ‪:‬‬
‫يبدو أنك شاب لطيف !‬

‫‪-‬‬

‫ابتسم وراح يجلس في مقعده ‪ ,‬صاح السائق وكأنه آفاق من حلم مزعج ‪:‬‬
‫أوصد الباب بسرعة ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫تحركت العربة وهي تتجاوز طلقات نارية ‪ ,‬التفت "بانا" إلى الركاب قائالً بصوت‬

‫مخنوق ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ماذا جري ؟‬

‫أجابه السائق وقد احتبس الكالم في حلقه ‪:‬‬
‫_ إنهم بقايا ثوار ! !‬
‫شعر "سندو" بأنه يختنق وأنفاسه تحتبس في حلقه والتصل الى رئته ‪ ,‬حاول جاهدا حتى‬
‫قال ‪:‬‬
‫_ وما ذنبنا حتى يطلقون علينا النيران ؟‬
‫أجابه السائق ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫نحن فريسة ‪ ,‬ما ذنب الغزال وهو يقع فريسة تحت أنياب الحيوانات المفترسة ‪.‬‬
‫كانت عربة جيب عسكرية تتبعهم ‪ ..‬والركاب يحملقون عبر الزجاج والخوف‬
‫قد تسرب إلى مفاصلهم ‪ ..‬الطلقات النارية تمأل آذانهم بأزيزها المزعج ‪ ..‬بدأت‬
‫عربة البيجو تستسلم قليالً قليالً ‪ ,‬شيئاً فشيئاً حتى توقفت مرتطمة بحجر صغير‬
‫أشبه بالتل ‪ ,‬توقفت خائرة القوة ‪ ..‬دمدم السائق بقهر ‪:‬‬

‫ انتهينا واهلل ‪......‬‬‫وصلت العربة العسكرية ونزل ركابها ملثمين وبقبعات ‪ ,‬اقترب منهم جندي قصير‬
‫‪ ,‬وأطلق طلقات نارية في الفضاء ‪ ,‬ارتبك السائق ومن معه وشعروا بأن الهواء يدخل‬
‫إلى رئتهم وال يخرج ‪.‬‬
‫‪104‬‬

‫ال ‪:‬‬
‫صاح الجندي منفع ً‬

‫ القينا القبض عليكم متلبسين ‪ ,‬هيا يا سائق البيجو اصعد العربة واتبعنا وانتم‬‫اركبوا عربة الجيب ‪.‬‬

‫كان يستخرج كلماته ثقيلة بعنف ‪ ,‬خطى بترفل ‪ ,‬ضرب احد الركاب بقعر البندقية وركل‬
‫"بانا" بقدم غليظة وصاح مرة أخرى بلغة لم يفهمها احد من الركاب حتى تحركت العربة‬
‫وقد امتأل الجو بضحكات الجنود ‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫‪18‬‬

‫الظهيرة تبدو أكثر توهج ًا ‪ ..‬األشجار الشامخة هادئة هدوء المساكن الكئيبة ‪ ..‬الطرقات‬

‫تخلو من المارة إال قليالً من األف ارد ‪ ,‬رائحة األوساخ تشذ بقوة وتأتي إلى األنوف أشبه‬
‫برائحة الطمي ‪.‬‬

‫يجلس المعلم "ياسر" في صالته بتواضع ‪ ,‬يتصفح مجموعة من األوراق بتأني ‪ ,‬وابنته‬
‫"كبرى" تجلس قربه تخيط لها قماشاً ‪ ,‬تيار هواء ينبعث من خالل النافذة يحرك الستائر‬
‫البيضاء فتعكس صو اًر جمالية على الحائط ‪ ,‬تيار ال هو حار وال بارد جعل المعلم‬

‫يسترخي ثم يتكئ على الوسادة بتكاسل ‪ ,‬أسبلت الفتاة رموش عينيها وقالت بصوت‬

‫متقطع وهي تواصل خياطتها ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أبي !‬

‫التفت إليها بإشفاق وحدجها بطمأنينة ‪:‬‬
‫ ما بك يا عزيزتي ؟‬‫نكست تحدق األرض ورفعت وجهها الممتليء بالخجل وقالت ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫منذ غياب " سندو" ولم تجد من يفهمك ! ‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫‪-‬‬

‫"سندو" شاب ذكي ‪ ,‬مسكين هذا الولد ‪ ,‬اعرف إن تهوره يعود إلى عدم‬
‫نضوجه بعد فليعينه اهلل ‪.‬‬

‫نهضت عند إصغائها لنداء أمها وغادرت ‪ ..‬عادت بسفرة الطعام وبأمر منه ‪ ,‬جلست‬
‫تتناول الغداء ‪ ,‬تناهت إلى مسامعها أصداء جلبة من خارج البيت ‪ ,‬نهضت مسرعة‬
‫ووقفت على قدميها برشاقة تحدق من خالل النافذة إلى مصدر الجلبة ‪ ,‬فنهرها المعلم‬
‫وجعلها تعود خجلة متوردة الخدين ‪ ,‬حملت السفرة وعادت بوعاء كبير فيه ماء ‪ ,‬غسل‬
‫يديه دون أن يخرج هذه المرة فحدثته وهي تستمر في خياطتها ‪:‬‬
‫_ ألم يخبرك "سندو" إلى أين ينوي الوصول ؟‬
‫أجابها ووجهه باسم ومشرق ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫سأخبرك ولكن أجيبي أنت على سؤالي أوال !‬

‫‪-‬‬

‫تفضل ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫هل تحبينه يا صغيرتي ؟‬

‫نهض على الفور ‪ ,‬أحس بأنه داعبها مداعبة لطيفة ‪ ,‬اتكأ على جنبيه وشعر‬
‫بسعادة ال حد لها ‪ ,‬لقد حقق جزءاً كبي اًر من حلمه ‪ ,‬عادت به الذكريات إلي أيام الصبا‬

‫عندما كان يركض ويجوب شوارع انجمينا المعروفة "بفورت المي" بصحبة رفاقه‬

‫الصغار ببنطلونه القصير المرقع ويومياً بشورته األزرق وقميصه ذي الكم القصير‬

‫يحشيه داخل بنطلونه بعد أن يربط مقدمته بقوة ‪ ,‬تذكر عندما كان يعمل ويواصل‬
‫تعليمه ’ تذكر والده وعاد إليه اإلحساس بالتضرع إلى الرب واستلقى يغمض عينيه‬
‫ويحلم ويحلم و يحلم ‪.‬‬
‫وفي المساء ‪ ..‬خرج المعلم "ياسر" بصحبة زوجته وابنته الى السوق ليشتري‬
‫لهما مالبس جديدة وبعض أغراض الزينة ‪ ...‬السوق مزدحم بالمارة ‪ ..‬الدكاكين‬
‫متراصة كالعقد ‪ ..‬يلتقي الناس ببعض ويتصادمون برفق ‪.‬‬
‫‪107‬‬

‫كان السير في السوق رائعاً ‪ ،‬وفجأة التقى وجها لوجه " بحسن مؤمن" ‪ ،‬تجاهله‬

‫إال أن "حسن مؤمن" لمحه وبادر بالتحية ثم قال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫إلى أين ذهبت ؟ لقد غبت عنا ‪ ,‬مسافر ا ليس كذلك ؟؟‬

‫هز المعلم رأسه وقال ‪:‬‬
‫ على كل حال لم تبحث عني !‬‫افترقا ‪..‬‬
‫وفي الطريق سألت "كبرى" أباها ‪:‬‬
‫ هل تعرف هذا الرجل يا أبي ؟‬‫‪-‬‬

‫نعم اعرفه ولم السؤال ؟‬

‫‪-‬‬

‫لقد رأيته مرة في بيت سندو !‬

‫ ولماذا أخفيتي عني هذه الزيارات ؟‬‫أجابت متمتمة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ظننتك تدري ‪.‬‬

‫واصل بوجه متغير ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ما الذي جعلك تتجرئين وتذهبين إلى دار الشباب ؟‬

‫تلعثمت ‪:‬‬
‫‬‫‪-‬‬

‫آسفة إذا كانت في زيارة " سندو" ما يجعلك تغضب ثم انه ليس غريباً عنا ‪.‬‬

‫على كل حال ال أريدها أن تتكرر ‪.‬‬

‫***‬
‫في باكورة الصباح بعد أن أطلت الشمس بأشعتها الشفافة ‪ ,‬استيقظ "حسن مؤمن" على‬
‫طرقات قوية ‪ ،‬نهض وفتح الباب بغيظ ‪ ،‬رأى صبياً يتقدم شرطيين ‪ ,‬فقال الولد ألحد‬
‫الشرطيين ‪:‬‬

‫_ هذا هو الذي أعطاني !‬
‫‪108‬‬

‫نظر إليه الشرطي بامتعاض ‪ ,‬مكش اًر وجهه مفعم ًا صوته ‪:‬‬
‫_ هيا تعال معنا ‪.‬‬

‫أغلق "حسن مؤمن" الباب ببساطة فأصدر جلبة خفيفة ‪ ,‬فركله الشرطي واعاد ركالته‬
‫الى اثنين فثالثة ‪ ,‬عاد يفتح الباب باشمئزاز صائحاً بصوت جهوري ‪:‬‬
‫_ ما هذه الحماقة ؟‬

‫قال احد الشرطيين بلهجة باردة ‪:‬‬
‫_ أن الشرطة تدعوك ‪..‬‬
‫_ إذا كانت الشرطة تدعوني اذهبوا واخبروها بأني غير آت ! ‪.‬‬
‫_ حسن ألفاظك ‪.‬‬
‫_ وحسن أنت أسلوبك ‪ ,‬الشرطة هي أن تلبس مالبساً عسكرية وترفع صدرك كالديك ‪,‬‬

‫اخبرني أين ورقة االستدعاء ؟؟‬

‫أوصد الباب بقوة وعاد الى غرفته غاضباً ثائ اًر ‪ ..‬اعد لنفسه فنجاناً من القهوة ثم ارتدى‬
‫مالبسه وتأهب للخروج ‪ ..‬مرة أخرى صوت الطرقات تتنوع وتتشكل كموسيقى صاخبة ‪,‬‬
‫قام مكتئباً ليجد عربة الشرطة ومعها خمسة رجال األمن في انتظاره ‪ ,‬حمل ورقة‬
‫االستدعاء وركب العربة ‪ ..‬نزل يتبع خطى الشرطي بثقة ‪ ,‬دخل المكتب فاستقبله‬

‫الضباط بوجه بشوش وهو ينفخ سيجارته ويضع رجالً على رجل ‪ ،‬جلس هو اآلخر‬

‫واخرج سيجارة وراح يشعلها بتمهل فقال الضابط جاداً ‪:‬‬

‫_ لست أنت الذي يرتكب مثل هذه الحماقات ‪ ,‬كيف تعطي عملة مزورة لصبي كهذا !‬

‫؟‬
‫أجابه باسماً وشيء من الخجل يعتريه ‪:‬‬

‫_ قبل أن آخذ منك شيئاً أخبرتك بأنني في حاجة الى نقود بسيطة أقضى بها بعض‬
‫المستلزمات ورفضت لي ذلك ‪ ,‬أعطيت الصبي مبلغاً بسيطاً ليشتري بعض األدوات‬

‫المنزلية نجح في المرة األولى وخسر في الثانية ‪ ،‬اتفق صاحب البقالة مع رجل امن‬
‫‪109‬‬

‫سري من اجل مصالح شخصية ولم يستطعا إرهاب الصبي ليعطيهما النقود مما جعل‬
‫رجل األمن يغضب ويلقي عليه القبض ‪.‬‬
‫قال الضابط باندهاش ‪:‬‬
‫_ من أين لك هذه األخبار ؟‬
‫_ من رجل األمن نفسه فهو احد رفاقي ‪.‬‬
‫_ كن حكيما في المرات القادمة ‪.‬‬
‫_ أنت ال تعلمني الحكمة وارجوان تكون شجاعاً إذا أردت األرباح الكبيرة ‪.‬‬
‫مساء ‪.‬‬
‫_ تفضل وسآتيك غداً‬
‫ً‬
‫_ حدد‬
‫_ الثامنة والنصف ‪.‬‬
‫_ حسنا ‪.‬‬
‫_ الى اللقاء ‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫‪19‬‬
‫كان السائق وبقية األفراد يسيرون ويديهما معقودتان خلف ظهورهم ‪ ,‬يمشون بسرعة‬
‫مذهلة بين األشجار ‪ ,‬أحسوا باألسى يقتلهم وبالموت يقترب منهم ‪ ,‬تعثر احدهم وكاد‬
‫أن يسقط فعاد إليه احد الجنود يركله ويضربه بالحزام وبدأ المنظر يوحي بشيء أكثر‬
‫من األلم ‪ ..‬وصلوا قرب بحيرة صغيرة ‪ ,‬اخرج احد الجنود خرقة بالية بال لون وبال‬
‫رائحة وربط بها أعينهم ربطاً محكماً ‪ ..‬أحس "سندو" بأنه يختنق وأنفاسه تأتي متقطعة‬

‫وبعضها تحتبس في دواخله وهو معصوب العينين‪ ,‬ارتسمت على قسمات وجهه صور‬
‫النكد والخيبة والخذالن ‪ ..‬بدءوا بالتردد عندما المست أرجلهم مياه النهر ‪ ،‬زجرهم‬
‫الجندي بعنف‬

‫فتقدموا يبللون أجسادهم عنوة ‪ ,‬سخيف ما يعاني هؤالء من ذلك‬

‫االحساس بالتعاسة واأللم ‪ ,‬كانت امواج النهر تتمايل بهم يمنة ويسرى ‪ ,‬يرتعشون‬
‫خوفاً وبرداً ‪ ,‬الحياة أمامهم ظلمة داكنة ‪ ,‬يقودهم الجنود بغجرية إن تمايلوا عن الطريق‬
‫ارجعوا بالحزام واذا تباطأ احدهم او تعثر زجر وركل في مؤخرته ‪ ..‬قطعوا النهر‬

‫وأقدامهم تخطوا في مسلك وعر ‪ ,‬األشواك والحجارة الصغيرة من تحتهم ومن فوق‬
‫األشجار الملتفة تخربش أجسادهم كان السير شاقا شقاء الموت ‪ ,‬أعياهم المشي حيث‬
‫التربة الطينية والسير بال حذاء والعمى المؤقت كل ذلك جعلهم يعانون كثي اًر ‪.‬‬

‫تلمس السائق "سندو" بدون قصد فضربهما الجندي ضرباً مبرحاً حتى أدمت‬

‫اجسادهما وهنا اختفت اللوحة التي رسمها في مخيلته وتجمدت جواه وشعر كأنه جسد‬
‫‪111‬‬

‫خالي من الروح خال من كل شيء ‪ ..‬توقفوا عندما انفرد قائد المجموعة يتبول وصوته‬
‫يجرح مسامعهم وهو يصرخ بتكرار ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫انزلوا نحو اليمين قليالً ‪.‬‬

‫بال عزيمة واصلوا المشي ‪ ،‬ونزلوا حفرة كبيرة عن يمينهم كما ينزل مدني متحضر‬
‫على قرية مجهولة ‪ ..‬توقفوا وأزيح عن كل فرد الخرقة وأشرقت الحياة ‪،‬وظهرت ثلة‬
‫أخرى من الجنود يتقدمهم جندي هزيل وصاح في صوت حاد أشبه بصراخ المرأة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫جنود الحكومة أليس كذلك ؟‬

‫ظهر رجل عمالق ‪ ,‬قوي البنية ووقف قربهم وخرج خمسة من الجنود المسلحين‬
‫وارتصوا جميعاً فذهب احدهم ووضع كرسي وطاوله خلف شجرة ذات ظل وارف وقف‬

‫الجندي أمام السائق وكانت شواربه تتدلى وذقنه الكثيف ضل لونه وغدا كقطعة قطن‬

‫متسخ ‪ ،‬ضحك قائالً بصوت مشروخ ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫من أين انتم والى أين تذهبون ؟‬

‫لم يجرؤ احد على الكالم حتى أشار الى السائق بالتحدث ‪ ،‬فقال يجيبه بلغة كنغولية‬
‫بائس الوجه ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫نرغب في دخول كنغو زائير ‪.‬‬

‫اردف الجندي بوجه مشحون بالغضب ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫هذا كالم سخيف ‪ ,‬منذ متى والعربات تتحرك من أفريقيا الوسطى الى كنغو‬
‫عبر هذا الطريق ‪ ,‬قل الحقيقة ‪.‬‬

‫تدخل "بانا" بلهجته العربية الغريبة في هذا المكان ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫صدقنا يا حضرة الضابط نحن أبرياء ‪.‬‬

‫نظر الجندي الى السائق وقال مشدوهاً ‪:‬‬
‫‬‫‪-‬‬

‫ماذا يقول هذا الشاب البائس ؟‬
‫انه يكرر نفس عباراتي ‪.‬‬
‫‪112‬‬

‫كرر الجندي النظر الى "بانا" وأشار إليه بأن يتبعه ‪ ..‬أقعده على مقعد تحت شجرة‬
‫ظليلة وقال له بالفرنسية ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫من أين أنت ؟‬

‫أجابه مرتبكاً ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫من انجمينا‬

‫‪-‬‬

‫تقصد من دولة تشاد ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫التشاديون إخواننا ولكن منذ متى أصبحوا يأتون من هذا الطريق ؟ انكم‬
‫تكذبون !‬

‫‪-‬‬

‫اقسم لك بأننا نقول الحقيقة وهنالك أوراق ثبوتية و ‪..‬‬

‫وقطع حديثة بعنف ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫والى أين تود الذهاب ؟‬

‫ الى دولة كنغو العظيمة ‪.‬‬‫وبعنف مرة أخرى ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫العظيمة من قال أنها عظيمة نحن نناضل الحكومة الفاسدة واألرواح الميتة‬
‫وأنت تقول عظيمة ‪ ,‬انتم من أفراد جهة معينة ‪.‬‬

‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‪-‬‬

‫اقسم لك بأننا مساكين وأبرياء ‪ ,‬لسنا سياسيين وال ثوا ار فلتكن زائير الذليلة ‪.‬‬
‫ماذا تصنع هناك ؟‬
‫أود زيارة شقيقي دام على فراقنا عشر سنوات ‪.‬‬
‫وفي اي مدينة يقطن ؟‬
‫في مدينة أيليبو ‪.‬‬
‫ولماذا سلكتم هذا الطريق ؟‬
‫‪113‬‬

‫‪-‬‬

‫ألننا ال نحمل أوراقاً رسمية لذا لجأنا الى التهريب ثم أموالنا ال تكفي بالعبور‬

‫من الطرق المشروعة فكما قلت اإلدارة فاسدة تأخذ منا ضرائب باهظة دون‬
‫دافع غير النهب ‪.‬‬
‫قهقه وقال ‪:‬‬
‫من آخر من انجمينا ؟‬

‫‬‫‪-‬‬

‫صديقي "سندو"‬

‫ضحك إعجاباً باسمه وأكمل ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫اذهب أنت إلى الكوخ ‪.‬‬

‫قاده جندي إلى خلف أشجار كثيفة ‪ ،‬عاد القائد يقف أمامهم مرة أخرى وقبل ان يقل‬
‫كلمة تصاعدت أصوات األزيز ‪ ,‬صاح الضابط بقوة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يخرج "سندو" ‪....‬‬
‫شهق عندما صغى اسمه وظهر يقف أمامه ماثالً ‪ ,‬طائعاً ‪ ,‬تبع خطاه نحو‬

‫الظل وجلس على الم قعد الذي قبل قليل كان صديقه يجلس عليه ‪ ,‬تحدث إليه الضابط‬
‫بالفرنسية ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫من أين أنت ؟‬

‫أجابه بوجه مصفر وباهت ‪:‬‬
‫‬‫‪-‬‬

‫من دولة تشاد ‪.‬‬
‫والى أين تهدف الوصول ؟‬

‫‪-‬‬

‫إلى زائير ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ومن رفيقك في هذه الرحلة ؟‬

‫‪-‬‬

‫"بانا" الذي تحدث معك قبل لحظات ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫عثرنا في حقيبتك على كتب فرنسية وسياسية وكتب أخرى بلغة لم نفهمها ‪.‬‬

‫قاطعه بمشقة ‪:‬‬
‫‪114‬‬

‫‬‫‬‫‪-‬‬

‫إنها باللغة العربية ‪.‬‬
‫قل الصراحة ماذا تريدون ؟ هل انتم الذين أطلق عليهم اإلرهابيون ! ؟‬
‫كال لسنا إرهابيون ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫لماذا لغتك الفرنسية ركيكة هل تصطنع ذلك ؟‬

‫‪-‬‬

‫لم اعتد الحديث بها ‪.‬‬

‫اخذه الجندي وذهب به خلف األشجار وقف مبتسماً بوحشية وأطلق رصاصات في‬

‫الهواء ثم أجلسه بجانب رفيقه ‪ ..‬مرت الدقائق حتى عاد بفرد آخر وأطلق عيارات‬
‫نارية في الفضاء الطلق ‪.‬‬
‫كان الهواء ثقيالً والجو صحواً ‪ ,‬ال غبار وال ضباب ‪ ,‬كان الثالثة يسيرون خلف‬
‫الجندي يصف لهم الدروب ‪ ..‬تركهم عندما هلت قرية كبيرة بقمم منازلها وشقوا طريقهم‬

‫بتكاسل وفرح ‪.‬‬
‫جلس الرجل وأخذ يبكي بصوت مرتفع ‪ ،‬ودموعه تشق وجنتيه وتنزل على األرض‬
‫في شكل آلليء صغيرة ‪ ,‬رفعه "بانا" من يده اليمنى حتى وقف وراح يواسيه بكالم‬
‫معسول حتى مر من أمامهم صبي صغير فخاطبه الشاب باللغة الكنغولية وعرف في‬
‫الحال خريطة القرية وأتجه بهما نحو فندق بدائي وأمام عتبة الباب تناهى أليهم صوت‬
‫السائق و الركاب من داخل الفندق فركضوا الى الداخل ليجدوا بقية األفراد يجلسون في‬
‫كآبة ال تطاق يحدقون بعضهم البعض ‪ ,‬كان وجه السائق مليء بالحياة ‪ ،‬أخذ "بانا"‬
‫يرنو إليه بنظرة وجلة بعينين جاحظتين انشغل يرنو إلى األنف الكبير عن بقية مالمح‬
‫الوجه حتى قال "سندو" ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫الحمد هلل الذي جمعنا على خير ‪.‬‬

‫نظر إليه السائق بعطف وقال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫لقد صادروا العربة ‪.‬‬

‫نكس برأسه في حزن و أردف مرة أخرى ‪:‬‬
‫‪115‬‬

‫ فرقوا بيننا ليتمكنوا من خداعنا ‪.‬‬‫كان الليل مني اًر فالقمر الساطع استطاع أن يخفف من ظلمة الليل الرهيب تضأل‬

‫ضوء المصباح حين احترق شريطه فاطفاه "سندو" بنفخة هوائية صدرت منه دفعة‬
‫واحدة ‪ ,‬واخذ يحدق القمر من خالل النافذة وذراعيه متكورين حول رأسه مسندتين على‬
‫الجدار ‪ ,‬ظل يتذكر أباه وعيناه تقطر دموعاً مرئية ‪ ,‬كح بهدؤ ثم عطس ‪ ,‬أعاد نظره‬

‫إلى رفاقه بعينين كئيبتين فرآهم يغطون في سبات نوم عميق وضع رأسه على الوسادة‬

‫وغطى نفسه بلحاف قديم وأغمض جفنيه ‪.‬‬
‫فج اًر ‪ ...‬استيقظ الجميع على صياح الديك وغادروا الفندق على بركة اهلل ‪ ..‬جلس‬

‫الرفيقان في مقهى صغير منعزل في مدينة "ايليبو" بعد أن اتجه بقية األفراد إلى مدينة‬

‫" لول ـ ــو بــورغ" ‪ ..‬كانا يتناوالن جرعات من النبيذ وهما يحسان بشيء غير طبيعي من‬
‫اللذة تسري في دواخلها إال أن رياح قوية هبت من جهة الشمال جعلت كل فرد يفيق‬
‫ويترك المكان ‪ ..‬دخال وسط صبية يمسكون بأيادي بعضهم البعض على شكل دائرة‬
‫مغلقة فغضب األطفال وأخذوا يصيحون ويعترضون ذلك بلغة لم يفهماها ‪ ..‬على‬
‫ضفاف بركة صغيرة بالقرب من فندق صغير مهمل ‪ ,‬استأج ار غرفة واحدة وجلسا‬
‫ينظران تكدس السحاب مع بعضه مكوناً غيوم مظلمة من خالل النافذة المحطمة ‪ ،‬ظال‬

‫ينظران نقاط المطر المنهمر على البركة منتجة دوائر صغيرة وفقاعات رمادية ناصعة‬
‫‪.‬‬
‫اهتزت األشجار وابتلت األرض وعادت الطيور تمأل الفضاء بزقازيقها ‪ ,‬ارتسمت‬
‫األشكال في المنطقة االستوائية وتبدت الطبيعة بمناظر تنبض بالحياة ‪.‬‬
‫* * *‬
‫وصال مدينة (كنشاسا) العاصمة الخالبة ذات الظالل الورافة ‪,‬نزال من حافلة نقل قديمة‬
‫‪،‬بضع خطوات حتى اختلطا في منطقة زحامية مكتظة بالمارة وبعيون مشدوهة تدور في‬
‫كل االتجاهات أدركا أنهما أمام حوانيت صغيرة تطل على الشارع العام ‪ ,‬جلسا على‬
‫‪116‬‬

‫مقاعد صغيرة متراصة بعشوائية ‪,‬تناوال الكأس باحترام فواصل "سندو" جرعاته بيدين‬
‫مرتعشتين ‪ ,‬العرق ينزل منه بغ ازرة كحبات المطر وأعصابه بدأت تنمكش وتتخدر ‪،‬‬
‫أحس بلذة ‪ ,‬تنفس بطمأنينة وهو يتناول جرعاته بال مباالة يغمض عينيه ويفتحهما‬
‫بتراخي ‪،‬العرق يبلل رأسه وسائر أعضائه وظل رداؤه الخفيف ثقيالً أشبه بقميص‬
‫صوفي ‪..‬أعادا القدح وتواريا !‬

‫الجميع يرنو إليهما وهما يختفيان ‪ ,‬يبدوان غريبان في الملبس‪ ،‬وفي األسلوب‬
‫وحتى في لغتهما الفرنسية ‪ ..‬أثناء السير قال "سندو" ‪:‬‬
‫ إلي أين نسير وفي إي اتجاه نحن ؟‬‫أجابه بتهدج وهو يستخرج ألفاظه بالفرنسية على مهل ‪:‬‬
‫ إلي حيث سارت بنا أقدامنا !‬‫استطرد مرة أخرى بغيظ ‪:‬‬
‫ لو أعلم أن البحث بهذا الشكل لما كانت الرحلة ! ؟‬‫قاطعه بصوت مخنوق ‪ ،‬مازحاً ‪:‬‬

‫ يبدو إنني خلطت بين دولتين متشابهتين في األسماء الكنغو الديمقراطية والكنغو ب ارزافيل‬‫‪.‬‬
‫ هذا كالم سخيف انك وقح ‪.‬‬‫ أرجو أن تحسن ألفاظك ‪.‬‬‫ بل اكرر انك شديد الوقاحة ‪.‬‬‫ الست برجل أنت ؟؟‬‫ وهل ترى في غير ذلك ؟‬‫ دعك من العبارات غير الالئقة ولنكمل طريقنا فالطريق ما يزال شاقاً !‬‫‪117‬‬

‫ أما أنا فسأقف هنا !‬‫ أرجو أن تكون العزيمة صلبة ولنتوكل على اهلل ‪.‬‬‫ فليأخذ كل شخص طريقه !‬‫وفجأة !‬
‫وقف أمامهم رجال األمن وأشار احدهم إلى "سندو" بح اررة ‪:‬‬
‫ أوراقك ‪...‬‬‫شهق وارتفع صدره وظهر هيكله العظمي كاقصاب رصت بانتظام ‪ ،‬صاح فيه‬
‫الشرطي مرة أخرى ‪:‬‬
‫ أوراقك‬‫أيقظ الصوت القوي شعوره وبدأ وكأنه في حلم ‪ ،‬ففتح عينيه الضارعتين يحدق بهما‬
‫وجه الشرطي العريض فجاء طيفه وكأنه يرى ليالً دامساً ‪ ،‬غير نظره تجاه رفيقه الذي‬

‫انشغل يستدرج رئيس الفرقة ثم منحه حزمة مالية وقبض بيد رفيقه الذي بل العرق‬
‫جسمه وتدافعت ضربات قلبه فأشعرته بإحساس الطفل المتشرد ‪،‬تبادال نظرات خاطفة‬

‫فخيل إليه كأن الحياة لغز كركتيري فأبتسم بخجل يجر قدميه بحزن ومرح أيضاً ‪.‬‬

‫كان الجو لطيفاً عندما جلسا في ردهة المنزل الصغير الذي استأجراه بثمن زهيد‪،‬ظل‬
‫"بانا" يفكر حتى قال مندفعا ‪:‬‬

‫ انظر إلي ذلك الرجل أعرفته ؟‬‫نظر وابتسم قائالً ‪:‬‬

‫ نعم انه "ابرايم" رفيقنا في الرحلة ‪.‬‬‫ظال يناديانه حتى لفت الشاب عنقه بخفة ‪ ،‬نكس وجهه المنتفخ واخذ يخطو صوبهما‬
‫بولع وتراخ معاً ‪ ...‬استقباله باألحضان وجلس بينهما يعبث بأنفه المفلطح ‪:‬‬

‫‪ -‬انه مكان منعزل وجميل ‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫علق "بانا" بوجه حزين يسرد قصتهما في صوت قوي شجاع ‪ ،‬وتدخل رفيقه‬
‫بأحاديث عاطفية ‪،‬كانا يتحدثان ووجههما ينبض بالنعومة والرقة ‪،‬هز "برايم" رأسه عندما‬
‫علم أن في حوزتهما بعضاً من المال ‪ ،‬أرخى رأسه بكره وتنفس بأسى كأنه ينفث آخر‬

‫نفس من سيجارة وقال ‪:‬‬

‫ أنتما اآلن في خطر ولكن بعد لقاءنا اعتقد أن الخطر سيزول ‪ ،‬إن إفريقيا بالفعل منطقة‬‫مغامرة ولكنها تريد رجاالً مغامرين يؤمنون بالقدر ‪ ،‬هيا خذا أغراضكما فأنتما ضيفاي‬
‫‪.‬‬
‫مسح "بانا" عرقه بيده فلم تستطع كفه الصغيرة أزلة كل العرق السائل المتراكم حول‬
‫فقرات عنقه وفكه‪ ،‬وبكم قميصه استطاع أن يجفف العرق المنهمر ‪" ,‬سندو" يحدقه‬
‫بتقزز وشيء من االحتقار ‪ ...‬الطريق إلي دار "برايم" طويل ‪ ،‬وقد أدرك الرفيقان من‬
‫خالل الحديث أن رفيقهما الجديد قد اقبل من مدينة ((لولواربوغ)) بغرض تجارة البن‪.‬‬
‫وفي الدار‪ ..‬جلس "سندو" يبعثر في أدواته حتى عثر على محفظة صغيرة ادخله في‬
‫جيب جنزه الخلفي واستلقى على فراشه ينظر "بانا" و "ب ار يم " الذين غاد ار إلى البنك‬
‫لصرف العملة ‪ ...‬أفاق من تأمالته حين دخال عليه وراح يسرد رؤيته التي جالت له‬
‫في (بنقي) ‪.‬‬
‫يقص وقد عادت إليه الرقة التي افتقدها منذ مغادرة بالده فصمت يرجو منهما تفسي اًر‬

‫لرؤيته فتكلم "بانا " بطمأنينة ‪:‬‬

‫ عدم استيقاظك قبل أن تصاب بمكروه يعني نجاتنا من الموت‪ ،‬والذين يتتبعون خطاك‬‫هم رجال الشرطة الذين ظلوا يتابعوننا في زائير أو (بنقي)‪.‬‬
‫اسند "برايم" أرسه على الجدار السميك األبيض ‪ ,‬األملس وقال بصوت ممطوط ‪:‬‬
‫ ربما نجح في تأويله ولكن إذا تم لنا االلتقاء "بجوكي" فسيعطيك الصورة الكاملة ‪.‬‬‫فقال "سندو" ‪:‬‬
‫‪119‬‬

‫ ومن يكون "جوكي" ؟‬‫أردف بسهولة ‪:‬‬
‫ انه حاوي وطبيب شعبي ‪.‬‬‫قطع "بانا" صمته وقال بعد حكة متواصلة ‪:‬‬
‫ مثل الفكي ‪.‬‬‫تدخل "سندو" بلطف‪:‬‬
‫ الفكي ليس حاوياً ال تخلط يا "بانا" ‪.‬‬‫فقال "برايم" في تودد‪:‬‬
‫ انه تشبيه فقط ‪.‬‬‫قال جملته هذه ونهض بصحبة "بانا" وخرجا سوياً ‪ ..‬ظل وحيداً وأحس بأنه بدأ‬

‫يستعيد قواه ‪ ،‬وشعر بنجاح كبير ويقظة األمل تكتمل وتسري في عروقه كالدم ‪ ،‬وقف‬
‫مبتهجاً يحدق من خالل النافذة في المارة ‪ ،‬رأى فتاة صغيرة ‪,‬افريقية المالمح إال أنها‬
‫بيضاء من اثر استخدام المساحيق‪ ,‬أعجب بهيئتها التي اعادته إلى الوراء ‪ ،‬إلى‬

‫(كبرى) وأصدقائه ‪ ,‬حدق فيها وكرر النظر ‪ ,‬فسقط منها المنديل عندما هبة نسمة‬
‫هوائية باردة فتوارت عن ناظريه وهي تقبض على منديلها بتحكم ‪ ..‬عاد الرفيقان‬
‫يحمالن وجبة غذائية فخاطبه "برايم " بلهجة مرحة ‪:‬‬
‫ ال تفكر في المرأة كثي اًر فهنا المرأة أسهل مما تعتقد ‪ ,‬إذا عرفن بوجود شاب مثلك بهذا‬‫الوسامة ال يتركنك تنام الليل ولكن حذار واال عدت إلي بلدك بالداء اللعين ‪.....‬‬
‫استمروا في طعامهم يأكلون ويتكلمون و "سندو" خجل ال يقوي على التدخل في مثل هذه‬
‫األحاديث ‪.‬‬

‫‪120‬‬

121

‫‪20‬‬
‫بدأت (كنشاسا) المدينة ذات الطبيعة الخالبة تنهض بمبانيها الشاهقة ‪,‬النسيم يهب حلواً‬

‫‪ ,‬لطيفاً والشمس الساطعة تعكس نو اًر رائعاً ‪ ،‬والسحب المتناثرة هنا وهناك ترقد قبالة‬
‫األرض المفروشة بالحلية الخضراء ‪.‬‬

‫وفي باكورة الصباح ‪ ...‬نظر "سندو" إلى السقف بامتعاض وراى الديكور المتواضع‪,‬‬
‫أرسل نظرة نحو النافذة كانت مغطاة بستائر عادية والبساط يرقد منبسط ًا كرمال صفراء‬
‫ناعمة ‪ ..‬فتح المذياع يصغي إلى نشرة األخبار ‪ ..‬مرت بضع دقائق حتى دخل عليه‬

‫رجل ‪ ,‬اسمر ‪ ,‬طويل القامة ‪ ,‬حياه بحماس وجلس بمحاذاته يمازحه مزاحاً صبيانياً‬

‫ممتعاً فتكلم "سندو" بصوت غليظ ‪:‬‬

‫‪ -‬لقد داهمنا (الفلس) تماماً ‪.‬‬

‫لمعت نظرات المكر في عينيه ‪:‬‬
‫ حذرتك من الفتيات الصغيرات إال انك لم تفهم ‪.‬‬‫ صدقني ‪....‬‬‫ ال تهتم دع األمور تجري حسب هواها بعد عودتي من السفر سنغادر للعمل في مزارع‬‫البن ‪.‬‬
‫هتف سعيداً ‪:‬‬
‫‪122‬‬

‫ أشكرك ولكن متى نرحل ؟‬‫ بعد أسبوعين تقريباً‪.‬‬‫ هذا بعيد ‪..‬‬‫ألم تكن أنت الذي يحث على الصبر ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ الحياة بال عمل أشبه بالسجن المؤبد !‬‫ إذا كانت الحكومات تضغط على الدول والبطالة تضغط على الشباب والفقر ينخر في‬‫عظام العالم الثالث فإن رحمة اهلل تظل أقوى ‪.‬‬
‫نهض وأشعة الشمس تنبعث من وسط السماء وكأنها تأتي كتلة واحدة‪ ,‬استلقى على‬
‫وسادته وأغلق عينيه المرهقتين فدخل "بانا" يحمل كيساً ممتلئاً باألطعمة ‪ ..‬في الحال‬
‫اتجه إلى المطهاة الصغيرة يعد شاياً وقد مأل الغرفة بأغنية كنغولية يحب أن يرددها‪,‬‬

‫جلس "سندو" القرفصاء واخرج من الكيس الذرة المطبوخ واألرز واألناناس واالفوكا‬

‫‪16‬‬

‫وفتح قرطاسة كانت ملطخة بالزيت فظهر أمامه لحم مشوي أشبه بقرص الطوب‬
‫األحمر فسرت فيه القشعريرة التي زالت بعد رؤيته للخبز ‪ ,‬لمح رفيقه كل ما يعانيه فقال‬
‫‪:‬‬
‫ انك تحب الخضار والحبوب ‪ ,‬أتريد أن تتحول إلى إنسان نباتي ؟‬‫أجابه متضايقاً ‪:‬‬

‫ كلما أرى لحماً مشويا أتذكر فعلة (سيوبود) فأتقزز ‪.‬‬‫ أراك أخذت المسالة بأهمية ‪ ،‬انه لم يتعمد ذلك ‪.‬‬‫ يطعمنا لحم قرد ويقول إنها ضيافة‪.‬‬‫ اآلن أتيت لك بلحم بقر ‪.‬‬‫‪16‬‬

‫االفوكا نوع من أنواع الخضر تكثر في المناطق االستوائية‬

‫‪123‬‬

‫ ال أكل‪.‬‬‫ غريب ألنه ياكل لحم أرنب أو قرد‪* 17‬‬‫دخل عليهما "برايم" وقد ارتسمت على وجهه اإلرتياح‪ ،‬حياهما ووضع كيساً قرب‬
‫"سندو" وقال ‪:‬‬
‫ هذا لك ‪...‬‬‫كان الكيس مليئاً بالفواكه والخضار ولقد سره ذلك كثي اًر فتحدث "بانا" بثقل ‪:‬‬
‫ للشعوب عاداتها وتقاليدها ‪ ،‬إن لحم األرنب والجراد يأكله العرب وفي الهند هناك‬‫عشائر ال تأكل لحم البقر سمعت المعلم ياسر يقول ذلك ‪.‬‬
‫فتدخل "برايم" بعد ان فهم الحديث ‪:‬‬
‫ وفي أمريكا الجنوبية يأكلون العناكب والصينيون يأكلون دودة القز واخواننا في السنغال‬‫يأكلون النحل ‪.‬‬
‫فأكمل "بانا"‪:‬‬
‫ قال لي رفيقي في أنجمينا يدعى "حسن مؤمن" بأن الكوريين يأكلون لحم الكالب والهنود‬‫يأكلون الثعابين وهنالك قبائل عربية تأكل الضب ‪.‬‬
‫تبسم "برايم" وأضاف ‪:‬‬
‫ وهناك من إخواننا المسلمين من يأكل الحصين والجمال ‪.‬‬‫ نحن ايضاً ناكل لحوم الجمال‪..‬‬‫قال ذلك "سندو" وغير مجرى الحديث ‪:‬‬
‫‪ -‬لقد جاء "سوسكي" لزيارتنا ‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫المسلمون في بعض مناطق تشاد ال يأكلون لحوم األرانب ‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫وماذا قال ‪:‬‬
‫ سيبحث لنا عن عمل في مزارع البن ‪.‬‬‫نهض يرقص ويغني ثم (تقتق) ظهره وتوقف عن الحركة ليصغي إلى رفيقه ‪:‬‬
‫ انه صديق ألخي التقينا عبر الصدفة عند الخمار ‪.‬‬‫ ومن أين لك هذا الكيس ؟‬‫ من البقالة ؟ كلما في األمر أن "سوسكي" اخبر صاحب البقالة المجاورة أن يعطيني ما‬‫أريد وهو المتكلف بدفع الثمن !‬
‫ لماذا ال يدلك "سوسكي" على مكان أخيك ؟‬‫ أخي غادر إلي فرنسا يمكنك أن تتأكد إذا عاد من سفره ‪.‬‬‫ لقد كانت المسافة بين انجمينا وجهانسبرج قريبة جدًا بالنسبة لي اما اآلن فغدت أكثر‬‫بعداً ‪.‬‬
‫ ما رأيك بكأس من النبيذ ؟‬‫أجابه وعيناه نحو األفق يحدق في السماء من خالل الباب المفتوح ‪:‬‬
‫ حسناً قلت ‪.‬‬‫كانا يخطوان بسرعة حتى اصطدم "سندو" بكتف فتاة مربربة حركت شفتيها ‪ ،‬رنت‬
‫إليه بابتسامة باردة ‪ ،‬كان يتباطأ من حين آلخر ينظر إلى ما حوله ‪،‬البنيان واألشجار‬
‫الخضراء العالية حتى جلسا مع فئة يعرفهم ويعرفونه ال عالقة بينهم إال إنهم أصدقاء‬
‫الجلسة ‪ ،‬صاح " بانا" فالتفتت إليه الخمارة في ارتباك ‪:‬‬
‫ كيف حلكما ؟‬‫‪ -‬الكأس !‬

‫‪125‬‬

‫تناول "سندو" جرعات النبيذ في سكينة وأصابعه النحيلة ترتجف وقد برزت عروق‬
‫جبهته كفروع شجرة ذابلة وجحظت عيناه واحمرت كعين الديك ‪،‬جلس واضعاً رجالً على‬
‫رجل ‪ ،‬ارتخت عضالته ‪ ،‬عادت إليه مالمحه الطبيعية ‪ ،‬أحس بنشوة عظيمة تسرى‬
‫في أوصاله ‪ ،‬حرك الهواء البارد قميصه اإلفريقي فنظر إلي السماء ثم أعاد نظره إلى‬
‫الخمارة كأنه يود أن يقول شيئاً ‪ ،‬كل دقيقة تمر لتأخذ من بقايا عمره تصور له صو اًر‬
‫مبهمة ‪،‬تصعد إليه النشوة كما تصعد الطيور محلقة في الفضاء ‪،‬تنساب األحالم في‬
‫دواخله ‪ ،‬تجري المتعة في عروقه حتى تمتلئ بها نفسه فتصور له حكايات وذكريات ‪،‬‬
‫يحلم بالمستقبل ويعيد خريطة الماضي في خياالته يتناول جرعاته بخفة فيتلو شيئاً‬

‫كاآليات في صوت خفي فتشق الدمعة وجنتيه لترسم عليهما خطين مستقيمين في شكل‬

‫أفقي نحيل ‪.‬‬
‫صوب نظرة تجاه بعض الشباب المخمورين الذين اخذوا يرقصون في الشارع الضيق‬
‫‪ ،‬نهض احد الجالسين ‪ ،‬يبدو انه في األربعين من العمر ‪،‬اخذ يقرض أشعار "امي‬
‫سيزار" بصوت مرتفع وآخرون يغنون بصوت طروب ‪ ،‬والجو هاديء ال طيور و ال‬
‫أوراق تحركها الرياح فقط بقايا سحب متناثرة في شكل رسوم جعلت من الطبيعة أكثر‬
‫روعة ومنظرا‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫‪21‬‬
‫استيقظ مذعو اًر فرأى ثلة من الشباب يتوسطهم "بانا" ويقص لهم من بطوالته ‪ ،‬نهض‬
‫من بينهم إلحساسه بصداع شديد ‪,‬ليعود إليهم بعد لحظات وقد انصرفت الثلة فساءل‬

‫رفيقه وقد انتابته الدهشة فأجابه متثائباً ‪:‬‬

‫ إنهم من األخوة السودانيين تعرفنا على بعضنا بالصدفة‪.‬‬‫جاء "برايم" باإلفطار مصطحباً شخصاً غريباً في هيئته ‪،‬وأثناء ما كانوا يواصلون طعامهم‬
‫قال "برايم" يحدث رفيقه الغريب ‪:‬‬
‫ "سندو" و "بانا" أصدقاء من تشاد ‪.‬‬‫ أهالً ومرحباً سأعرف نفسي‪ ،‬اسمي "جوركي" ‪ ،‬أعمل في عدة حرف‪ ،‬طباخ ‪ ،‬ومزارع ‪،‬‬‫وطبيب ‪ ،‬ومهندس لألكواخ وغير ذلك من األعمال ‪..‬‬
‫قال" سندو" بجهد ‪:‬‬
‫ إننا لسعداء بمعرفتك ‪.‬‬‫‪-‬‬

‫لقد زرت تشاد في الحرب اواخر السبيعينيات ثم عدت إليها أثناء حربها األخيرة‬

‫مع ليبيا ثم تركتها وعدت إليها في حرب طينة لمهمة خاصة ‪.‬‬
‫‪127‬‬

‫دهش "سندو" من زياراته وقد حللها بأنها مشؤومة فتدخل "برايم" بتأييد ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫انه الحاوي الذي أخبرتك عنه قبل أشهر‪ ،‬اسرد له رؤيتك ‪ ،‬وستجد لها تفسي اًر‪.‬‬

‫صمتوا يصغون إليه وهو يسرد بصوت واضح جهوري ‪ ،‬وبعد صمت طويل قال‬
‫"جوركي" ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫رؤيتك للضوء ستصيب هدفاً كبي اًر ‪ ،‬رؤيتك لصديقك جثة هامدة تعني بأنكما‬

‫ستفشالن في خطواتكما ‪ ،‬رؤيتك للدم ‪ ،‬الدم في الرؤية يعني الفلوس أو فوائد أخرى‬
‫ربما تجد حزمه مالية ‪ ،‬هروبك يعني الهزيمة ‪ ،‬رؤيتك إلنسان برأس كلب أو حمار‬
‫فهؤالء هم الغرباء خوفك منهم يعني انك لن تنسجم معهم‪،‬الكائنات األخرى الغريبة هم‬
‫رجال الشرطة أو اللصوص ‪ ،‬على العموم أنت قريب من الفشل أكثر من النجاح‬
‫وهناك أيضاً أمل كبير في انتصارك هو رؤيتك للضوء ولو كنت اقتربت اكثر بهؤالء‬
‫الذين برأس حمار لحققت هدفاً كبي اًر ‪ ،‬وخوفك ثم التوجه نحوهم ال يعد استسالماً إنما‬
‫أنت شاب قوي ‪.‬‬
‫سكت يرتشف الشاي ثم نهض بصحبة "برايم" وغاد ار المكان ‪ ،‬عاد الهواء دافئاً هذه‬

‫المرة يحمل في طياته الغبار وروائح المستنقعات والبرك‪.‬‬
‫***‬

‫مرت األيام متالحقة ومنتظمة كدقات القلب ‪ ..‬دخل "سوسكي" دار الرفيقين فلم‬
‫يعثر عليهما ‪ ..‬خرج في التو متجها نحو الشرق ‪ ،‬فتسمر ‪ ،‬ال يعرف إلي أين يتجه‬
‫عاد يدخل بقالة عن يمينه ‪ ،‬بعد مصافحة حارة قال ببمسة لصاحبها ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أشكرك على الثقة التي أعطيتني اخبرني كم لك عندي ؟‬

‫‪128‬‬

‫ال شكر على واجب أنت ابن خالي قبل أن تكون صديقي لقد استهلك صاحبك‬

‫‪-‬‬

‫أشياء كثيرة وأطالبك اآلن بمبلغ مقداره ‪..........‬‬
‫قبض رأسه بكلتي يديه وأجابه منزعجاً ‪:‬‬
‫أكاد ال أصدق ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ صدقني إنه يتناول طعامه وسجائره هنا ثم يأخذ حلويات وبسكويتات ومشروبات‬‫باإلضافة إلى أصدقائه الذين يصطحبهم في بعض األوقات ‪.‬‬
‫ يا له من غريب انه بعكس شقيقه تماما ‪.‬‬‫ادخل يده في جيبه وأخرج أوراق نقدية قدمها قائال ‪:‬‬
‫ خذ هذه سآتيك غدا بالباقي ‪.‬‬‫‪-‬‬

‫هل يظل الحساب مفتوحاً ؟‬

‫‪-‬‬

‫عندما يعلم بقدومي سيكف ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ال اعتقد ‪ ،‬انه عديم اإلحساس ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ال تقل ذلك ‪...‬‬
‫كان الجو صحواً والطقس يميل إلى البرودة ‪ ،‬تيار الهواء يتجه جنوباً والشمس‬

‫تظهر من جهة الشرق بلونها األصفر الذهبي إلى المدينة االستوائية ‪ ،‬الطيور‬
‫بمختلف ألوانها تحلق في الفضاء وتزقزق بلحن عذب والغيوم المتناثرة تتحاضن‬
‫وتتقلص كأنها تود أن تهطل ‪...‬‬
‫وصلوا المحطة ‪ ،‬كانت مثقلة بالمارة ‪ ،‬و العامة مجتمعون حول بعضهم كالديدان‬
‫‪ ،‬توزعت نظرات "سندو" في جميع األمكنة وحدق في عمود أمامه يحمل الفتة‬
‫صغيرة مكتوب عليها بالفرنسية بعض اإلرشادات ‪ ،‬تجاهلها وتلفت يتفقد رفيقه ‪..‬‬
‫‪129‬‬

‫كل شيء أمامه جديد ‪ ...‬كل شيء أمامه غير مألوف وطبيعي ‪ ...‬ازدرد ريقه‬
‫بصعوبة ‪ ...‬تسللوا داخل القطار ‪ ،‬بعد أن اجتاز زحاماً بقوة ‪ ،‬تمكن من الجلوس‬
‫على مقعد أمامي ‪ ،‬أحس بالفراغ وروحه تبدو متراخية هشة كمنديل قديم ‪ ،‬جسده‬
‫المتعب كالزجاج المحطم ‪ ..‬وضع في فمه لفافة تبغ فتسمرت اللفافة وكأنها مسمار‬
‫على جدار صلد ‪ ،‬التزم كل فرد مقعده ‪ ،‬حرك رأسه المحلوق على الموضة الجديدة‬
‫‪ ،‬والتفت عن يمينه ينظر إلى فتاة عمالقة تجلس بمحاذاته تصطنع الكبرياء ‪..‬‬
‫تحركت عجالت القطار بدوي مزعج ودخانه يتصاعد على شكل سحب كبيرة نحو‬
‫السماء البعيدة ‪ ،‬أخذ يتأمل من خالل نظراته عبر النافذة ‪ ،‬يرى الناس بصعوبة ‪،‬‬
‫إنهم يتشابهون في الشكل كالحشرات‪ ،‬هيكلهم وهيئتهم ومنظرهم ‪ ،‬وجوه متساوية ‪،‬‬
‫أنف كبير ‪ ،‬وشعر مجعد ‪ ،‬وقامة مديدة ‪ ،‬وبشرة سوداء ‪ ،‬مالمحهم متقاربة‬
‫كالدواجن ‪.‬‬
‫القطار مشحون بكل شيء والركاب يجلسون على المقاعد بال حراك ‪ ،‬والبعض‬
‫يقف على الممر ‪ ،‬باعة بمختلف األعمار يقفون صامدين بهمجية !‬
‫لمح "بانا" يشير إليه ويحرك يده ‪ ،‬تجاهله في ملل ‪..‬‬
‫بعد دقائق جاء رجل قوي البنية ‪ ،‬دميم الوجه يرتدي مالبس أشبه بمالبس‬
‫شرطة ويأمر الجالسين بإخراج التذكرة ‪ ،‬وقف على رأسه وهمس له بصوت‬
‫ضعيف‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ارني تذكرتك ؟‬
‫نظر إليه برجاء واستعطاف ‪ ،‬تفقد مالبسه ‪ ،‬جيوبه خاليه تماماً وهو يعرف‬
‫بأنه ال يملك تذكرة في جيبه‪ ،‬شعر باضطراب شديد ‪ ،‬حك رأسه ‪ ،‬ضربات قلبه‬
‫‪130‬‬

‫تدق بسرعة هائلة ‪ ،‬هال جسده القلق والحيرة والكرب ‪ ،‬وكأن الدم يسري في‬
‫شريانه بطيئاً ‪.‬‬
‫جاء رجالن وحماله إلى غرفة بالداخل ‪ ..‬أجلساه على المقعد ‪ ،‬ثمة هواجس‬
‫غريبة بدأت تناوشه وتعكر له الجو ‪ ..‬دخل "سوسكي" وتحدث معهم للحظات‬
‫طويلة ثم أعطاهم حزمة مالية وانصرف ‪ ..‬هجم عليه العمالق يركله ويضربه‬
‫بعنف وغلظة ‪ ..‬اخرج منديله يمسح دمعاته تنحدر على وجنتيه وقطرات الدم‬
‫العالقة في فمه مقرفة ‪ ،‬وانتابه شيء كالمرض وقف قرب رفيقه فحدثه "بانا"‬
‫هامساً ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫إن جلوسك في المقعد كان خطأ نحن صعدنا القطار بتذكرة رقم (‪ )2‬هي‬
‫لدرجة الثانية لهذا ال يسمحون لنا إال بالوقوف ‪.‬‬

‫أجابه بأدب وضجر ‪:‬‬
‫ فهمت ‪.‬‬‫لم يعد يفقه شيئاً كل األمور تسير على خالف ما هو يعرف ويريد ‪ ،‬تذكر‬
‫عندما نصحه احد رفاقه بالسفر إلى الجابون فهناك الجالية التشادية تشكل نسبة‬
‫عالية لكنه رفض هذا المقترح وسخر من صاحبه ‪ ،‬ورفيق دراسته نصحه بالسفر‬
‫إلى ليبيا أيضاً رفض ثم دفعه كثير من الشباب بحماس للهجرة إلى جنوب إفريقيا ‪،‬‬
‫تنفس الصعداء بألم ‪ ،‬مر الضوء يالمس وجهه ورفيقه يتكلم بال انقطاع‪ ،‬فهم‬
‫بعض حديثه واستعصى له اآلخر ‪ ،‬تباطأ القطار بعد سير طويل ‪ ،‬وتحرك الركاب‬
‫في فرحة يحدقون من النافذة في قمم األكواخ واألشجار والسماء ‪.‬‬
‫‪131‬‬

‫‪22‬‬
‫ذات أصيل ‪ ،‬نهض "حسن مؤمن" يصافح مجموعة من السودانيين‪ ،‬جلسوا في‬
‫ركن معد خصيصاً للضيوف وقدم لهم ضيافة كريمة ‪ ،‬تبسم قائالً بلطف ‪:‬‬
‫ لقد نجحنا بحمد اهلل ‪.‬‬‫أجابه "الهادي" وهو يالمس شواربه الكثيفة ‪:‬‬
‫ بلد جميل ‪،‬لوال ان السفر بالبر فيه مشقة !‬‫أردف متكئاً على الوسادة ‪:‬‬
‫ ال هدف بال مشقة ‪.‬‬‫هتف احدهم بحماس ‪:‬‬
‫ نشكرك قبل كل شيء وأحب أن اقول ان تشاد والسودان ما هما إال كتلة واحدة‬‫وثقافة واحدة وقبائل مشتركة وشعب متعايش ‪.‬‬
‫قاطعه "الهادي " وهو ما يزال يمدد شاربه بمرونة ‪:‬‬

‫‪132‬‬

‫‪-‬‬

‫كالمك منطقي يا "جبر الدار" هناك تداخل ملحوظ بين القبائل التشادية‬
‫والسودانية كما أن تشاد امتداد للسودان والسودان امتداد طبيعي لتشاد ‪.‬‬
‫قال "حسن مؤمن" وعيناه تلحظان الجميع ‪:‬‬

‫ لهذا التاشيرات مجانية وال رسوم اجرائية للسودانيين ‪،‬اخبرنا يا "أبو نخلة " كيف‬‫كانت الرحلة ؟‬
‫ابتسم وأجابه بخجل ‪:‬‬
‫ سأقص عليك ال حقاً‪ ،‬فأنا اآلن متعب ‪.‬‬‫تبسم هو اآلخر وقال ‪:‬‬
‫ على كل حال سأستخرج لكم جوازات السفر وآتيكم بتذاكر السفر إلى السعودية‬‫بعد بضع أيام ‪.‬‬
‫قام بعد هذه العبارة يرتدي (القرمبوبو) وغدا إلى مكتب يطل على شارع نميري ‪،‬‬
‫علقت عليها الفتة كبيرة(مكتب البطة للسفريات) ‪..‬‬
‫يحتوي المكتب بفاخر األثاث ‪ ،‬ويكثر فيه األجهزة االلكترونية ‪ ،‬علق بالداخل‬
‫على الجدار ورقة كبيرة كتب عليها "ثمن التذاكر إلى األراضي المقدسة " وهناك‬
‫ورقة أخرى معلقة بخط جميل " بشرى من وكالة البطة تأشيرات إلى أمريكا " ‪..‬‬
‫كان الناس يتوافدون إلى المكتب كالنحل وسكرتيريه يعملون بخفة ويتحركون‬
‫بين األوراق والمستندات بثقة مطلقة وحين يرتفع صوت المؤذن‪ ،‬يغلق بابه‬
‫ويبدو صور المكتب وهو مغلق أشبه بلوحة في مالهي الصغار حيث زينت‬
‫بألوان قزح‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫*ََ*ََ* َ‬
‫َ‬
‫أرسل "أبو سكين" نظره فرحاً لمالقاة رفيقه وصديقه "جبريل" العائد من المملكة‬
‫العربية السعودية ‪ ..‬سا ار في المدينة قدماً يسترجعا صورة الماضي العريق‬
‫الحافل بالحب ‪ ،‬باألمل ‪ ،‬بالحياة المطلقة ‪ ..‬لقد عاد "جبريل " وهو أب لطفل‬
‫في الثانية من العمر رغبة المتحان الشهادة الثانوية وشوقاً لرؤية مشاهد‬
‫العاصمة أنجمينا ‪ ،‬الطين والبرك والمنازل الرمادية واستنشاق النسيم ‪ ،‬رائحة‬
‫األعشاب ورزاز األمطار ولوحة الشمس عند الصباح ‪ ،‬والمصباح العمالق عند‬
‫المساء ‪ ،‬األرض واألكواخ تأتيه براحة ال حد لها ‪ ،‬ماء اآلبار وطعم العصيدة و‬
‫المأكوالت األخرى الكر كنجي‬

‫‪18‬‬

‫‪ ،‬والجب ار‬

‫‪19‬‬

‫‪ ،‬والبلقو‪ ،20‬وسمك البلبوط تشبه‬

‫لذتها لذة الطفل وهو يلهو بتشكيل الطين ‪.‬‬
‫وفي (شارع أربعين) قال "جبريل" لصديقه" أبو سكين" بصوته المعهود ‪:‬‬
‫ لقد أدهشني "سندو" بسفره وجعلني أحس بأنه ما زال أقوى مني ! ‪.‬‬‫أجابه بنبرة رائعة ‪:‬‬
‫ كلنا سلك طريق حسن إال أنا ‪ ،‬والدي أرسل إلى من المملكة العربية السعودية‬‫عقد عمل حرمني من دراستي لو كنت في أنجمينا لكنت مثلك خريج جامعي‪،‬‬
‫اعمل متطوعاً في المدارس األهلية براتب قدره ‪ 15.000‬فرنك سيفا خير لي من‬

‫‪18‬‬

‫الكركنجي ‪ :‬نوع من أنواع الخضر يصنع منها االيدام و هي أوراق المارديب الخضراء‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫الجب ار ‪ :‬ثمرة استوائية‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫البلقاس ‪ :‬يعرف في تشاد باسم البقلو‬

‫‪134‬‬

‫ميكانيكي في دولة براتب ‪ 500.000‬فرنك سيفا ال يغرك ما تسمعه من اإلخوان‬
‫حتى زواجي لم أذق له طعم ألن والدي تكفل بكل شيء ‪.‬‬
‫غمغم "أبو سكين" ‪:‬‬
‫ لقد نويت الهجرة بصحبة "سندو" ولكنني ت ارجعت عندما شعرت بأن الدرب شاق‬‫وليس بمقدوري الوصول إلى نهايته ‪ ،‬إن السبب الرئيسي على إصرار "سندو"‬
‫للوصول إلى جنوب إفريقيا ‪ ،‬الفقر والجوع ونيلسون مانديال ‪.‬‬
‫كان (شارع أربعين) هادئاً ونظيفاً ‪ ،‬عندما عانقت قرص الشمس األفق وبدأت‬
‫عالقة في وجه السماء كالتاج ‪ ،‬أحس "جبريل " باالرتباك حين تعثر أمام طوبة‬
‫صغيرة ‪.‬‬
‫فقال "أبو سكين" يالطفه ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫اال تهاجر أنت إلى أواسط إفريقيا ‪.‬‬
‫تأمل ملياً وتساءل ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫ولماذا أهاجر ‪،‬عندما يصادفك شاب يريد الهجرة تأكد أن لهذا الشاب طاقة‬
‫وقوة هائلة ومسؤولية عالية‪.‬‬
‫هز "أبو سكين " كتفه على نحو معتاد‪:‬‬

‫ راجع دروسك جيداً فاالمتحانات على األبواب‪.‬‬‫ضحك بإشراقة وقال بعزة نفس ‪:‬‬
‫ لقد جئت الى الوطن بثقة ولن أعود خائباً أراك نسيت الماضي !؟ ‪.‬‬‫‪ -‬الماضي ليس هو الحاضر ‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫قال عبارته هذه وغير مجرى حديثه حتى ال يدخل الرعب في قلب رفيقه ‪:‬‬
‫ أعتقد أنك علمت بسفر "محمد كلي" إلى الجنوب وزواجه هناك وأخي اًر انقطعت‬‫أخباره ‪.‬‬

‫لفهمها الصمت حتى قال "جبريل" ‪:‬‬
‫ آه ‪ ،‬راحت األيام حتى تبعثرنا كأوراق الشجر !‬‫ ما رأيك لو قمنا بزيارة للمعلم "ياسر" ‪.‬‬‫ هيا بنا ‪.‬‬‫رغم قصر المسافة إال أن سيما اإلرهاق واإلعياء ظهر فيهما بوضوح ‪..‬‬
‫استقبلهما المعلم ببشرى والقاهما باألحضان ‪ ...‬دخلت "كبرى" بالمشروبات‬
‫الباردة وقد خبأت في عينيها عدة تساؤالت ‪ ...‬كانوا يواصلون الحديث في‬
‫مواضيع اجتماعية ممتعة حتى زفر "أبوسكين" زفرة يائسة وقال ‪:‬‬
‫ هل وصلتك أخبار "سندو" يا أستاذ ؟؟‬‫هنا ظهرت الخيبة في وجه المعلم فأجابه مشدوها ‪:‬‬
‫ صدقني كدت أوجه إليك هذا السؤال بل ظننتك تحمل لي أخبار عنه ‪ ،‬غريب‬‫أمره لقد أعطيته عنواني بالكامل واآلن مضى على رحيله عام واشهر‪ ،‬ولم‬
‫يرسل طيلة الفترة خطاباً واحداً ‪ ،‬أرجو له التوفيق ‪.‬‬
‫فقال "أبو سكين" بلهجة حاسمة ‪:‬‬
‫ منذ أن صاحب "حسن مؤمن" أصبح غريب األطوار ‪.‬‬‫غير المعلم جلسته وقال ‪:‬‬
‫ إن "سندو" شاب ذكي وأعتقد أنه شق طريقه بنجاح ولكن ما يخيفني أنني‬‫اخشى أن يكون من وراء سفره خطة دبرها مع "حسن مؤمن" ‪.‬‬
‫‪136‬‬

‫تضاربت الكلمات بين "أبو سكين" "وجبريل" فترك "جبريل" صديقه يواصل الكالم‬
‫فتحدث " ابوسكين " بشدة ‪:‬‬
‫ نفسي تحدثني بأن "حسن مؤمن" وراء كل ذلك ‪.‬‬‫تكلم "جبريل" بمرونة ‪:‬‬
‫ ال أعتقد ‪ ،‬إن "سندو" ليس سهالً ‪ ،‬صدقوني إنه ال يقل ذكاء عن "حسن مؤمن"‬‫إن لم يتفوق عليه ‪ ،‬القسوة واأللم والتعب والزلة هي التي دفعته إلى الهجرة ‪.‬‬

‫انتشر في وجه المعلم لين المرأة الضعيفة ‪:‬‬
‫ ولكني طلبت منه أن يعيش معي في الدار نأكل سوياً ونلبس سوياً على أن يواصل‬‫تعليمه الجامعي ‪ ،‬إال أنه رفض وأبى ما معنى ذلك ؟‬
‫سكت المعلم متحس اًر فواصل "جبريل" ‪:‬‬

‫ نسيتم أنه طموح ‪ ،‬منذ كنا في المدرسة اإلعدادية وهو يحلم بأشياء أكبر منا حجماً‬‫وعندما وصلنا المرحلة الثانوية كان رئيس االتحاد المدرسي لثالث سنوات على التوالي‬
‫‪ ،‬تركتهم في الصف الثاني وكل طالب المدرسة اختاروه بال معارض ‪ ،‬قسوة الحياة‬
‫خصوصاً بعد وفاة أبيه شجعه على الهجرة واحتكاكه بالمعلمين والطالب الجامعيين‬
‫وهو ما يزال صبياً جعله مشبعا بالمعرفة ‪.‬‬
‫فقال "أبو سكين" ‪:‬‬

‫ أذكر مرة قال لي ((إنني اآلن أشبه بنهر بال نبع إن أهلي وأقربائي هم من‬‫البدو كلهم قرويون ال يفقهون شيئاً لهذا ظل احتكاكي بهم ضعفاً لم يعد لي اآلن إال‬
‫المعلم "ياسر" والمعلم "ياسر" ليس أبي إنه سيدنا الخضر رجل كريم ومشبع بالدين مر‬

‫في حياتي وسيختفي ))‪.‬‬
‫هز المعلم رأسه ببالغ األسى وجال بخاطره مجموعة أفكار ثم تحدث بانفعال ‪:‬‬
‫ هل قال لك ذلك ؟‬‫‪137‬‬

‫اجابه ‪:‬‬
‫ نعم‬‫واصل المعلم ‪:‬‬
‫ اذكر أنه قال لي مرة (( أنا شاب كتب اهلل لي الغربة في وطني ))‪.‬‬‫فتدخل "جبريل" ‪:‬‬
‫ وماذا كان ردك ؟‬‫قلت له ‪:‬‬
‫ ال تيأس من رحمة اهلل ‪ ،‬عليك بالصبر ‪.‬‬‫كانت الحلقة تعصف بها المحبة والود واالحترام ‪ ..‬يتجاذبون الحديث فيستخرجون‬
‫عذب الكالم من أعماقهم ‪ ..‬نهض الصديقان ونهض المعلم يصطحبهم حتى أول‬
‫الطريق والشمس قد هبطت محدثة خلفها شفقاً أحم اًر زاهياً ‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫‪23‬‬
‫جلس المالزم "شاري" ينظر إلى "حسن مؤمن" الذي يقف أمامه كالشجرة العمالقة‬
‫يحدق فيه في ألم وكبرياء قائالً‪:‬‬
‫‪ -‬أرجو مساعدتك ‪.‬‬

‫انتشرت في وجهه "حسن مؤمن" قسوة بالغة ‪:‬‬
‫ عندما ارتكبت جريمتك واختلست المال قل لي أين اختفيت ؟ لقد ظننت حينئذ‬‫بأن أموالك ال تنتهي ‪ ،‬واآلن تتوسل !‬
‫اكمل بنبرة ثابتة ‪:‬‬
‫ اعذرني ال أستطيع أن أفعل لك شيئاً ‪.‬‬‫دخل غاضباً صالة الضيافة فوجد (قمر الدين) يجلس وحيداً أليفاً كالقطة ‪ ،‬تجاهله‬

‫وانسل إلى الداخل أثناء ما كان خارجاً ‪ ،‬وقف الشاب قباله فقال "حسن مؤمن ‪:‬‬

‫ لقد استطعت أن أسفر أصدقاءك "الهادي وأبونخلة وجبر الدار" إلى السعودية‬‫بعد أن دفع كل فرد حزمة مالية اما قرضاً فال أستطيع وهذا يعد في بندي‬

‫مستحيالً !‬

‫نظر إليه الشاب "قمر الدين" بذلة واستضعاف فرفع يديه في خيبة وقال في حزن‬
‫عميق‪:‬‬
‫ اهلل يعزك ويرضى عنك‪.‬‬‫‪139‬‬

‫تجاهله وعندما لمح في وجهه الحزن والدموع ترقرق في عينيه عاد قائالً ‪:‬‬
‫‪ -‬سأساعدك ‪.‬‬

‫فرح الشاب فرحاً عظيماً إال أنه واصل حديثه باستخفاف ‪:‬‬
‫‪ -‬هنالك خطة واحدة ‪ ،‬أنت تستفيد وأنا كذلك‬

‫أجابه متألماً ‪:‬‬
‫ وما هي ؟‬‫ ستعلم ‪.‬‬‫ أمرنا على اهلل !! ‪.‬‬‫كان الجو لطيفاً عندما ذهب "حسن مؤمن" بصحبة "قمر الدين" إلى الفندق وحج از‬
‫غرفة جميلة ‪ ،‬وقف "قمر الدين" متضايقاً بالقرمبوبمو الوسيع الذي كان يرتديه ‪..‬‬

‫ذرع الغرفة بخطوات مستقيمة وبهدوء وكأنه يسير على مسرح غنائي أو معبد ‪،‬‬

‫جلس على السرير يستمع إلى صوت "حسن مؤمن" وقد أنساب إلى مسامعه حلواً ‪:‬‬
‫ هذه هي غرفتك سيزورك فيها الراغبون في السفر ‪.‬‬‫أجابه يهز رأسه وأكمل مواصالً بتمهل ‪:‬‬

‫ ال تخف لقد درست هذا الشعب وكل عملية أقدم عليها فهي ناجحة ‪.‬‬‫ ولكن ماذا أصنع إذا وجه لي أحدهم سؤاالً ؟ بصفتك من حتى تأتى بعقود عمل‬‫من السعودية ؟‬

‫ أخبره بأنك مغترب في مدينة الرياض تعمل سكرتي اًر في شركة تعليب الفواكه‬‫ولحسن عالقتك مع مدير الشركة طلب منك زيادة عدد العمال وقدم لك عقود‬

‫عمل ‪ ،‬أخبره بأنه ال يوجد مكتب عمل في البالد كما في البلدان األخرى فحبك‬
‫للوطن وبحثك عن الحسنات جعلك تأتي شخصياً لتقديم هذه األعمال إلى‬
‫‪140‬‬

‫مواطنيك فهم األولى‪ ،‬والثمن الذي يدفعونه ما هو إال ثمن رمزي ينتفع به عند‬
‫وصوله إلى السعودية وال تنسى قيمة الرسوم التي تدفع لك وال تأخذ جوا اًز إال‬

‫ومعه الرسوم وكل من يسلمك جوازه اخرج أمامه الورقة الوهمية التي أعطيتك‬
‫إياها وسجل اسمه وعنوانه ومهنته وعندما يرى الورقة المرسوم فيها سيفان‬
‫ونخلة رمز السعودية وشكلها البراق وصورتك وأنت بالقرمبوبو والحقيبة‬
‫الدبلوماسية واللغة العربية الفصيحة سيطمئن ‪ ،‬اما أنا فسأقوم بالتغطية‬
‫اإلعالمية الكاملة ‪.‬‬
‫ وأين يتم العمل ؟‬‫ في مكتب البطة ويوم في هذه الغرفة ‪.‬‬‫ والنهاية !؟ ‪.‬‬‫ آخذ ثالثة أرباع وأعطيك الربع بعد أن أجهز لك تذكرة سفر ‪.‬‬‫ترك "حسن مؤمن" المكان وساد الصمت ‪ ،‬أحس الشاب باأللم وانتابه كآبة عمياء‬
‫‪ ..‬و الظالم يخيم على كل شيء والجو بارد برود الصقيع والرياح تهب من كل‬
‫االتجاهات ‪ ،‬والستائر تالعبها الرياح والصمت يلف المكان تماماً كالظالم ! ‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫‪24‬‬

‫توقفت عربة التاكسي أمام كوخ جميل ‪ ،‬نزل عدد من الركاب ‪ ،‬اتجه ثالثة منهم في‬
‫طريق واحد ‪ ،‬كانت أنفاس الصديقين متالحقة في رتابة ‪ ،‬وخطواتها سريعة تتحرك‬
‫كاإللكترون ‪ ،‬تقدمهما "سوسكي" وطرق باب الكوخ طرقات مستحسنة ‪ ..‬ظهر رجل‬
‫متين تكومت لحومه حول عظمه حتى يخيل إليك أنه فرس من فرسان النهر ‪..‬‬
‫أخذه الى حضنه وانزوا جميعاً إلى الداخل "سندو" ‪" ،‬بانا" ‪" ،‬سوسكي"‪ ،‬جلسوا‬

‫يتناوالن مشروباً ضيافياً فقال "سوسكي" بخوف يشير ببنصره إلى صدر رفيقه ‪:‬‬
‫ الشابان اللذان حدثتك عنهما !‬‫ارتعش الجسد المتين وقال بكره ‪:‬‬

‫ لقد تأخرتم ‪ ،‬قبل أسبوع كنا في حاجة إلى خمسة عمال أما اآلن فنرغب في‬‫طرد ثالثة عمال ‪.‬‬
‫‪142‬‬

‫شهق "سوسكى" بزعر وقال بنفور ‪:‬‬
‫ على كل حال هذا وعد بيني وبينك ‪.‬‬‫نهض الرجل وأجابه مبتعداً ‪:‬‬

‫ آسف إن المدير العام قد وصل ليلة البارحة وهو اآلن يشرف على األمور‬‫بنفسه ‪.‬‬
‫أرسل "بانا" عينيه المربدتين ثم شهق شهقة كبيرة واضعاً يديه على صدره وكأنه يريد‬

‫إفراغ كل ما في دواخله من هموم وأشياء ‪ ،‬أما صديقه فكان فاغ اًر فاه بذهول ‪،‬‬

‫يتأوه بألم ويقبض على جبهته يصغي إلى رئيس العمال وهو يصر على الرفض ‪،‬‬

‫كست عينيه بقايا دموع ‪ ،‬وواصل "سوسكي" حديثه بصوت غليظ وقد عصف به‬
‫الغضب ‪ ،‬والهياج والسباب فكانت الكلمات تخرج من حنجرته كحمم بركان ‪،‬‬
‫أصدر "سندو" أنيناً بارداً ‪:‬‬
‫‪ -‬يفعل اهلل ما يريد !!‬

‫فاحت رائحة طيبة أشبه برائحة الزعفران الحلو تمأل أركان المنزل وخرج الرجل‬
‫المتين غاضباً دون أن يبوح بشيء آخر ‪ ،‬وجلسوا وقد عصف بهم القهر‬
‫والخمول عندما الح الفجر بنوره الوضاء وأشرق الصبح بجماله الساحر ‪ ،‬خرج‬

‫الرفاق بال وداع مغادرين المنطقة ‪.‬‬
‫أصبحت العودة إلى منزل "برايم" أم اًر عسي اًر لهذا استضافهما "سوسكي"‬

‫في منزله في حي "كبندة" ذات األشجار االستوائية المتنوعة ‪.‬‬
‫وفي ذات أصيل بارد ‪...‬‬

‫جاء "سوسكي" ببرقية "لبانا" علم من خاللها أن شقيقه سيرسل حوالة مالية لم‬
‫يحدد قيمتها ‪.‬‬
‫‪143‬‬

‫في أحد األيام الحارة خرج الصديقان متجهين نحو السوق ‪ ..‬كان "سندو"‬
‫يحدق في الشارع النظيف والحركة النظامية وقد أخذت مالمحه تتغير وتتشكل ‪،‬‬
‫وغدا أشبه بالشباب الزائيري بعد أن حلق رأسه حالقة على الموضة الشبابية‬
‫الجديدة وحلق ذقنه وشواربه ‪ ،‬جال ببصره يرمق امرأة قصيرة كالتل فاتحاً عينيه‬
‫‪ ،‬كانت منتفخة الوجه ‪ ،‬متورمة الخدين كأنها تبلع لقمة أكبر حجماً من فمها ‪،‬‬

‫وطفلها الرضيع يضع فمه الصغير على ثدييها السوداويين المنتفختين كبالونة‬

‫هوائية ‪ ،‬تبدو ال مبالية بشيء وهي تقف نصف كاشفة وقد أسدلت ضفائر‬
‫شقراء تتدلى على عنقها في شكل غير من مالمحها مما جعله يرمقها بسخرية‬
‫ففهمت وأمطرته بوابل من الشتائم والكلمات الجارحة ‪ ،‬تجاهلها وواصل سير‪.‬‬
‫وفي السوق التقيا هو ورفيقه "بانا" "بسوسكي" عند دكان أقمشة ‪ ،‬تركهما أمام‬
‫التلفون وانصرف بعد أن أعطاهما حوالة مالية في ظرف جميل ‪ ..‬أقعدهما‬
‫صاحب المحل باحترام ولطف وقدم لهما مشروباً بارداً ثم جلس قبالتهما ببسمة‬

‫كبيرة ‪ ..‬دخل عليهما شاب وسيم حياهما واشترى قماشاً وغادر ‪..‬‬
‫عاد يجلس في محله قائالً بالفرنسية الفصيحة ‪:‬‬

‫ لهذا الشاب قصة قصيرة ظريفة ‪.‬‬‫تدخل "سندو" بلهجته اآلمرة ‪:‬‬
‫ قصها ‪.‬‬‫أردف البقال بمتعة ‪:‬‬

‫ أعتقد أنه من تشاد أو السودان أو النيجر ‪.‬‬‫قال "بانا" بكره ‪:‬‬
‫ مالنا وموطنه ؟‬‫‪144‬‬

‫قال البائع بمرح ‪:‬‬
‫ إنه شاب مثالي رباه شقيقه األكبر ‪ ،‬عمل بعد تخرجه في شركة إنجليزية ‪ ،‬غال‬‫في حب فتاة من الملونين ال أذكر اسمها ‪ ،‬بارعة الجمال ‪ ،‬شقيقه رجل على‬
‫مشارف الخمسينيات ‪ ،‬بعثه الشاب لخطبة الفتاة وعندما استقبلته الجميلة‬
‫الحسناء برقة متناهية أعجب بخلقها وراح فريسة للفتنة ‪ ،‬عاد يخبر الشاب بأنها‬
‫غير الئقة ‪ ،‬أدرك بعد أيام أنه تقدم لخطبة األم بدالً من االبنة كانت لسميرة‬

‫ذات شبه بالغ بأمها ‪ ،‬استدارة الوجه ‪ ،‬طول األنف والعنق والقامة ‪ ،‬أرملة توفى‬

‫زوجها بعد أن أعياه مرض في إحدى أحياء باريس ‪ ،‬فتمنت أن تحل قيود‬
‫العذ وبية لتكمل بقية عمرها تحت سقف الزوجية ‪ ،‬تزوج باألم ورأى الحقيقة‬
‫تخذله وبكى كالطفل ‪ ،‬أحس بالخذالن ‪ ،‬أخي اًر عاد خائباً إلى شقيقه الشاب‬
‫يعتذر عما بدر منه وراح الشاب يتزوج محبوبته ولقد أنجب منها اآلن توأم ‪....‬‬

‫قطع رنين التلفون قصته الطويلة وراح "بانا" يتكلم بال تمهل وهما منصرفان‪ ..‬بعد‬
‫مشي طويل وصال البيت ‪ ..‬فتحا باب الغرفة ‪ ..‬جلس "سندو" على السرير‬
‫الصغير فلمح ورقة بيضاء على الطاولة ‪ ..‬حملها وق أر ما فيها ‪ ،‬ناولها لرفيقه‬
‫فقرأها بصوت عال (( أنا على سفر طاريء إلى دولة ناميبيا وسأعود بعد أشهر‬
‫مع رعاية الرب ‪" ..‬سوسكى")) ‪ ،‬هز رأسه بعد القراءة وقال بحسرة ‪:‬‬
‫ لقد بعث أخي حوالة قيمتها ‪ 200‬فرنك فرنسي ولقد أخذ "سوسكي" ‪ 100‬فرنك‬‫دون علمي فهذه سرقة ‪.‬‬
‫اتكأ "سندو" على الجدار وتجمع حول نفسه ثم قال ‪:‬‬
‫ إما أن نهاجر إلى الغابون أو نسير على نصيحة شقيقك نعود إلى أنجمينا ‪.‬‬‫لم يتكلم رفيقه ‪ ،‬انبطح على بطنه ونظر إلى صورة الرئيس المعلقة على الجدر‬
‫فانتبه وقال ‪:‬‬
‫‪145‬‬

‫ ما تراه أنت فكلها افريقيا !؟‬‫‪ -‬ال خير يا صاحبي و إال سنموت كما الشياه والحشرات !‬

‫‪146‬‬

‫‪25‬‬
‫وفي شارع "جندر ميري" في أنجمينا ‪ ،‬التقى الصديقان "جبريل" و"أبوسكين" "بحسن‬
‫مؤمن" وقد كسا وجهيهما الخوف والذعر فقال "جبريل" بأدب ‪:‬‬
‫ أال تعرفنا يا أستاذ ؟‬‫أجابه بالنفي فأكمل كالمه ببشاشة ‪:‬‬
‫ نحن أصدقاء رفيقك "سندو" هل لك معرفة بأخباره ؟‬‫تنفس بارتياح وأجاب بثقة ‪:‬‬
‫ ربما أكلته الذئاب أو أصيب بمكروه فالطريق الذي سلكه صديقك طريق وعر‬‫ومقفر‪.‬‬
‫قال جملته وتحرك إلى منزله ‪ ..‬زاد ذلك من حزن "جبريل" فالرسوب يمكن أن يتحول‬
‫إلى نجاح أما ضياع صديقه فأمر في غاية اآلسي ‪.‬‬
‫افترقوا على هذا النحو "جبريل" وصديقه سلكا طريق و"حسن مؤمن" شق طريقه بال‬
‫اهتمام‪..‬‬
‫كان "حسن مؤمن" يجلس في عقر داره بطمأنينة وقبل أن يكمل حديثه دخل عليهم‬
‫جنود مسلحون وقف األربعة منتصبين كاألعمدة رافعين بنادقهم ثم صوبوها في وجوههم‬
‫‪ ،‬وقف أحدهم قرب الباب والبقية مسمرين كالدبابيس ‪ ،‬جاء رجل نحيل تشير األوسمة‬
‫التي على كتفه بأنه يحمل رتبة عقيد ‪ ،‬وجهه العريض حمل تجاعيد نكراء وصمته‬
‫الكئيب ينذر بالشر ‪ ،‬شهر مسدسه في رأس "شارى" وقال بصوت خفيض ‪:‬‬
‫‪147‬‬

‫ أعطني حقوقي ‪.‬‬‫نكس "شاري" رأسه كطفل بريء وانتابه إحساس بالهزيمة فنظراته المتجهة إلى األرض‬
‫تعبر عن هروب وجريمة ‪ ،‬اعتدل "حسن مؤمن" في جلسته وقال ‪:‬‬
‫ آسف ‪ ،‬سأتدخل في الموضوع ‪.‬‬‫التفت إليه العقيد بكبرياء حقيقي وتكلم بصوت خشن يقطع كالمه ‪:‬‬
‫ ليس من حقك ان تتدخل !‬‫نظر إليه بغضب ولكنه أخفى ذلك وقال بإمتعاض ‪:‬‬
‫ أرجو أن تحسن ألفاظك حتى نصلح ما بيننا ‪.‬‬‫رفع "شاري" رأسه وظهرت عينيه محمرة ‪ ،‬ناعسة ثم نكسها مرة أخرى وقال ‪:‬‬
‫ هذا هو العقيد ! ؟‪.‬‬‫لم يقل أكثر من ذلك فسأله مرة أخرى بوجه مكشر ‪:‬‬
‫ كم تبقى له ؟‬‫ مليونا فرنك سيفا ‪.‬‬‫فتدخل العقيد بصوت ساخر ‪:‬‬
‫ أريت ‪.‬‬‫التفت "حسن مؤمن" إلى شخص عن يمينه وقال ‪:‬‬
‫ قم يا "حسب الرسول" افتح السيارة وآتني بالحقيبة ‪.‬‬‫جاء الفتى بالحقيبة وجلس في موقعه ‪ ،‬فتح "حسن" الحقيبة فتبين أمام ناظرهم‬
‫الحزم المالية مكدسة فأعطاه وقال ‪:‬‬
‫ أعتقد أن القضية انتهت !‬‫‪148‬‬

‫تقلصت تجاعيده فأكمل بثقة ‪:‬‬
‫ قم يا "شاري" واذهبوا إلى البنك ليتأكد صاحبها بأن النقود ليست مزورة !‬‫أجابه باستغراب ‪:‬‬
‫ ال داعي قل لي أيها الشاب ما أسمك ؟‬‫أجابه "شاري" بدال عنه ‪:‬‬
‫ يدعي "حسن مؤمن" ‪.‬‬‫ إنه فعال لحسن ومؤمن !‬‫ال ‪ ،‬ثم جر نفساً عميقاً في الوقت الذي حدثت‬
‫أشعل "حسن مؤمن" لفافة تبغ متأم ً‬

‫في وجهه تغيرات متتالية مبحلقاً في العقيد الذي يشيء وجهه بالنعومه والخشونة‬

‫معاً وبدأ لونه األسود الداكن يخضر كورق الشجر ‪ ،‬حاول أن يغلق فمه بينما ظلت‬

‫أسنانه الطويلة ظاهرة كاألصابع ‪ ،‬كل شيء يوحي إليه بالغ اربة ‪ ،‬تحرك دون أن‬

‫يقول شيئاً فتبعه رفاقه وما زالت سحب العنف تسكن دواخلهم ‪ ،‬مرت برهة عاد فيها‬
‫العقيد ‪ ،‬اقترب من "حسن مؤمن" وقال بتردد ‪:‬‬

‫ اسمي "بشارة" أرجو أن تقدر انفعاالتي فقط كنت أود الوصول إلى حقي إن هذا‬‫الرجل ‪...‬‬
‫وأشار بأنامله إلى رأس "شاري" ثم أضاف ‪:‬‬
‫ خدعني وأرادني أن أكون خاتماً في يديه ليلعب بمشاعري كالطفل‪.‬‬‫نهض الرجل وتبعه "حسن مؤمن" بخطى ربيعية بينما ظل المالزم "شاري" مذلوالً خائباً‬

‫‪ ،‬مصفر الوجه كالذي أصيب بالتايفويد ‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫‪26‬‬

‫بدأت رحلة العودة الى العاصمة انجمينا سهلة جداً ‪،‬فقد كانت ايام قليلة حتى وصلوا‬

‫الى مدينة بانغي لولؤة افريقيا الوسطى وعاصمتها‪ ،‬ومن ثم تحركوا الى "سيدو" بين‬

‫الحدود التشادية وافريقيا الوسطى‪.‬‬
‫كانت الطرق مسطحة وكأنها معبدة ‪ ،‬تبدو في بعض اجزائها داخل المدن حديثة‬
‫الترميم ‪ ،‬لم تكن األوضاع صعبة البتة ‪،‬ولم يلفتو انتباه احد سواء الشرطة او‬
‫اللصوص ‪ ،‬او حتى المواطنون بانهم غرباء او زوار ‪ ،‬وقد بدأ لسندو وكأن العربة‬
‫جنحت بهم نحو طرق أخرى ‪ ،‬األشجار تحيط بالقرى والمدن من كل الجهات ‪ ،‬و في‬
‫كل األمكنة ‪ ،‬والرحلة ممتعة حتى وصولهم الى داخل األراضي التشادية ‪،‬في مدينة‬
‫سار عاصمة الجنوب التشادي‪.‬‬
‫وفي العاصمة أنجمينا تبدو المدينة هادئة تخلو من الغبار والعجاج ترقد تحت نسيم‬
‫عليل ‪ ،‬تتحرك األشجار وتهتز برفق ودالل ‪ ،‬قال "سندو" لرفيقه بصوت هامس ‪:‬‬
‫ فلنأخذ عربة تاكسي إلى البيت ‪.‬‬‫أجابه ‪:‬‬
‫‪150‬‬

‫ ما تبقي لنا من نقود ال يساعدنا على ذلك لقد أسرفنا في جنوب البالد أنا اقترح‬‫أن نذهب إلى سوق "دمبي" لشراء بعضاً من المالبس ‪.‬‬

‫وفي محل "ار‪ -‬كتنو"‬

‫*‪21‬‬

‫اشتريا أحذية إيطالية وبعضاً من الفنايل ‪..‬‬

‫بدأت الشمس تنحدر أمتا اًر ‪ ،‬الهواء يصنع برودة وحشية فتتداخل السحب حول بعضها‬
‫زاحفة كالسيل ‪ ،‬تهدأ الحاالت عند هبوط الشمس وتصبح الرؤية متقلبة ‪ ..‬توقفا أمام‬

‫منزل طيني قديم فجذب "سندو" آخر ما تبق من السيجارة ‪ ..‬دخال والجزع يسكنهما ‪،‬‬
‫استقبلتهما ربة البيت وحملت عنهما الحقيبة كل متاعهما هي حقيبة واحدة‪ ،‬استلقيا في‬
‫غرفة معدة للضيافة وقد أدركا بعد لحظات بأنهما في الحي األخير من شارع ثالثين ‪،‬‬
‫دخلت عليهم بمائدة الطعام وهي على إغراء شديد ‪ ،‬صافحة "بانا" وتكلمت بألفاظ‬
‫معسولة ثم انصرفت بدالل ‪.‬‬
‫واذ كرت األيام و "سندو" ماضياً في حيرته فالجو بدأ يبعث ح اررته من جديد‬

‫وأصبحت الحجرة في عينيه مظلمة ‪ ،‬داكنة وأحس وكأنهما داخل فرن أو صندوق‬
‫مغلق ‪ ..‬وقف يفكر في الخروج فال أماكن للنزهة وال حدائق وال صديق أو شيئاً‬
‫يستطيع أن يزيل عن جسده هذه الكآبة الصماء إال صالة العرض وهي أيض ًا بعيدة‬
‫الموقع ‪ .‬قطعت ربة البيت حبال أفكاره بصوتها الناعم وألفاظها الحلوة‪ ..‬لم يفكر فيها‬

‫ولم يعرها اهتمام ًا ‪ ،‬تتبع خطوتها ليعينها على طلبها فقد كانت تريد تغيير موقع سريرها‬

‫‪ ..‬أحس بالضيق ورأى نهديها البارزتين المخبئتين خلف قميصها الشفاف كالمفرقعات‬

‫لم تثره بمؤخرتها وال ببطنها الكاشف تركها مغاد اًر المكان ‪ ..‬اتجه إلى حي (بالبلين)‬
‫عبر زقاق ضيق ‪ ،‬قفز مياه قذرة ‪ ،‬دخل بيت طين ‪ ،‬استقبله رفيق دراسته " ابا عمر"‬

‫استقباالً حا اًر ‪ ،‬دار بعينيه أركان الغرفة ‪ ،‬كل شيء جميل ‪ ،‬احضر له الشاي والكعك‬

‫والفول المدمس ‪ ...‬تناول رشفة طويلة يسرد رحلته ‪ ،‬فحدثه رفيقه هو اآلخر عن أخبار‬

‫*‬

‫محل لبيع األحذية ولقد سمى بذلك ألنها تأتي من كتنو عاصمة بنين‬

‫‪151‬‬

‫النادي الذي انهار واختالف األعضاء ‪ ،‬ودخول القبلية والنزاعات ‪ ،‬بدأ العرق يتدفق‬
‫من على جبهته بغ ازرة فأحس شيئ ًا يسير على ساقه ‪ ،‬فتحسسه بأنامله فإذا حبات‬
‫العرق تتدحرج في أشكال كروية ‪ ...‬نهض واستودعه ‪ ..‬بينما كان يسير في الطريق‬

‫خفية انتابه شعور المهزوم ‪ ،‬اتجه صوب مقهى كان يرتاده سابقاً ‪ ...‬كان يخلو من‬
‫الزبائن بعكس الماضي ‪ ،‬نهض دون أن يتناول مشروباً ‪ ،‬تحمله قدماه بخيبة ويشعره‬

‫فؤاده بأنه وحيداً يصارع قضايا ال يفهمها ‪ ،‬أثنى على اهلل ‪ ...‬وصل الدار ‪ ..‬كان‬

‫صاحبه ينتظره بقلق وقد دقت الساعة وأعلنت عقاربها الحادية عشرة ‪ ،‬قدم له طعاماً‬

‫في صحن صغير مقدار الكف وحدثه بإشفاق‪:‬‬
‫‪ -‬هذه حصتك !!‬

‫التهم طعامه ‪ ،‬ونفض فراشه ثم وقع دون أن يتكلم فنظر إليه "بانا" وقال ‪:‬‬
‫ أراك على غير العادة ؟‬‫أجابه بصوت مكسر ‪:‬‬
‫ ربما صحيح ولكن دعنا نتكلم في الغد ‪ ،‬تصبح على خير ‪.‬‬‫لم يرد بل ظل واجماً بال حركة ‪.‬‬
‫***‬
‫استأجر بيتاً متواضعاً في حي "قردولى" كان الحي صاخباً ‪ ،‬شوارعه ضيقة ‪ ،‬تخطيطه‬
‫عشوائي حتى أن في بعض أزقته ال يمكن ألثنين أن يعب ار سوياً ‪ ،‬كانت الحجرة في‬
‫دار رجل يدعى (الراجل األزرق)‬

‫سنفيل ‪...‬‬

‫‪22‬‬

‫طيب القلب ‪ ،‬أبي النفس ‪ ،‬يعمل حماالً في سوق‬

‫* الراجل األزرق ‪ :‬تعنى بالعامية العربية التشادية الرجل األسود ‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫بعد رحيل "بانا" إلى منطقة (كسرى) قرر أن يقضي أوقاته بجانب "الراجل‬
‫األزرق" في سوق سنفيل ‪.‬‬
‫تحت ظل المظلة الكبيرة ‪ ،‬يجلس عدد من الرجال ‪ ،‬حمالين وسماسرة وتجا ار‬
‫وعاطلين ‪ ..‬تقدم بخطى وئيدة ودنا ببسمة رقيقة وجلس ينظر إلى الشارع ‪ ،‬نهض‬
‫الحمالون واتجهوا نحو عربة مرسيدس كبيرة تحمل في صندوقها كمية كبيرة من‬
‫جواالت العطرون ‪ ،‬تركوا المكان خالياً إال من "سندو" وشاب نحيل شديد السمرة وقد‬

‫توطدت عالقتهما ‪ ،‬يجلس بلباقة ‪ ،‬قال بوجه مشرق ‪:‬‬

‫ على فكرة اسمي "منصور" ليس "احمد" كما أراك تناديني ‪ ،‬هل قمت برحلة‬‫خارج الوطن ؟‬
‫أجابه "سندو" بيسر ‪:‬‬
‫ نعم وأنوي اآلن رحلة جديدة إلى مدينة (لوقس) بعد عودة صاحبي من مدينة‬‫(كسرى) ‪.‬‬
‫تكلم الشاب بقليل من الكبرياء ‪:‬‬
‫ السفر من أعظم الهوايات ولكن على اإلنسان الحذر فتحديد الهدف قبل رمي‬‫السهم هو مربط الفرس ‪ ،‬عندما كنت في عمرك غادرت إلى السودان ونلت‬
‫الشهادة الثانوية وغادرت إلى ليبيا أرض الثورة ‪.‬‬
‫قالها بلهجة متينة ثم رمى نظرة فاحصة في وجهه فعلم أنه يتتبع كالمه بكامل‬
‫أحاسيسه فأضاف ‪:‬‬
‫ وفي أرض الثورة اشتغلت عامالً في شركة األسمنت والصلب ‪ ،‬ثم هاجرت إلى‬‫مصر أم الدنيا ‪.‬‬

‫ابتسم وهو يحدقه بقليل من الكبرياء ثم واصل بتعجل ‪:‬‬
‫‪153‬‬

‫ التحقت بجامعة األزهر وأكملت دراستي الجامعية في كلية الزراعة قسم‬‫المحاصيل والحبوب ثم رحلت إلى السعودية أرض الحرمين رغبة في الزواج من‬
‫ابنة عمي المغترب فلم أوفق فلقد وصلت بعد أن خطبها رجل حضرمي وأخي اًر‬

‫عدت إلى الوطن ال طمعاً في وظيفة وال حباً في المال إنما حب في األرض‬
‫فوجدت األمور كلها وساطات وقبليات وأنظمة أشبه بالسلطنات القديمة ‪ ،‬ثالثة‬

‫سنوات وأنا بال شغل فاضطررت أن اعمل سائقاً خاصاً لزوجة رجل إداري‬

‫يعمل مسؤوالً لشركة كبيرة ‪.‬‬
‫قطع حديثه بال مباالة ‪:‬‬
‫‪ -‬ما زلت حتى اآلن سائق ؟‬

‫ كال ‪ ،‬ألقيت المفتاح في وجهها وانطلقت ‪.‬‬‫ لماذا ؟؟‬‫ في أحد األيام زار البالد عدد من المطربين إلحياء ذكرى استوالء الحركة‬‫الوطنية لإلنقاذ على مقاليد السلطة بالبالد انطلقنا إلى الحفل في قصر ‪15‬‬
‫يناير ‪ ،‬وفي منتصف الطريق توقفت المحركات فطلبت منها أن تعطيني أوراق‬
‫نقدية ألصب البنزين ‪ ،‬أخبرتني بأنها مفلسة ‪ ،‬نزلت وعبرت الشارع اآلخر‬
‫وهنالك طلبت من بائع البنزين أن يقرضني مقابل أن يحجز بطاقتي الشخصية‬
‫‪ ،‬ومن ثم واصلنا إلى السهرة ‪ ،‬بعد أن استمرت الحفلة ابتهجت القلوب وراح‬
‫الناس يرمون على خشبة المسرح أوراقاً نقدية افتخا اًر وابتهاجاً كما هي العادة‬
‫عندنا ‪ ،‬قامت سيدتي كذلك وحلت رباطاً صغي ًار وأخرجت حزمة مالية ضخمة‬

‫تبعثرها في الهواء فتتاثرت النقود على خشبة المسرح كأوراق الشجر ‪ ...‬حينئذ‬

‫تعقدت كثي اًر ‪ ،‬واهتز شيئاً ما في قلبي ‪ ،‬وفي البيت ألقيت المفتاح في وجهها ‪.‬‬
‫رقد كل منهما في تفكير استثنائي وحداني ولفهمها صمت خفيف حتى قال "سندو" ‪:‬‬
‫‪154‬‬

‫ وهل حصل أن التقيت بها مرة أخرى ؟‬‫وقبل أن يجيب تدافع الحمالون بوجوه غبرة وشعيرات مربدة منصبين أمام برميل‪،‬‬
‫يغسلون ما علق على أجسادهم من غبار وعجاج العطرون ‪ ...‬نهض "منصور"‬
‫تاركاً المكان وظل "سندو" يحوم بنظره متأمالً أسراب طيور جميلة كانت تختفي‬
‫قليالً قليالً إلى أن غابت من ناظريه وظل معلقاً نظره في السحب والسماء في‬

‫وداعة وبراءة ‪.‬‬

‫وقفت عربة (فيات) كبيرة تحمل شحنة صمغ في جواالت كبيرة ‪ ،‬ودوي‬
‫محركاتها المزعجة يعيده إليه زكريات الصبا ‪ ،‬عندما كانوا يقومون بصنع‬
‫المفرقعات الصغيرة ‪ ،‬ليزعجوا بها اآلخرين ويرهبوا بها نساء السوق ‪ ،‬تبدو العربة‬
‫قادمة من منطقة (دربالى) ‪ ،‬نهض الحمالون إال "الرجل األزرق" ظل بلونه الفاحم‬
‫يحك شعر إبطه الكثيف ‪ ،‬قام يخلع ملبسه الخفيف فظهرت عضالته الكبيرة بارزة‬
‫بوضوح وجسمه المفتول ظل يتصبب عرقاً كالماء ‪ ،‬قام وأحضر البراد بنفسه وأمر‬
‫صبياً ظهر بعد نداءات متكررة من خلف المجلس بإحضار (كانون) عليه جمرات ‪،‬‬
‫فعل الصبي ذلك ‪ ...‬بعد أن وضع البراد على النار صب الشاي األخضر والتفت‬

‫قائال ‪:‬‬
‫ آسف يا شباب لقد نسيت أن أخذ رأيك هل تشرب شاياً أخضر أم أحمر ‪.‬‬‫أجاب باسماً ‪:‬‬

‫ شاي ‪ ،‬قهوة ال يهم هات ما عندك ‪.‬‬‫‪ -‬أنصحك باستعمال الشاي األخضر فهو أكثر فائدة من غيره ‪.‬‬

‫أسند ظهره على خشبة المجلس دون أن يعطى أهمية لكالمه وقال ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫‪ -‬في تشاد يطلقون على الشاي أالسود شاي احمر‬

‫‪155‬‬

‫‪23‬‬

‫ هل أنت متزوج يا رفيقي ؟‬‫أشرقت من وجهه ابتسامة ساحرة وأجاب ‪:‬‬
‫ متزوج ولى ثالثة أوالد كلهم في الريف !‬‫ أال تأتي بهم إلى العاصمة يتعلمون ويتحضرون ؟‬‫ حياة العاصمة ليست لنا فهي من نصيب أبناء السالطين واألغنياء ‪ ،‬حياة شاقة‬‫وعسيرة ولو تزوجت ستدرك ذلك ‪ ،‬فكرت م ار اًر أن آتي بهم ليتعلموا في المدارس‬
‫إال أنني خفت ‪ ،‬فبدالً من التعليم يتعلمون النصب والسرقة ‪.‬‬

‫ منذ متى وأنت في العاصمة ؟‬‫‪ -‬منذ ثالثة عشر عاماً ‪.‬‬

‫ كيف وجدت حياة العاصمة ؟‬‫ كل هذه السنوات وأنا أخوض معاركي من أجل البقاء ‪ ،‬نحن نأكل لنعيش فقط‪،‬‬‫أحمد اهلل اآلن عندما وطئت قدمأي العاصمة وأنا في أمس الحاجة الى لقمة‬
‫العيش ‪ ،‬كانت أياماً قاسية ولوال أخي الصغير لضاع منا حتى ورثة البيت ‪،‬‬

‫كل يوم في المحكمة ‪ ،‬بعنا ثالث بقرات من أجل أن نقدم رشاوي حتى عادت‬
‫إلينا حقوقنا ‪.‬‬

‫تنفس بارتياح ينظر إلى عربة كبيرة وصلت من مدينة (ميسال) توقفت عجالتها‬
‫ونزل الركاب في عشوائية ‪ ،‬أصواتهم تتعالى وضجيج المحركات ال يهدأ ‪ ،‬بكاء‬
‫أطفال ‪ ،‬صيحات النساء ‪ ،‬رجل يشتم وآخر يقهقه وحوار حاد بين الصبيان ولغو‬
‫بين الشباب ‪ ،‬كل ذلك على العربة الجديدة ‪ ،‬حاملة في صندوقها جواالت الفول‬
‫السوداني ‪ ،‬ونهض "الرجل األزرق" وراح يأخذ أجر الحمولة من التجار ‪.‬‬
‫قام خلفه ينفض عن جسده ما علق من ذرات الغبار وعدل ملبسه المكرفس‬
‫وانطلق هادئاً ‪ ،‬شارد الذهن ‪ ،‬وقف نائياً عن العربات يحدق الحمالين بعيون‬
‫‪156‬‬

‫مشدوهة ورأى رفيقه "الرجل األزرق" يأخذ أجورهم ‪ ،‬انقسم الحمالون إلى مجموعتين‬
‫‪ ،‬مجموعة أسفل العربة واألخرى صعدت أعلى العربة تأخذ الجواالت وتضعها‬
‫أسفل فيالقيها اآلخرون ويضعونها على كتف أحدهم بالتناوب ‪ ..‬إرتص الحمالون‬
‫باعتدال ووضعوا جواالً على ظهر عامل جديد ‪ ،‬فنفرت عروقه وظهرت على رقبته‬
‫كحبال سميكة ‪ ،‬اهتزت مشاعره وارتطمت ركبتاه مع بعضها ‪ ،‬ولوال أن تدخل‬

‫"الرجل األزرق" لسقط الشاب ‪ ،‬بعد تعليمات بسيطة أخذ الحمال خطاه بهدوء نحو‬
‫المخزن ‪ ..‬جاء حمال آخر ‪ ..‬وآخر ‪ ..‬حتى تقدم "الرجل األزرق" والصيحات‬
‫تغطي أصوات صفافير الرياح ‪.‬‬
‫كان "سندو" يرمقه بذهول ‪ ،‬وقد استعد "الرجل األزرق" وابعد ركبتيه عن بعضها‬
‫وهز كتفيه بتعمد ووضع عليها خرقة كبيرة الحجم ‪ ،‬وضعت الثلة الجوال األول فلم‬
‫يتحرك أو يترنح ‪ ،‬تصلب أكثر وهم يضعون الجوال الثاني واألخير فأشار إليه‬
‫أحدهم بأ ن يتحرك ‪ ،‬خطا بثقة مطلقة ‪ ،‬تأتى الصرخات متنوعة من الحمالين ‪،‬‬
‫والصبية ‪ ،‬تغير لون "سندو" وهو يشاهد هذا الموقف وهز رأسه إعجابا ‪ ،‬هزات‬
‫متكررة وتمتم بصوت خافت وغدا تجاه الدار‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫‪27‬‬
‫شهر ‪ ،‬ولم يسمع شيئ ًا عن أخبار رفيقه "بانا" ‪ ،‬أغلق المذياع فتناهت إلى‬

‫مسامعه شجار الجار وزوجته التي راحت تتكلم بعصبية مطلقة ‪(( :‬إنك جبان وال‬
‫تملك قلب رجل ال يهمني أن تعشق امرأة أخرى ولكن يجب أن تهتم بوضع أبنائك‬
‫الثالثة ‪ ،‬خير لك من التسكع وراء الداعرة "ميمونة" ))‪ ..‬نظر "سندو" إلى الرجل‬
‫الذي راح يرد متضايقاً وقد خانه التعبير‪ (( :‬قلت لك إنني خباز وعمل المخابز ال‬

‫يتم إال ليالً)) وانفجرت المرأة بصرخات متتالية ‪ (( :‬كذاب وفاسق إذا كنت حقاً‬

‫خبا اًز فلك اآلن عشرة أيام لم تأت بكيس خبز وال كيس تراب )) ‪ ...‬اتضحت الرؤية‬
‫فقر المأساة‬
‫وهو يرنو إليها واألوالد من حولهما يصغون إلى الشجار بوجوه باكية ‪ ،‬أ‬

‫كاملة ونهض ليتدخل في مشكلتهما ‪.‬‬
‫مرت األيام بثقل وحضر متأخر إلى مقر الحمالين مع دفيء الشمس واصفرارها‬
‫البرتقالي فرأى " الرجل األسود " يجلس وحده القرفصاء ‪ ..‬تناهت أصوات صاحب‬
‫الشاي المتجول ‪(( :‬شاي عسل وحلو)) هز " الراجل األزرق" شفتيه وأشار بسبابته‬
‫‪158‬‬

‫إلى صاحب الشاي بان يصب لهما فنجانين ‪ ،‬وضع البائع البراد العمالق‬
‫والفنجانين تتراقص داخل جردل صغير تحت ماء بارد ‪ ..‬أفرغ لهما الشاي في‬
‫فنجانين من زجاج وتحرك يبحث عن زبائن آخرين ‪ ،‬غير "سندو" من جلسته‬
‫وارتشف الشاي بشراهة ‪ ،‬حاول أن يقول شيئاً إال أن الكلمات اختنقت في دواخله‬

‫فذرع بنظره السماء كأنه يطلب من ربه الرجاء ‪ ،‬كسر " الراجل األزرق" قصبة‬

‫صغيرة وراح ينظف أذنيه وفي هذه اللحظة تكلم "سندو" وعيناه تحمالن شحنة من‬
‫التواضع والقنوت ‪:‬‬
‫ لقد أعجبت بشخصك وأنت تعمل بإتقان !‬‫تحدث "الراجل األزرق" وقد اعتلت وجهه مسحة الخجل الطبيعي ‪:‬‬
‫ بصراحة يا أخي ال يستطيع المرء فينا أن يتكلم عن عمله بافتخار ولكن مادام‬‫العمل شريف ويعود بربح حالل فال بأس أن احكي لك حكاية قصيرة ‪ ،‬وصلت‬
‫انجمينا وولدي "محمود" لم ير الدنيا ‪ ،‬عندما امتنعت السماء عن هطول المطر‬
‫ويبست المزارع وجفت التربة وكان أول لقائي بحارس السوق فهو عمي ثم جاء‬
‫أخي الصغير واصطحبني إلى البيت ‪ ،‬إنه في عمرك سافر إلى بالد بعيدة‬
‫ليواصل تعليمه ال اعرف اسم البلد ‪ ،‬أول مرة وأنا أتقدم للعمل وقفت خائفاً ‪،‬‬

‫إرتص الرجال وخرجت أولهم من الصف ال اخرهم كما اآلن تراني ‪ ،‬وضعوا‬

‫على كتفي جوال صمغ ترنحت ولم أستطع الحركة ‪ ،‬وقفت متألماً أصغي إلى‬

‫أصوات الضحكات وعبارات السخرية فخطوت بثقل فتضاربت ركبتاي وملت‬

‫نحو اليمين مجب اًر وسقطت على الحضيض ‪ ،‬هذه هي أول تجربتي في العمل ‪،‬‬
‫هكذا مرت السنوات وأتقنت العمل وأصبح مصدر رزق لي وألوالدي ‪...‬‬

‫سكت " الراجل األزرق " ووصل "منصور" وقد ارتفع صوت آذان المغرب ‪ ،‬و‬
‫رياح الصيف الحارة تهب على المدينة ‪ ،‬نهضوا ثالثتهم واتجهو يدخلون مطعم‬
‫‪159‬‬

‫صغير فطلب "منصور" وجبة باإلدام وصحن أرز ‪ ،‬نظر إليه " الراجل األزرق"‬
‫وأشار إلى صاحب المطعم بإحضار خمس صحن أرز وثالثة كاسات حليب وقال‬
‫‪:‬‬
‫ بإمكاني أن آكله وحدي !‬‫فقال "منصور" بدهشة ‪:‬‬
‫ مثل هذا األكل يسبب لك التخمة ‪.‬‬‫لم ينتبه لحديثه لهذا قال ‪:‬‬
‫ كيف أستطيع حمل جوال يعادل مائة كيلو جرام إذا لم أتناول طعامي على هذا‬‫النحو !‬
‫فرد "منصور بتلعثم ‪:‬‬
‫ قلت لك ستصاب بمرض التخمة ‪.‬‬‫امتألت عيناه بالذعر وقال ‪:‬‬
‫ ما المقصود بالتخمة ؟‬‫ إنه مرض يصيب اإلنسان بالسمنة !‬‫قطع حديثه بعشوائية ‪:‬‬
‫ هذا رائع إن السمنة مهمة عندي وللعضالت دور كبير في عملي ‪.‬‬‫فتدخل "سندو" ‪:‬‬
‫ مستحيل أن يصاب اإلنسان هنا بالتخمة ‪ ،‬إن مدينتنا هذه دواء ناجح أفضل‬‫من الرجيم‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫واصلوا تناول طعامهم ونهضوا تاركين المكان ‪ ،‬وفي منتصف الطريق أتت سيارة‬
‫مسرعة ودخلت في حفرة صغيرة مما جعل الماء القذر يرش ويبقع مالبسهم ‪ ،‬فواصلت‬
‫سيرها دون أن يعتذر صاحبها وهنا راحوا يشتمون ويهيجون ‪ ..‬ضحك " الراجل‬
‫األزرق" ضحكة خبيثة وساخرة ومستفهمة وقال ‪:‬‬
‫ غداً يا "سندو" تكمل دراستك وتصبح مسؤوالً وتركب عربة فارهة وترش الماء‬‫القذر على العامة ‪.‬‬

‫فقال يجيبه وقد غطى الظالم مالمحهم ‪:‬‬
‫ أنا لست مثلهم ‪.‬‬‫عقب "منصور" ‪:‬‬
‫ صدق " الراجل األزرق" ‪ ،‬إن العربات الفارهة كلها اآلن في حوزة السياسيين‬‫ورجال الدين سواء كانوا من المسلمين أو المسيحين ‪.‬‬
‫فقطع حديثه من جديد بشيء من السخرية ‪:‬‬
‫ ال تنسانا "يا سندو" سيأتي يوم وتصير رجل دولة واذا دخلت في الحفر المبتلة‬‫ورشيت العامة أرجو أن تقدم لهم االعتذار ‪.‬‬
‫ضحكوا ثالثتهم بمرح وتفرقوا حيث سلك "الراجل األزرق" طريقاً إلى دار عمه وظل‬
‫الصديقان صامتين حتى هز "سندو" رأسه باستحسان ثم قال ‪:‬‬

‫ اكمل لي القصة‬‫واصل منصور وكأنه يريد ذلك ‪:‬‬
‫ حكايتي مع المرأة ؟‬‫ضحك واكمل‪:‬‬

‫‪161‬‬

‫ تزوج زوجها بأخريات وصرن ثالثة في بيوت مختلفة كلها إيجار بأسعار باهظة‬‫واذ دارت األيام واختلس الرجل مال من الشركة وافتضح أمره وتم فصله وظلت‬
‫حالته تسوء قليالً قليالً ‪ ،‬ومرت الشهور وهو دون عمل فطالبه أصحاب‬
‫اإليجار بالحساب وظهر أصحاب القروض فباع كلما يملك حتى أصبح صفر‬
‫اليدين وجمعتني بها الصدفة فبادلتها بتحية حسنة وتبادلنا م ازحاً لطيفاً وكأن ما‬

‫بيننا شيئاً فأخبرتها بمرح ‪((:‬يجب أن تتعلمي ثالثة خصال ‪ ،‬أوالً أن تتعلمي‬
‫نقل الماء من البئر ‪ ،‬ثانياً أن تتعلمي الطهي بالحطب ‪ ،‬ثالثاً أن تتعلمي إشعال‬
‫الفانوس بدالً من اإلضاءة الكهربائية )) ومن خالل ضحكاتها وعبارتها أدركت‬
‫في الحال بأنها مومس ‪.‬‬

‫افترقا وقد كسى الظالم المدينة ‪ ،‬ولمعت النجوم في السماء والطقس ما يزال بارداً‬

‫رطباً‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫‪28‬‬
‫مرت األيام والشتاء قاسياً برياحه الباردة وهوائه الجاف ‪ ،‬شهران متتاليان ولم يظهر‬
‫خاللهما "بانا" ‪..‬‬

‫نهض "سندو" وقت السحر ‪ ،‬ارتدى مالبسه وقد نبتت في روحه كآبة حزينة حين تأمل‬
‫في لوازمه وقد ابتاع جزءاً كبي اًر منها في سوق (حراى)‬

‫‪24‬‬

‫‪ ..‬عاد يجوب شوارع‬

‫العاصمة خجالً كأنه أرتكب جرماً عظيماً فتوقف عند فكرتين أما زيارة المعلم "ياسر" أو‬
‫زيارة الرفيق "حسن مؤمن" فال أحد غيرهما يستطيع أن يخرجه من هذه الظلمة الموحشة‬

‫ولكن كيف يزور معلمه بهذه المالبس الرثة والوجه الخشن والشعر المفلفل والحذاء‬
‫الممزق ‪ ،‬و "كبرى" الجميلة هي أول من ترنو صورته وصفحة وجهه الكئيب ‪ ،‬قتل ما‬
‫فيه من العاطفة وانطلق إلى دار معلمه "ياسر" ‪ ...‬كانت لألرض رائحة طينية حلوة‬
‫تتسرب إلى أنفه وتذكره بوجه أبيه اإلفريقي العريق ذي القسمات العميقة تعيده إلى‬
‫الفرحة والحياة و الصوفية التقليدية ‪.‬‬

‫* سوق حراى ‪ :‬سوق لبيع األدوات المستعملة‬

‫‪163‬‬

‫كان الوقت ضحى حين وصل الدار ‪ ،‬فوجئ بالباب مغلقاً من الخارج بقفل‬

‫محكم ‪ ،‬غير خطاه الى حارة (انبستنا) ‪ ...‬طرق الباب بلين ‪ ،‬ازاحه بيد مرتبكة ‪،‬‬
‫أخذته قدماه إلى الداخل ‪ ،‬صفق بيديه حتى سمعه "حسن مؤمن" وتساءل ‪:‬‬
‫ من في الباب ؟‬‫أجابه بحياء وتراخ وجاء صوته نحيالً رقيقاً ‪:‬‬
‫ صديقك "سندو" !!‬‫‪ -‬مرحبا باألستاذ ‪.‬‬

‫خرج يحمله على أحضانه ‪ ،‬رحب به كثي اًر وقدم له مشروباً بارداً ثم تحدثا في‬

‫شؤون كثيرة ‪ ،‬ذكر له فيها عن رحالته حتى عودته ‪ ،‬مرت بينهما لحظات صمت‬

‫ثقيل ‪ ،‬نهض "حسن مؤمن" وقال بتأثير ‪:‬‬
‫ لقد حذرتك إال أنك رفضت نصحي ‪.‬‬‫ أنت تريد أن تلقي بي في تهلكة ‪.‬‬‫ وهل من تهلكة أشد مما اقحمت نفسك فيه ‪ ،‬يا صديق وأخي الصغير كثير من‬‫الشباب هم أحياء ولكنهم في الحقيقة أموات أعرف أنك صاحب طموحات ولكن‬
‫ما فائدة الطموح المكدس في صدرك ‪ ،‬نصحتك بأن ال تقوم برحالتك إلى‬
‫إفريقيا ال أنكر أنها أرض خصبة وثروة خضراء وطبيعة خالبة ولكن ال تنسى‬
‫بأنها مليئة بالثعابين وهذه الثعابين جعلتها مقيدة ال تمشي الى األمام وال يمكن‬
‫لهؤالء أن يقدموا لك أو لغيرك وال حبة رمل رغم أنها وطنك ‪ ،‬إنهم سوس ينخر‬
‫في عظام إفريقيا أريدك أن تعلم أن الهجرة ليست كما ظننت إنها بحث عن‬
‫وطن وأصعب ما في الحياة الحصول على وطن ‪.‬‬
‫‪ -‬الكفاح ال بد أن يبدأ بالمغامرة ‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫ إنك لم تبن من كفاحك هذا شيئاً غير الوجه البائس حتى ملبسك غير لونه‬‫الشمس وأصبح خفيفاً وكأنك ترتدي خرقاً بالية ‪،‬وشعرك تجعد وأصبح كالقش‬
‫اليابس ونعلك ممزق وكنت ال ترتدي إال األحذية اإليطالية لقد تغيرت تماماً‬

‫وكل ذلك من وراء تهورك ‪ ،‬أنظر يا رفيقي إلى ما وصلت إليه تسعة قطع‬
‫أرضية في قاع المدينة ‪ ،‬مخبز ومؤسسة تجارية ومطعم فخم وعربتين مرسيدس‬

‫نقل كبيرة ورصيد في البنك هذه كلها من بعدك !!‬
‫قال "سندو" ببرود ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ما شاء اهلل ‪.‬‬

‫واصل بتمهل ‪:‬‬
‫ إنني ال أرغب في حديثي أن أجرحك أو أحط من شأنك إنما أريدك أن ال تكون‬‫متحجر فال تأخذ إال برأيك يجب أن تستفيد من آراء اآلخرين ‪.‬‬
‫ أشكرك على هذه المحاضرة القيمة !‬‫ أراك تسخر وتسمي نصائحي بالمحاضرة‬‫قال جملته ببسمة عريضة وأخرج علبة سيجارة ‪ ،‬أشعل واحدة وقدم أخرى "لسندو" الذي‬
‫جر نفساً عميقاً وقال ‪:‬‬

‫ وماذا أفعل اآلن ؟‬‫ سأعطيك فكرة تنفعك وتنفعني لي منزل في حارة (ام تكنج) ولى تصريح بإنشاء‬‫مدرسة ما رأيك أن تكون مديرها ؟‬
‫‪ -‬ولكنني ال أحب أن أكون معلماً ؟‬

‫ أنا أيضاً ال أريدك أن تكون معلماً ؟‬‫‪ -‬ولماذا أتيت بهذه الفكرة ؟‬

‫‪165‬‬

‫ مدير لمدة شهر فقط تقوم بتسجيل األوالد ‪ ،‬إن تلك المنطقة في حاجة ماسة‬‫إلى مؤسسة تعليمية ‪ ،‬بعد أن تنتهي من التسجيل وتأخذ الرسوم نقتسم األموال‬
‫ويمكنك أن تبحث عن الشخص الذي يديرها ‪.‬‬
‫ دعني أفكر ‪.‬‬‫ ال أدعك تفكر ألن أفكارك غير مرغوب فيها ‪.‬‬‫خرج بعد أن تناول وجبة عشاء فاخرة ‪ ،‬حامالً معه كيساً بداخله بناطليل وقمصان ‪.‬‬

‫وفي الطريق ‪ ..‬دخل بقالة وأشترى علبة سيجارة وواصل في طريقه إلى داره وضوء‬
‫ال ‪.‬‬
‫القمر ما يزال ضئي ً‬

‫***‬
‫مرت األيام في تثاقل "وسندو" ما يزال ماضياً في أفكاره وقد زال القلق شيئاً ما ‪ ،‬كانت‬

‫ضربات قلبه تدق دقات عنيفة وحال له كان قلبه تغير من موقعه ‪ ..‬امتألت عيناه‬

‫بالفرحة والخجل وأعجب بنفسه وهو يشخص بعينيه ويتفحص هندامه ‪ ،‬وقف أمام‬
‫الباب وطرق بمفتاحه طرقات متقطعة ‪ ،‬فتحت (كبرى) الباب ‪ ..‬كانت في عينيها شيء‬
‫من براكين النعاس ‪ ,‬دخل بخطى ثقيلة ‪ ،‬التقت يداهما وصافحته بسعادة عظيمة وظهر‬
‫المعلم عندما سمع صوته ‪ ،‬ندت عنه ابتسامة ساحرة وهو يحتضن معلمه ‪ ،‬وقد تكورت‬
‫حاالت المحبة في دواخله ونهضت روحه ‪ ،‬فظهر جميالً جذاباً ‪ ،‬نظر مرة أخرى إلى‬

‫إشراقة وجهها فمشت قدامه بدالل وقد بدأ االرتباك فيها واضحاً بينما كان المعلم يقوده‬

‫إلى الصالة كانت منزوية في ركن تحدق إليه ‪ ،‬تبعثرت مشاعره الحزينة وانصبت إليه‬
‫مشاعر الفرحة في قالب عظيم ‪.‬‬
‫كان يتناول جرعات من المشروب الغازي ويتكيء على المقعد ‪ ،‬ويتكلم بحرية وعيونه‬
‫‪166‬‬

‫المعة كالزجاج ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫استطعت يا أستاذ أن أشتري في مدينة (كنشاسا) عربة قديمة وعملت في‬
‫مؤسسة تجارية براتب ال بأس به ‪.‬‬

‫صمت بتعمد وأحس بنشوة فواصل وعيناه الزائغتان تلمعان بشدة وهما تدوران حول‬
‫المدللة (كبرى) ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫فصلت من العمل ان صح التعبير لقد كان رجالً أنانياً ومحتاالً وملحداً‬

‫فأسست مدرسة ابتدائية !‬
‫قطع المعلم حديثة بحماس ‪:‬‬
‫‪ -‬رائع ‪.‬‬

‫‪ -‬سبب لي كثير من المتاعب حتى دخلت الثورة وأغلقت كثي اًر من المدارس فكانت‬

‫واحدة منها ‪.‬‬

‫هز المعلم رأسه منتبهاً يسمع إلى رفيقه وتلميذه ‪:‬‬

‫‪ -‬سافرت إلى الشمال في منطقة (بوتا) وهي مدينة حديثة ذات تربة خصبة فأشرفت‬

‫على مزرعة شاسعة ثم تركت العمل نتيجة ظروف سياسية ‪.‬‬
‫سكت للحظات وواصل بعزة نفس ‪:‬‬
‫ من غرائب األحداث في أفريقيا الوسطي ‪ ،‬تشاجرت مع شخص وذهبنا مبنى‬‫الشرطة‪ ،‬طلب مني الضابط إبراز األوراق الشخصية فعرفتهم باتفاقية (سدياك) فأفرج‬
‫عنا بعد أن تسامحنا ‪.‬‬
‫أحب "سندو" السكوت فصمت يصغي إلى إنجازات معلمه ثم نهض إلى الصالة‬
‫الداخلية لمقابلة السيدة زوجة المعلم فالتقيا بشوق وعطف حقيقين ‪.‬‬
‫كان الجو لطيفا والهواء أكثر صفاءاً عندما أنصرف لمقابلة "حسن مؤمن" ‪.‬‬

‫وفي منزل "حسن مؤمن" بدأ االثنان يتبادالن نكاتاً مختلفة حتى قص "سندو" ما جرى‬

‫بينه وبين معلمه فكان "حسن مؤمن" يضحك ويكركر فقال بنفس معتدلة ‪:‬‬
‫‪167‬‬

‫ اآلن أصبحت تفهم وبهذه الطريقة بامكانك أن تطور نفسك ‪ ،‬إن المجد كالسلطة‬‫تأتي بالقوة وبالحكمة وبالحرام ‪ ،‬سأعطيك ساعة برسوم مناسبة ‪ ،‬وثياب نسائية وأحذية‬
‫وحقيبة تكون بمثابة هدايا أحضرتهم من (كنشاسا) أما باقي األمور فالمدرسة ستغطيها‬
‫لك !‬
‫دخال الحجرة لمشاهدة القنوات الفضائية والهواء ما زال لطيفاً بارداً ‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫‪29‬‬
‫في يوم مشحون بالبرودة انشغل "سندو" بتسجيل التالميذ الصغار بصحبة رفيقه‬
‫"منصور" بعد أن نظمت المدرسة افتتاحاً رائعاً وأخذت مكانة إعالمية طيبة ‪ ..‬جاء "‬
‫حسن مؤمن " المدرسة بعربة مرسيدس صغيرة لفتت انتباه أهل الحي ودخل بخطى‬

‫ثقيلة يرتدى بدلة أنيقة وخرج بصحبة " سندو" تاركين "منصور" واثنين من المعلمين ‪.‬‬
‫وفي فندق (الشادين) حيث تأتي النسمة حلوة حاملة معها روائح أشبه برائحة الورود‬
‫والزعفران ‪ ،‬تبسم "حسن مؤمن " بمكر وقال ‪:‬‬
‫ سأقوم بجولة إلى بعض األقطار وال بد أن نستفيد من المنظمات فلهذا سأعطيك آلة‬‫تصوير تأخذ بها لقطات صور للتالميذ وتكتب عن المدرسة تقارير مفصلة وال تنسى‬
‫أن تضيف في تقريرك بأنها مدرسة قديمة وبأنها في حاجة ماسة إلى البناء ‪،‬‬
‫فاألموال التي جمعتها من األهالي سأعطيك نصفها وحاول أن تكون حريصاً في‬

‫حديثك مع أي شخص ‪ ،‬و بخصوص مجلس اآلباء فلقد أعجبوا بشخصك لهذا حبذا‬
‫لو ظللت مدير ألطول فترة ‪.‬‬
‫دهش دهشة بالغة وأحس بحالوة الكالم وأن رفيقه قام بعمل متقن وجميل ال ينسى ‪،‬‬

‫فتح أذنيه جيداً ليدرك أكثر ‪:‬‬

‫ أكتب أن عدد المعلمين عشرة ومعهم حارس (غفير) وهم في حاجة إلى المواصالت‬‫‪169‬‬

‫والرواتب وال تنسى أن المدرسة تنقصها الكتب ‪.‬‬
‫قاطعة وعيناه مليئة بالحزن ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ولماذا التقارير الكاذبة ؟‬

‫أجابه بنظرات ملتهبة ‪:‬‬
‫ أفعل ما أقوله لك !‬‫ أواجهك بصراحة أنا إنسان شريف ال أستطيع أن أقوم بعمل يدنس كرامتي ‪.‬‬‫ ال تكن أح مق نحن في منطقة أشبه بالصحراء الجرداء إذا لم تتصرف بحكمة تضل‬‫الطريق وتموت جوعاً وعطشاً وكمداً ‪.‬‬
‫‪ -‬ليس المال هو كل شيء‪.‬‬

‫قاطعه غاضباً ‪:‬‬

‫‪ -‬أنه كل شيء ولواله لما جادلتني ‪ ،‬عندما ذهبت إلى المعلم "ياسر" بعد عودتك‬

‫ال حا اًر بعد أن تبين له أنك عدت برصيد ناجح ‪ ،‬فذبح لك خروفاً ‪،‬‬
‫استقبلك استقبا ً‬
‫أنسيت حالك وأنت ترتدى خرقتك البالية ‪.‬‬

‫ أرجو أن ال تحفر الماضي ‪.‬‬‫ لوال أن هناك أهمية لذكر الماضي لما جاء إلينا القرآن الكريم بقصة موسى ويوسف‬‫وعيسى يجب أن تفعل ما أمرتك به واال ألخبرت الناس بقصتك ‪ ،‬أعطيتك أحذية‬
‫وأقمشة ومسجالت ومنحتك حزمة مالية وجعلت لك مورداً تنهل منه ‪ ،‬بعد كل هذا‬

‫تقول لي كرامة وشرف وأخالق ‪.‬‬

‫ أفعل ما يحلو لك فأنا أقوى من التهديد وسأتحداك ‪ ،‬قل لهم "سندو" فقير ومعدم ‪،‬‬‫قل لهم إنه كذاب وجبان ‪ ،‬وال تنسى أن تقول لهم أنه رفض أن يكتب تقارير كاذبة‬
‫ورفض خداع المنظمات الخيرية برغم ضعفي وظروفي ال استغل كرامة اآلخرين خداع‬
‫المنظمات الخيرية يعني خداع اهلل وأنا إنسان ليس لي في الدنيا غير اهلل !‬
‫سكت "حسن مؤمن" لفترة غير قصيرة ‪،‬حك فيها رأسه وقال بتأدب‪:‬‬
‫‪170‬‬

‫ أفهمني يا صديقي وال تأخذ األمور بعصبية فأنت لم تفهمني جيدًا هذه األموال التي‬‫ستأتينا ستكون من نصيب المدرسة حتى الجهات الرسمية تفعل ما نفعله اآلن ‪..‬‬

‫كان يتكلم ويحكى ورفيقه مطاطأ الرأس كالولد الصغير ‪ ،‬تغيرت مالمحه وظهرت‬
‫تقاسيم وجهه مرتخية وقد تورمت جبهته بينما تراخت وجنتاه وأصبحتا ذابلتين في شكل‬
‫اعوجاج وكرمشات ‪.‬‬
‫وعندما توسطت الشمس صدر السماء أرسلت أشعة ضوئية دافئة قال "حسن مؤمن"‬
‫إلى "سندو" بصوت بارد ‪:‬‬
‫ ما رأيك بالذهاب إلى حوض السباحة ‪.‬‬‫تململ في مقعده وقال ‪:‬‬
‫ هيا بنا ‪.‬‬‫وفي الحال انطلقا سوياً ‪...‬‬

‫كان المنظر يعج بالحركة والبهجة ‪ ،‬رجال ونساء ذوي بشرة بيضاء يعومون ويرقدون‬
‫على أسرة صغيرة ‪ ،‬تبدو الضفائر الشقراء متلونة ومتنوعة ‪ ،‬جلس "سندو" مشدوها‬
‫بذهول ‪ ،‬وقد اعترته حالة نشوة ال حد لها ‪ ،‬جاء الجرسون ووقف أمامهم ‪ ،‬كان يحمل‬
‫وجهاً خجوالً ‪ ،‬قدم لهما ورقة كالصحيفة ‪ ،‬تناولها "حسن مؤمن" وطلب مشروباً غازياً‬
‫ووجبات طعام ‪ ،‬كان "سندو" ينظر إلى الفاتنات باستغراق ‪ ،‬لفت انتباهه المشهد فكل‬
‫شاب كان بصحبة شابة فقال في هدوء ‪:‬‬
‫ إنني ال أحس بوجودي في هذا المكان !‬‫ ولماذا ؟‬‫ أشعر بالضيق ثم أنهم أشبه باألسر والعوائل ‪ ،‬بصراحة لم أستطع الذوبان ‪.‬‬‫ دعك من هذه السذاجة ‪ ،‬إذا كان هناك ما يخجل فإنهم أولى بأن يخجلوا فاألرض‬‫أرضك والمكان مكانك ثم أن جل هؤالء فقراء ومساكين مثلك تماماً ‪ ،‬جاءوا ليستمتعوا‬

‫بالطقس ‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫ ال يخجلن ؟‬‫ كنت في قاع افريقيا يا صاحبي الم تسأل نفسك هذا السؤال‪ ،‬إذا تضايقت فلنخرج‬‫فال حرج ‪.‬‬
‫ إن هذا المكان جعلني أغير من وجهة نظري من بعض األفكار ‪.‬‬‫ سنذهب غدا إلى صالة ( الدسكو للجميع ) سترى أكثر من ذلك فتيات صغيرات‬‫جميالت من مختلف األلوان واألحجام وأجعلك ترقص معهن وتلعب ‪ ،‬فأنت أيضاً تجيد‬

‫الرقصة الزائيرية بصورة جيدة وأفيدك بأنك ستكتشف بأن الحجم الذي أعطيته لهؤالء‬

‫أكبر من حجمهم ‪ ،‬أنهم بسطاء يعيشون على قدر حالهم ‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫‪30‬‬
‫ذات يوم فتح عينيه متثاقالً وقد نهض كغير عادته في وقت الفجر الساحر ‪ ،‬بدأ‬

‫الشروق يجمل الكون ‪ ،‬سمع طرقات متالحقة قوية على النافذة هذه المرة لم يتحرك إنما‬
‫تململ قليالً ورد مجيباً يزيح عن جسده المتعب الغطاء ‪.‬‬
‫‪ -‬أدخل ‪.‬‬

‫كانت المفاجأة عظيمة عندما دخل عليه "بانا" بمالبس متسخة وحذاء أصغر حجماً من‬

‫قدميه ‪ ،‬فتح عينيه بدهشة بالغة ولم يتكلم إال عندما رأى آثار الجروح وبقع الدم تلتصق‬

‫على جبهته الداكنة ‪:‬‬
‫ أخبرني ما الذي جرى ؟‬‫ظهرت المسكنة في وجه رفيقه وأجابه بشعور الخائب ‪:‬‬
‫ الحياة أغلقت أبوابها في وجهي !‬‫‪173‬‬

‫ ال تقل ذلك إن هذا ضعف وليس أنت الذي ييأس من رحمة اهلل ‪.‬‬‫حدجه بنظرة فاحصة ثم قال ‪:‬‬
‫ هل يوجد شيء يؤكل ؟‬‫خرج ليغسل وجهه بينما أخذ رفيقه ينظر في أركان الغرفة ‪ ،‬ينظر مشدوها ‪ ،‬الحصير‬
‫الجميل ‪ ،‬والفراش القطني الناعم عليها البساط األفغاني الفاخر ‪ ،‬ورأى مالبس متنوعة‬
‫‪ ،‬ومسجالً متوسط الحجم وصحوناً متنوعة جميلة على طاولة بيضاء ومرآة كبيرة‬

‫ودوالب جميل الصنعة ‪ ..‬راح يفكر من أين له كل هذه األدوات وهو الذي تركه فقي اًر‬

‫معدماً ‪ ..‬قطع تأمالته حين دخل عليه بنشوة وهو يحمل لرفيقه وجبة غذائية وراح "بانا"‬

‫يحدجه وعالمات االستفهام واضحة وقد ارتسمت على وجهه التعابيير في شكل أشبه‬
‫بالرموز والحروف المتقطعة ‪ ..‬تردد "سندو" حتى خاطبه بمشاعر الفرحة ‪:‬‬
‫ أنني سعيد بلقائك ‪.‬‬‫أجابه بعد أن انكمش وجهه خجالً ‪:‬‬

‫ أشكرك على تعاطفك ‪ ،‬ربما أنت الوحيد الذي أستطيع أن ألجا إليه في هذه‬‫اللحظة بعد اهلل ‪.‬‬
‫ نحن أصدقاء وأخوة وما بيننا أكبر من الكلمات ‪ ،‬أن ما أقوم به تجاهك ما هو‬‫إال واجب أقصد من واجباتي ‪.‬‬

‫سكت "بانا" ولمس بيد خشنة جهاز المذياع ‪ ،‬تحسسه برفق وهو يختلس نظرة حادة في‬
‫وجه رفيقه المنتشي ‪:‬‬
‫ كم ثمن هذا الجهاز ؟‬‫ضحك "سندو" ضحكة موحية بالخبث وقال ‪:‬‬
‫ بضع فرنكات ‪.‬‬‫أردف بأسى ‪:‬‬
‫‪174‬‬

‫ وجدت شقيقتي في حالة أسوا مني ‪ ،‬تعاني مشاكل نفسية سببها الخصام‬‫المتواصل مع زوجها وعندما قررت العودة فور فشلي ‪...‬‬
‫ضحك وأكمل ‪:‬‬
‫ دعني أسميها فشل ‪ ،‬دخلت السوق لزيارة بعض الرفاق ‪ ،‬رأيت حذاء أعجبني‬‫وعندما أدخلته في قدمي كان على مقياسي لم نتفق في السعر وقبل أن اترك له‬
‫المكان رأيته يتهمني بالسرقة فتشاجرنا وانهال علي القوم بالضرب والركالت وزج‬
‫بي في سجن الكمرون وال اعتقد أن هناك سجناً في الدنيا تنتهك فيه كرامات‬

‫اإلنسان وحقوقه كما وجدته هناك ‪ ،‬وأول عبارة قالها الشرطي استعن باهلل وقبل‬

‫أن أرد عليه هاجمني مجموعة رجال عمالقة فلم يجدوا شيئاً غير ساعتي ‪،‬‬

‫فالفرنكات التي في حوزتي انتشلها الضابط ‪ ،‬مكثت أياماً في السجن ‪ ،‬كانت‬
‫من أسوا أيام حياتي وفي الختام جاء القنصل بضغط من بعض االصدقاء‬

‫وأخرجني بعد أن شتموه ولعنوه أمام الضابط ورجال األمن وما أثارني لم يرد وال‬
‫بكلمة ‪ ،‬راحت األيام ‪...‬‬
‫وقطع حديثه أصوات جلبة وضوضاء مصدرها الجيران ‪ ،‬خرجا ليتطلعا ما في األمر ‪،‬‬
‫كان جاره مدمم الرأس والصدر ‪ ،‬ومن حوله أناس كثر وراحت زوجته تشتمه وتعيره ‪،‬‬
‫وقد رفضت استقباله ودخوله في الحجرة فاقترب "سندو" وسألها عما يجري فأجابته‬
‫لتسمع المال كله ‪:‬‬
‫(( نصحته م ار اًر أن يهتم بأوالده ويكف عن مطاردة الداعرة "ميمونة" فعلم أشقاؤها‬
‫وداهموه فجر اليوم ‪ ،‬قيدوه وعاقبوه شر عقاب ليته مات وأراحنا !))‪.‬‬

‫تدخلت األلسنة بألفاظ معسولة مختلفة حتى رضت عنه وأدخلوه في حجرته ‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫ترك "سندو" رفيقه وقد اشتدت ح اررة الشمس في طريقه نحو المدرسة في حارة (أم‬
‫تكنج) ‪ ..‬القى جاره "الزين" حياه بأدب وانسابت رائحة الخمر تفوح منه وهو يتبع خطاه‬
‫قائالً ‪:‬‬

‫‪ -‬أعطني ‪ 50‬فرنكا اشترى بها فول مدمس فأنا جائع !‬

‫أعطاه وانطلق في خطاه يلعن تغيرات الزمان ‪ ..‬أن "الزين" زميل دراسة منذ الصبا‬
‫حتى المرحلة اإلعدادية لم يكن اسمه في شهادة الميالد ولكن سموه رفاقه لطيبة أخالقه‬
‫وأصبح ينادى به في الحي والبيت والشارع ‪ ،‬كان شاب متعافي الجسد ‪ ،‬جميل الخلق‬
‫إال أن شرب (العرقي) باستمرار استطاع أن يغير من مالمح وجهه المالئكي حتى‬
‫أصبح نحيالً بارز العظام مرتخي األجفان ‪ ،‬منكمش الوجه ‪ ،‬رافق "سندو" في األيام‬
‫األخيرة فالعالقة القديمة جعلته يكن له االحترام ويتقبل هذه الصحبة الجديدة ‪.‬‬
‫***‬
‫في باكورة الصباح حين بدأت الطيور تحلق سابحة في الفضاء ‪ ،‬خرج "سندو" بصحبة‬
‫"حسن مؤمن" ‪ ،‬تاركين " بانا" يغط في نوم عميق ‪ ،‬متجهين صوب حارة (كليمات) ‪،‬‬
‫كانا يجلسان على مقاعد إسفنجية ناعمة ‪ ،‬فاتت فتاة في العشرينيات ‪ ،‬تبدو شديدة‬
‫الجمال وقد ارتدت فستانا يكشف عن نصف جسدها وجلست بمحاذاة "حسن مؤمن" ‪،‬‬
‫المس ضفائرها وعنقها فقالت وقد كسى وجهها نعومة شفافة ‪:‬‬
‫ أرجوك دعني أتم عرسي ‪.‬‬‫نظر إليها بكبرياء وقال ‪:‬‬
‫ لم تخبريني بزواجك‪ ،‬ما السبب ؟‬‫ ما زلت أحبك ‪ ،‬ابي اجبرني على هذا الزواج ؟‬‫فقال لها "حسن مؤمن" بخبث ‪:‬‬
‫ تفضلي وال تنسي الذي بيننا !‬‫‪176‬‬

‫ صدقني أنها رغبة والدي ‪.‬‬‫ اعرف انه شاب ناجح ورجل أعمال قدير لكنه ال يفوتني ماالً وال قوة ‪.‬‬‫قال "حسن مؤمن" ذلك واكمل ‪:‬‬

‫ أنا أفهمك ولكن ال تنسي أن تعودي إلي‪..‬‬‫قامت تغادرهما وقد اعتراها الخشوع والطاعة وفي وجهها يلمع شيئاً من بريق الطفولة‬

‫الفياضة ‪ ..‬نظر إلى "سندو" قائالً ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أمقت المرأة ‪.‬‬

‫أجابه بجهد ‪:‬‬
‫ لماذا وهن أمهاتنا واخواتنا وزوجاتنا ‪.‬‬‫ أوالً االهتمام بها يضيق على المرء الطريق !‬‫ غريبة ‪.‬‬‫‪ -‬أنت ال تعرف شيئاً عن المرأة أنها ملعونة وأشد عداوة للرجل ‪.‬‬

‫ ال أوافقك فالمرأة مخلوق بريء ولطيف استغلها الرجل طيلة السنوات الماضية‬‫ومازال حتى اآلن ينتهك حقوقها وفي إفريقيا ما زالت حتى اآلن تعامل كالجارية‬
‫ال أكثر ‪.‬‬
‫ المرأة أوالً ليست بريئة أنت البريء إذا كنت تعتقد ذلك ‪ ،‬المرأة تحب الذي‬‫يحبها بقدر حبه لها وتكره الذي يكرهها بضعفه عشر مرات !‬

‫‪ -‬دائماً تتكلم بال منطق وبراهين ‪.‬‬

‫ أنا أتكلم بعقل فال أريدك أن تحدثني بعاطفة ‪ ،‬المرأة في سبيل ملذاتها تعادي‬‫كل شيء وأنصحك إذا أردت أن تحبك ام أرة فقل لها سأقتلك ألنها تبغض‬
‫الموت فهي ترى أن الحياة جنة ‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫ المرأة حكمت الدنيا ونجحت ‪ ،‬تقلدت كل المناصب وارتقت إلى أعالي درجات‬‫العلم وهذا دليل كاف على أنها مثل الرجل تحب وتكره تفوز وتهزم ‪.‬‬
‫ إن األنوثة التي فيها والنعومة والدموع واللين كلها أسلحة تستخدمها في وجه‬‫الرجل ‪ ،‬إن أقوى كائن في األرض هو الرجل والمرأة أقوى منه ‪ ،‬في إحدى‬
‫المرات سألني صديق مثقف قائال(( المراة تستطيع إن تجعل الثرى والعالم في‬
‫حزن وأن تجعلهما في سعادة هل ألن فيها ملذات أم ألنها أقوى ؟ ))‬
‫صمت يقلب شريطاً غنائياً فحدثه "سندو" بلباقة ‪:‬‬
‫‪ -‬وماذا كانت أجابتك ؟‬

‫ قلت له أن الملذات التي يحتاجها الرجل من المرأة قدر ما تحتاجه هي من‬‫ملذات في الرجل وأن المرأة تبحث دائماً عن الرجل األكبر سناً منها عكس‬
‫الرجل الذي يبحث عن األصغر سناً ألنه يدرك مدى قوتها ودهائها وألنها تدرك‬

‫مدى ضعفه وتبلده ‪.‬‬

‫ لكن الرجل يستطيع ان يضربها ويقتلها ‪.‬‬‫ ليس القوة بالبطش هذه طريقة قديمة تخلى عنها البشر أصبح الناس يقاتلون‬‫حتى بالضحك وهذا سالح استخدمته المرأة ضد الرجل ‪.‬‬
‫ دعنا من هذا الكالم وأخبرني من تكون هذه الفتاة ؟‬‫ أنها عشيقتي تركتني وارتبطت بشخصية عسكرية تظن بأنها تجد عنده السعادة‬‫‪ ،‬حبسها وأخذ يعاملها بقسوة إلى أن ذهبت وخلصتها من يده ‪.‬‬
‫ ولماذا هذه المعاملة القاسية ؟‬‫ هي مثلك ولكنها أكثر دهاء ‪ ،‬ال تحب أن تقيد حبها في رجل واحد ‪ ،‬إنها ترى‬‫الرجال كالوجبات الغذائية ما من شخصية بارزة إال واردتها لنفسها ثم تبغضها‬
‫وتعود إلى خجلة واآلن تزوجت برجل أعمال قدير ‪ ،‬إنها تحبني وتكرهني معاً ‪.‬‬
‫‪178‬‬

‫ يؤسنفني عندما يعامل اإلنسان أخاه باإلهانة والذل ويحرمه من طعم الحياة‬‫وملذاتها حاجباً عنه الحرية واالختيار ‪ ،‬إن القسوة والحقد ليسا من طبيعة‬
‫اإلنسان السوي ‪.‬‬

‫‪ -‬أنظر إلى تصرفاتها كم رجالً ارتبطت به في كل هذه الفترة ؟ إن األلم ليس أن‬

‫يطعنك دبوس أو أن يقسو عليك احد قد يقسو عليك شخص في سبيل‬

‫مصالحك ولكن األلم الداخلي هو أن يعذبك اإلنسان من الداخل فهي ال تبالي‬
‫بعذاب اآلخر عندما يفقدها ألنها قوية صلبة‪.‬‬
‫ أن المرأة حرة في اختيار من تحب وأنها حرة في االرتباط مع من يوافقها ‪.‬‬‫ لكنها ليست حرة في التالعب بمشاعر اآلخرين وهذه المسألة إذا عدنا إلى‬‫العقيدة نجدها واضحة ومهما كانت قوة العبارات فإن الحقيقة هي التي تصنع‬
‫الحياة الكريمة ‪.‬‬
‫ال ‪:‬‬
‫تبسم "حسن مؤمن" وهلل باستمرار وغير الموضوع بروح أبيه قائ ً‬
‫‪-‬‬

‫اصبحت اخافك يا رفيقي ‪..‬‬

‫‪179‬‬

‫‪31‬‬
‫راح "سندو" يزرع شوارع انجمينا التماساً للنسيم الطلق فعاد إلى منزله مبك اًر قبل الظهر‬

‫‪ ،‬لفت نظره شاب صغير يجلس على كنبة مستطيلة ‪ ،‬ذهب يحييه وقبل أن يقل شيئاً‬
‫ظهر الشاب "الذين" كالبرق وقف باسم الثغر فظهرت أسنانه المسوسة وهو ينزف من‬

‫فمه لعاباً لزجاً ‪ ،‬شيئاً ال يطاق ‪ ،‬جحظ بعينيه يخاطبهما ببالهة حتى لم يدركا ما يقول‬

‫وقبل أن يغادرهما نظر إلى وجه "سندو" متودداً ثم قال ‪:‬‬
‫‪ -‬اعطني ‪ 100‬فرنك سيفا فأنا لم أفطر بعد ‪.‬‬

‫أدخل يده في جيبه وأخرج له ‪ 50‬فرنكا وخاطبه بلين ‪:‬‬
‫ اعذرني هذا كل ما املك ‪.‬‬‫تدخل الفتى قائال ‪:‬‬
‫ إن هذا المبلغ الذي يجمعه من الناس يذهب به إلى الخمارة ‪.‬‬‫ترنح "الزين" يتوارى من ناظريهما ‪ ،‬فاخرج "بانا" رأسه من النافذة المطلة على‬
‫الشارع وأخذ ينادي رفيقه بأهمية فأدرك "سندو" من خالل وجهه أنه في حاجة إلى‬
‫‪180‬‬

‫نقود لشراء سيجارة حشيش ولهذا أجابه إجابة غير واضحة ثم مشى هو اآلخر‬
‫واختفى ‪.‬‬
‫مرت األيام وقد تغير الطقس من هواء بارد إلى سموم حارة ومن شمس منعشة‬
‫إلى شمس محرقة ‪ ..‬نهض على أياد رقيقة ‪ ،‬استيقظ ولم يظهر في وجهه ما ينم عن‬
‫شخص كان في كرى ‪ ،‬برقت عيناه كعين قطة وانعكس ضوءها وهو يصافح الفتاة‬
‫"كبرى" وأخذ يطربها بألفاظ شاعرية يصف جمالها وروعتها فرأى في وجهها حالوة‬
‫قابعة ونو اًر ساطعاً ‪ ،‬كانت تتكلم بال انقطاع ‪ ،‬تبدو فتاة صغيرة وديعة ‪ ،‬تنتقل من‬
‫موضوع إلى آخر بأسلوب سلس مشوق ‪ ،‬فرأته يحدقها بعينين خبيثتين مشرقتين كأنهما‬

‫شمسان أحدهما في المشرق واآلخرى في المغرب ‪ ،‬قالت وقد تدفقت عليها التعابير ‪:‬‬
‫ هل أخبرت والدي بشيء عن زواجنا ؟‬‫ ال‬‫ ولكنه قال لي ما يدل عن معرفته باألمر ‪.‬‬‫سقطت هذه العبارة على مسمعه وشعر كأن مخالب تمسك بأذنيه وقد راعه الحديث‬
‫روعاً بالغاً ‪:‬‬

‫‪ -‬ماذا قال ؟‬

‫أصدرت صوتاً حلواً ينم عن اقتراب حلم ‪:‬‬

‫ على كل حال أنني أقدر ظرفك وال اعتقد أنها تتحسن أكثر من ذلك وأبي موافق‬‫‪ ،‬أما إذا كانت لك أهداف أكبر من الزواج فأرجو بأن تفصح عنها حتى ال‬
‫أضيق عليك الطريق ‪.‬‬

‫ق أر ما أردت وأفصحت ولم يستطع أن يقل شيئاً فاألوضاع كلها غامضة ‪ ،‬تمالك وقال‬

‫‪:‬‬

‫‪181‬‬

‫ أنا بدونك اآلن ال أساوي شيئاً فأرجو أن ال تتركيني في لحظة أنا في أمس‬‫الحاجة إليك ‪ ،‬أهدافي كلها من أجلك ‪ ،‬إذا كانت هناك أهداف تستحق أن‬
‫تسمى بذلك ‪ ،‬أما ال تتحسن فأنا أراها بتفاؤل فأنت طالبة جامعية تدركين أمور‬
‫الحياة بأفق أكبر من أفقي فأرجو أن تمهليني قليالً ‪.‬‬
‫دخل عليهما "بانا" في وقت ساحر جميل وغادرتهما بفرحة فتبعها بعينيه القلقتين‬
‫يفكر من جديد وبطرق جديدة ‪.‬‬
‫***‬
‫الوقت يمر بطيئاً والطقس سماء داكنة مع رياح همجية باردة وقليل من الجوع جعل‬
‫"بانا" يفكر في اشياء كثيرة‪ ،‬سار تجاه "حسن مؤمن" عله يزيح منه الشؤم ‪ ،‬كان‬
‫الهم ثقيالً على صدره ‪ ..‬جلس قبالة "حسن مؤمن" كانت تقاطيع وجهه ناعمة‬

‫فأشرقت بوسامة ‪ ،‬فراح يتكلم بصوت خفي ‪:‬‬

‫ ألم يسمع "سندو" عن إشرافي على أكبر مشروع بناء ‪ ،‬إن مشروع بناء السوق‬‫كله تحت يدي ودعم المشروع من الخارج ‪.‬‬
‫ال يفهم "بانا" شيئاً عن المقاوالت والبيوت واإلسكان ‪ ،‬قطع صمته بصوت حزين ‪:‬‬
‫ منذ متى ولم تلتق "بسندو" ؟‬‫ أكثر من عشرة أيام ‪.‬‬‫قال جملته ونهض مغاد اًر "بانا" تسلل وحمل جهاز التلفاز والفيديو وانصرف ‪ ...‬عاد‬

‫وقد وجد باب غرفته مفتوحاً كديوان حكومي ‪ ،‬قلب الغرفة بعينيه ‪ ،‬تزاحمت األفكار‬

‫حول رأسه حين علم بالسرقة ‪.‬‬

‫‪182‬‬

‫جذر‬
‫الظالم يلف المدينة بأذرع شديدة السواد ويبتلع الليل المنازل كبحيرة تبتلع اً‬

‫صغيرة ‪ ،‬النجوم تعوم في الظالم كقوارب الصيد ‪ ،‬كانت المدينة هادئة هدوء الجماد ‪،‬‬
‫وكان الليل يمر ببطء كالحرباء والنسيم الحلو يغادر العاصمة إلى مدينة أخرى ‪.‬‬
‫السماء ما تزال تحمل السحب المتناثرة ‪ ،‬تظهر جميلة ‪ ،‬جبارة ‪ ،‬وظلت طيلة اللحظة‬
‫لوحة فنية ‪.‬‬
‫عندما أشرقت الشمس وظهر الصباح جميالً و "بانا" لم يعد إلى الدار ‪ ،‬كان يلف‬
‫المدينة وكأنه يزحف وهو يسير بأقدامه في بطء وثقل معاً ‪ ،‬شعر بأن دواخله تهرب‬

‫منه كالصوت الهارب من فم اإلنسان المظلوم ‪ ،‬جسده متعب ‪ ،‬فاستأجر دراجة نارية ‪،‬‬

‫جلس في المطعم الصيني كأنه يجلس أمام شاشة سينمائية ‪ ،‬بعد األكل عاد إليه شريط‬
‫الذكريات بطيف والده ‪ ،‬كان رجل دين ‪ ،‬تقي ‪ ،‬يدرس األوالد في خلوته ‪ ،‬أحبه من‬
‫باقي أبنائه وأجاد تالوة القرآن وأصبح المدرس من بعده وعندما عشق جارتهم المطلقة‬
‫أنجبت ابناً غير شرعي واتهمته ‪ ،‬أنكر ذلك وأثبتت الجريمة ظلماً وطرده أبوه ‪ ،‬لم‬
‫يستقبله أحد ‪ ،‬فذهب يعمل مع شقيقه األكبر في بيع قطع غيار العربات الشاحنة‬

‫فاتهمه بأنه سرق قطعة من قطع العربات وطرده ‪ ،‬أثناء تشرده ‪ ،‬مات والده ولم يستطع‬
‫أن يرثه ‪ ،‬ورثت أمه ما كان من نصيبه ثم جاء يشاطرها السكن فتزوجت هي األخرى‬
‫وغضب هو ‪ ،‬فرحلت مع زوجها إلى مدينة ميدغري بنيجيريا فلم يعد أحد يهتم بأمره‬
‫إال خاله الرجل الفقير التقي ‪ ،‬عادت إليه األحاسيس بطيف والده وتذكر اللحظات التي‬
‫يناقشه فيها في شؤون الحياة ويوصيه قبل فراق الحياة وقبل أن تدب بينهما الخالفات‪:‬‬
‫(( إن الرجولة ليست أن تكون غنياً أو سلطاناً إن الرجولة أكبر من ذلك بكثير هي أن‬

‫تكون صادقاً مع ربك وواقعك )) وهنالك وصية أخرى قالها له مازحاً ‪((:‬إذا أردت أن‬

‫تكون سعيداً في هذه الحياة فال تكذب على نفسك )) ‪ ،‬وآخر وصية كانت عندما التقيا‬
‫عبر الصدفة في المسجد ‪ ((:‬تجنب اثنين وابحث عن اثنين تجنب الخمر والنساء‬

‫وابحث عن اإليمان والعمل ))‬
‫‪183‬‬

‫بينما كان سارحاً في خياالته دخلت خيوط الشمس من خلف أعواد النافذة تشكل شباكاً‬

‫كشباك العنكبوت فتسربت إلى نفسه الفرحة واأللم معاً فنهض خلسة وركب دراجته‬
‫النارية وانطلق ‪ ،‬وخلفه صوت المحاسب يمزقه ويسعده معاً ‪.‬‬

‫ذهب الى حي (أم رقيبة) وقد استقبله المعلم "ياسر" في داره ‪ ،‬لم يجد "سندو" كما كان‬
‫يتوقع فجلس أمام المعلم بتواضع فجاءت "كبرى" بالشاي ‪ ،‬كاد أن يكلمها لوال أن حدثه‬
‫المعلم بصوت جهوري ‪:‬‬
‫ كيف حال صديقك ؟‬‫ بخير ألم تلتق به هذا األيام ؟‬‫ البارحة كنت معه قمنا ببعض الزيارات ‪.‬‬‫ إلى أين ؟‬‫ المكتبات والمتحف واألصدقاء حتى ذهبنا إلى حديقة الحيوانات في منطقة فرشا‬‫ولألسف لم نجد إال حيواناً واحدًا هو األسد ‪ ،‬يعاني من التهابات في أظافره ‪،‬‬
‫إن بلدية المدينة لم تقم بواجبها ‪ ،‬اما أن يباع لحدائق الحيوانات أو يلقوه في‬
‫الغابة ليعتني بنفسه‪.‬‬
‫ فليقتلوه ‪.‬‬‫ضحك المعلم باستمرار فقطع "بانا" عليه الضحك بصوت منخفض ‪:‬‬
‫ ال أعرف ما أقوله لك ولكنني أعاني حاالت قلق واضطراب لم تكن معي من‬‫قبل ‪.‬‬
‫أجابه المعلم "ياسر" ‪:‬‬
‫ أخشى أن تكون عدوة من رفيقك‪.‬‬‫ إنني أصارحك في موضوع لم أصارح به حتى "سندو" لقد سرقت اآلن "حسن‬‫مؤمن" وربحت من وراء أجهزته مبلغاً كبي اًر وشعرت باالنتصار ‪ ،‬إن والدي‬
‫‪184‬‬

‫استطاع أن يجعل من حياتي كآبة ال تطاق ‪ ،‬لكل مراهق هفوات وكانت هفوتي‬
‫أني عشقت مطلقة مارست الجنس معها مرة واحدة وهي حامل وقد مر على‬
‫حملها ثالثة أشهر وعند محاكمتي سئلت سؤاالً واحداً ‪ ((:‬هل مارست معها‬
‫الجنس أم ال ؟؟)) حاولت أن أبرر ‪ ،‬أن أتكلم فلم يصغوا إلى ‪ ،‬اللهم إال هذا‬

‫السؤال يتكرر في أذني فأجبت بأن نعم ‪ ،‬وأثبتوا التهمة على ‪ ،‬وأمي بدالً من‬

‫أن تعطيني عطفها راحت تتزوج وتبحث عن حياتها فلما تدخلت في األمر‬

‫بلهجة حاسمة ‪ ،‬تركتني وحيداً ‪ ،‬وصديقي "سندو" أصبح ال يطيق رؤيتي وعنده‬

‫الحق لقد أصبحت آخذ منه كلما يجنيه ‪ ،‬إنني اآلن فعلت جرائم سرقة ال لشيء‬
‫إال للهجرة والحياة الكريمة هل يجوز هذا في ديننا ؟‬
‫صمت المعلم يرمقه مشدوها باهتمام حتى قال ‪:‬‬

‫ أخبرني "سندو" بأنك تتعاطى الحشيش (البنقو) هل هذا صحيح ؟‬‫ نعم صحيح‬‫ هل تستطيع أن تعدني بتركه ‪.‬‬‫ نعم أعدك ‪.‬‬‫ إن "سندو" صديقك وهو شاب طيب كما أنه يحبك فأنا سأقنعه بتفهم أمرك ‪،‬‬‫وحقوق اآلخرين ال يجوز أن نأخذها ألنها قبل كل شيء محرمة علينا إال بالحق‬
‫فال بد من إعادة المسروقات ‪ ،‬ما أضعته من المال فال أحسابك عليه أما الباقي‬
‫فال بد أن نعيده إلى "حسن مؤمن" وغيره ولكن هل تعدني بان ال تعود إلى هذه‬
‫األمور مرة أخرى ؟‬
‫ أعدك بذلك ‪.‬‬‫ سنبحث لك عن العمل ودع الباقي على اهلل‬‫ أشكرك‬‫‪185‬‬

‫***‬
‫المنظر يوحي بالنضارة ‪ ،‬األتربة والرمال مكومة كجبال صغيرة تخبئ خلفها شمس‬
‫الغروب ‪ ،‬أكياس األسمنت متراصة بانتظام كاألسنان والطوب يتوسط األعمدة الملقاة‬
‫على األرض ‪ ...‬أسالك ومواسير وآالت كبيرة ترفع بقوتها كتل من الحديد الثقيل‬
‫وأخرى تحفر األرض وتقلب الخرسانات العمالقة ‪ ...‬أشكال مختلفة من البشر بعضهم‬
‫يحمل آالت والبعض على كتفه أخشاب وطوب وآخرون يواصلون في نقل التربة‬
‫الرملية باستمرار ‪ ...‬الحركة داخل مدينة السوق تدب بتواصل ‪.‬‬
‫استقبلهما رجل بدين فاحم البشرة ‪ ،‬بدأ وسيماً حين تبسم ‪ ،‬دخل بهما مكتب صغير‬

‫وجلسوا على كراسي بالستيكية وتحركت أقدام "سندو" مصدرة جلبة مما جعل "حسن‬
‫مؤمن" يحثه على الهدوء وفي هذه اللحظة قال الرجل البدين "لسندو" اسمي "إبراهيم"‬

‫وما اسمك ؟‬
‫ ينادونني "سندو" ‪..‬‬‫ضحك الرجل وتبعه بضحكة باردة ‪ ،‬دخل عليهم رجل مالمحه غريبة ‪ ،‬ابيض‬
‫البشرة ‪ ،‬شديد الوسامة ‪ ،‬هادئ المالمح ‪ ،‬يرتدي ثوب قطني أشبه بالحرير وغطرة‬
‫بال عقال ‪ ،‬نهضوا يصافحونه وجلس هو اآلخر بأناة واحترام ‪ ،‬وجهه يوحي بالخير‬
‫والبشرى ‪ ،‬فقال " إبراهيم" بعد صمت موجهاً حديثه "لسامي" أنه "حسن مؤمن"‬

‫مندوب الدولة ‪.‬‬

‫هز رأسه مرحباً وتكلم بصوت منخفض ولغة عربية فصيحة ‪:‬‬

‫ الحقيقة مع احترامي الدائم لكم ال نرضى أن يعمل هؤالء العمال بالراتب الذي‬‫فرضتموه ‪.‬‬
‫أجابه "حسن مؤمن" بكره ‪:‬‬
‫ ولماذا يا حضرة السيد ؟‬‫‪186‬‬

‫ األوراق الرسمية تعطي كل فرد الساعة بمبلغ ‪ 500‬فرنك سيفا أليس كذلك ؟‬‫ وهو كذلك !‬‫ ولماذا غيرتم إلى ‪ 70‬فرنكا سيفا في الساعة ‪ ،‬إن الجهة الممولة ترفض ذلك‬‫بشدة وأنا المتحدث باسمها ‪.‬‬
‫أجابه بصوت أكثر غلظة ‪:‬‬
‫ سنعقد اجتماعاً وننظر إلى األمر ‪ ،‬إننا نحترم أوامركم وبرامجكم ‪.‬‬‫‪ -‬إنه ليس أمر بل واجب وحق ‪.‬‬

‫كان "سندو" يصغي إليه معجباً بحديثه وتواضعه بينما كان ينظر إلى صديقه وتقاطيع‬
‫وجهه تتغير وتتلون من حين آلخر ‪.‬‬

‫دار الحديث على هذا النحو الى أن افترقوا‪ ..‬وفي المساء بدأت الشمس تهبط تحت‬
‫األفق البعيد ‪ ،‬يعانق نورها الذهبي الشفق ‪ ،‬رويداً رويداً حتى طمست في القاع وأظلم‬

‫الكون ‪...‬‬

‫استلقى "سندو" على فراشه وأغلق عينيه البيضاويتين وأخذ يشخر بصوت مرتفع محدثاً‬

‫صفافير حادة ‪.‬‬

‫‪187‬‬

‫األشياء النبيلة‬

‫‪188‬‬

‫‪32‬‬
‫في الثامنة صباحاً عندما تألق الضوء في األفق البعيد ‪ ،‬انطلق"سندو" برفقة‬

‫"حسن مؤمن" إلى السوق المركزي وعندما وطئت اقدامهم الساحة ‪ ،‬كان العمال‬

‫مترقبين كالصائمين الذي يترقبون صوت اآلذان ‪.‬‬
‫وفي مكتب مدير ‪ ،‬والذي يمثله "حسن مؤمن" دخل عليهما اثنان من‬
‫العمال وبقي اآلخرون يصيحون ويهتفون فضحك" حسن مؤمن" بغيظ واستعدل‬
‫بنرجسية وقال ‪:‬‬
‫ نحن رجال وأخوة لهذا ال يصح أن نتبادل ألفاظ نهانا عنه الدين الحنيف ‪.‬‬‫قال متحدثهم ‪:‬‬
‫ إننا نطالب بحقوقنا فقط ال أكثر وأنت تعلم ذلك !‬‫التفت إليه بوجه يحمل بسمة شرسة ‪:‬‬
‫ لقد ارتفع رصيدكم إلى ‪ 100‬فرنك في الساعة وهناك عالوات أخرى ‪ .‬دخلت‬‫هذه العبارة في نفوس العمال حلوة ‪ ،‬رائعة وارتسمت على وجوههم فرحة كبيرة‬
‫كما ارتسمت على قلوبهم سعادة عظيمة ‪...‬‬
‫تفرقوا أشتاتاً ‪ ،‬فرقة ذهبت إلى الكوريك والحفار ‪ ،‬وأخرى إلى عربات الونش ‪،‬‬

‫وأخرى إلى السيارات والبعض اتجه يحمل الرمال بعربة البرويد ‪ ،‬وجاءت‬
‫الحركة تلف المنطقة من جديد ‪.‬‬
‫في عتمة الليل ‪ ،‬بينما كان "سندو" يرتدي بدلة "حسن مؤمن" ‪ ،‬انتابه شيء كاأللم ‪،‬‬
‫كالغثيان ‪ ،‬شعر بح اررة في حلقه ‪ ،‬قال "حسن مؤمن" بعزة نفس ‪:‬‬
‫ عزيزي "سندو" أعرف أن أمو ار كثيرة تدور في خلدك ولكنني مثلك إنسان أمين‬‫‪ ،‬إنني بوجودك أستطيع أن أحقق جزءاً كبي اًر من أحالمي وأنت كذلك‪ ،‬أنا‬

‫بخالف ما تتوقعه بصراحة نحن قوم يتواجد فينا الحسد بشكل يقزز ووجدت فيك‬
‫‪189‬‬

‫صفاء القلب ‪ ،‬تنطبق فيك العبارة التي تقول ((يضع سره في أضعف خلقه ))‬
‫إن العاطفة والمحبة وغيرهما من األشياء المهمة في حياة اإلنسان ‪ ،‬عندي غير‬
‫مهمة وال أشعر عندما أمارسها بلذة فلهذا ال تستغرب من أفعالي هناك من يحث‬
‫عليها ويشجعها وال يطبقها هنا الغرابة ‪ ،‬إذا فهمتني ستكون يوماً ما رئيس حزب‬

‫واذا تحقق ذلك فلقد قطعنا شوطاً كبي اًر ‪.‬‬

‫‪ -‬أحالم يقظة !‬

‫قال "سندو" ذلك وراح يقهقه ‪ ،‬فلمح الجدية والصرامة في رفيقه الذي ظل صامتاً يحدق‬
‫األرض وقال مرة أخرى كأنه انتبه لشيء ما في "حسن مؤمن" ‪:‬‬

‫ ال تنسى فاألحزاب كلها قبلية والشعب جاهل ال يعرف معنى الديمقراطية ‪.‬‬‫وفي الحال قال حسن مؤمن كأنه فطن ألمر ما ‪:‬‬
‫ باستطاعتي أن أجعلك عشر قبائل في وجه واحد وأريدك أن تعرف أن السياسين‬‫في هذه الدولة هم أكثر جهالً من عامة الشعب ‪.‬‬

‫ نسيت شيئاً اسمه النزاهة ‪ ،‬في بالدنا ال مكانة لهذه الكلمة ‪ ،‬السياسة ليست كما‬‫تعتقد والسياسي المحنك ليس هو من يذهب إلى الدول ويعود بالمساعدات‬

‫وينهبها ‪ ،‬السياسة مسؤولية أمام اهلل والتاريخ والشعب ‪.‬‬
‫ النزاهة مهمة عند النزيهين ونحن من الذين يقابلون بالمثل إذا سرقوا نسرق واذا‬‫قتلوا نقتل‪ ،‬السياسة ليست كما تظن ‪ ،‬السياسة الحقيقية هي مصالح فردية‬
‫ومنصب مرموق وحب الشعب ‪.‬‬
‫ بهذ ال يمكن أن تصل إلى حب الشعب ‪.‬‬‫ الشعب يحب من يحبه مثل المرأة تحب من يحبها وتكره من يكرهها ‪.‬‬‫ تفكيرك عال إال أنك تسير فوق أشواك ‪.‬‬‫ ال يهم طالما أسير في درب يوصلني الهدف ‪.‬‬‫‪190‬‬

‫ ولو كان على حساب اآلخرين ؟‬‫ من تقصد باآلخرين ‪.‬‬‫ المواطن ‪.‬‬‫ق أر ما أراده من كالمه فنهض وقال ‪:‬‬
‫ ال تكن جباناً ‪.‬‬‫ضحك بخبث ‪ ،‬ضحكة بال مناسبة وواصل كالمه ثم أخرج منديالً معقم ًا وتحدث بعد‬

‫أن أزال حبات العرق ‪ ..‬جر أنفاسه وارتاح قليالً ثم أعقب "سندو" بلهجة المغلوب ‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا تريد أن تقول ؟‬

‫ يا أخي أنا اآلن مجموعة في شخص واحد ولهذا في غنى عن األهل أما أنت‬‫فيتيم وضعيف وفقير كل هذه الصفات تكورت في دواخلك وال أحد من أهلك‬
‫حاول الوقوف بجانبك ربما إال المعلم "ياسر"‪.‬‬
‫ال ‪:‬‬
‫فأطرق رأسه بأسى ثم لفهمها برهة صمت حتى زفر "سندو" قائ ً‬
‫‪ -‬وماذا تريدني أن أفعل ؟‬

‫ أريدك أن تأخذ ورثة أبويك ؟‬‫مسح وجهه مسحة الحزن العميق فشعر الثاني بذلك فواصل بثقة وتمهل ‪:‬‬
‫ ألم تخبرنا بأن ألمك أبقار ورثتها عن أبيها وألبيك أيضاً ‪ ،‬لماذا ال تعود إلى‬‫القرية وتأخذ ورثة أمك وأبيك إنها حقك شرعاً !؟‬

‫دخلت هذه الفكرة في رأسه كصبي خلع ملبسه وقفز في بركة نهض يزرع الصالة حتى‬
‫عاد ورد باقتضاب ‪:‬‬
‫‪ -‬وهل تعتقد بأنني سأجدها ؟‬

‫‪191‬‬

‫ ال تكن ساذجاً يجب أن تخدمها لمصالحك ثم إذا كانوا يحبونك لم تركوك تعاني‬‫كل هذه المعاناة ‪.‬‬

‫ اال تعتقد بأنهم يعيشون ويعتمدون عليها ؟؟‬‫ فليعيشوا على أحجار ‪ ،‬مالك ومالهم ‪ ،‬واذا كنت تخشى المواجهة سأكون معك‬‫‪.‬‬
‫ كل شيء إال أنت ‪.‬‬‫ سأعطيك ثالثة (كبتاني) ‪ *25‬ومجموعة (جوانية)* وحزمة مالية ‪،‬ماذا قلت ؟‬‫ دعني أفكر ‪.‬‬‫ ال مجال للتفكير !‬‫ موافق ومتى أنوي الرحيل ؟‬‫ تنوي اآلن وترحل غداً ‪.‬‬‫ حسناً ولكن لي طلب ؟‬‫‪ -‬تفضل ‪.‬‬

‫ أخرج "بانا" من السجن العام فإذا عدت أعطيتك حقوقك ‪.‬‬‫ دعك من هذا الرجل الذي ال يرجى منه فائدة ‪ ،‬بعد كل الجهود التي قام بها‬‫المعلم "ياسر" عفوت عنه فإذا به يسرق عربة منظمة دولية لم أر مخلوقاً بهذه‬

‫الحماقة ‪.‬‬

‫ أفعل ما طلبته منك وال تحرجني ‪.‬‬‫ وأين سيقيم بعد ذلك ؟‬‫ في حجرتي ‪.‬‬‫‪ -‬ال تسكنك العاطفة إلى هذه الدرجة ‪ ،‬دعه يتصرف بنفسه ‪.‬‬

‫* ورد ذكره * جوانية ثوب قصير يلبس وقت الراحة أو داخل الجلباب ‪.‬‬

‫‪192‬‬

‫‪33‬‬
‫في اليوم التالي عندما أصبحت الشمس بلون البرتقالة الناضجة ‪ ،‬نزل الركاب من‬
‫صندوق عربة التايوتا وواصل "سندو" سيره حتى تبدت له قمم األكواخ كتالل رمادية‬
‫ورأى القرية تربض تحت أشجار جميلة ‪ ،‬ظهر أمامه قطيع من األبقار في طريقها نحو‬
‫البرك ‪ ،‬يسوقها ثالثة رعاة صغار ‪ ،‬تبادال نظرات حادة واختفى الرعاة ‪ ،‬أحدهم بين‬
‫األشجار واالثنان بين األبقار ‪ ،‬توجه إلى ردهة المسجد ‪.‬‬
‫حمار ينهق وجمل يبرك ‪ ،‬وصهيل األحصنة كل ذلك يأتي إلى مسامعه من حين‬
‫آلخر ‪ ،‬صوت أشبه بموسيقى الروك ‪ ،‬وزقزقات الطيور الحلوة تمأل السماء بال حدود ‪.‬‬
‫وعندم ا عبر أول كوخ وجد أن المنازل واألكواخ متراصة بهندسة عظيمة‬
‫ومنتظمة رائعة كأنها خلية نحل ‪ ...‬مرت أمامه الدواجن تتقتق وخوار األبقار وطنين‬
‫الذباب كل ذلك لحظات جعلته يعيد شباك ذكرياته ‪.‬‬
‫استقبله الرجال والنساء وانهالوا على يديه يصافحونه وكأنهم يتبركون بها ‪ ،‬لحظتها‬
‫أحس بعاطفة ال حدود لها ‪ ،‬الكل عرفه بعد سالم قصير ‪ ،‬سألوه عن أناس لم يعرفهم‬
‫‪ ،‬حمل عنه المتاع رجل في العقد الرابع وتقدمه آخرون إلى حجرة طينية بالقرب من‬
‫‪193‬‬

‫بيت عمه ‪ ،‬بسطوا له البساط المصنوع من جرائد أشجار النخل ‪ ،‬استلقى في الحال‬
‫وألول مرة ينام مطمئناً منذ رحيل والده ‪.‬‬

‫الليل في القرى الواقعة غرب تشاد ال أحد إال أسراب قليلة من الباعوض وحشرات‬

‫تطفح في مياه البرك ‪ ،‬تنافس بأصواتها نقيق الضفادع اآلتي من المستنقعات ‪ ،‬والنجوم‬
‫تلمع كالدرر النفيسة ‪.‬‬
‫فج اًر‪..‬‬

‫وقف مبتهجاً ثم انطلق إلى اكواخ القرية ومنازلها يقدم هداياه ‪ ،‬واخذ يجول في دروب‬

‫القرية النظيفة ‪ ...‬مر من أمام امرأة جميلة كانت تجمع صخرتين لتطحن القمح وأخرى‬
‫تلقى الذرة في (الفندك) وتطحنه ‪ ،‬تتبع خطى أطفال وصبيان من البنين والبنات‬
‫يحتطبون خارج القرية وعذارى يجلبن على الحمير ماءاً من بئر القرية ‪.‬‬

‫القرية هي القرية ‪ ،‬جميلة مثل وجه الطفولة البريئة ‪ ،‬ثالثة أيام في القرية ايقظت‬

‫ذكرياته وجعلت ايامه سعادة وعبادة ‪ ،‬تعرف على شيوخها وشبابها ونسائها و كانت‬
‫هناك كثير من الوجوه الجديدة ‪.‬‬
‫في ذات يوم صيفي الطقس ‪ ،‬خرج بصحبة رفيقه "آدم" الذي كان يعلمه خريطة‬
‫المنطقة التي بعثر جزءاً كبي اًر منها بينما كانت نسمة لطيفة تهب على الحقول‬

‫واألشجار تداعب األقصاب واألعشاب ‪ ،‬فجأة تصلب رفيقه وأمره بعدم الحركة ‪ ،‬لمح‬

‫حيوان كبير الحجم ‪ ،‬مخيف الهيئة أشبه بالتمساح ذي أربعة أرجل مرتخية وذيل طويل‬
‫كالتمساح ورأس معين الشكل ‪ ،‬لقد رأى هذا الحيوان من قبل ربما في إفريقيا الوسطى ‪،‬‬
‫صاح الشاب بصوت مرتفع ‪:‬‬
‫‪ -‬ال تدعه يفلت !‬

‫‪194‬‬

‫حمل صخرة صغيرة وقذف بها راس الحيوان ثم اقتربا فإذا بالضب يفرفر ويتحرك على‬
‫غير توازن وروحه لم تعانق الملكوت بعد ‪ ،‬فأخرج "آدم" خنجره وذبحه على مهل وقال‬
‫له بهمس ‪:‬‬
‫‪ -‬ال تخبر أحداً بما جرى !‬

‫مسرور بهذه النزهة التي تحولت إلى رحلة صيد ‪ ،‬عادا والسماء المشمسة ترحل‬
‫كان‬
‫اً‬

‫بنيرانها شيئاً فشيئاً‪.‬‬

‫خرج ليالً بصحبة "آدم" و "عثمان" و"أبور" هادي النفس ‪ ،‬مطمئناً ‪ ،‬دخلوا في إحدى‬
‫القرى المجاورة كمن يدخل متشوقاً إلى صالة عرض أفالم ‪ ،‬والنجوم تلمع بضعف ‪،‬‬
‫فظهور القمر أعطى الكون نو اًر مذهالً فكان منظره رائعاً أشبه بكتلة جليدية معلقة في‬

‫حضن السماء‪ ،‬أشبه برضيع في حضن أم ‪.‬‬

‫استقبلوا بحفاوة بالغة ووقفوا في صفوف الرجال فقد كانت القرية في عرس واحتفال ‪،‬‬
‫راحوا يالقون النساء وجهاً لوجه ‪ ،‬فالرقصة تحتاج إلى شجاعة وجراءة‪ ،‬دخل "آدم"‬

‫وقفز قفزت متتالية وهو يشهر خنجره الطويل ثم عاد إلى األرض وضرب الحضيض‬
‫بقدميه مرات ومرات ثم قفز إلى األعلى من جديد وعاد إلى موقعه فخرج من بعده‬
‫"عثمان" تجاه الفتيات ككرة عمالقة تتدحرج بين أقدام الالعبين فظهر آخر ليرقص بأقل‬
‫مهارة منهما فتوجهت األنظار إلى الشاب القادم من العاصمة وبدوءا يتهامسون‬
‫ويعلقون ‪ ،‬فكر "سندو" في االنسحاب فتقدمت إحدى الفتيات ورقصت أمامه ثم عادت‬
‫مرة أخرى بخطوات مغرية إلى موقعها حاول أن يدخل ويقلد رفاقه وبدأت الرعشة تسري‬
‫في عظامه ومفاصله فنامت أعصابه وارتخت ‪،‬وعادت من جديد تقوى وتشتد‪ ،‬تشجع‬
‫ودخل الدائرة سائ اًر بخطوات وئيدة فصفق بيديه فظهرت صورته مع ضوء القمر شاباً‬
‫جذاباً ثم تكلم بالرطانة وكأنه لم يفارقهم إال أنه كان يتعثر أمام بعض الجمل البالغية ‪،‬‬
‫يدعم عباراته بالحكم واألمثال وختم قوله ‪:‬‬

‫(( في الحقيقة لقد أعجبت بالقرية وبجمالها وأشكركم على ترحيبكم بنا أنكم بارعون‬
‫‪195‬‬

‫وماهرون كل ذلك لم يكن عن محض صدفة إنها األصالة ‪ ،‬أعرفكم بنفسي برغم أنكم‬
‫تعرفونني ‪ ،‬ينادونني "سندو" أنا ولد محمد بطران أسمي محمود ولكن أمي رحمة اهلل‬
‫عليها لقبتني بهذا االسم ألنني كما ترون جميالً))‪.‬‬
‫تدخلت إحدى الفتيات مازحة وساخرة ‪:‬‬

‫(( انه اسم بناتي ليس فيه شيء من الخشوتة فالمراة عادةً ما توصف بالجميلة وليس‬
‫الرجل ونحن نحتج على هذا األسم!))‬
‫ضحك بسخرية فتبعوه بضحكات وقهقهات ثم واصل‪:‬‬
‫(( تعلمت في مدارس انجمينا ونلت دبلومي ثم سافرت إلى أواسط إفريقيا وجئت إلى‬
‫بالدي واهلي ))‪.‬‬
‫سكت واكمل‪:‬‬
‫((اما بخصوص االسم فأمي أطلقت علي هذا اللقب بعد أن فقدت اثنيين من قبلي ‪،‬‬
‫ماتا صغا اًر فخافت علي واخذت تناديني بالقاب مختلفة منها "سندو" وهي كلمة لها‬
‫وقعها ويجوز بأن نسمي الرجل بالوسيم فالمفردة اصبحت مشتركة ‪،‬اشكرها على ذلك‬

‫))‪.‬‬
‫زغردن النساء بحماس والزغرودة تأخذ محل الصفقة في القرى ‪ ،‬غير وقفته وواصل‪:‬‬
‫(( ال يستطيع اإلنسان أن ينسى أصله وعشيرته فال بد لكي يصبح قوياً أن يتمسك‬

‫بجذوره فالشجرة ال تكون صلبة إال إذا تمسكت جذورها باألرض والنهر ما لم يكن نبعه‬
‫حياً يجف ))‬

‫وقطعت الزغاريد كلماته ‪ ،‬فصمت وعاد إلى مكانه فقال أحد الشباب ‪:‬‬

‫ هيا أعدو الشاى والكعك ‪.‬‬‫وقال سندو مرة أخرى ‪:‬‬
‫(( أقول لفتاتي المحتجة لنا جلسة في هذا ما دام أن في القرية قضاة من الشباب ))‪.‬‬
‫ضحك الشباب مرة أخرى وجلسوا قبالة الفتيات فتوسطهم يحكي عن مغامراته في‬
‫‪196‬‬

‫العاصمة وخارجها فلقد كان يسرد سيرته كأنه يق أر لهم رواية وكانوا يصغون إليه بكل‬
‫حواسهم صامتين وكأنهم يشاهدون فلما سينمائياً إلى أن حل الظالم وتفرقوا ‪.‬‬
‫***‬
‫وفي اليوم التالي‪..‬‬
‫فج اًر ‪..‬‬

‫ظل في رحاب المسجد يذكر اهلل ويسبحه ‪ ،‬يقلب حبات السبحة بلطف ‪ ،‬نهض في‬
‫اتجاهه إلى الحقول يجول فيها وينظر األفانين والطيور ‪ ،‬جلس يقلب األرض الباردة‪،‬‬
‫يرمق ديدان صغيرة عاد الى ردهة المسجد ‪ ،‬جلس يتأمل الكون ‪ ،‬يتأمل في مستقبله‬
‫وغموض الحياة حتى قطع حبال أفكاره شاب ملتحي ضعيف البنية ‪ ،‬جلس بمحاذاته‬
‫بأدب وفضول وراح يلقي نظرات حادة في أدواته بعينين طامستين ‪ ،‬وقبل ان يتعرف‬
‫عليه أو يقول له شيئاً اجتمعوا مجموعة يتناولون طعام إفطارهم في ردهة المسجد‬
‫فالحت الشمس بدفئها ومالت أمتا اًر نحو األفق البعيد وهبت نسمة هوائية خفيفة ‪.‬‬

‫بعد قليل عادوا يعدون الشاى األخضر ويصغون إليه وهو يتكلم عن أمور الدين‬

‫ويفسر لهم ما تيسر من سور القرآن ‪.‬‬
‫ظه اًر ‪..‬‬

‫التقوا مرة أخرى في ردهة المسجد يتسامرون في أحاديث مختلفة فلمس أحد الشباب‬

‫ملبسه وقال بمرح وبالهة ‪:‬‬
‫ هل الحكومة هي التي اشترت لك هذا القميص ؟‬‫كان السؤال غريباً لهذا تململ وحاول أن يغير الموضوع لوال إصرار الشاب ‪:‬‬
‫‪ -‬نعم الرئيس هو الذي اشترى لي هذا القميص ‪.‬‬

‫قال جملته وذهب بمسامعه يصغي إلى رجل كهل ‪ ،‬يقص رحالت قام بها في ربيع‬
‫‪197‬‬

‫عمره ‪ ،‬ثم واصل الرجل حديثه يصف له الطيور وأسمائها واألشجار وأنواعها ‪ ،‬نهض‬
‫بصحبة ثالثة من الشباب واتجهوا صوب الوادي ‪.‬‬
‫عادوا وهم يشاهدون النساء يحضرن حطباً وأخشاباً ‪ ،‬والشمس قد هبطت نحو المغيب‬

‫‪ ،‬وضعوا األخشاب أمام الحجرة الطينية الداكنة واستأذنوه على أن يزوروه غداً ليصنعوا‬
‫له سري اًر وطاولة كما أراد ‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫‪34‬‬
‫جلس "حسن مؤمن " أمام أحواض السباحة يتمايل بالكرسي الفاخر ويرنو بعينين‬
‫خبيثتين إلى عشيقته "مريم" وهي تسبح وتعوم ‪ ،‬تبادله النظ ارت ‪ ،‬تقدم إليه رجل فارع‬
‫الطول ‪ ،‬نحيل ‪ ،‬شديد السواد ‪ ،‬جلس قربه في هدوء وقال ‪:‬‬
‫ أعتقد بأنني وصلت في الوقت المناسب ‪.‬‬‫ لقد تأرخت بعض الشيء وال حرج‪..‬‬‫ أحبذ أن نغادر إلى نيجيريا غداً ونقوم بالعملية الثانية بعد العودة !‬‫ األفضل أن نبدأ العملية األولى ثم ننطلق إلى الثانية ‪.‬‬‫جاءت "مريم" وجلست بدالل فقال "حسن مؤمن" للرجل ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫زوجتي "مريم" !‬

‫وأعاد إليها النظر ثم واصل ‪:‬‬
‫ إنه صديقي " صنبين" من السنغال ‪.‬‬‫في اليوم التالي ‪..‬‬
‫حيث الطقس معتدالً والجو أكثر روعة ‪ ،‬سحب بيضاء كثيفة تنتشر في مجموعات ‪،‬‬
‫وطيور متنوعة تحلق ‪ ،‬وأخرى تزقزق فوق األشجار ‪ ،‬وأشعة شمسية ذات دفء تأتي‬
‫‪199‬‬

‫على شكل رسوم وخطوات ذات معاني أشبه بالرسوم التشكيلية ‪ ،‬فتحت "مريم" الباب‬
‫فدخل رجل بدين تبدو بشرته فاتحة كصفار البيض وقد حمل وجهه نعومة الفتاة‬
‫الصغير ‪ ،‬يرتدي طاقية إفريقية وقرمبوبو وحذاء إيطالي يلمع سواداً ‪ ،‬جلس قبالة‬

‫"حسن مؤمن" وقدم الرجل حقيبة سوداء فتحها اآلخر فإذا بها أوراق نقدية فقال الرجل‬

‫بصوت ناعم حلو ‪:‬‬
‫ اربعون مليون تحولها إلى سبعين مليون كما اتفقنا !‬‫رفع حاجبيه ونظر إليه بلطافة وبوجه أكثر إشراقة ‪ ،‬أخرج حقيبة صغيرة فيها عطور‬
‫متنوعة ‪ ،‬وأعضاء حيوانات من أظافر نمور ‪ ،‬وقرون وحيد القرن والفيلة وتمائم وأوراق‬
‫شجر كذلك عمالت مختلفة ‪ ،‬وبقايا كتابات على الورق ‪ ،‬قطع الصمت قائالً ‪:‬‬

‫‪ -‬هذه هي األدوات يا سيدي الحاج موسى هل تريدها لتستخدمها شخصياً أم تترك لنا‬

‫األمور ؟‬

‫تململ الرجل وتحدث بشيء من الكبرياء ‪:‬‬
‫ أنت أدرى باالتفاق الذي جرى بيننا !‬‫أخذ ينادي عشيقته "مريم" ‪ ،‬تقدمت ‪ ،‬ووقفت ماثلة أمامه فلفت وجهه نحوها وقال ‪:‬‬
‫ أحضري لي الحقيبة الكبيرة ‪.‬‬‫دقائق قليلة حتى وضعت أمامه الحقيبة وقبل أن يقوم بالعملية داهمهم رجال األمن‬
‫فصرخت المرأة ودموعها تذرف على وجنتيها بغ ازرة وهي ترنو إلى وجه عشيقها وقد‬
‫كساها االضطراب والقلق ‪ ،‬اعترت "الحاج موسى" نوبة حادة فحمل إلى المستشفى ‪.‬‬
‫وبعد ثالثة أيام من هذه الحادثة ‪..‬‬
‫كان "حسن مؤمن" يجلس بصحبة خمسة من رفاقه رجال األمن في عقر داره‬
‫وأخذ يوجه لوماً حاداً للمالزم شاري ‪:‬‬

‫ لوال عصبية "نقارد" و "علي أحمد" و "مصطفى طاهر" لكشفت أمرنا أمام‬‫‪200‬‬

‫"الحاج موسى" ‪.‬‬
‫أجابه شاري بابتسامة لطيفة ‪:‬‬
‫ ال أعتقد بأنني فعلت فعلة سيئة ‪.‬‬‫أردف "حسن مؤمن" بتعقل ‪:‬‬
‫ لقد كنت تبتسم من حين آلخر وهذه عملية سخيفة ‪.‬‬‫جاءت "مريم" بمعاونة صديقتها بسفرة الطعام ‪ ،‬وضعتها برفق ‪ ،‬وانصرفن ‪ ،‬رفع‬
‫مقلتيه وقال موجهاً حديثه لمصطفى طاهر ‪:‬‬

‫ نقتسم الحقيبة بعد الغداء وهي حزمة مالية كبيرة قيمتها عشرون مليون أ ليس‬‫كذلك يا "مصطفى" !‬
‫طأطأ الرجل رأسه وأشرق وجهه إشراقة عظيمة ‪.‬‬
‫***‬

‫تمر األيام وأنجمينا ما تزال هادئة ‪ ،‬الطقس كالعادة ‪ ،‬األمطار غزيرة والطرقات مقفولة‬
‫و المياه تجري بال توقف وال تجد مكاناً تلتقي فيه ‪ ،‬السماء مغيمة بغيوم داكنة واألرض‬
‫مبللة ‪ ،‬يجلس "حسن مؤمن" بقرب "مريم" حتى يكاد ساقه يلتصق بساقها وهو ينفث‬

‫دخانته على مهل بعد رحلة طويلة من نيجيريا ‪ ،‬كانت تصغي إليه باهتمام ‪:‬‬
‫ إن "أبكر" صديق قديم تفارقنا أيام الدراسة ‪ ،‬التقيت به في مدينة كانو وعلمت‬‫من خالل حديثي معه أنه يرغب في إصالح عربته البيجو وهنا انتهزت الفرصة‬
‫ومنحته حزمة كبيرة يمكن أن تأتي له بعربة أخرى أفضل حاالً من عربته ‪،‬‬

‫أصبحت بيننا مودة شديدة وثقة كبيرة ‪ ،‬كنا نتحدث عن أيام الدراسة وفرق كرة‬

‫القدم والعاب الليل ثم ننتقل إلى التجارة واالقتصاد حتى سألني عن تجارتي‬
‫الشخصية فانتهزت الفرصة وأخبرته بأنني وبعض من رفاقي نستعمل السحر‬
‫ال أخرى وهذا ما نسميه في افريقيا "‬
‫ونجعل من النقود تتضاعف وكأنها تلد أموا ً‬
‫‪201‬‬

‫بالتنزيل" فحدثني في الحال عن رغبته في أن يصبح مليوني اًر وفي اليوم التالي‬

‫أعطاني مبلغاً قيمته عشرون مليون طلبت منه زيادة األموال ألن العملية ال‬

‫تقوم إال بأموال كبيرة جداً أو صغيرة جداً فأخبرني بأنه يأتيني في كل يوم بمبلغ‬

‫صغير فأخبرته بأن العملية للفرد الواحد ال تتجاوز الثالث مرات ثم إنها شاقة‬

‫مرتبطة بالجن ‪ ،‬اتصل برفاقه من رجال األعمال والسياسين الكبار حتى جاءني‬
‫بحزمة مالية قيمتها ستون مليون فرنك اتصلت برفاقي "صنبين" و "مصطفى‬
‫طاهر" فسح ار عينيه في البداية وتحولت األموال الى ناظريه وكأنها أضعاف‬
‫أمواله ‪ ،‬أرسلنا "مصطفى طاهر" و "صنبين" إلى مدينة (ميدغري) للبحث عن‬
‫(لبان ذكر) ومعهما النقود طبعاً ‪.‬‬

‫قطعت حديثه برفق ‪:‬‬

‫ وما هو اللبان الذكر ؟‬‫‪-‬‬

‫تعرفيها من خالل االيام ‪ ،‬كان رفيقي ال يفارقني ليالً ونها اًر حتى دخلت أحد‬

‫األيام المرحاض وخرجت من النافذة وهربت خلسة ‪.‬‬

‫ضحك ثم صمت يتأمل في وجهها وتمدد على كرسيه ‪ ،‬عدل من هندامه وانطلق‬
‫تاركاً المنزل ‪..‬‬

‫بعد طرقات متالحقة دخل (صنبين) ومن سوء حظه لم يلتق برفيقه ‪ ،‬جلس على‬

‫الكرسي وظل ينتظر عودته ‪ ،‬قدمت له "مريم" في طبق جميل حلويات وبسكويتاً‬

‫وأشكاالً متنوعة من الكعك وأشياء أخرى تقدم للضيافة ‪ ،‬جلس وساقيه على الطاولة‬

‫‪ ،‬كان منظره جذاباً وهو يرتدى بدلة زرقاء وقميصاً أبيض وربطة عنق بلونين أسود‬

‫وأحمر ‪ ،‬ظهر ألول مرة أمامها بشكل جذاب بعد أن كان يرتدي المالبس البيضاء‬
‫الكبيرة والمالبس األفريقية التقليدية مع مجموعة سبح وتمائم وقرون صغيرة تعلق‬
‫في رقبته ورجليه ‪ ،‬لم تكن تعلم بأن شعره ناعم لهذه الدرجة فقد رأته من قبل بشعر‬
‫أجعد كثيف ملفوف كالحبال القطنية ويظل طيلة وقته صامتاً ال يتكلم ‪ ،‬أما اآلن‬
‫‪202‬‬

‫فهو يبدو كمطرب من العهد الجديد ‪ ،‬اقتربت تسمعه بإعجاب وهو يواصل حديثه‬
‫بال انقطاع ‪:‬‬
‫ في عملياتنا ال نعرف بأن هذا من الوطن أو من األهل أو حتى من الملة ‪،‬‬‫المهم أن ننجح ‪ ،‬دائماً أنظر إلى اإلنسان مهما كان وضعه صغي اًر أو كبي اًر‬
‫بأنه أذكى مني ‪ ،‬لقد استطعت أن آخذ من رجل أمريكي حزمة مالية بلغت‬

‫قيمتها األربعمائة ألف دوالر ‪.‬‬
‫فتحت أذنيها لتسمع بوضوح فأكمل بثقة وأناة ‪:‬‬
‫‪ -‬كان ذلك في السنغال وكان يزور رجالً أعرفه وعندما عرفت أوقات زيارته‬

‫وضعت في ردهة البيت كبش تتحول فضالته في عينيهما إلى فرنكات من‬

‫حديد ‪ ،‬بحثا عني وطلبا مني أن أبيعهما هذا الكبش فأعطيتهما بمبلغ زهيد ‪،‬‬
‫منحني أضعافاً من الفرنكات على أن أحولها له إلى ماليين الدوالرات ‪ ،‬ذهبنا‬
‫سوياً إلى غار في كهف يوجد فيه صديقي "اكيوبا" وهناك حيث وضعنا‬
‫األربعمائة ألف دوالر وتحولت أمام ناظريه إلى ماليين وأخبرناه بالعودة بعد‬
‫ثالثة أيام حتى تنضج األموال ‪.‬‬
‫قاطعته بإستهجان وحماس ‪:‬‬
‫ كيف تنضج األموال ؟‬‫ يغطيها شيء كالرزاز أو كالندى حتى يؤمن المشارك في المشروع بأن هناك‬‫حاالت تجعل األموال تكثر وتتغيير من حال الى حال وفي بعض األحيان‬
‫تستخرج دخاناً كثيفاً !!‬

‫ كيف يحدث كل ذلك ؟؟‬‫ سر المهنة ‪.‬‬‫قال ذلك مواصالً ‪:‬‬

‫ لقد سمعت بأن هناك من يقومون بالعملية الحقيقية دون نصب واحتيال إال أن‬‫‪203‬‬

‫صديقي "عبداهلل" أكد لي بأن الحصول على هؤالء أشبه بالحصول على‬
‫العفاريت أو أشبه بالحصول على إبرة في عمق المحيط ‪.‬‬
‫نظرت إليه بمكر وقالت ‪:‬‬
‫ حدثني عن أول عملية قمت بها وكيف تمت ؟‬‫ضحك ضحكة طويلة وقال بمرح ‪:‬‬
‫ دعيني أنظر إليك جيداً فلقد كانت جميلة تشبهك إلى حد بعيد ‪ ،‬كانت قصة‬‫غرامية واقعية مؤلمة عندما اشتد الحب اضطررت أن ال أكون ملكاً ألشياء‬

‫فارغة فأردت أن أجعل حداً لهذه العالقة ‪ ،‬يا لها من فتاة مسكينة ‪ ،‬أخذت‬
‫سالسلها وخواتمها الذهبية وشرفها ‪.‬‬

‫نهض قائالً ‪:‬‬

‫ سنلتقي غداً في الحفل وسيكون آخر يوم لي في انجمينا ألنني سأغادر إلى‬‫مدينة نيويورك كما أن لي فكرة السفر إلى الخليج العربي ‪.‬‬

‫‪204‬‬

‫‪35‬‬

‫ذات ليلة باردة ‪ ،‬كان "سندو" يجلس بصحبة "آدم" في كوخ صغير فقال له ‪:‬‬
‫ هيا بنا للبحث عن جوادي ‪ ،‬منذ البارحة وال وجود ألثره ‪.‬‬‫خرجا والقرية تحت سحب كثيفة ‪ ،‬فاتجها يغوصان في الحقول ‪ ،‬تمهل "سندو" وقال‬
‫‪:‬‬
‫ هل أستطيع استعمال السيجارة ؟‬‫صاح باستغراب ‪:‬‬
‫ هل أنت تستخدمها‬‫أجابه ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫نعم‬
‫فواصل "آدم " بتوتر ‪:‬‬

‫ إياك أن تفعل ذلك أمام أي فرد من القرية إنه مسواك الشيطان ‪ ،‬كان قديماً‬‫هناك أشجار طيبة فتبول عليها الشيطان ثم عاد ينظف بها فمه ‪ ،‬واذا علم أهل‬

‫القرية بأنك من مستعمليها ال يأكلون معك وال يشربون من اإلناء الذي تستعمله‬
‫وال يزوجوك من بنات القرية ‪.‬‬
‫راحا يبحثان عن الجواد حتى عث ار عليه بعد مشقة بالغة وعادا الى القرية وقد أخذ‬
‫درساً جديداً ‪...‬‬

‫وفي منتصف الليل ظل وحده متيقظاً يق أر ما تيسر له من القرآن ‪.‬‬
‫فج اًر‪..‬‬

‫‪205‬‬

‫أطلت الشمس وفي صورتها ما يوحي بالرهبة ‪ ،‬الجميع خرج لفالحة األراضي إال‬
‫"سندو" ظل يكوي مالبسه بمكواة تقليدية ‪ ،‬فدخل عليه "آدم" يرتدي لباساً أنيقاً وقال‬

‫بتواضع ‪:‬‬

‫ يطلبك العم في المسجد ‪.‬‬‫ترك شغله واتجه نحو المسجد ‪ ،‬رأى عمه يتوسط مجموعة من الرجال ‪ ،‬أشار إليه‬
‫بالجلوس ‪ ،‬لفهم صمت خفيف حتى قال العم ‪:‬‬
‫ قم يا ولدي وصافح هذا الرجل ‪ ،‬إنه خالك ابن عم والدتك رحمة اهلل عليها‪.‬‬‫قال الشيخ مرة أخرى بصوت أخشن ثقيل ‪:‬‬
‫ بحثنا عنك فأخبرونا أنك غادرت أنجمينا ‪ ،‬والحمد هلل استجاب اهلل دعوانا وتم‬‫لقاؤنا ونحن نجتمع من أجل أن نعطيك ورثتك ‪.‬‬
‫صمت طويالً ثم واصل ‪:‬‬

‫ إن والدك رحمة اهلل عليه ترك لنا أبقا اًر وأغناماً ربما أنت ال تعرف عددها‬‫ولوالدتك أيضاً ما تجهل عددها ‪ ،‬كما أن لوالدك عدداً ال بأس به من جواالت‬

‫القمح ‪ ،‬جئنا بخالك وبعض من أقرباء أمك رغبة منا ليشهدوا تسليم ورثتك فهي‬

‫حقوقك ونصيبك ‪ ،‬كل ما في يدي من أبقار اآلن تبلغ الثمانية والسبعين ‪،‬ولكن‬
‫يا ولدي ال احبذ أن تاخذها كلها ونمكث دون ثروة حيوانية فهي مقسمة بعضها‬
‫عند اناس ال يمكن ان نفاتحهم بها اال اذا تكرموا واعادوها الينا ونحن بطبيعة‬
‫حالنا بدو وقرويون في حاجة إليها ففيها الرحمة والخير ‪ ،‬لهذا ستاخذ ما‬
‫تحتاجه اآلن على ان تاتي في كل عام وتاخذ نصيبك على اجزاء واألفضل ان‬
‫تتركها ألوالد على ان تبيعها فانت حر‪ ،‬وعدد خراف والدك ثالثة وعشرون‬
‫خروفاً ‪ ،‬كلها حقوقك واذا رفضت مقترحاتي فال أحد يعاتبك على ذلك ‪.‬‬

‫الصمت يلفهم ويظل وجه العم مشدوداً بالعروق والتجاعيد رغم اعتدال الجو و "سندو"‬

‫يكاد يطير ويحلق فرحاً ‪ ،‬يكاد يقفز ‪ ،‬يصرخ ‪ ،‬يرقص ‪ ،‬فقال مضطرباً ‪:‬‬
‫‪206‬‬

‫ ال يهم عدد األبقار أو الخراف أو جواالت القمح ‪ ،‬الذي يهمني أكثر هو أن‬‫تكونوا بقربي فاإلنسان أكثر ما يكون ضعيفاً دون أهل ‪ ،‬خذوا ما طلبتم وافعلوا‬

‫ما شئتم‪.‬‬

‫دخلت العبارة في نفوس القوم بسهولة ‪ ،‬وجعلتهم ينظرون إليه نظرة األب الروحي‬
‫حتى قال العم بطمأنينة ‪:‬‬
‫‪ -‬ستنتظر معنا شه اًر لتباع لك األبقار بأسعار معقولة ‪...‬‬

‫مضمض فمه واقترب الفكي (ماما) وقدم له صحناً صغي اًر فيه ماء وقال بصوت حسن‬
‫‪:‬‬

‫ تفضل ‪ ،‬أشربه إنه مبارك وسيفتح اهلل لك طريق الحياة ويعطيك من أس ارره في‬‫الدنيا ‪.‬‬
‫شرب وقال ‪:‬‬
‫ أرجو العفو إذا ارتكبت خطأ في القرية طيلة فترة بقائي ‪.‬‬‫كانت هذه الكلمات أشبه بأمطار نزلت عليهم في أوقات جفاف وقحط ‪ ،‬فقال أحد كبار‬
‫األسرة في منتهى الحيوية ‪:‬‬
‫ أرجوا أن تقوم بزيارة قرية أمك فأنت لم ترها بعد‬‫تبسم وقال ‪:‬‬
‫ يسعدني ذلك‬‫***‬
‫في يوم مسحور بعد أن ارتفع آذان الفجر ‪ ،‬أيقظه العم وتحركا سوياً ألداء الفريضة ‪..‬‬

‫عاد إلى فراشه يحمل خرقة بيضاء ملفوفة بتحكم ‪ ،‬قام بحل رباطها وأخذ يعدد أوراقه‬
‫النقدية ‪ ،‬لم يصدق ما تراه عيناه ‪ ،‬ألول مرة في حياته ‪ ،‬في تاريخه يملك مثل هذا‬
‫القدر من المال ‪ ،‬استلقى يفكر في البعيد ‪ ،‬في االستقرار والزواج والتعليم ‪ ،‬كلها أشياء‬

‫تنتظره ‪.‬‬
‫‪207‬‬

‫وفي اليوم التالي‪..‬‬
‫أشرقت الشمس وقد أعد مستلزماته للرحيل ‪ ..‬كانت القرية كلها تقف أمام‬
‫حجرته ‪ ،‬أحس بحزن عظيم وشعر بفراق من أحبهم وأحبوه وظلت أشياء عديدة تدور‬
‫في دواخله ‪ ...‬تجمع شباب القرية ونساءها ومشايخها وكذلك أطفالها خلف الناقة التي‬
‫يجلس على سنامها ‪ ،‬اقترب طفل صغير وسأله قبل نهوضها ‪:‬‬
‫ هل تعود إلينا مرة أخرى يا أبي ؟‬‫دخل هذا السؤال في أعماقه وأجابه بفرحة ‪:‬‬
‫ نعم سأعود‬‫نهضت الناقة حتى تساقطت من عينيه الدمعات ‪ ،‬حرك "آدم" الرسن حتى انطلقت‪،‬‬
‫تتبعه مجموعة من الشباب بالخيل ‪ ،‬فرأى خلفه قمم المنازل تبدو رائعة‪.‬‬
‫كان سوق القرية مكتظاً بالبشر ‪ ،‬يرتدون العمائم والجالليب البيض والكبتاني‬
‫والقرمبوبو ‪ ،‬استقبلهم ثلة من الرجال يرتدون ثياباً ناصعة في الوقت الذي كانت‬
‫فيها الحركة تدب بال توقف ‪ ،‬جلسوا تحت شجرة مليئة بالثمار ‪،‬والبائعون يجلسون‬

‫تحت أخشاب تظللهم من ح اررة الشمس ‪ ...‬الخيول بمختلف أنواعها في ميدان‬
‫كبير خلف السوق ‪ ،‬والفرسان يتباهون بها ‪ ،‬وقليل من العربات تقف في األطراف‬
‫البعيدة ‪.‬‬
‫جلس بهدوء وكبرياء وراح يشاهد كل هذه الحركة بنظرة مستفهمة ‪ ،‬فنظر إلى "آدم"‬
‫بطرف عينيه وقال بلهجته األفريقية التي جاءت رطانة خالصة من أي لغة أخرى ‪:‬‬
‫ أطلب لنا فخذ خروف فنحن لم نأكل منذ الصباح ‪.‬‬‫وقعت العبارة في نفسه طيبة وأشار إلى صاحب المشواة الذي أحضر لهم سفرة تتكون‬
‫من فخذ وصدر ‪ ،‬بدأ وأصحابه األكل بشهية ‪ ،‬نظر إلى عظمة الشمس ‪ ،‬لم يبق‬
‫نظرته إلى‬
‫لصالة الظهر إال دقائق معدودة ‪ ،‬أخذت تدور في نفسه عدة أسئلة ‪ ،‬غير ا‬
‫صبية صغار يمرحون بالجمال العمالقة ‪ ،‬كانوا يختارون المتوحشة ليزعجوها فتثور‬
‫‪208‬‬

‫وتتبعهم ثم يقبضونها من الخلف بإبداع ومهارة ‪.‬‬
‫بعد مرور ساعات قليلة في السوق أصبحت العربة جاهزة للرحيل ومغادرة المكان‪،‬‬
‫تململ المسافرون وبدأوا يودعون اهاليهم بالقرب من العربة وهي تجهز وتستعد‪...‬‬
‫أدارت العربة محركاتها عندما اصفرت الشمس‪ ،‬وصعد الركاب مندفعون بال‬
‫انتظام ‪ ،‬فركب بقرب السائق ونظر نظرة أخيرة إلى أهله والتراب ثم رفع رأسه وتلثم‬
‫بالعمامة لئال يرى أحد دمعاته المتساقطة على وجنتيه ‪ ،‬فتحركت العجالت رويداً حتى‬

‫توارت عن األنظار ‪.‬‬

‫‪209‬‬

‫‪36‬‬
‫وصل "سندو" العاصمة ‪ ،‬تكسو الحجرة ذرات الغبار ‪ ..‬جلس على فراشه يأخذ قسطاً‬

‫من الراحة ‪ ،‬أرخى عينيه الناعستين وراح يغط في نوم عميق ‪.‬‬
‫خرج في اليوم التالي متجهاً لمالقاة رفيقه ‪..‬‬

‫طرق الباب ببرود ودخل قبل أن يؤذن له ‪ ،‬ستائر رائعة على الجدران ومجموعة من‬

‫المقاعد والطاوالت رصت بانتظام ولوحات زيتية معلقة تحمل رسوماً بديعة ‪ ،‬واصل‬
‫خطواته البطيئة ودخل الصالة فرأى شلة تجلس صامتة كأنها صورة فوتغرافية ‪ ،‬جلس‬

‫على أحد المقاعد ينظر إلى امرأة ذات أنوثة حالمة ‪ ،‬تشجع وقطع الصمت بصبيانية ‪:‬‬
‫ أين "حسن مؤمن" ؟‬‫لم يجد جواباً رغم أن السؤال كان واضحاً ‪ ،‬ابتسم وقال مرة أخرى ‪:‬‬
‫‪ -‬أعرفكم بنفسي ينادونني "سندو" ‪.‬‬

‫وأشار إلى عمالق كان يجلس قربه ‪:‬‬
‫ وأنت ما اسمك ؟‬‫لفت العمالق وجهه وقال ‪:‬‬
‫ عبد البنات ‪.‬‬‫فقال اآلخر ‪:‬‬
‫‪210‬‬

‫ صنبين‬‫واآلخر بتكاسل ‪:‬‬
‫ مصطفى طاهر ‪.‬‬‫فأشار إلى الشابة في خجل واعجاب ‪:‬‬
‫ مريم‬‫فقال األخير ‪:‬‬
‫ جمابييل جوزيف ‪.‬‬‫عدل من جلسته وأردف مرة أخرى ‪:‬‬
‫ أرجو أن ال أكون قد أزعجتكم فقط وددت أن أخرجكم من هذا الصمت ‪.‬‬‫شاركوه متعة الكالم وأيدوه فواصل ‪:‬‬
‫ لقد رأيت الطبيعة والحياة في القرية األفريقية ‪ ،‬كانت أجمل ما رأيت في حياتي‬‫‪ ،‬من منكم رأى القرى التشادية ؟‬
‫التفت "مصطفى طاهر" وقال متعالياً ‪:‬‬

‫ ال توجد بقعة في البالد كلها إال ووطئتها قدمأي ‪ ،‬كلها كأنجمينا ‪ ،‬المال هو‬‫الذي يحدد الجمال ‪.‬‬

‫فقاطعه ‪:‬‬
‫ حتى جمال النفوس ؟‬‫وهنا تدخل "جمابيل" خارجاً من حالة اإلنصات وقال ‪:‬‬

‫ إن الصبي على صواب ‪ ،‬طبيعة العاصمة قاسية فالطبيعة الخالبة والغذاء‬‫الصحي والمودة واأللفة كلها في القرية ‪.‬‬
‫أزعجته كلمة الصبي لكنه التفت إلى "مصطفى طاهر" ليصغي إلى حججه ‪:‬‬
‫ لوال العاصمة لما التقينا نحن اآلن ‪ ،‬أحدنا من الشرق واآلخر من الغرب‬‫والجنوب والشمال ‪ ،‬إن التعليم وحياة الرفاهية ورأس المال الضخم كلها هنا من‬
‫‪211‬‬

‫هنا يبدأ اإلنسان‪..‬‬
‫ظهر "حسن مؤمن" أنيقاً معتدالً فتالقت عيناهما هنيهة فصاح في هدوء ‪:‬‬
‫‪" -‬سندو" ‪..‬‬

‫وراح يستقبله استقباالً الئقاً فأشار إلى رفاقه بلهجة المنتصر ‪:‬‬
‫‪ -‬إنه شقيقي الصغير ‪.‬‬

‫حيوه مرة أخرى ورحبوا به وانفضوا ‪..‬‬
‫***‬
‫الجو ما زال بارداً ‪ ،‬وا ألصيل الجميل يتفجر بلونه الذهبي الرائع إلى طبيعة مذهلة ‪،‬‬

‫يتحول الضوء إلى قوس قزح ويرسم بألوانه خطوطاً متنوعة على المدينة الصغيرة‬
‫ويتوارى خلسة ويسجل المساء رحلته المتكررة ‪.‬‬

‫الشمس باردة رائعة واألشجار العالية باسقة خضراء والسماء تبدو أكثر زرقة والطيور‬
‫تدور في مسرحها كأحجار كريمة ‪...‬‬
‫وصل "سندو" منتشئاً نشطاً فاستقبلته "كبرى" استقباالً حا اًر خجوالً وتتبعت خطاه إلى‬

‫الصالة ورأته يدخل بين ذراعي والدها بحبور ووداعة وأعرب له عن فرحته باللقاء‬
‫فحدثه المعلم بشيء من التوبيخ ‪:‬‬
‫ يؤسفني أنك غادرت إلى القرية دون إخباري ‪.‬‬‫خرجت الفتاة الجميلة لتعود بسفرة الضيافة فأجابه بثقة ‪:‬‬
‫ لم أقصد ذلك فلقد كان األمر فوق إرادتي ‪ ،‬لقد أحضرت لك هدية بسيطة عبارة‬‫عن نصف صفيحة من السمن الصافي ‪.‬‬

‫اتخذت الفتاة مكاناً وجلست تنظر وجهه النابض بحيوية الشباب ‪ ،‬ثم تجاه أبيها الذي‬

‫تكلم بصوت واضح ‪:‬‬

‫‪212‬‬

‫ أشكرك ‪ ،‬قل لي ما رأيك في القرية ؟‬‫أجابه وكأنه يترقب مثل هذا السؤال الذي يفتح له فرص الكالم بانتظام ‪:‬‬
‫‪ -‬القرية ممتعة فهي الطف من المدينة وأكثر هدوءاً لو اتخذت اإلدارة خطط (ماو‬

‫تسي) لعثرنا على كنوز من القرى ‪ ،‬إن القرى مهملة ومجهولة تماماً ال مباني‬
‫صحية وال مباني تعليمية وال مياه آبار صحية حتى اآلن يعانون من مشاكل‬
‫الزراعة البدائية برغم كل ذلك تظل أفضل من المدينة بكثير ‪.‬‬

‫أخذ يسرد قصصه وما جرى له ‪ ،‬كان يتكلم ويتكلم كمن خلق لذلك ‪.‬‬
‫سكت للحظة وقال ‪:‬‬
‫ ال بد أن نذهب في المرة القادمة سوياً ‪ ،‬كما اود منك أن تصحبني في األيام‬‫القادمة لزيارة البعض من أقاربي ‪.‬‬

‫تبسم المعلم وأحاطت وجهه الفرحة وقبل أن يقول شيئاً دخل عليهم ضيف يبدو‬

‫عليه جديد المالمح ‪ ،‬نهض المعلم وانصرف بصحبته مما جعلهما ينفردان‬
‫ويتبادالن النظرات والمشاعر في صمت حتى قطع هذا الصمت بصوت خشن‬
‫مخشخش ‪:‬‬
‫ أيتها الجميلة بقى دورك لتخبريني عن مغامراتك وانجازاتك !‬‫ آسفة فأيامي تخلو من المغامرات ‪ ،‬طوال فراقنا وأنا ال أفارق المنزل ‪.‬‬‫ لكنني علمت بأنك تواصلين الجامعة وتقومين هذه األيام بإعداد بحث ‪.‬‬‫ وهل الجامعة تعد مغامرة ؟‬‫لفهما صمت خفيف ثم قطعته بخوف ‪:‬‬
‫ وماذا تنوي أن تفعل اآلن ؟‬‫أجاب بخوف هو اآلخر ‪:‬‬
‫ ال أعرف ولكن لم يتبق أمامنا إال العمل واالستقرار والزواج ‪ ،‬هذا ما كنت‬‫أخشاه أن أرى شبابي يذبل أمامي ذبوالً مروعاً ‪ ،‬وتفكيري ال يستقر على حال‪.‬‬
‫‪213‬‬

‫قبل أن تنطق بكلمة ‪ ،‬دخل عليهما المعلم بأدب واحتشام فنهضت "كبرى" وفي‬
‫صدرها كلمات كانت تود أن تقولها بينما ظل يفكر حتى قطع تأمالته ‪:‬‬
‫‪ -‬أراك تفكر كثي اًر ‪ ،‬أترك األمور هلل وال تيأس ‪.‬‬

‫ صدقني يا أستاذي لم يحدث أن تسلل إلى قلبي اليأس إال عندما فارقني أبي لقد‬‫كان كل شيء في حياتي بعد أمي أما اآلن فلقد أدركت أشياء كنت أجهلها‪.‬‬
‫مسح المعلم مسحة الفرحة الصغيرة وقال ‪:‬‬
‫ بدأت أشعر بأنك أصبحت شاباً ناضجاً و مسؤوالً ‪.‬‬‫‪ -‬أشكرك ‪.‬‬

‫ ولكن قل لي بصراحة ما هي العالقة التي بينك وبين "كبرى" ؟‬‫ارتبك الشاب ارتباكاً واضحاً وحاول الهروب من هذا السؤال إال أنه استسلم لصمت‬

‫رهيب حتى قال المعلم باسماً ‪:‬‬

‫ في الحقيقة أود أن أخبرك بأن "كبرى" تحبك وأنت كذلك تحبها ثم أنك بالنسبة‬‫لي مثل أبني تماماً ‪ ،‬أقصد أنك في مقامه ‪ ،‬سأزوجك إياها ولكن لي شروط‬

‫بسيطة ‪.‬‬

‫فرح فرحاً عظيماً فواصل اآلخر كالمه جاداً ‪:‬‬

‫ المال ال يهم ‪ ،‬يمكنني أن أوفر لك ما تشاء في سبيل أن تأتيني بالشهادة‬‫الجامعية هذا هو الشرط األول وأن تترك استعمال السيجارة هذا هو الشرط‬
‫األخير ‪.‬‬

‫لم يستطع اإلجابة أو الحديث فقد خانه الكالم هذه المرة فتحدث بصوت كالهمس ‪:‬‬
‫ ال أعرف ماذا أقدم لك لقد أحسنت إلى أكثر مما ينبغي وأعدك بأنني سأفتح‬‫صفحة جديدة في حياتي ‪.‬‬
‫‪ -‬كن قوياً في الحياة فأنها ضعيفة لهذا تراها تذهل الضعفاء ‪ ،‬وال تهتم بالقمة ‪،‬‬

‫القمة كالظل تأتي باإلرادة وقد تأتي بها األقدار ‪ ،‬واذا أردت أن تكون شاباً‬
‫‪214‬‬

‫متعلماً يحبك الجميع عليك بالتقوى فالتقوى تعلم األدب وتنمي اإليمان فإنها من‬
‫روح اهلل واذا جمعتهما صارت لك هدفاً عمالقاً ال يستهان به ‪.‬‬

‫سكت الجميع عندما وضعت "كبرى" سفرة الطعام وانصرفت بأدب‪..‬‬

‫‪215‬‬

‫‪36‬‬
‫لف الجو ذرات من الغبار الكثيف فانكتم الجو وصار ضبابياً ‪ ،‬غطى "سندو" أنفه بكم‬
‫قميصه ودخل المنزل الفخم بإرهاق ‪ ،‬كان منظر البيت بالداخل جميالً ‪ ،‬علقت‬

‫المصابيح بألوان مختلفة وزينت الجدران بلوحات ‪ ،‬ووضعت أثاثات ثمينة أمامها‬
‫طاوالت تحمل وروداً جذابة ‪ ،‬تقدم مشدوها فاستقبلته "مريم" بأدب ودالل ‪:‬‬
‫ لقد سأل عنك "حسن مؤمن" فأين كنت ؟‬‫ كنت في السماء ‪.‬‬‫قال جملته وتوجه إلى الحجرة الداخلية فرآه يحلق ذقنه ورأسه فقال مرحباً ‪:‬‬
‫‪ -‬سأعطيك ورقة تقدمها ‪ ،‬ال تخف ‪ ،‬فقط مقدم البرامج في الحفل ‪.‬‬

‫فأجاب مكرها ‪:‬‬
‫ كلما يعارضني ال أنطق به وال يحاسبني أحد في أناقة المالبس ‪.‬‬‫ أنت اآلن من صغار األثرياء ‪ ،‬أرسل لي صديقي قبل أشهر بدلة إيطالية رائعة‬‫سأبيعها لك ‪.‬‬
‫ سأستعيرها وأعيدها بعد الحفل ‪.‬‬‫ إذن أعطيتك إياها كهدية ‪.‬‬‫ بأي مقابل ‪.‬‬‫لم يقل غير أن ابتسم ‪ ،‬فخرجا نحو الصالة وجلسا على األريكة فأحضرت "مريم"‬
‫عصائر البرتقال بمرح ‪:‬‬
‫ كيف حال أهل السماء ؟‬‫لم يجد إجابة مناسبة لهذا ظل صامتاً فنهض وانصرف ‪ ،‬بعد مرور دقائق من‬
‫الوقت أظهرت "مريم" تضايقها ثم غمغمت وقالت بغضب وصوت مرتفع ‪:‬‬

‫ هل اشتريت لي العربة فأنا ال أركب من بعد اليوم تاكسي !؟‬‫‪216‬‬

‫ ماذا جرى لك ؟‬‫ ال شيء !‬‫ بعد قليل سنذهب معاً وأشترى لك ماتريدين ولكن تعالي وأخبريني ماذا فعل‬‫"سندو" فإنك ظللتي ترافقينه إلى أماكن حتى أنا أجهلها ؟‬

‫ضحكت بإغراء وقالت ‪:‬‬
‫ لقد افتتح "سندو" مطعماً صغي اًر يديره رفيقه "بانا" ولقد عرفت أن مشروعه قد‬‫نجح بعض الشيء برغم انه مطعم يطبخ فيه اللوبيا واألرز والقاتو والشاي ‪.‬‬

‫‪ -‬ألم تالحظي شيئاً آخر ؟‬

‫ بحثت في كل غرفته ولم أعثر على فرنك واحد واكتشفت بأنه وضع أماناته عند‬‫معلمه وأنه ينوي دخول مشاريع كبيرة نسبياً مع معلمه ‪.‬‬

‫ الوقت مناسب لكي يسافر إلى الخارج لمواصلة تعليمه الجامعي واذا عاد بعد‬‫إكمال الدراسة سيعمل في الوظيفة العامة ومن خالله أستطيع أن أدخل في‬
‫مشروع ضخم ناجح ‪ ،‬المشاريع السياسية ال بد أن تكون خططها بعيدة المدى‪.‬‬
‫ أتمنى لك التوفيق ‪.‬‬‫‪ -‬أعدي نفسك للذهاب إلى السوق ‪ ،‬أرجو أن تختاري شيئاً الئقاً ‪.‬‬

‫ أنا امرأة عصرية ال أحب إال مواكبة الموضة كما أنني حرة في اختياري ‪.‬‬‫***‬
‫استيقظ "حسن مؤمن" على طرقات متالحقة ‪ ،‬نهض فإذا "بسندو" يدخل ويتناول‬
‫مقعداً جميالً يتمدد عليه ‪ ،‬خرجت "مريم" للتو تمشي بسعادة واغراء وقد حملت في‬

‫يديها وعاءاً كبي اًر فيه ماء دافئ في طريقها إلى الحمام أعدته لحسن مؤمن‪ ،‬تمدد‬
‫أكثر وقال ‪:‬‬

‫ يبدو أنكما في هذه األيام أكثر بهجة وثراء ‪.‬‬‫جاء "حسن مؤمن" ويضحك ضحكة متواصلة وأشعل سيجارة على مهل وبنظرة تأملية ‪.‬‬
‫‪217‬‬

‫قال ‪:‬‬
‫ إن في سخريتك براءة وفكاهة ‪.‬‬‫عادت بصدر ناهد برز عمالقاً رائعاً كقمر في ليلة ظلماء ‪ ،‬جسدها األنثوي يوحي‬
‫بشهوة قاسية ثمة عوالم عديدة في شخصيتها ‪ ،‬جر نفساً عميقاً وتكلم موجهاً حديثه‬

‫"لمريم" ‪ ،‬ونظر إلى "سندو" وقال ‪:‬‬

‫ أنت اآلن أخي تماماً ‪ ،‬دعني أناديك أخي ‪ ،‬ليس لي غيرك أثق فيه ولهذا أنا‬‫في حاجة إليك وأنت أيضاً في حاجة إلى ‪ ،‬لهذا اخترتك رفيق دربي ‪.‬‬

‫سكت وهو ينظر وجه "سندو" المشحون بالعطف بينما قال "سندو" وهو يفكر في كلماته‬
‫‪:‬‬
‫ ماذا رأيت في حتى اخترتني رفيق دربك ؟‬‫ابتسم وأجابه بثقة المعلم ‪:‬‬
‫ طيلة فترة صداقتنا رأيت فيك إنساناً مؤمناً ال يعرف الغدر والخيانة ‪ ،‬شاب ال‬‫تغره ملذات الحياة وهذه المقاومة التي تحديت بها القساوة هي طريق األنبياء‬

‫وأكثر ما رأيت فيك الطموح ‪ ،‬في الحقيقة أنت شاب مثالي ‪.‬‬
‫ أشكرك ‪.‬‬‫واصل حديثه بتريث ‪:‬‬
‫ ولهذا قررت أن أعينك لتحصل على منحة دراسية إلى الخارج إلكمال دراستك‬‫الجامعية !‬
‫ هذه مفاجأة لم أكن أتوقعها ولكن أال تواجه صعوبة في الحصول عليها وبالدنا‬‫تكثر فيها الوساطات ‪.‬‬
‫ أنا أكبر واسطة في هذه البالد !‬‫فرح فرحاً جعله لم يستطع أن يكبت مشاعره مما جعل "حسن مؤمن" يقطع تأمالته ‪:‬‬

‫ سأبحث لك عن منحة دراسية إلى فرنسا ال تخف إن "حمدون" قد أصبح اآلن‬‫‪218‬‬

‫وزي اًر للتربية آ لك علم بذلك ؟‬

‫ نعم لقد ذهبت إليه بصحبة المعلم "ياسر" وباركنا له على هذا المنصب ‪.‬‬‫ اعتقد بأنك عرفت أنه تقدم لزواج فتاتك "كبرى" !‬‫فغر فاه بذهول وتسمر في جمود ينظر إلى وجهه وقد حمل تجاعيد تشيء الى‬
‫الوقار واألدب وشيئاً من المكر ‪ ...‬فواصل ‪:‬‬

‫ هناك خالف بين المعلم و"حمدون" يعني انه يمكن أن يزوجك إياها ولكن تأكد‬‫بأن هذا الزواج ال يمكن أن يستمر أكثر من شهرين ‪.‬‬
‫ هل ترى في ما يجعلك تظن بأني ال أستطيع حتى أن أعيش مع امرأة ‪.‬‬‫ إن فتاتك على قدر كبير من الجمال ثم إنها مثقفة وطالبة جامعية وأبوها رجل‬‫مؤهل له مكانته أما أنت ماذا معك من مؤهل تعليمي أو مكانة سياسية ‪...‬‬

‫أجابه ومالمحه قد تغيرت ‪:‬‬
‫ وماذا تريدني أن أفعل ؟‬‫ إن سفرك إلى أوربا سيفتح لك مستقبالً باه اًر ويضعك في مكانة مرموقة‬‫خصوصاً في مجتمع ال يعطي اعتبا اًر إال للمظاهر ‪.‬‬

‫نكس رأسه يتأمل كالم رفيقه ‪ ،‬أفاق عندما أكمل رفيقه ‪:‬‬

‫ ال تخف نذهب معاً إلى "حمدون" وستقدم له حزمة مالية ثم تعد مستلزماتك ‪.‬‬‫‪ -‬إال يعد ذلك رشوة ؟‬

‫ أنت شاب تستحقها أكثر من أي شخص آخر ‪ ،‬وضعك المادي ‪ ،‬ومؤهلك‬‫الثقافي ‪ ،‬وحالتك االجتماعية ‪ ،‬وحبك للوطن ‪ ،‬كل ذلك يجعلك مرشحاً بال‬

‫منافس ولكن الظروف تحتم علينا أن نتعامل بهذا األسلوب ‪..‬‬

‫فتحت "مريم" سفرة الطعام ‪ ،‬كانت تحوي أكالت متنوعة من الوجبات الخفيفة‬
‫فأخذوا يأكلون بشهية مفتوحة ‪.‬‬
‫‪219‬‬

‫‪37‬‬
‫كان الحديث مفاجأة ومسرة ألصدقائه ومحبيه وأهله ‪ ،‬تمر اللحظة بطيئة من‬
‫روائع الدقائق في حياته لقد صور أشياء كثيرة في خياالته ورسم لوحات عديدة‬
‫في ذاكرته إال أن رحلة السفر إلى أوربا لم تكن من األشياء المتوقعة ‪.‬‬
‫المطار يبدو جميالً صغي اًر كحديقة ‪ ،‬يحمل حقيبته بقلق وشجاعة‬

‫بالغتين ‪ ،‬جاء الى مسمعه صوت مخشخش يناديه باستمرار فالتفت مذعو اًر‬
‫فإذا برفيقه "بانا" يندفع إليه ويصافحه بح اررة شديدة قائالً ‪:‬‬

‫ اعذرني لقد تأخرت قليالً ألنني قطعت المسافة بالحافلة والباقي سي اًر على‬‫األقدام ‪.‬‬

‫راح يضحك بلطف حتى أضاف ‪:‬‬
‫‪ -‬إنك رائع جداً يا صديقي بهذه األناقة ‪.‬‬

‫اخرج له ورقة مالية وقدمها بعبارة مستفيضة ‪:‬‬

‫‪220‬‬

‫ ال اريدك أن تعود على األقدام ‪.‬‬‫ أشكرك واذا عدت من الدراسة ستجدها في يدي والمطعم ‪.‬‬‫ضحك ضحكة متواصلة وقال ‪:‬‬
‫ تحدثنا في هذا الشأن واخبرتك للمرة الثالثة األرباح مناصفة ونصيبي يستلمه‬‫المعلم‪.‬‬
‫ فقط أمزح !‬‫ اعرف ذلك ‪.‬‬‫هز "بانا" رأسه وأدمعت عيناه دمعات مرئية ولفه الحزن حتى طواه وأخذ يرنو إلى‬
‫رفيقه وهو يختفي من ناظريه فخرج هو اآلخر دون أن يعير اهتمام ًا ألحد من‬
‫المودعين ‪ ،‬انزوى "سندو" في الصالة الداخلية و صوت "كبرى" وهي تشهق بالبكاء‬

‫تزيد من حزنه ‪ ..‬شكل األرض ‪ ،‬ورقة السماء ‪ ،‬وقوة "حسن مؤمن" وسلطته ‪،‬‬
‫وعطف المعلم "ياسر" وحنانه ‪ ،‬و رائحة الهواء ‪ ،‬وطعم األشجار ‪ ،‬وصفير الطيور‬
‫كلها لم تكن بالنسبة له مقياساً عظيماً إال عندما خطت قدماه الخطوة األخيرة في‬
‫درجات المصعد ‪.‬‬

‫دخل الطائرة بخوف واضطراب ‪ ،‬شيء عمالق ألول مرة يضع نفسه في بطنه‬
‫‪ ،‬عظيماً أشبه بالحوت ‪ ،‬لفحه هواء التيار البارد فتهالك على المقعد األمامي حيث‬
‫أدوات يمكن أن تعينه إذا أصيب بالدوار ‪ ،‬فتح مجلة فرنسية كانت معلقة في طرف‬

‫المقعد ‪ ،‬تصفحها قليالً ‪ ،‬وشعر بفتور ‪ ،‬وتقلبت جفنتاه وتراخت ‪ ،‬فاتكأ وهو يحس‬

‫بالقلق ‪.‬‬

‫امتطت الطائرة الجو وخرقته بخفة وتعلقت في فضاء اهلل كشهاب يطارد‬
‫الشيطان وأصبحت متوازنة بعد وقت قصير من إقالعها ثم صارت كأنها جزء من‬
‫الفضاء‪.‬‬
‫‪221‬‬

222

‫تمت َ‬
‫رقمَاإليداع(‪َ )2004/530‬‬

‫‪223‬‬

‫قالواَ‪َ :‬‬
‫َ‬
‫ " جاء آدم يوسف متمكنا من أدواته الفنية في البناء القصصي حيث تتوافق‬‫أدواته وتتراص في نسيج العمل القصصي لتفرز لنا رؤيته للواقع الحياتي‬
‫المعيشي الذي خبره جيداً ‪ ،‬وعبر عنه بصدق بفعل مخزونه الثقافي إيمانا منه‬

‫بدور المثقف في اصالح مجتمعه بوضع عالج أو حلول لهمومه وآالمه ‪،‬أو‬

‫األخذ بيده ‪،‬أو الفخر بأمجاده ‪،‬أو الغناء له ‪ ،‬بأية لغة ‪ ،‬وأية وسيلة تعبيرية "‬
‫ " اننا أمام كاتب يبشر بمستقبل للقصة العربية التشادية على خارطة االبداع‬‫العربي"‬

‫كتابَ‪َ:‬فيَالقصةَالعربيةَالتشاديةَالمعاصرة‪2002-‬م‬
‫الكاتبَالمصريَالدكتورَعليَعبدالوهابَمطاوع َ‬

‫‪ -‬آدمَيوسفَرائداًَللروايةَالعربية‬

‫َ‬

‫الكاتبَوالشاعرَموسىَحسنَشاري َ‬

‫ " لقد استطاع آدم يوسف أن يرسم لوحة بالحروف التي حملها كل اشكال‬‫االرض وما عليها ‪،‬ايضاً حملها معنى ان يحمل االنسان تلك االشياء الطبيعية‬

‫في جدانه ليخرجها في لحظات اخرى يشعر فيها انه ال بد ان تخرخرج لكي‬

‫تبقى الحياة جميلة "‬

‫الناقدَالدكتورَ‪َ/‬اسماعيلَمحمدَطاهر َ‬
‫‪2008-1-1‬م َ‬

‫َََجريدةَانجميناَالجديدةَالعددَ‪ََََ76‬‬
‫‪224‬‬

‫ األعمال األدبية للكاتب الروائي آدم يوسف )”سندو“ و ”انجمينا مدينة لكل‬‫الناس“ ومن قبلها ”األشواك“ مجموعة قصصية‪ ،‬وديوان شعر ‪ ،‬وكتابات‬
‫متنوعة في السياسة واألدب واالجتماع والثقافة ) التي تابعتها أثناء تواجدنا في‬
‫السودان ‪ ..‬أثبتت أنه فنان ومبدع وبارع تطاوعه الكلمات بسالسة وبراعة‪،‬‬
‫وساحر ببيانه وصدق تعابيره وجاذبية مفرداته‪ ،‬وسخر إمكاناته الالمحدودة في‬
‫اللغة رغم استخدامه أحياناً لمفردات ”دارجة“ اللغة المحلية التشادية وبأسلوبه‬

‫الشيق للوصف الدقيق ألحداث سمت إليه األرواح وتشدقت بها الحواس‬

‫وتزاوجت بها النفوس كتزاوج الكاتب الروائي مع اإلبداع الشعري والقصصي‬
‫والروائي‪ ،‬أي زواجاً شرعياً مع األدب بصفة عامة‪.‬‬
‫الكاتبَواالعالميَالتشاديَصالحَعبداهللَالباللي‬
‫جريدةَانجميناَالجديدة َ‬

‫تشرين‪/1‬أكتويرَ‪2012‬‬

‫ " يعتبر الكاتب آدم يوسف موسى ابرز كتاب القصة في األدب العربي التشادي‬‫‪ ،‬سواء القصة القصيرة أو الرواية"‬

‫الشاعرَحسبَاهللَمهديَفضلة َ‬

‫عضوَهيئةَالتدريسَبجامعةَالملكَفيصل َ‬

‫اوراقَبحوثَالمؤتمرَالعلميَالدوليَفيَتشادَ‪2010-1990‬م َ‬
‫طبعَبالخرطوم‪2012-‬م‬

‫‪225‬‬

‫ ادم يوسف مناضل واديب من افريقيا (تشاد) ‪،‬اعماله دعوة لإلصالح والتجديد‬‫نبيلَمنتصر‪2012-‬مَ(المدونة) َ‬

‫ََََََََََََََََََََََََالمجموعةَالمستقلةَللدفاعَعنَالحرياتَفيَافريقيا‪َ CD LFA‬‬
‫َ‬

‫ الدكتور آدم يوسف مؤلف نشر العديد من المؤلفات – وهو مناضل وكاتب‬‫تميز بالنزعة الوطنية وعمل ضد الفساد والطغاة والخراب في تشاد وكتب من‬
‫اجل السالم والديمقراطية الحقيقية والتنمية ‪.‬‬
‫السبتَ‪َ6‬مارسَ‪2010‬م َ‬

‫الكاتبَالمعروفَوالمعارضَاالعالميَالبارزَميكائال َ‬‫‪le blog de makaila‬‬
‫اشهرَمدونةَتشادية َ‬

‫ رواية انجمينا مدينة لكل الناس (منشورات دار عزة بالسودان ‪2008‬م) لألديب‬‫آدم يوسف – تعد اول تجربة جديدة ال في محيطنا العربي بل االفريقي ايضاً‬
‫فالرواية كتبت باللغة العربية –فاللغة واألسلوب والفكرة كلها استطاع الكاتب‬

‫تطويعها باسلوبه الخاصة وقد حملت عدة قضايا‪-‬عمل يدفعنا للقول بأنها بداية‬
‫لتأسيس مدرسة حديثة في األدب العربي‪.‬‬

‫الشاعرَوالكاتبَالتونسيَعليَالحمروني َ‬
‫جريدةَالشروقَ‪2012/5/10‬م‬

‫‪226‬‬

‫اختياري لقصص آدم يوسف موسي‪ ،‬لم يأت اعتباطاً‪ ،‬بل هناك أسباب موضوعية أدت‬
‫إلى هذا االختيار وهي ‪:‬‬
‫‪ -1‬أنه من أظهر الكتاب التشاديين امتالكاً لإلداة الفنية‪ ،‬ومن أكثرهم تطو اًر‪ ،‬وهو بذلك‬
‫يعطي صورة واضحة للمدى الذي بلغته القصص التشادية ‪.‬‬
‫‪ -2‬إنه من أكثر كتاب القصة التشاديين نش اًر لما يكتب‪ ،‬بل لعله أكثرهم على اإلطالق‬
‫مما يوفر للباحث مادة صالحة للدراسة ‪.‬‬
‫(الفرنسيون والمتفرنسون في القصة التشادية‬
‫قصص ادم يوسف موسي نموذجا)فعاليات جائزة الطيب‬
‫صالح لالبداع الكتابي –الدورة الرابعة‪-‬‬
‫‪20‬فبراير‪2014‬‬

‫أ‪َ.‬د‪َ.‬عبداهللَحمدناَاهلل َ‬

‫َ‬
‫‪ ‬يتفق الجميع على اهمية اآلديب والمفكر آدم يوسف داخل المشهد الثقافي‬
‫التشادي باعتباره الكاتب الذي نفذ الى خارج الحدود بجهود كبيرة قدمها للعالم‬
‫عن افريقيا في مجاالت مختلفة ليتحول الى جسر ثقافي في افريقيا وكأنه اراد‬
‫ان يعيد الينا تاريخ الشاعر الفذ ابراهيم بن اسحاق بن يعقوب الكانمي الذي‬
‫خرج من رحم (كانم) مساف اًر الى شمال افريقيا في دولة الموحدين ليتحول الى‬

‫حلقة وصل بين شمالها وجنوبها ‪،‬وكذلك اديبنا الذي خرج من (كانم) واصبح‬
‫ايقونة ثقافية تمثل اللغة العربية في افريقيا جنوب الصحراء وشمالها واصبح‬
‫مؤسسة ثقافية باسلوبه ‪،‬وابداعه األصيل ‪ ،‬فهو بجانب الشعر والقصص‬
‫والرواية كتب الدراسات في السياسة والثقافة والفكر بل هو اب القصة العربية‬
‫‪227‬‬

‫في تشاد ‪،‬وهو الذي خرج بحثاً عن طلب العلم ليصبح مشروع ثقافي يسعى‬

‫من خالله الى تعريف وطنه تشاد‪ ،‬واصبح واحد من اهم األعمدة الثقافية في‬

‫بالده‪.‬‬
‫جريدة الوحدة الدولية‪-‬الجمعة ‪ 30‬يناير‪2015‬م‬

‫َ‬

‫‪228‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful