Vous êtes sur la page 1sur 136

‫‪1‬‬

‫ﺢ اﻹِﺳــــــــــــــــــﻼﻣـــــــــــــــــــــﻲ‬
‫اﻟﺸﱠـــــــــــــــــﺒَ ْ‬

‫ﻧــــــــــــــــَــﻘْــــــــــــﺪ اﻟﻌــــــــــــﻘـــــــﻞ اﻟﻤــــــــــُــﺴْــﻠِــــــــــﻢْ‬

‫ﻟﻠـــــــــﻤﺆﻟـــﻒ‪ :‬ﺳـــﮭــﯿــﻞ أﺣـــﻤـــﺪ ﺑﮭﺠـــــــــــــﺖ‬

‫ﻣـــــــــﻘـــﺪﱢﻣﺔ‬

‫اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻤﺴﻠﻢ أو اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻛﻤﺎ ﯾُﺴﻤّﯿﮫ آﺧﺮون ھﻮ ﺑﺤﺎﺟﺔ ﻓﻌﻠﯿﺔ إﻟﻰ إﻧﻘﺎذه ﻣﻤﺎ ھﻮ ﻓﯿﮫ‬

‫ّﺔ ‪ ،‬و‬
‫ّﺔ ﺛﻘﺎﻓﯿ‬
‫ﻣﻦ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ و ﺛﻘﺎﻓﺔ إرھﺎب و ﻋﻨﺼﺮﯾﺔ "ﻓﺎﺷﯿّﺔ" و ﻣﻦ ﻓﻘﺮ و ﺟﮭﻞ و أُﻣﱢﯿ‬

‫ﻟﻸﺳﻒ ﻓﺈن اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻤﺜﻘّﻔﺔ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻤﻨﺎ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬و ھﺬه اﻟﻄﺒﻘﺔ ﻓﻲ ﻃﺮﯾﻘﮭﺎ ﻟﻺﻧﻘﺮاض ‪،‬‬

‫ﻣﻘﺼﺮة ﻓﻌﻼ ﻷﻧﮭﺎ وﺿﻌﺖ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻓﻲ ﺳﺠﻦ ﻋﻘﻠﻲ ﯾﺘﻨﺎﻗﺾ ﻣﻊ ﻧﻔﺴﮫ ﻋﺒﺮ ﻧﻈﺮﯾﺎت‬

‫ّﺒﺮﯾﺮ و اﻟﻌﺎﻃﻔﺔ اﻟﺠﯿﺎﺷﺔ اﻟّﺘﻲ ﻻ ﺗﻨﺘﺞ إﻻ اﻟﻤﺰﯾﺪ ﻣﻦ اﻷﻟﻢ و اﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ‪،‬‬


‫اﻟﻤﺆاﻣﺮة و اﻟﺘ‬

‫ّس ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ اﻟﻤُﮭﻢ "ﻧﻘﺪ‬


‫اﻹﺷﻜﺎﻟﯿّﺔ اﻟﺘﻲ ﻃﺮﺣﮭﺎ ﺣﺎﻣﺪ ﻧﺼﺮ أﺑﻮ زﯾﺪ ﺣﻮل اﻟﻨّﺺ اﻟﻤُﻘﺪ‬

‫اﻟﺨﻄﺎب اﻟﺪّﯾﻨﻲ" و ﻛﯿﻔﯿﺔ اﻟﺘﻌﺎﻣُﻞ ﻣﻊ اﻟﻄﺎﺑﻊ اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ ﻟﻠﻨﺺ اﻟﻤﻘﺪس و ﺑﻌﺪﯾﮫ اﻟﻤﺎﺿﻮي‬

‫اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ و اﻟﺘﺤﻠﯿﻠﻲ اﻟﺘﺮﻛﯿﺒﻲ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮ ﻻﺳﺘﺨﺮاج "ﻣﻔﺎھﯿﻢ" اﻟﺠﺪّة و اﻟﺤﺪاﺛﺔ ‪ ،‬ﯾﺸﻜﻞ ھﺬا‬

‫ن ﻋﻠﯿﻨﺎ ﻃﺮح أﻓﻜﺎر و ﺗﺄوﯾﻼت و ﺣﻠﻮل‬


‫اﻷﻣﺮ ﺟﺰءا ﻣﮭﻤﺎ ﻓﻲ ﻃﺮﯾﻘﺔ اﻟﺒﺤﺚ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أ ّ‬

‫ﺟﺪﯾﺪة ﻟﻈﺎھﺮة ﺗﻨﺎﻗﺾ اﻟﻨﺼﻮص اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ﻣﻊ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﺛﻢ ﻣﻊ واﻗﻌﮭﺎ و أﺧﯿﺮا ﻣﻊ اﻟﺘﻄﻮر!‬

‫ﻓﺎﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و اﻟﺘﻌﺪد و ﺣُﺮﯾّﺔ اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﻣﺴﺄﻟﺔ "ﻓﻘﮭﯿﺔ = إﺳﻼﻣﯿّﺔ" ﺑﻘﺪر ﻣﺎ أﺻﺒﺤﺖ‬

‫ﺿﺮورة ﻋﻘﻠﯿﺔ و اﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﻻ ﯾﺘﻢ ﺣﻔﻆ إﻧﺴﺎﻧﯿّﺔ اﻹﻧﺴﺎن إﻻ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﮭﺎ‪.‬‬

‫ﻆ ﻋﻠﻰ‬
‫ﻣﺜﺎﻻ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﻛﺎن اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻓﻲ اﻟﻘﺮون اﻟﻮﺳﻄﻰ ﯾُﻔﺴﱢﺮون اﻷﺣﺎدﯾﺚ اﻟّﺘﻲ ﺗﺤُ ﱡ‬

‫ﻃﻠﺐ اﻟﻌﻠﻢ و أن اﻟﻌﻠﻢ ﻓﺮض "ﺣﺎُﻟﮫُ ﺣﺎل اﻟﺼﻼة و اﻟﺼﻮم"! ﻛﺎﻧﻮا ﯾﻔﺴﺮون اﻟﻤﻌﻨﻲ ﺑﻜﻠﻤﺔ‬

‫ﻋﻠﻢ ﻋﻠﻰ أﻧﮫ "اﻟﺘﻔﻘﮫ ﻓﻲ اﻟﺪﱢﯾﻦ أو اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ" ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﻨﺬ اﻟﺤﻤﻠﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺎم ﺑﮭﺎ‬

‫ﻧﺎﺑﻠﯿﻮن ﻓﻲ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﻘﺮن ‪ 18‬اﻟﻤﯿﻼدي و ﺗﺄﺛُّﺮ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﺑﺎﻟﺤﺪاﺛﺔ اﻷوروﺑﯿّﺔ ‪ ،‬راح رﺟﺎل‬

‫اﻟﺪﯾﻦ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﯾُﻔﺴﱢﺮون ﻛﻠﻤﺔ ﻋﻠﻢ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻮﻗﮭﺎ اﻟﻌﺎم و اﻟﺸﺎﻣﻞ ﺑﺤﯿﺚ ﺗﺸﻤﻞ ﻛﻞ اﻟﻌﻠﻮم‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ اﻟّﺘﻲ ﯾﺤﺘﺎﺟُﮭﺎ ﻃﻼب اﻟﺠﺎﻣﻌﺎت اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ‪ ،‬و ھﻜﺬا ﻛﺎن اﻟﺘﺤﻮل ﻓﻲ اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ و ﻓَﻚﱢ‬

‫ﻤﻠّﺢ اﻟّﺬي ﺟﻌﻞ اﻟﻌﻘﻮل اﻟﺘﻘﻠﯿﺪﯾﺔ ﺗﻀﻄﺮ إﻟﻰ ﺗﻐﯿﯿﺮ أو‬


‫رﻣﻮز اﻟﻨﱠﺺ ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻟﻀﻐﻆ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟ ُ‬

‫ﺗﻄﻮﯾﺮ ﻣﻌﻨﻰ دﯾﻨﻲ ﺑﺤﯿﺚ ﻻ ﯾﻜﻮن ﻧﻘﯿﺾ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻤﺘﻐﯿﱢﺮ و اﻟﻤُﺘﺤﻮﱢل ‪ ،‬و ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ھﺬا‬

‫اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ﻧﺘﺎج ﺗﻄﻮر ﻋﻘﻞ ﻓﻘﮭﻲ ﻣﻦ داﺧﻞ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أنّ اﻟﻔﻘﮫ ﻧﻔﺴﮫ ﻋﻠﯿﮫ أن ﯾﺘﻼﺋﻢ ﻣﻊ‬

‫ﻻ أن ﯾﻠﻐﻲ أﺣﺪھﻤﺎ‬
‫ﺚ ﯾﻜﻮن ﻧﻘﯿﻀﮫ ﻓﻼ ﯾﻜﻮن ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ ﺑﻌﺪھﺎ إ ّ‬
‫اﻟﻮاﻗﻊ ﻻ أن ﯾﺼﻄﺪم ﺑﺤﯿ ُ‬
‫‪2‬‬

‫اﻵﺧﺮ ‪ ،‬ﻓﻔﻲ ﺗﺮﻛﯿﺎ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ ﻗﺎم "اﻟﻌﻘﻞ" ﺑﺈﻟﻐﺎء "اﻟﻨﱠﺺ" و ﻓﻲ "أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن ﻃﺎﻟﺒﺎن" ﻛﺎن‬

‫اﻟﻌﻜﺲ ﻓﻜﺎن أن "ﻓﮭﻢ اﻟﻨّﺺ" ﻻ ـ اﻟﻨﱠﺺ ـ أﻟﻐﻰ "ﻧﺘﺎﺟﺎت اﻟﻌﻘﻞ" إذ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﺑﺤﺎل ﻣﻦ‬

‫ﻻ ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ ﯾﺠﺒﺮ‬


‫ﺺ ﻣﻘﺪس إﻟﻐﺎء اﻟﻌﻘﻞ و اﻟﻤﻨﻄﻖ اﻟﺒﺸﺮي ‪ ،‬إ ّ‬
‫ّ‬ ‫ي ﻧ‬
‫اﻷﺣﻮال أن ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أ ﱡ‬

‫ﺣﺮّﯾّﺔ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ‪.‬‬
‫اﻟﻌﻘﻞ ﻋﻠﻰ اﻹﻧﻜﻔﺎء ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﮫ ﺑﺴﺒﺐ اﻹرھﺎب اﻟّﺬي ﯾﺴﺘﮭﺪف ُ‬

‫ﯾﺘﺮﻛﺰ ﺑﺤﺜﻨﺎ ﺣﻮل اﻟﻨﻘﺎط اﻟﺘﺎﻟﯿﺔ‪:‬‬

‫آ ـ أھﻤّﯿّﺔ ﻣﺮاﺟﻌﺔ أﺻﻮل اﻟﺘّﺸﯿﻊ ـ و ھﻲ ﺗﺠﺮﺑﺔ إﺳﻼﻣﯿّﺔ ﻧﺸﺄت ﺧﺎرج اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺰّﻣﻨﯿّﺔ و‬

‫د ﻓﻌﻞ ﻋﻠﻰ اﻧﻌﺰال ﺷﯿﻌﻲ دام ‪11‬‬


‫ﻛﺮَ ﱢ‬
‫ﻻ ﻓﻲ اﻟﻘﺮون اﻷﺧﯿﺮة َ‬
‫ﻟﻢ ﯾﺘﻌﺎﻣﻞ اﻟﺘّﺸﯿّﻊ ﻣﻊ اﻟﺪّوﻟﺔ إ ّ‬

‫ﻗﺮﻧﺎ‪.‬‬

‫ن أﺻﻮل اﻟﺘّﺸﯿّﻊ ‪ ،‬ﺣﺎﻟﮭﺎ ﺣﺎل اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ اﻹﺻﻼﺣﯿّﺔ و اﻟﯿﮭﻮدﯾّﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ‪ ،‬ﻻ ﺗﺘﻨﺎﻗﺾ‬
‫ب ـ أ ّ‬

‫ﻣﻊ أﺳﺎﺳﯿﺎت اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻤﺪﻧﻲ و اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﻔﺮدﯾﺔ و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﯾﻔﻘﺪ اﻟﻨّﻈﺎم‬

‫اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﺷﺮﻋﯿﺘﮫ اﻟﺪّﯾﻨﯿﺔ و اﻟﻮﻃﻨﯿّﺔ‪.‬‬

‫ج ـ ﺣﻮل ﻓﮭﻢ ﻣﺴﺒّﺒﺎت اﻹرھﺎب ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﻦ اﻟﺴﱡﻨّﻲ و اﻟﺸﱢﯿﻌﻲ و ﺳُﺒﻞ ﻣﻮاﺟﮭﺘﮭﻤﺎ و‬

‫اﺣﺘﻮاء ھﺬا اﻹرھﺎب‪.‬‬

‫ن ھﺬه اﻟﺤﺮﯾﺎت ﻻ ﺗﺘﻨﺎﻗﺾ ﻣﻊ‬


‫د ـ اﻟﺨﺮوج ﺑﻔﻠﺴﻔﺔ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻔﺮد ﻛﺄﺳﺎس ﻟﺒﻨﺎء اﻟﺪّوﻟﺔ و أ ّ‬

‫ي دﯾﻦ ـ ﺑﻤﺎ ﻓﯿﮫ اﻹﺳﻼم‪.‬‬


‫أﺻﻞ اﻟﺪّﯾﻦ ـ أ ّ‬

‫و أرﺟﻮ ﻣﻦ اﻟﻘﺮّاء أن ﯾﻌﺬروﻧﻲ إن ﻛﺎن ھﻨﺎك ﺟﺎﻧﺐ ﻣﻮﺿﻮﻋﻲ ﯾﺤﺘﺎج ﻣﺰﯾﺪا ﻣﻦ‬

‫ﺚ ﺗﻔﺼﯿﻠﻲ و ﻟﻜﻦ‬
‫اﻟﺘﻮﺿﯿﺢ ﻷﻧﻨﻲ ﻓﻌﻼ ﻛﻨﺖ أود أن أُﺣﺮج ﻣﺌﺎت اﻟﺼﻔﺤﺎت ﻓﻲ ﺑﺤ ٍ‬

‫ﺻﺤﺘﻲ اﻟﻤﺘﺪھﻮرة ﺣﺎﻟﺖ دون ذﻟﻚ‪.‬‬

‫أﺧﯿﺮا أود أن أﺷﻜﺮ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺳﺎھﻢ ﻓﻲ ﺗﺮﺟﻤﺔ و ﻧﺸﺮ و ﺗﻮزﯾﻊ ھﺬا اﻟﻜﺘﺎب‪.‬‬

‫اﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﻌﺮاﻗﻲ‬

‫ﺳﮭﯿﻞ أﺣﻤﺪ ﺑﮭﺠﺖ‬

‫اﻟﻌﺮاق ‪21-10-2007‬‬

‫‪Website: www.sohel-writer.i8.com‬‬

‫‪Tel: 00964627604616‬‬

‫اﻟﺘّﺸﯿﱡــﻊ و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃـــﯿﺔ‬

‫ﺧﻼل ھﺬا اﻟﺒﺤﺚ ‪ ،‬و اﻟﺬي ﺳﺄﺣﺎول ﻓﯿﮫ ﺟﮭﺪ اﻹﻣﻜﺎن أن أﻛﻮن ﻣﻨﺼﻔﺎ ﻓﯿﮫ ‪ ،‬أن أﻃﺮح دراﺳﺔ و ﺑﺤﺜﺎ‬

‫ﻛﻨﺖ أود أن أﻛﺘﺒﮫ ﺑﺸﻜﻞ أﻛﺜﺮ ﺗﻔﺼﯿﻼ ﻟﻮﻻ ﺑﻌﺾ اﻟﻌﻮاﺋﻖ اﻟﺼﺤﯿﺔ و اﻟﻈﺮوف اﻟﻤﺎدﯾﺔ اﻟﺼﻌﺒﺔ ﻛﻘﻠﺔ‬

‫اﻟﻤﺼﺎدر اﻟﺒﺤﺜﯿﺔ و اﻟﻤﺮاﺟﻊ و اﻟﻤﻮﺳﻮﻋﺎت ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﺴﺘﻘﺒﻞ دراﺳﺔ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ "اﻟﺘﺸﯿﻊ" ﻛﻤﺬھﺐ أﺳﺎس‬

‫ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ‪ ،‬و "اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ" ﻛﺈﻧﺘﺎج ﺣﻀﺎري إﻧﺴﺎﻧﻲ و ﻧﻈﺎم ﻟﻠﺤﻜﻢ ‪ ،‬ﯾﺴﺘﺤﻖ ﻣﻨﺎ اﻟﺒﺤﺚ و اﻟﺘﻨﻘﯿﺐ‬

‫ﻹﻇﮭﺎر ﻓﺮص اﻟﻨﺠﺎح أو اﻟﻔﺸﻞ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﯾﺘﺮﻛﺰ‬

‫اﻟﻮﺟﻮد اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪.‬‬

‫إن دراﺳﺔ ﺗﻌﺎﻣﻞ أي دﯾﻦ أو ﻣﺬھﺐ ﻣﻊ اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ و أﻧﻈﻤﺔ اﻟﺤﻜﻢ ﯾﺠﺐ أن ﺗﺘﻢ ﻋﺒﺮ دراﺳﺔ "اﻟﻨﺺ‬

‫اﻟﻤﻘﺪس" و ﺗﻌﺎﻣﻞ ھﺬه اﻟﻔﺌﺎت ـ ﻋﺒﺮ ﻣﺮاﺣﻞ ﺗﺎرﯾﺨﯿﺔ ـ ﻣﻊ أﻧﻈﻤﺔ اﻟﺤﻜﻢ اﻟﻤﺘﻌﺪدة ‪ ،‬و ﻣﺪى ﺗﻘﺒﻞ اﻟﺪﯾﻦ‬

‫أو اﻟﻤﺬھﺐ "ﻣﺘﻤﺜﻼ ﻓﻲ رﺟﺎﻻﺗﮫ و ﻣﺮﺟﻌﯿﺎﺗﮫ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" ‪ ،‬ﻣﻊ ﻣﻤﺎرﺳﺎت و آﻟﯿﺎت اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و اﻟﻨﻈﻢ‬
‫‪3‬‬

‫اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﯿﺔ ‪ ،‬و ﻻ ﺑﺪّ ھﺎ ھﻨﺎ ﻣﻦ دراﺳﺔ "ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﺘﺸﯿﱡﻊ" و "ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ" ﻟﻜﻲ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ‬

‫ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﺻﻮرﺗﯿﻦ و إﯾﺠﺎد ﻋﻼﺋﻖ اﻟﺼﯿﺮورة ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻟﺘﯿﻦ ‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ھﻨﺎﻟﻚ إﺷﻜﺎﻟﯿﺔ ﻛﺒﯿﺮة ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻧﻘﻮل "اﻟﺘﺸﯿﻊ" أو "اﻹﺳﻼم" ‪ ،‬و ﻧﻘﺼﺪ ﺑﮫ "اﻟﺸﯿﻌﺔ" و "اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ"‬

‫‪ ،‬و اﻟﻌﻜﺲ ﺻﺤﯿﺢ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﺬي ﺳﯿﺘﻜﺮر اﺳﻤﮫ ﺧﻼل ھﺬا اﻟﺒﺤﺚ ھﻮ ﻣﺎ ﻧﻌﻨﻲ ﺑﮫ "اﻟﺘﺮاﻛﻢ اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ‬

‫اﻟﺘﺠﺮﯾﺒﻲ اﻟﻤﺘﻐﯿﺮ" ﻟﮭﺬا اﻟﻤﻌﺘﻘﺪ ‪ ،‬و ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟﺬي ﯾﻜﻮن ﻓﯿﮫ ھﺬا "اﻟﺪﯾﻦ" أو "اﻟﻤﺬھﺐ" ﺳﻤﺎوﯾﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ‪،‬‬

‫ﻓﺈن اﻟﺘﺮاﻛﻢ و اﻟﺘﺪاﻋﻲ اﻟﺘﺠﺮﯾﺒﻲ اﻟﺬي ﯾﺘﺤﻮل ﻓﻲ ﺻﯿﺮورة ﻣﺴﺘﻤﺮة ‪ ،‬ھﻮ ﺗﺮاﻛﻢ إﻧﺴﺎﻧﻲ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺒﺤﺚ و‬

‫اﻟﻨﻘﺪ و اﻟﺘﻤﺤﯿﺺ اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ ‪ ،‬و ﻣﺎ دام ﻛﺬﻟﻚ ﻓﮭﻮ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﻐﯿﯿﺮ و اﻹﺑﺪاع و ﺧﻠﻖ ﻣﻔﺎھﯿﻢ ﺟﺪﯾﺪة‬

‫ﺗﺘﻨﺎﺳﺐ و اﻟﺘﺤﻮﻻت اﻟﺤﻀﺎرﯾﺔ و اﻟﻘﯿﻤﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺸﮭﺪھﺎ اﻟﻌﺎﻟﻢ ‪ ،‬و ﻃﺒﻌﺎ ﻓﺈن "اﻟﺸﯿﻌﺔ" ھﻢ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ھﺬا‬

‫اﻟﻌﺎﻟﻢ ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺣﺴﻦ ﺣﻈﮭﻢ أن ﻣﺬھﺒﮭﻢ ﯾﻤﺘﻠﻚ ھﺬه اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺤﻮل ‪ ،‬ﻏﯿﺮ أﻧﮫ ﻻ ﺷﻚّ أن ھﺬا اﻟﻌﻤﻞ‬

‫ﺻﻌﺐ و ﺷﺎق و ﯾﺤﺘﺎج إﻟﻰ ﺗﻌﺎون اﻟﺠﺎﻧﺒﯿﻦ "اﻟﺪﯾﻨﻲ و اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ" ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬و ﺑﺪون ذﻟﻚ‬

‫ﻓﺎﻹﺻﻼح و اﻟﺘﺤﻮل ﻣﺴﺘﺤﯿﻼن‪.‬‬

‫و اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻟﻤﮭﻢ اﻟﺬي ﯾﻨﺒﻐﻲ ﻟﺪارﺳﻲ "اﻟﺘﺸﯿﻊ" ‪ ،‬ﺳﻮاء ﻛﺎن اﻟﺒﺎﺣﺚ ﺷﺮﻗﯿﺎ أو ﻏﺮﺑﯿﺎ ‪ ،‬ﻣﻼﺣﻈﺔ ﻇﺎھﺮة‬

‫"اﻻﺟﺘﮭﺎد" اﻟﻤﺴﺘﻤﺮة ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬رﻏﻢ أن ﻃﺒﻘﺔ اﻟﻤﺠﺘﮭﺪﯾﻦ و اﻟﺤﻮزات ﺗﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ‬

‫اﻟﻘﺼﻮر و اﻷﺳﺎﻟﯿﺐ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﺪرﯾﺲ و اﻟﺘﻌﻠﯿﻢ و ﯾﺒﺪو أﺣﯿﺎﻧﺎ أن ﻏﺎﻟﺒﯿﺔ دارﺳﻲ و ﻃﻼب اﻟﺤﻮزة‬

‫ﯾﻌﺎﻧﻮن ﻣﻦ ﺿﻌﻒ ﻓﻲ اﻹﻃﻼع ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺪاﺛﺔ و ﻓﮭﻢ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ اﻟﺘﻲ ﺧﻠﻘﺘﮭﺎ اﻟﺒﯿﺌﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ‬

‫اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻷﻣﺮ اﻟﻤﻤﯿﺰ ھﻮ أن ﻛﻠﻤﺔ "اﺟﺘﮭﺎد" ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻣﻮس اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻻ ﺗﺰال ﺗﺤﻔﻞ ﺑﺎﻷﻣﻞ رﻏﻢ أﻧﻨﺎ‬

‫ھﻨﺎ ﺑﺤﺎﺟﺔ إﻟﻰ ﻧﻘﺪ ﺣﻘﯿﻘﻲ ﻟﮭﺬه اﻟﻜﻠﻤﺔ ‪ ،‬ﺑﺤﯿﺚ ﻧﺴﺘﻜﺸﻒ ﻣﻦ ﺧﻼل ھﺬا اﻟﻨﻘﺪ ﻣﻨﺎﻃﻖ اﻟﻔﺮاغ و اﻟﻼ ﻣـُﻔﻜّﺮ‬

‫ﻓﯿﮫ ﻓﻲ ﻗﻮاﻣﯿﺲ اﻟﻤﺠﺘﮭﺪﯾﻦ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﻛﻠﻤﺔ "ﻣﺠﺘﮭﺪ" رﻏﻢ أھﻤﯿﺘﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬إﻻ أﻧﮭﺎ ﺑﺤﺪ‬

‫ذاﺗﮭﺎ ﻻ ﺗﻤﻨﺢ اﻟﻌﺼﻤﺔ "ﻟﻠﻤﺠﺘﮭﺪ" ﻛﻮﻧﮫ ﯾُﺠﮭﺪ ﻧﻔﺴﮫ ﻟﻠﻮﺻﻮل إﻟﻰ ﻣــُـﺮاد اﻟﻨﺺ اﻟﻤﻘﺪس و ﻛﺸﻒ‬

‫"اﻟﺸﯿﻔﺮة" اﻟﺘﻲ ﯾﺤﺘﻈﻨﮭﺎ اﻟﻨﺺ ﺑﯿﻦ ﺟﻮاﻧﺤﮫ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل آﯾﺔ اﷲ اﻟﺼﺎدق اﻟﺤﺴﯿﻨﻲ اﻟﺸﯿﺮازي ﻓﻲ ﻛﺘﺎب "ﺑﯿﺎن اﻟﻔﻘﮫ ﻓﻲ ﺷﺮح اﻟﻌﺮوة اﻟﻮﺛﻘﻰ ـ اﻻﺟﺘﮭﺎد و‬

‫اﻟﺘﻘﻠﯿﺪ ج ‪ 1‬ص ‪" 17‬‬

‫و ﻣﺎ ذﻛﺮه ﺑﻌﻀﮭﻢ ‪ :‬ﻣﻦ أن اﻹﺟﺘﮭﺎد ﻗﻮة ﻗﺪﺳﯿﺔ ‪ ،‬أو ﻧﻮر ﯾﻘﺬﻓﮫ اﷲ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﻣﻦ ﯾﺸﺎء ‪ ،‬و ﻧﺤﻮ ذﻟﻚ ‪،‬‬

‫ﻓﺎﻟﻈﺎھﺮ ﻣﻦ ﺗﺄﻣﻞ أﻣﺜﺎل ذﻟﻚ ـ و ﻟﻮ ﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ اﻟﺤﻜﻢ و اﻟﻤﻮﺿﻮع ـ أﻧﮫ ﻻ ﯾﺮﯾﺪ اﻻﺟﺘﮭﺎد اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ ﺑﻞ‬

‫ﯾﺮﯾﺪ اﻵﺛﺎر اﻵﺧﺮوﯾﺔ اﻟﻤﺘﺮﺗﺒﺔ ‪ ،‬أو اﻹﺟﺘﮭﺎد اﻟﺬي ﯾﺠﻮز رﺟﻮع اﻟﻌﺎﻣﻲ إﻟﯿﮫ و ﺗﻘﻠﯿﺪه ‪ ،‬و إﻻ ﻓﺎﻹﺟﺘﮭﺎد‬

‫اﻟﺬي ھﻮ ﻣﺤﻞ اﻟﺒﺤﺚ ﻣﻤﻜﻦ اﻟﺤﺼﻮل ﻟﻠﻔﺎﺳﻖ و اﻟﻌﺎدل ‪ ،‬و اﻟﻤﻨﺎﻓﻖ و اﻟﻤﺆﻣﻦ ‪ ،‬ﺑﻞ و اﻟﻜﺎﻓﺮ و اﻟﻤﺴﻠﻢ ‪،‬‬

‫و اﻟﻤﺮاﺋﻲ و اﻟﻤﺨﻠﺺ ‪ ،‬و ﻏﯿﺮھﻢ ‪ ،‬ﻟﺘﺴﺒﺒﮫ ﺑﺈﻋﻤﺎل اﻟﻘﻮة اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﻤﺬﻛﻮرة‪ ."..‬ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻻﻗﺘﺒﺎس ‪.‬‬

‫اﻟﻤﻼﺣﻆ ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرات ذات اﻟﻤﻐﺰى اﻟﻜﺒﯿﺮ ‪ ،‬أن ھﻨﺎك وﻋﯿﺎ و ﻓﮭﻤﺎ داﺧﻞ اﻟﺤﻮزة ‪ ،‬و إن اﺳﺘﺜﻨﯿﻨﺎ‬

‫ﻣﻦ ذﻟﻚ اﻟﺒﻌﺾ ‪ ،‬ﻣﻦ أن "اﻹﺟﺘﮭﺎد" ھﻮ ﻣﺴﺌﻮﻟﯿﺔ و ﻟﯿﺴﺖ ﻋﺒﺎءة ﻣﻘﺪﺳﺔ ﯾﺮﺗﺪﯾﮭﺎ ﻣﻦ ﯾﺸﺎء ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن‬

‫اﻻﺟﺘﮭﺎد ﯾُﻤﺜﻞ إذﻧﺎ إﻟﮭﯿﺎ ﯾﺴﺘﻨﺪ إﻟﻰ ﺟﻮاز اﻟﺘﺠﺪﯾﺪ اﻟﺪﯾﻨﻲ ﺑﻤﺎ ﯾﻼﺋﻢ اﻟﻌﺼﺮ و اﻟﺰﻣﺎن ‪ ،‬إن ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﺤﻮزة‬

‫ھﻲ أن أﺻﻮل اﻟﻔﻘﮫ ھﻲ أﻛﺜﺮ ﺗﻄﻮرا ﻣﻦ اﻟﻔﻘﮫ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ ﻓﻲ ﺟﺎﻧﺒﮫ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ‪.‬‬

‫و اﻟﺨﻤﯿﻨﯿﺔ "اﻷﺻﻮل اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ" أﻛﺜﺮ ﺣﺪاﺛﺔ و ﺗﻄﻮرا ﻣﻦ ﻧﻈﯿﺮھﺎ اﻵﺧﺮ "اﻟﺨﻤﯿﻨﯿﺔ ﻓﻲ ﻓﻘﮭﮭﺎ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ" ‪،‬‬

‫ﻓﻔﻲ أﺻﻮل اﻟﻔﻘﮫ ﺗﻘﻮم ﻧﻈﺮﯾﺔ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ﻋﻠﻰ دور و ﺑﻌﺪي اﻟﺰﻣﺎن ‪ +‬اﻟﻤﻜﺎن = اﻟﺰﻣﻜﺎن ‪ ،‬ﻓﻲ‬

‫ﺗﺄﺛﯿﺮھﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺘﻐﯿﺮ اﻟﻔﻘﮭﻲ ﻓﻲ أﺻﻮﻟﮫ اﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن "ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻣﻌﯿﻨﺔ" ﺗﺨﺘﻠﻒ أﺣﻜﺎﻣﮭﺎ ﺑﯿﻦ‬

‫اﻟﻈﺮوف اﻟﺰﻣﻜﺎﻧﯿﺔ اﻟﻤﺘﻐﯿﺮة ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﺷﯿﺌﺎ ﻣﺎ "ﺣﺮاﻣﺎ" ﯾﺘﺤﻮل ﺑﻔﻌﻞ "اﻟﺰﻣﻜﺎن" إﻟﻰ "ﺣﻼل" و‬

‫"ﻣﺒﺎح" ﺑﻞ و رﺑﻤﺎ ﻣﺮﻏﻮﺑﺎ ﻓﯿﮫ ‪ ،‬و ﺣﺴﺐ ھﺬه اﻷﺻﻮل ﻓﺈن أﻣﺮﯾﻜﺎ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ "ﺷﯿﻄﺎﻧﺎ أﻛﺒﺮ" ﺣﺴﺐ‬

‫ﻣﺼﻄﻠﺤﮫ ‪ ،‬ﺗﺼﺒﺢ "اﻟﻤﻼك اﻷﻛﺒﺮ و اﻷﻋﻈﻢ" إذا ﻣﺎ ﺗﻮﻓﺮت أﺳﺒﺎب اﻟﺘﺤﻮل ‪ ،‬ﻣﻊ ﻣﻼﺣﻈﺔ ﺗﺤﻔﻈﻲ‬

‫اﻟﻜﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﻮاﻗﻒ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ و اﻟﺘﻲ أراھﺎ ﺧﺎﻃﺌﺔ و ﻣﻨﺎﻗﻀﺔ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﯿﻘﮭﺎ اﻟﻔﻘﮭﻲ ﻟﮭﺬه‬

‫اﻷﺻﻮل اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ اﻟﻘﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺘﻄﻮﯾﺮ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن ﻻ ﺑﺪ ﻟﻠﺤﻮزات اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ﻣﻦ ﻣﺮاﻋﺎة اﻟﻔﺎرق ﺑﯿﻦ "اﻟﻨﺺ"‬

‫ﻛﻤﻘﺪس ﺛﺎﺑﺖ و اﻟﻮاﻗﻊ ﻏﯿﺮ اﻟﻤﻘﺪس و "اﻟﻤﺘﺤﻮل"‪" ,‬اﻟﻤﺘﻐﯿﺮ" ‪ ،‬ﻓﻤﻦ دون ﻣﻼﺋﻤﺔ اﻟﻨﺺ "اﻟﺜﺎﺑﺖ"‬
‫‪4‬‬

‫ﻛﺘﻔﺴﯿﺮ و ﺣﺘﻮى ﻟﻠﻮاﻗﻊ اﻟﻤﺘﻐﯿﺮ ‪ ،‬ﻓﺈن ﻛﻠﯿﮭﻤﺎ "اﻟﻨﺺ" و "اﻟﻮاﻗﻊ" اﻟﺬي ﯾﻨﺘﺞ ﻣﻨﮭﻤﺎ اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ ‪ ،‬ﯾﺼﺒﺤﺎن‬

‫ﺟﺎﻣﺪﯾﻦ ‪ ،‬اﻟﻨﺺ ﯾﺼﺒﺢ "ﺗﻘﻠﯿﺪا ﺳﻠﻔﯿﺎ ﺟﻤﻮدﯾﺎ" و "اﻟﻮاﻗﻊ ﻣﺘﺨﻠﻔﺎ ﻣﺎﺿﻮﯾﺎ" ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺧﻠﻖ‬

‫ﻣﻐﺰى أﻋﻤﻖ ﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻻﺟﺘﮭﺎد ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻟﻢ ﯾﺴﺪوا ﺑﺎب اﻻﺟﺘﮭﺎد ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ اﻟﺴﻨﺔ ﻓﻲ‬

‫اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ اﻟﻤﯿﻼدي‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ ﯾﺠﺐ أن ﻧﻼﺣﻆ أن ھﻨﺎك أﻗﺴﺎم و ﺗﯿﺎرات ﺣﺘﻰ داﺧﻞ "اﻟﺘﺸﯿﻊ" ﺗﺨﺘﻠﻒ و ﺗﺘﺒﺎﯾﻦ و ﺗﺘﻔﺎوت ﻓﯿﻤﺎ‬

‫ﺑﯿﻨﮭﺎ ﺗﻄﺮﻓﺎ أو اﻋﺘﺪاﻻ ‪ ،‬و ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ اﻹﺷﺎرة إﻟﻰ أن اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻛﺄي ﻓﻜﺮ أو ﻣﻨﮭﺞ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﯾﺆﺛﺮ‬

‫و ﯾﺘﺄﺛﺮ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﺘﺸﯿﻊ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ اﻟﻤﺬاھﺐ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻷﺧﺮى ﻓﻲ ﻛﻮﻧﮫ ﯾﻤﺘﻠﻚ ﻓﻠﺴﻔﺔ‬

‫ﺗﺠﻌﻠﮫ ﯾﺘﻜﯿﻒ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻣﻊ اﻟﻤﺘﻐﯿﺮات ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺘﺸﯿﻊ ﻣﺮّ ﺑﻌﺪة ﺗﺤﻮﻻت و ﺗﻐﯿﺮات ‪ ،‬اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻓﻲ اﻟﻌﺼﺮ‬

‫اﻟﻌﺒﺎﺳﻲ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻋﻨﮫ ﻓﻲ اﻟﻌﺼﺮ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻲ ‪ ،‬ﻛﺬﻟﻚ اﻟﺤﺎل ﻣﻊ اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻓﻲ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ و اﻟﺘﺸﯿﻊ‬

‫ﻓﻲ اﻟﻌﻘﻮد اﻟﺜﻼﺛﺔ اﻷﺧﯿﺮة و ﻇﮭﻮر "ﻓﻠﺘﺔ ـ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" و اﻟﻔﻮران اﻟﺬي ﺷﮭﺪه اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ و إﯾﺮان‬

‫ﺧﺼﻮﺻﺎ ‪.‬‬

‫و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أن أﺣﺪاث ‪ 11‬ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ‪ ،‬اﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﺗﮭﺰ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة ﻓﺤﺴﺐ ﺑﻞ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﺄﺳﺮه ‪ ،‬ﻛﺎﻧﺖ ﺣﺎﻓﺰا‬

‫أﺳﺎﺳﺎ ﻓﻲ ﻃﺮح اﻟﺘﺴﺎؤﻻت اﻟﺘﻲ ﺳﻨﻨﺎﻗﺸﮭﺎ ﻓﻲ ﺑﺤﺜﻨﺎ ھﺬا ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن "اﻟﺘﺸﯿﻊ"ﯾﻜﺎد ﯾﻜﻮن ھﻮ‬

‫اﻟﺨﺼﻢ اﻟﻌﻘﺎﺋﺪي اﻟﻮﺣﯿﺪ ﻟﻠﻮھﺎﺑﯿﺔ "اﻟﺴﻠﻔﯿﺔ" اﻟﺘﻲ اﺗﺴﻌﺖ ﻣﻊ اﻟﻨﻔﻂ اﻟﺴﻌﻮدي و أذرﻋﮫ اﻷﺧﻄﺒﻮﻃﯿﺔ ‪،‬‬

‫رﻏﻢ أن ھﻨﺎك ﺧﻼﻓﺎ ﺷﯿﻌﯿﺎ ـ أﻣﺮﯾﻜﯿﺎ أﻋﺘﻘﺪ أﻧﮫ ﻓﻲ ﻃﺮﯾﻘﮫ ﻟﻠﺬوﺑﺎن ﺗﺤﺖ اﻟﺸﻤﺲ اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ اﻟﺠﺪﯾﺪة ‪.‬‬

‫ّﺸﯿــــــﱡﻊ ﺗﺎرﯾـــــﺨﯿـــــﺎ ‪....‬‬


‫اﻟﺘـ‬

‫اﺻﻄﻼﺣﺎ ‪ ،‬ﻛﻠﻤﺔ ﻋﺮﺑﯿﺔ ﺗﻌﻨﻲ "اﻟﺘﺤﺰب" و ﺗﺄﯾﯿﺪ رأي ﻣﻌﯿﻦ ‪ ،‬و اﻟﺨﻼف اﻟﺮﺋﯿﺴﻲ ‪ Shiism‬اﻟﺘﺸﯿﻊ‬

‫" ھﻮ ﻣﻮﻗﻔﮭﻢ ‪ ،‬ﻟﯿﺲ ﻣﻦ ﺧﻼﻓﺔ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ‪Sunnism‬اﻟﺬي ﺟﻌﻞ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﯾﺨﺘﻠﻔﻮن ﻣﻊ "اﻟﺴﻨﺔ‬

‫أﺑﻲ ﻃــﺎﻟﺐ ﻟﻠﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ‪ ،‬ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ھﻮ رﻓﺾ أو ﻗﺒﻮل اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻛﻜﻞ و أﻧﻈﻤﺘﮫ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ‪،‬‬

‫اﻟﺪوﻟﺔ اﻷﻣﻮﯾﺔ ـ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﺔ ـ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺸﯿﻌﺔ ﯾﻨﺘﻘﺪون ھﺬا اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﻤﻤﺘﺪ إﻟﻰ ‪ 1400‬ﺳﻨﺔ‬

‫ﻣﻀﺖ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﺴﻨﺔ ﻋﻤﻮﻣﺎ ﯾﻨﻈﺮون إﻟﯿﮫ ﺑﻌﯿﻦ اﻟﺘﻘﺪﯾﺲ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺸﯿﻌﺔ ﯾﻌﺘﺒﺮون أن ھﻨﺎك اﻧﻘﻼﺑﺎ ﺗﻢ ﻓﻲ‬

‫ﺻﺪر اﻹﺳﻼم و ﺑﺎﻟﺬات ﻋﻨﺪ وﻓﺎة اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ و ﻧﺸﻮب اﻟﻨﺰاع ﺑﯿﻦ اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ اﻟﺮﺋﯿﺴﯿﺔ ‪ ،‬و‬

‫ﺧﺼﻮﺻﺎ ﻗﺒﯿﻠﺔ ﻗﺮﯾﺶ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺨﺼﻢ اﻟﻠﺪود ﻟﻠﺪﻋﻮة اﻟﺠﺪﯾﺪة و ﺑﯿﻦ ﻣﺮﺷﺢ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﻟﺨﻼﻓﺘﮫ و‬

‫ﺣﺴﺐ اﻹﯾﻤﺎن اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬أي اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻲ ‪ ،‬ھﺬا اﻻﻧﻘﻼب ﺳﻤﺢ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻃﻤﻊ ﺑﺎﻟﺤﻜﻢ أن ﯾﺴﺘﻮﻟﻲ ﻋﻠﯿﮫ‬

‫ﻋﺒﺮ اﻻﻧﻘﻼب ‪ ،‬إن اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﻇﮭﺮت ﻓﻲ ﺻﺪر اﻹﺳﻼم ﻻ ﺗﺰال ﻛﻤﺎ ھﻲ إﻟﻰ اﻵن ‪ ،‬و ھﻲ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ‬

‫ﻧﻔﺴﮭﺎ اﻟﺘﻲ ﻧﻌﺎﻧﯿﮭﺎ ‪ ،‬ﻓﻜﺎن اﻟﺼﺮاع اﻟﺤﻘﯿﻘﻲ اﻟﺪاﺋﺮ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ھﻮ ﺻﺮاع ﻣﻔﮭﻮﻣﯿﻦ‬

‫ﻣﺘﺼﺎرﻋﯿﻦ ‪ ،‬اﻟﻤﻔﮭﻮم اﻷول اﻟﺬي ﺣﻤﻠﺘﮫ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ھﻮ أﻧﮫ ﯾﺠﺐ أن ﯾﺤﻜﻢ "اﻷﻓﻀﻞ" و‬

‫"اﻷﺻﻠﺢ" و إن ﻟﻢ ﯾﻜﻦ "اﻷﻗﻮى" ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﻤﻔﮭﻮم اﻵﺧﺮ "اﻟﺴﻨﻲ" ﯾﻘﻮل ﺑﺄﻧﮫ ﯾﺠﺐ أن ﯾﺤﻜﻢ‬

‫"اﻷﻗﻮى" ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎن "ﻇﺎﻟﻤﺎ و ﻣﺠﺮﻣﺎ"!! ‪.‬‬

‫إن ھﺬا اﻟﺼﺮاع ﻻ ﯾﺰال ﻣﻮﺟﻮدا ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻟﯿﺲ ﺑﮭﺬا اﻟﻮﺿﻮح اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ‪ ،‬ﻷن ﻛﺜﯿﺮا ﻣﻦ اﻟﻘﻄﺎﻋﺎت اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ‬

‫ﺗﺸﻮھﺖ ﺛﻘﺎﻓﺘﮭﺎ ﺑﻔﻌﻞ اﻟﺘﺮاﻛﻢ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ و اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ و ﺟﻮاﻧﺐ أﺧﺮى ﯾﺼﻌﺐ ﺗﻌﺪادھﺎ اﻵن ‪،‬‬

‫و ﻣﻦ أﺑﺮز ھﺬه اﻟﺘﺸﻮھﺎت ھﻮ ﻣﺎ ﯾﺴﻤﻰ ﺑﺘﯿﺎر "ﺣـــﺰب اﷲ" و وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ "اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﺨﻤﯿﻨﯿﺔ" اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﻨﺴﺠﻢ ﻣﻊ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ "اﻟﺴﻨﯿﺔ" ﻓﻲ اﻟﺤﻜﻢ ‪ ،‬أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻟﺘﺸﯿﻊ ‪ ،‬و ھﻲ ﺗﺸﺒﮫ ﻧﻈﺮﯾﺔ "اﻟﺨﻼﻓﺔ" أﻛﺜﺮ ﻣﻦ أي‬

‫ﻧﻈﺮﯾﺔ أﺧﺮى ‪.‬‬

‫إن ﻣﻌﺎﻟﻢ اﻟﺘﺸﯿﻊ أﺻﺒﺤﺖ أﻛﺜﺮ وﺿﻮﺣﺎ ﻣﻨﺬ اﻏﺘﯿﺎل ﻋﻠﻲ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ و ﻗﯿﺎم ﺣﻜﻢ ﺑﻨﻲ أﻣﯿﺔ اﻟﺬﯾﻦ ﻛﺎن‬

‫ﺷﻌﺎرھﻢ ھﻮ ﺳﺐ و ﻟﻌﻦ "ﻋﻠﻲ" و ﻛﺎﻧﻮا ﯾﺸﻨﻮن اﻟﺤﻤﻠﺔ ﺗﻠﻮ اﻷﺧﺮى ﻟﻘﺘﻞ و اﺿﻄﮭﺎد أﻧﺼﺎر ﻋﻠﻲ ﺑﻦ‬

‫أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ و اﻟﺘﻲ ﺑﺪأت ﺑﺸﻜﻞ ﻋﻔﻮي ﻓﻲ ﻋﮭﺪ اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ ﻋﺜﻤﺎن و أﺻﺒﺤﺖ ﻣﻨﻈﻤﺔ و ﻣﻘﺼﻮدة أﯾﺎم ﻣﻌﺎوﯾﺔ‬

‫ﺑﻦ أﺑﻲ ﺳﻔﯿﺎن اﻟﺬي اﺳﺘﺨﺪم أﺳﺎﻟﯿﺐ وﺣﺸﯿﺔ ﻣﺜﻞ ﻗﻄﻊ اﻷﻃﺮاف و اﻟﺼﻠﺐ و ﻗﻠﻊ اﻷﻋﯿﻦ و اﻟﻤﻮت‬

‫اﻟﺒﻄﻲء ﻋﺒﺮ اﻟﻌﻄﺶ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﯾﻜﻔﻲ أن ﯾﻘﺘﻞ أي ﺷﺨﺺ ﻟﻤﺠﺮد اﺗﮭﺎﻣﮫ ﺑﺄﻧﮫ ﻣﻦ أﻧﺼﺎر ﻋﻠﻲ و آﻟﮫ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ‬

‫أن ﻓﺘﺮة اﻻﺿﻄﮭﺎد اﻟﻄﻮﯾﻠﺔ و اﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﺗﺨﻒ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﯿﻌﺔ إﻻ ﻓﻲ ﻓﺘﺮات ﻣﺘﻘﻄﻌﺔ ﻣﻦ اﻟﻘﺮﻧﯿﻦ اﻟﺘﺎﺳﻊ و‬
‫‪5‬‬

‫اﻟﻌﺎﺷﺮ اﻟﻤﯿﻼدﯾﯿﻦ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻗﺎﻣﺖ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ دول ﺷﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ ﻻ ﯾﺨﻔﻰ ﻋﻠﻰ دارس اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻹﺳﻼﻣﻲ أن‬

‫أﺣﻮال اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻛﺎﻧﺖ أﻓﻀﻞ ﻧﺴﺒﯿﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﺼﺮ اﻟﻌﺒﺎﺳﻲ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﻋﻮدة إﻟﻰ اﻟﻌﺼﺮ اﻷﻣﻮي ﻧﻘﻮل ‪ ،‬أن‬

‫ﺑﻨﻲ أﻣﯿﺔ ﻟﻢ ﯾﻜﻮﻧﻮا ﻋﻠﻰ اﺧﺘﻼف ﻣﻊ آل ﻋﻠﻲ ﻟﻤﺠﺮد اﻟﺘﺼﺎرع ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ ﻛﺎن اﻟﺨﻼف أﻋﻤﻖ‬

‫ﻣﻦ ذﻟﻚ ﺑﻜﺜﯿﺮ ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﻓﺴﺮ اﻷﻣﻮﯾﻮن "اﻹﺳﻼم" ﻋﻠﻰ أﻧﮫ دﯾﻦ ﺧﺎص "ﻟﻠﻌﺮب" و أن ھﺪف اﻟﺪﯾﻦ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ ھﻮ ﻓﻘﻂ "إرﻛﺎع اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻟﻠﻌﺮب" و رﺑﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ اﻟﺜﺎﻧﻲ "ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎب" أول ﻣﻦ روج‬

‫ﻟﮭﺬا اﻟﻤﻌﺘﻘﺪ ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻧﺠﺪ أن ﻏﯿﺮ اﻟﻌﺮب ﻛﺎﻧﻮا أﺳﺮع اﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻠﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻣﻦ اﻟﻌﺮب أﻧﻔﺴﮭﻢ ‪،‬‬

‫رﻏﻢ أن ﻣﮭﺪ اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻛﺎن ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﻓﻲ اﻟﻜﻮﻓﺔ و ﻛﺮﺑﻼء و اﻟﺒﺼﺮة و ﺟﻨﻮب اﻟﻌﺮاق ﻋﻤﻮﻣﺎ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ‬

‫أن ھﻨﺎك وﺟﻮدا ﺷﯿﻌﯿﺎ ﻓﻲ ﺷﺮق اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و ﻟﺒﻨﺎن ‪ ،‬إن اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﯾﻤﯿﻞ إﻟﻰ اﻟﻤﺴﺎواة ﺑﯿﻦ‬

‫ﻣﺨﺘﻠﻒ اﻻﻧﺘﻤﺎءات اﻟﻌﺮﻗﯿﺔ و اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﺬاھﺐ اﻷﺧﺮى ‪ ،‬رﻏﻢ أن أﻛﺜﺮﯾﺔ اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺎت اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ‬

‫ﺗﺘﺒﻨﻰ اﻟﻤﻨﮭﺞ "اﻟﻘﻮﻣﻲ اﻟﻌﺮﺑﻲ" و رﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﻟﻌﻘﺪة اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﻨﻘﺺ دور ﻓﻲ ذﻟﻚ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮭﻢ ﺗﺨﻠﻮا‬

‫ﻋﻦ أﺳﺎﺳﯿﺎت اﻟﻤﺬھﺐ ﺑﻔﻌﻞ اﻟﺘﺄﺛﯿﺮ اﻹﻗﻠﯿﻤﻲ‪.‬‬

‫و أوﺟﺪ اﻧﻌﺰال اﻷﺋﻤﺔ ﻋﻦ اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬اﺑﺘﺪاء ﻣﻦ اﻟﺤﺴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ و اﻧﺘﮭﺎء ﺑﺎﻟﺤﺴﻦ اﻟﻌﺴﻜﺮي ـ واﻟﺪ اﻹﻣﺎم‬

‫اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ اﻟﻐﺎﺋﺐ ـ أدى ھﺬا اﻷﻣﺮ إﻟﻰ ﺗﻮﺟﯿﮫ اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻧﺤﻮ اﻟﺘﻐﻠﻐﻞ أﻛﺜﺮ ﻓﺄﻛﺜﺮ ﺑﯿﻦ اﻟﻄﺒﻘﺎت اﻟﻔﻘﯿﺮة‬

‫اﻟﻤﺴﺤﻮﻗﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﺴﻠﻄﺔ و اﻟﻄﺒﻘﺎت اﻟﻤﺘﺮﻓﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻻ ﯾﺤﺘﺎج اﻟﺒﺎﺣﺚ إﻟﻰ ﻛﺜﯿﺮ ﺗﻌﻤﻖ‬

‫ﻟﯿﻜﺘﺸﻒ أن اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﻌﻜﺲ ﺗﻠﻚ اﻟﺴﻨﯿﺔ ‪ ،‬ﺗﻤﯿﻞ أﻛﺜﺮ ﻧﺤﻮ اﻟﺒﺴﺎﻃﺔ و أن رﺟﻞ اﻟﺪﯾﻦ اﻟﺸﯿﻌﻲ‬

‫ﻛﻠﻤﺎ ﻛﺎن أزھﺪ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة و ﻣﻠﺬاﺗﮭﺎ و ﺗﺮﻓﮭﺎ و ﻛﻠﻤﺎ اﺑﺘﻌﺪ ﻋﻦ اﻟﺤﺎﻛﻢ و اﻟﺴﻠﻄﺎن ﻛﺎن أﻛﺜﺮ ﻗﺒﻮﻻ و‬

‫ﺷﻌﺒﯿﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﻨﺎس ‪ ،‬ﺑﻌﻜﺲ اﻟﺴﻨﻲ اﻟﺬي ﯾﺰداد ﺣﻈﻮة ﻛﻠﻤﺎ اﻟﺘﺼﻖ ﺑﺎﻟﺤﺎﻛﻢ و اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬و ﻧﺠﺪ أن اﻟﺘﺸﯿﻊ‬

‫و ﺑﻤﺮور اﻟﺰﻣﻦ ﻟﻢ ﯾﻨﺠﻮ ‪ ،‬ﻛﺄي دﯾﻦ أو ﻣﺬھﺐ ‪ ،‬ﻣﻦ أن ﺗﺘﻐﻠﻐﻞ إﻟﯿﮫ اﻟﺨﺮاﻓﺎت و اﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺎت اﻟﻌﻘﺎﺋﺪﯾﺔ‬

‫ﻓﯿﻤﺎ ﯾﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻨﺒﻲ و اﻟﺰھﺮاء و اﻷﺋﻤﺔ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﯾﺒﻘﻰ اﻟﺘﺸﯿﻊ رﻏﻢ اﻟﺘﺮاﻛﻤﺎت ﺳﮭﻞ اﻹﺻﻼح ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ‬

‫و أن ﻟﻠﻌﻘﻞ دورا أﻛﺒﺮ ﻓﻲ اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﻋﻠﻰ ﻋﻜﺲ اﻟﻤﺬاھﺐ اﻷﺧﺮى اﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜﻚ ﻓﻲ ﻗﯿﻤﺔ اﻟﻌﻘﻞ ﻻ‬

‫ﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ "اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ" أو "اﻟﺤﻜﻤﺔ" ﺑﻞ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ ﺗﻌﻄﯿﻞ دور اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ ردع "اﻟﺤﺎﻛﻢ" و "اﻟﺴﻠﻄﺔ" ‪.‬‬

‫ﻟﻢ ﺗﺘﻮﻗﻒ اﻟﻌﺰﻟﺔ ﻋﻠﻰ اﻷﺋﻤﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ اﻣﺘﺪت إﻟﻰ اﻟﻤﺮاﺟﻊ اﻟﺪﯾﻨﯿﯿﻦ و اﻟﻨﻘﺒﺎء و اﻷﺷﺮاف اﻟﻌﻠﻮﯾﯿﻦ ‪ ،‬و ﻻ‬

‫زاﻟﺖ ﻋﺰﻟﺔ آﯾﺔ اﷲ اﻟﺴﯿﺴﺘﺎﻧﻲ و ﻗﺒﻠﮫ أﺑﻮ اﻟﻘﺎﺳﻢ اﻟﺨﻮﺋﻲ و ﻣﺮاﺟﻊ آﺧﺮﯾﻦ ﺷﺒﯿﮭﺔ ﺑﺘﻠﻚ اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘﻲ‬

‫أﺧﺬت ﺗﻨﺘﮭﻲ ﻣﻨﺬ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ ‪ ،‬و إن ﻛﺎﻧﺖ ھﺬه اﻟﻨﮭﺎﯾﺔ إﻋﻼﻧﺎ ﻟﻈﺎھﺮة ﺳﻠﺒﯿﺔ أﺧﺮى ھﻲ "ﺣﻜﻢ‬

‫اﻟﻔﻘﯿﮫ" أو "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ـ ﻧﻈﺮﯾﺔ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ اﻟﺘﻲ ﺳﻨﻨﺎﻗﺸﮭﺎ ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺒﺤﺚ ـ ﻓﻘﺪ ﻛﺎن اﻟﺸﯿﻌﺔ‬

‫ﯾﻨﻈﺮون إﻟﻰ اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺪوام ‪ ،‬ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﺪول اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ ﻋﺪو ﯾﺠﺐ اﻟﺤﺬر ﻣﻨﮫ ‪ ،‬و‬

‫اﻟﻨﺼﻮص اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﻛﺄﺻﻮل اﻟﻜﺎﻓﻲ ﻟﻠﻜﻠﯿﻨﻲ و ﻣﻦ ﻻ ﯾﺤﻀﺮ اﻟﻔﻘﯿﮫ و ‪ ..‬ﻏﯿﺮھﺎ ﻣﻦ ﻛﺘﺐ اﻟﺤﺪﯾﺚ‬

‫اﻟﻤﻨﻘﻮﻟﺔ ﻋﻦ اﻷﺋﻤﺔ و اﻟﻨﺒﻲ ‪ ،‬ﻛﻠﮭﺎ أو أﻏﻠﺒﮭﺎ ﯾﺤﺬر ﻣﻦ إﺗﺒﺎع ھﻮى اﻟﺴﻠﻄﺎن و اﻟﺤﺎﻛﻢ ‪.‬‬

‫و اﻟﻤﻼﺣﻆ أن اﻟﺤﻀﺎرة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﯿﺶ أوج ﺣﺎﻻت اﻹﺑﺪاع و ﺧﻠﻖ اﻟﻘﯿﻢ اﻟﺤﻀﺎرﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﺘﺮة‬

‫اﻟﻤﻤﺘﺪة ﻣﻦ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻣﻦ اﻟﻤﯿﻼدي و ﺣﺘﻰ اﻟﻘﺮن اﻟﺤﺎدي ﻋﺸﺮ ‪ ،‬و ھﻲ اﻟﻔﺘﺮة اﻟﺘﻲ ﺳﺎدت ﻓﯿﮫ دول‬

‫ﺷﯿﻌﯿﺔ ‪" ،‬اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺒﻮﯾﮭﯿﺔ" ﻓﻲ إﯾﺮان و اﻟﻌﺮاق و "اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺤﻤﺪاﻧﯿﺔ" ﻓﻲ اﻟﻤﻮﺻﻞ و ﺷﻤﺎل اﻟﻌﺮاق و‬

‫"اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻔﺎﻃﻤﯿﺔ" ﻓﻲ ﻣﺼﺮ و ﺷﻤــﺎل أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ ‪" ،‬اﻟﺪوﻟﺔ اﻹدرﯾﺴﯿﺔ" ﻓﻲ ﺷﻤﺎل أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ ‪ ،‬و ھﺬا ﻃﺒﯿﻌﻲ‬

‫ﻓﻲ ﻇﻞ إﯾﻤﺎن اﻟﺸﯿﻌﻲ أن ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻘﻞ أن ﯾﻘﺮر ﻣﺎ ھﻮ ﺣﻖ و ﺑﺎﻃﻞ و أن اﻟﻌﻘﻞ ﻣﻘﺪس إﺿﺎﻓﻲ ﻟﻠﻮﺣﻲ ‪،‬‬

‫ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﺴﻨﻲ ـ ﺣﺎﻟﮫ ﺣﺎل اﻟﺨﺎرﺟﻲ ـ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻮﺣﻲ ﻓﻘﻂ و إن ﺗﻨﺎﻗﺾ ﻛﻠﯿﺎ ﻣﻊ اﻟﻌﻘﻞ و اﻟﻮاﻗﻊ ‪ ،‬ﻓﻨﺠﺪ‬

‫أﺷﺨﺎﺻﺎ ﻣﺜﻞ أﺑﻮ اﻟﻌﻼء اﻟﻤﻌﺮّي و اﻟﻐﺰاﻟﻲ ـ ﻓﻠﻮ ﻻ اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻟﻤﺎ ﻛﺎن ﻟﮭﺬا اﻟﻔﯿﻠﺴﻮف اﻟﺴﻨﻲ وﺟﻮد ـ و‬

‫اﻟﻔﺎراﺑﻲ و ﺑﻦ ﺳﯿﻨﺎ و اﺑﻦ اﻟﮭﯿﺜﻢ و اﺑﻦ رﺷﺪ و اﺑﻦ ﺧﻠﺪون ))راﺟﻊ ﻛﺘﺎب ـ ﻣﻨﻄﻖ ﺑﻦ ﺧﻠﺪون ـ ﻟﻠﺪﻛﺘﻮر‬

‫اﻟﻤﺮﺣﻮم ﻋﻠﻲ اﻟﻮردي(( ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﺸﯿﻌﺔ أﻧﺘﺠﻮا ﻓﯿﻠﺴﻮﻓﯿﻦ ﻛﺒﯿﺮﯾﻦ ھﻤﺎ "اﻟﺮازي ـ ﻧﺤﻦ ﻧﻨﺴﺒﮫ إﻟﻰ‬

‫اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻛﻨﺘﺎج ﺣﻀﺎري و إن ﻛﺎن ﻣﺘﮭﻤﺎ ﺑﺎﻹﻟﺤﺎدـ" و "اﻟﻤﻼ ﺻﺪرا" ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ اﻟﺘﺸﯿﻊ أﯾﻀﺎ ﺷﮭﺪ اﻧﻘﺴﺎﻣﺎ‬

‫ﺟﺬرﯾﺎ ﺧﻼل اﻟﻘﺮون اﻟﺘﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬و ﻟﺮﺑﻤﺎ ﻛﺎن ھﺬا اﻻﻧﻘﺴﺎم واﺿﺢ اﻟﻤﻌﺎﻟﻢ إﻟﻰ اﻵن ‪ ،‬و ھﻮ أن اﻟﺘﺸﯿﻊ‬

‫ﯾﺼﻨﻒ اﻵن إﻟﻰ ﻗﺴﻤﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﺎﻷﺻﻮﻟﯿﻮن ـ و ھﻢ اﻟﺬﯾﻦ ﯾﺮﻛّﺰون ﻋﻠﻰ أُﺻﻮل اﻟﺪﯾﻦ و رﻓﺾ اﻟﻨﺼﻮص‬
‫‪6‬‬

‫اﻵﺣﺎدﯾﺔ ﻏﯿﺮ اﻟﻤﺆﻛﺪة ـ ھﻢ اﻵن ﯾﻤﺜﻠﻮن ﻏﺎﻟﺒﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﺔ ‪ ،‬ﯾﻤﯿﻠﻮن إﻟﻰ اﻟﻤﻼﺋﻤﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﻨﺺ و اﻟﻮاﻗﻊ و أن‬

‫ھﻨﺎك ﺟﺎﻧﺒﺎ ﻣﮭﻤﺎ ﯾﺠﺐ أن ﯾﻠﺘﻔﺖ إﻟﯿﮫ اﻟﻤﺠﺘﮭﺪ و اﻟﺒﺎﺣﺚ ‪ ،‬ھﻮ أن ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺺ أن ﯾﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﻮاﻗﻊ دون‬

‫إﻏﻔﺎل ﺟﺎﻧﺐ اﻟﺘﻐﯿّﺮ ﻓﯿﮫ و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ إﯾﺠﺎد ﻓﻠﺴﻔﺔ واﻗﻌﯿﺔ اﺳﻤﮭﺎ "اﻟﺘﺄوﯾﻞ" ‪ ،‬و ﻟﺮﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺠﺘﮭﺪ أن‬

‫ﯾﻼﺋﻢ اﻟﻨﺺ ﻣﻊ اﻟﻮاﻗﻊ ﻻ اﻟﻮاﻗﻊ ﻣﻊ اﻟﻨﺺ ‪ ،‬ﻓﻤﻦ اﻟﺴﮭﻞ إﯾﺠﺎد ﺣﻞ "ﻓﻘﮭﻲ" ﻟﻜﻞ ﻣُﺴﺘﺠﺪ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ أن‬

‫ﯾُﺮﻓﺾ اﻟﻮاﻗﻊ ﺑﺤﺠﺔ ﻋﺪم ﻣﻼﺋﻤﺘﮫ ﻣﻊ اﻟﻨﺺ ﻓﮭﻮ أﻣﺮ ﺳﻠﺒﻲ و ﻓﻘﮫ ﻣﻘﻠﻮب ‪.‬‬

‫أﻣﺎ اﻟﻄﺮف اﻵﺧﺮ أو اﻟﻘﺴﻢ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﮭﻢ "اﻹﺧﺒﺎرﯾّﻮن" اﻟﺬﯾﻦ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﻧﻘﻮل ﻋﻨﮭﻢ أﻧﮭﻢ أﺷﺒﮫ ﺑﺎﻟﺴﻨﺔ‬

‫ﻣﻨﮭﻢ ﺑﺎﻟﺸﯿﻌﺔ ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﻮا ﯾﺆﻣﻨﻮن أن ﻋﻠﻰ رﺟﻞ اﻟﺪﯾﻦ أن ﯾﺘﺤﺮى ﻓﻲ ﺑﺤﺜﮫ ﻣﺮاﻋﺎة "اﻟﻨﺼﻮص" و‬

‫"اﻟﺮواﯾﺎت" اﻟﻤﻨﻘﻮﻟﺔ ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ و اﻷﺋﻤﺔ ‪ ،‬و أن ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺠﺘﮭﺪ اﻟﻌﻤﻞ ﺑﺎﻟﻨﺺ ﺑﻤﺠﺮد أن ﯾﺸﺘﺒﮫ ﺑﺼﺤﺔ‬

‫وروده ﻋﻦ اﻟﻤﻌﺼﻮم ‪ ،‬ﻣﮭﻤﺎ ﻛﺎن ھﺬا اﻟﻨﺺ ﻏﯿﺮ واﻗﻌﻲ و ﻣﺸﻜﻮك اﻟﺼﺪور ﻋﻦ اﻟﻤﻌﺼﻮم ‪.‬‬

‫و ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﻮم ﺑﻤﻘﺎرﻧﺔ ﺑﺴﯿﻄﺔ ﺑﯿﻦ ﻛﺘﺐ اﻟﻔﺮﯾﻘﯿﻦ ‪ ،‬ﻧﺠﺪ أن ﻛﺘﺐ اﻷﺻﻮﻟﯿﯿﻦ أﻛﺜﺮ ﻗﺮﺑﺎ ﺑﺎﻟﻮاﻗﻊ و أﺳﮭﻞ‬

‫ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ ‪ ،‬أﻣﺎ اﻹﺧﺒﺎرﯾﻮن ﻓﻘﺪ اﺳﺘﻤﺮوا ﺑﺸﺤﻦ ﻛﺘﺒﮭﻢ ﺑﺎﻷﺣﺎدﯾﺚ و اﻟﺮواﯾﺎت إﻟﻰ ﺣﺪ أﺻﺒﺢ‬

‫ﻟﻠﻘﺼﺺ اﻟﺸﻌﺒﻲ أﯾﻀﺎ ﻣﻜﺎن ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻜﺘﺐ ‪ ،‬ﻓﺘﺠﺪ ﻓﯿﮭﺎ رواﯾﺎت و أﺣﺎدﯾﺚ ﯾﺨﺎل ﻟﻚ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﮭﺎ و ﻛﺄن‬

‫اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ و اﻟﻤﻸ اﻷﻋﻠﻰ و اﻟﺠﻦ ﻟﯿﺲ ﻟﮭﻢ ﺷﻐﻞ ﻏﯿﺮ ﺧﻄﺒﺔ "ﻓﻼﻧﺔ" ﻟﻺﻣﺎم اﻟﻔﻼﻧﻲ أو اﻻﺳﺘﺒﺸﺎر و‬

‫اﻻﺣﺘﻔﺎل ﺑﻤﻮﻟﺪ اﻹﻣﺎم اﻟﻔﻼﻧﻲ ‪ ،‬أﻧﺎ ﻻ أﻧﻜﺮ أن اﻟﺪﯾﻦ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ أﻣﺜﺎل ھﺬه اﻷﺷﯿﺎء ‪ ،‬ﻣﺜﻞ ﻣﺠﻲء‬

‫اﻟﻤﺠﻮس اﻟﺜﻼث ﺑﺤﺜﺎ ﻋﻦ ﻣﻮﻟﻮد اﺳﻤﮫ اﻟﻤﺴﯿﺢ ـ ﻛﻤﺎ ﺗﻨﻘﻞ ﻟﻨﺎ ﻛﺘﺐ اﻟﻌﮭﺪ اﻟﺠﺪﯾﺪ ـ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن‬

‫ھﻨﺎك ﻧﻮﻋﺎ ﻣﻦ اﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺔ ﺟﺮى ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺠﺎﻧﺐ ‪ ،‬إن ﻟﻢ ﺗﻜﻦ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻗﺮﯾﺒﺔ ﻣﻦ ﺧﺮاﻓﺔ اﻟﻌﺸﺮة اﻟﻤﺒﺸﺮﯾﻦ‬

‫ﺑﺎﻟﺠﻨﺔ أو أﺳﻄﻮرة اﻟﺨﻠﻔﺎء اﻟﺮاﺷﺪﯾﻦ ‪.‬‬

‫اﻟﻨﻘﻄﺔ اﻟﻤﮭﻤﺔ اﻷﺧﺮى اﻟﺘﻲ اﺗﺴﻢ ﺑﮭﺎ اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﺑﺪءا ﻣﻦ اﻟﺪوﻟﺔ اﻷﻣﻮﯾﺔ و اﻧﺘﮭﺎء ﺑﻘﯿﺎم اﻟﺪوﻟﺔ‬

‫اﻟﺼﻔﻮﯾﺔ ـ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺑﺪاﯾﺔ ﺧﺮوج اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻣﻦ ﻋﺰﻟﺘﮫ ـ ھﺬه اﻟﻔﺘﺮة ﺗﺘﻤﯿﺰ ﺑﻨﻤﻮ اﻟﺘﻨﻈﯿﻤﺎت اﻟﺴﺮﯾﺔ ‪ ،‬و‬

‫ھﻲ ﺣﺎل ﻛﻞ اﻷدﯾﺎن و اﻵﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺎت اﻟﻮاﻗﻌﺔ ﺗﺤﺖ اﻻﺿﻄﮭﺎد أو ﺧﻄﺮ اﻹﺑﺎدة ‪ ،‬ﻛﺎﻟﺪﯾﻦ اﻟﯿﮭﻮدي ﻣﺜﻼ‬

‫‪ ،‬و ﻷن اﻟﺘﺸﯿﻊ ﺗﻨﻮع ﺑﯿﻦ "اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﺠﻌﻔﺮي اﻟﺬي ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺎﺛﻨﻲ ﻋﺸﺮ إﻣﺎﻣﺎ و ھﻢ أﻏﻠﺒﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ‬

‫اﻟﻌﺎﻟﻢ" و "اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﻔﺎﻃﻤﻲ اﻹﺳﻤﺎﻋﯿﻠﻲ اﻟﺬي ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺎﻷﺋﻤﺔ اﻟﺴﺒﻌﺔ و ھﻢ اﻷﻗﻠﯿﺔ" و "اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﻌﺎﻃﻔﻲ ـ‬

‫و ھﻢ اؤﻟﺌﻚ اﻟﺬﯾﻦ ﯾﻨﺘﻤﻮن إﻟﻰ ﻣﺬاھﺐ أﺧﺮى و ﻟﻜﻨﮭﻢ ﯾﺘﻌﺎﻃﻔﻮن ﻓﻜﺮﯾﺎ ﻣﻊ اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻲ و أﺑﻨﺎءه‬

‫اﻟﻤﻀﻄﮭﺪﯾﻦ" ‪ ،‬ھﺬه اﻟﺘﻨﻮﻋﺎت ﺟﻌﻠﺖ ﻟﻠﺘﻨﻈﯿﻢ اﻟﺴﺮي اﻟﺸﯿﻌﻲ ﯾﻤﺘﺎز ﺑﺄﺻﻨﺎف ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺘﻨﻈﯿﻢ اﻟﺴﺮي‬

‫"اﻻﺛﻨﻰ ﻋﺸﺮي" ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ذﻟﻚ "اﻹﺳﻤﺎﻋﯿﻠﻲ" و ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﯿﺮ ‪ ،‬و ﻛﺎن اﻟﺘﻨﻈﯿﻢ اﻹﺳﻤﺎﻋﯿﻠﻲ ﯾﺘﺴﻢ‬

‫ﺑﺎﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻮاﺟﮭﺔ اﻟﻌﺴﻜﺮﯾﺔ ﻛﺘﻨﻈﯿﻤﺎت ﻗﺎدرة ﻋﻠﻰ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﻌﻤﻠﯿﺎت اﻏﺘﯿﺎل ﻟﻠﺸﺨﺼﯿﺎت اﻟﻤﻌﺎدﯾﺔ ‪،‬‬

‫ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﺘﻨﻈﯿﻢ اﻻﺛﻨﻰ ﻋﺸﺮي ﯾﻘﻮم ﻓﻘﻂ ﺑﺤﺸﺪ اﻷﻧﺼﺎر و ﺗﺜﻘﯿﻔﮭﻢ و ﺗﮭﯿﺌﺔ ﺧﻠﻖ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﻐﯿﯿﺮ ‪،‬‬

‫و ﺣﺘﻰ اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﻮن ـ اﻟﺬﯾﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﺷﯿﻌﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﺪاﯾﺔ ﺛﻢ ﻗﺮروا اﻋﺘﻨﺎق اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺴﻨﻲ ﻟﻜﻮﻧﮫ أﺻﻠﺢ ﻟﺒﻘﺎﺋﮭﻢ‬

‫ﻓﻲ اﻟﺴﻠﻄﺔ ـ اﺳﺘﻔﺎدوا ﻣﻦ ﺧﺒﺮة اﻟﺸﯿﻌﺔ و ﻧﺠﺤﻮا ﺑﻔﻀﻠﮭﻢ ﻓﻲ اﻹﻃﺎﺣﺔ ﺑﺎﻟﺤﻜﻢ اﻷﻣﻮي ‪ ،‬و ﯾﻌﺰو ﺑﻌﺾ‬

‫اﻟﻤﺆرﺧﯿﻦ ﻗﯿﺎم اﻟﻤﻨﺼﻮر اﻟﺪواﻧﯿﻘﻲ ‪ ،‬اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ اﻟﻌﺒﺎﺳﻲ اﻟﺜﺎﻧﻲ ‪ ،‬ﺑﻘﺘﻞ ﻛﻞ ﻣﻦ أﺑﻲ ﻣﺴﻠﻢ اﻟﺨﺮاﺳﺎﻧﻲ و أﺑﻲ‬

‫ﺳﻠﻤﺔ اﻟﺨﻼل ‪ ،‬إﻟﻰ أﻧﮭﻤﺎ ﻛﺎﻧﺎ ﯾﺆﻣﻨﺎن ﺑﺎﻟﻮﻻء ﻵل ﻋﻠﻲ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ آل اﻟﻌﺒﺎس ‪ ،‬و ﺑﻤﺠﺮد أن ﺳﻘﻂ ﺑﻨﻮ أﻣﯿﺔ‬

‫ﻋﻦ اﻟﺤﻜﻢ ‪ ،‬ﺗﺤﻮل اﻻﺿﻄﮭﺎد ﻣﻦ اﻷﻣﻮﯾﯿﻦ إﻟﻰ اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ و ﺑﻤﺮور اﻟﺰﻣﻦ أﺻﺒﺢ‬

‫ﻟﻠﺸﯿﻌﺔ ﺣﺎل أﻓﻀﻞ ﻣﻦ اﻟﻌﮭﺪ اﻷﻣﻮي ﺑﻔﻀﻞ ﺑﻌﺾ اﻟﺨﻠﻔﺎء اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﯿﻦ ﻣﻤﻦ ﻛﺎدوا ﯾﻌﺘﻨﻘﻮن اﻟﺘﺸﯿﻊ ‪،‬‬

‫ﻛﺎﻟﻤﺄﻣﻮن اﻟﺬي ﻛﺎد ﯾﺴﻠﻢ اﻟﺤﻜﻢ ﻵل ﻋﻠﻲ ﻟﻮ ﻻ أﺳﺒﺎب ﻛﺜﯿﺮة ﯾﻄﻮل ﺷﺮﺣﮭﺎ ‪ ،‬و أﻋﺘﻘﺪ أن اﻟﻤﺄﻣﻮن ـ و‬

‫ھﻮ ﯾﻜﺎد ﯾﻜﻮن اﻟﻔﯿﻠﺴﻮف اﻟﻮﺣﯿﺪ ﻣﻦ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﻠﻔﺎء ـ ﻇـُــﻠﻢ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﺣﯿﻨﻤﺎ اﺗﮭﻤﻮه ﺑﺄﻧﮫ وﺿﻊ اﻟﺴﱡﻢّ‬

‫ﻟﻺﻣﺎم اﻟﺮﺿﺎ "اﻹﻣﺎم اﻟﺜﺎﻣﻦ ﻟﺪى اﻹﺛﻨﻲ ﻋﺸﺮﯾﺔ" ﻟﻜﻲ ﻻ ﯾﺨﻠﻔﮫ ﻓﻲ اﻟﺤﻜﻢ و أﻇﻦ أن اﻟﻤﺄﻣﻮن ﻛﺎن‬

‫ُﻌﺘﺰﻟﺔ و ھﻢ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ اﻷﻗﺮب ﻟﻠﺸﯿﻌﺔ ‪.‬‬


‫ﺷﯿﻌﯿﺎ ﺟﺎدّا ﺧﺼﻮﺻﺎ إذا ﻧﻈﺮﻧﺎ إﻟﻰ ﺗﻘﺮﯾﺒﮫ ﻟﻠﻤـ‬

‫اﻟﺘﺸﯿّــﻊ و اﻟﻔـــﺘﺢ اﻟﻤـــﻐﻮﻟﻲ‬


‫‪7‬‬

‫أدى اﻟﺼﺮاع اﻟﻌﺒﺎﺳﻲ ﻣﻊ اﻟﺪول اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬اﻟﺒﻮﯾﮭﯿﻮن ﻓﻲ اﻟﺸﺮق و اﻟﻔﺎﻃﻤﯿﻮن ﻓﻲ اﻟﻐﺮب و اﻟﺤﻤﺪاﻧﯿﻮن‬

‫ﻓﻲ اﻟﺸﻤﺎل و اﻟﻘﺮاﻣﻄﺔ ﻓﻲ اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ‪ ،‬و ھﻢ ﯾﺘﺒﻌﻮن اﻟﻤﺬھﺐ اﻹﺳﻤﺎﻋﯿﻠﻲ ‪ ،‬أدى ھﺬا اﻟﺼﺮاع‬

‫إﻟﻰ ﺗﻮﺗﺮ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﺔ و اﻟﺸﯿﻌﺔ و ﻋﻮدة ﻋﮭﻮد اﻻﺿﻄﮭﺎد ‪ ،‬و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺴﻠﻄﺔ "اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﺔ"‬

‫ذات اﻟﻄﺎﺑﻊ اﻟﻤﺬھﺒﻲ اﻟﺴﻨﻲ ‪ ،‬ﺗﺘﺤﯿﺰ ﺿﺪ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻋﻨﺪ ﻧﺸﻮب ﻓﺘﻨﺔ أو ﺣﺪوث ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻣﺬھﺒﯿﺔ ‪ ،‬و ﻗﺪ‬

‫ﺷﮭﺪت ﺑﻐﺪاد ﺑﻌﻀﺎ ﻣﻦ ھﺬه اﻟﻔﺘﻦ و اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﺤﻮل إﻟﻰ ﻣﺎ ﯾﺸﺒﮫ اﻟﻤﺬاﺑﺢ ‪.‬‬

‫إن ﻣﻦ ﯾﻈﻦ أن ﻋﮭﻮد اﻟﻈﻼم ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ﺑﺪأت ﻣﻊ اﻟﻔﺘﺢ اﻟﻤﻐﻮﻟﻲ ‪ ،‬ﯾﺨﻄﺊ ﺣﺘﻤﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻷﺣﺪاث اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ‬

‫اﻟﺘﻲ ﺷﮭﺪھﺎ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺧﻼل اﻟﻘﺮن اﻟﺨﺎﻣﺲ و اﻟﺴﺎدس اﻟﮭﺠﺮﯾﯿﻦ ـ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ و اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ‬

‫ﻣﯿﻼدﯾﯿﻦ ـ ﺗﺪل ﻋﻠﻰ ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺘﻌﺼﺐ اﻟﺪﯾﻨﻲ و اﻟﻤﺬھﺒﻲ و اﻧﺤﺴﺎر ﺳﯿﻄﺮة "اﻹﺳﻼم اﻟﻌﻘﻠﻲ" اﻟﻤﺘﻤﺜﻞ‬

‫ﺴﻨّﺔ "اﺑﻦ رﺷﺪ ﻣﺜﺎﻻ" ‪ ،‬و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺨﻼﻓﺔ اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﺔ ﺗﻌﯿﺶ ﺣﺎﻟﺔ رھﯿﺒﺔ‬
‫ﻓﻲ اﻟﺸﯿﻌﺔ و اﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ و ﻓﺌﺔ ﻣﻦ اﻟ ﱡ‬

‫ﻣﻦ اﻻﻧﺤﻼل اﻟﺨﻠﻘﻲ و إھﻤﺎل واﺟﺒﺎت اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬و اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﮫ ھﻢّ ﺳﻮى اﻟﺠﻮاري و اﻟﻐﻠﻤﺎن و‬

‫ﻣﻘﺎرﻋﺔ اﻟﺨﻤﺮ و ﻗﻤﻊ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻔﻘﯿﺮ ﻟﻼﺳﺘﻤﺮار ﻓﻲ اﻟﺤﻜﻢ ‪.‬‬

‫ھﻨﺎ و ﻓﻲ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﻘﺮن اﻟﺴﺎﺑﻊ اﻟﮭﺠﺮي ‪ ،‬اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ اﻟﻤﯿﻼدي ‪ ،‬ﻇﮭﺮ ﻓﺎﺗﺢ ھﺰ اﺳﻤﮫ و اﺳﻢ ﺟﯿﻮﺷﮫ‬

‫اﻟﺘﺎرﯾﺦ ‪ ،‬ﻓﻌﻠﻰ اﻟﺮﻗﻌﺔ اﻟﻤﻤﺘﺪة ﻣﻦ ﺷﻤﺎل اﻟﺼﯿﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﺒﺎدﯾﺔ اﻟﻮاﺳﻌﺔ ‪ ،‬اﺳﺘﻄﺎع ﻗﺎﺋﺪ ﻣﻐﻤﻮر اﺳﻤﮫ‬

‫و اﻟﻤﻌﺮوف ﺑﻠﻘﺐ "ﺟﻨﻜﯿﺰﺧﺎن" ‪ ،‬أن ﯾﻮﺣﺪ اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ اﻟﻤﻐﻮﻟﯿﺔ ﻣﻦ "ﻣﻐﻮل" و "‪"TIMU CHIN‬‬

‫"ﺗﺎﺗﺎر" و "ﻧﺎﯾﻤﻦ" و "اﻟﻤﺮﻛﯿﺖ" و ھﺎﺟﻢ اﻟﺪول و اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺎت اﻟﻤﺤﯿﻄﺔ ﺑﮭﻢ ‪ ،‬و ﺧﻼل ﻋﺸﺮﯾﻦ‬

‫ﺳﻨﺔ ﻓﻘﻂ ‪ ،‬أﻧﺸﺄ إﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ ﻣﻤﺘﺪة ﻣﻦ اﻟﻨﺼﻒ اﻟﺸﻤﺎﻟﻲ ﻟﻠﺼﯿﻦ و ﺣﺘﻰ ﺷﻤــﺎل إﯾﺮان و ﺣﺪود أوروﺑﺎ‬

‫اﻟﺸﺮﻗﯿﺔ ‪.‬‬

‫و ﺧﻼل ﺧﻤﺴﯿﻦ ﺳﻨﺔ اﻷﺧﺮى ﺗﻮﺟﮭﺖ أﻧﻈﺎر اﻟﻤﻐﻮل ﻧﺤﻮ ﻣﻨﻄﻘﺔ اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و ﺑﻌﺪ أن‬

‫ﺗﺴﺒﺐ ﺳﻠﻄﺎن "ﺧﻮارزم" ﻓﻲ ﺣﺮب ﻣﻊ اﻟﻤﻐﻮل دﻣﺮت ﻣﻤﻠﻜﺘﮫ و إﻟﻰ اﻷﺑﺪ ‪ ،‬و ﻣﻦ ھﺬه اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ و ﻣﺎ‬

‫ﺑﻌﺪھﺎ ‪ ،‬ﺑﺪأ اﺣﺘﻜﺎك اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺑﺎﻟﻤﻐﻮل ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺿﻤﻨﮭﻢ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻃﺒﻌﺎ ‪ ،‬إن اﻟﺸﯿﻌﺔ اﺗﮭﻤﻮا ﻣﻦ‬

‫ﻗﺒﻞ اﻟﺴﻨﺔ ﺑﺄﻧﮭﻢ ھﻢ ﻣﻦ ﺟﻠﺐ اﻟﻤﻐﻮل و دﻋﺎھﻢ ﻟﺘﺪﻣﯿﺮ اﻟﺨﻼﻓﺔ اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﺔ ‪ ،‬و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أن اﻟﻤﻐﻮل ﻛﺎﻧﻮا‬

‫ﯾﻨﻮون أﺻﻼ أن ﯾﻔﺘﺤﻮا ﺑﻠﺪان اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ ‪ ،‬ﺑﺪون أن ﯾﺪﻋﻮھﻢ أﺣﺪ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﺗﺒﻘﻰ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮل‬

‫‪ :‬أﻧﮫ ﻟﻮ ﻻ اﻟﻔﺘﺢ اﻟﻤـﻐﻮﻟﻲ ﻟﻤﺎ اﺳﺘﻌﺎد اﻟﺸﯿﻌﺔ ﺟﺰءا ﻛﺒﯿﺮا ﻣﻦ ﺣﺮﯾﺘﮭﻢ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن اﻟﻤﻐﻮل ‪،‬‬

‫ﺧﺼﻮﺻﺎ "ﺟﻨﻜﯿﺰﺧﺎن" ‪ ،‬ﻛﺎﻧﻮا ﯾﺆﻣﻨﻮن ﺑﺤﺮﯾﺔ اﻟﻌﺒﺎدة و اﻟﻤﻌﺘﻘﺪ ‪ ،‬و ھﻮ أﻣﺮ ﻟﻢ ﯾﻌﺘﺪه اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ‬

‫إﻻ ﻣﻦ اﺳﺘﺜﻨﺎءات ﻧﺎدرة ـ و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻛﺎن ﺣﻖ إﻋﻼن اﻟﺪﯾﻦ و اﻟﻌﻘﯿﺪة ﻣﻜﻔﻮﻻ ﻟﻠﺠﻤﯿﻊ ‪ ،‬و اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻣﻦ‬ ‫ـ‬

‫ﺑﯿﻨﮭﻢ‪.‬‬

‫اﻟﻤﻼﺣﻆ أن ﻟﻠﺸﯿﻌﺔ أﺑﺤﺎﺛﺎ و دراﺳﺎت ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﮭﺬا اﻟﻤﻮﺿﻮع ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ذﻟﻚ ﻣﺎ ﻛﺘﺒﮫ اﻟﺸﯿﺦ "ﻋــﻠﻲ‬

‫اﻟﻜَﻮراﻧﻲ" ﺑﻌﻨﻮان "اﻟﺸﯿﻌﺔ ھﻢ ﻣﻦ رد اﻟﻤﻐﻮل" و اﻟﺒﺤﺚ ﻣﻨﺸﻮر ﻋﻠﻰ ﻣﻮﻗﻊ ﻣﻨﺘﺪى اﻟﺒﺤﺮﯾﻦ ‪ ،‬و‬

‫اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أن اﻷﺑﺤﺎث اﻟﺘﻲ ﯾﺼﺪرھﺎ ﻛﻼ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ ‪ ،‬اﻟﺴﻨﻲ و اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬ﻻ ﺗﻌﺪوا أن ﺗﻜﻮن أﺑﺤﺎﺛﺎ ﻣﺼﻤﻤﺔ‬

‫ﻣﺴﺒﻘﺎ ‪ ،‬ﻟﻠﺪﻓﺎع أو اﻟﮭﺠﻮم ﻋﻠﻰ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﻤﺨﺎﻟﻔﺔ ‪ ،‬و ﻟﯿﺴﺖ ﺑﺤﻮﺛﺎ ﺗﺎرﯾﺨﯿﺔ ﺗﮭﺪف إﻟﻰ اﻹﺣﺎﻃﺔ‬

‫ﺑﺘﺎرﯾﺦ ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺘﺮة ‪ ،‬اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻷﺧﺮى ﻓﮭﺬه اﻷﺑﺤﺎث ھﻲ أن اﻟﻄﺮف اﻟﺴﻨﻲ ﻣﺜﻼ ﯾُﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﻧﻈﺮﯾﺔ‬

‫ﻞ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻘﺪﯾﻢ و دون ﻧﻈﺮﯾﺎت ﻣﺆاﻣﺮة‬


‫اﻟﻤﺆاﻣﺮة "اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ـ اﻟﻤﻐﻮﻟﯿﺔ" ‪ ،‬ﻣﻊ أن اﻟﻤﺪ اﻟﻤﻐﻮﻟﻲ اﻛﺘﺴﺢ ﺟ ّ‬

‫‪ ،‬و اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻷﺧﺮى أن اﻟﺸﯿﻌﺔ ﺗﻌﺎﻣﻠﻮا ﻣﻊ ھﺬه "اﻟﺘﮭﻤﺔ"! ﺗﻌﺎﻣﻼ ﯾﻨﻄﻠﻖ ﻣﻦ ﻋﻘﺪة "اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﻨﻘﺺ"‬

‫‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﯾﻘﻮم ﺑﺎﺣﺜﻮھﻢ ﺑﺈﻧﻜﺎر ﺣﻘﯿﻘﺔ اﻻﺳﺘﻔﺎدة اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﻣﻦ ﻗﻮاﻧﯿﻦ "اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" اﻟﺘﻲ ﻗﺎم اﻟﻤﻐﻮل‬

‫ﺑﺘﻄﺒﯿﻘﮭﺎ ‪ ،‬و أﻧﺎ ﺷﺨﺼﯿﺎ ﻻ أرى ﻓﻲ ذﻟﻚ ﺗﮭﻤﺔ أو ﺳﺒﺔ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ اﻧﻄﻠﻖ اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻟﻘﺪﻣﺎء ‪ ،‬و ﯾﺒﺪو أﻧﮭﻢ ﻟﻢ‬

‫ﯾﺄﺑﮭﻮا ﻟﻤﺰاﻋﻢ اﻟﺨﺼﻮم ﻋﻠﻰ ﻋﻜﺲ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ ﻋﺼﺮﻧﺎ ‪ ،‬ﻓﺄﻛﺪوا ‪ :‬أن اﻟﻜـــﺎﻓﺮ اﻟﻌـﺎدل ﺧـــــــﯿﺮ ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻟﻈـــــﺎﻟﻢ" ‪ ،‬و ھﻮ ﻣﺒﺪأ ﻛﺎن ﻣﻮﺟﻮدا ﻓﻲ ﺻﻠﺐ اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮫ أﺻﺒﺢ أﻛﺜﺮ وﺿﻮﺣﺎ ﺑﻌﺪ‬

‫اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﺠﺪﯾﺪة ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ھﺬا ﻃﺒﻌﺎ ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أن اﻟﺤﺎل اﺳﺘﻤﺮ ﻛﺬﻟﻚ ‪ ،‬إذ ﺳﺮﻋﺎن ﻣﺎ أﺻﯿﺐ ﺣﻜﺎم اﻟﻤﻐﻮل‬

‫و أﺑﺎﻃﺮﺗﮭﻢ ﺑﺄﻣﺮاض اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ‪ ،‬إذ ﺗﻨﺎﻓﺲ اﻟﻄﺮﻓﺎن "اﻟﺴﻨﻲ ـ اﻟﺸﯿﻌﻲ" ﻓﻲ إﻗﻨﺎع اﻟﺴﻠﻄﺔ ﺑﺎﻟﻘﺒﻮل‬
‫‪8‬‬

‫ﺑﻨﻈﺮﯾﺘﮭﺎ ‪ ،‬و ﻛﺎن اﻟﺤــــﻜﻢ اﻟﻤــﻐﻮﻟﻲ "اﻟﻮﺛﻨﻲ" أﻓﻀﻞ ﻣﻦ ذﻟﻚ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬إذ ﻛﺎن ﻃﺮﻓﺎ ﻣﺤﺎﯾﺪا ﻋﻠﻰ‬

‫اﻷﻗﻞ‪.‬‬

‫ﻏﯿﺮ أن اﻟﺤﻜﻢ اﻟﻤﻐﻮﻟﻲ ﻟﻢ ﯾﺪم أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻗﺮن و ﻧﺼﻒ ‪ ،‬ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ‪ ،‬و ﺗﻔﺘﺖ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻤﺮﻛﺰﯾﺔ و‬

‫ﺿﻌﻔﺖ أﻛﺜﺮ ﻓﺄﻛﺜﺮ ‪ ،‬ﻓﺄﺻﺒﺤﺖ اﻟﺴﻠﻄﺎت ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﻤﻤﺎﻟﯿﻚ و إﻟﻰ ﺣﯿﻦ ﻇﮭﻮر اﻻﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺘﯿﻦ‬

‫"اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﺔ" و "اﻟﺼﻔﻮﯾﺔ" ‪ ،‬ﻣﺠﺮد ﺣﻜﻮﻣﺎت ﻣﺤﻠﯿﺔ ﺿﻌﯿﻔﺔ ﻻ ﺗﮭﺘﻢ إﻻ ﺑﺠﺒﺎﯾﺔ "اﻟﻀﺮاﺋﺐ" و اﻟﻮﻻء‬

‫اﻟﺸﻜﻠﻲ أو اﻟﺮﻣﺰي ‪.‬‬

‫اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻣﻦ اﻟﻌﮭﺪ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻲ إﻟﻰ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ‪.‬‬

‫‪...............................................................................‬‬

‫ﺣﻘﯿﻘﺔ أن اﻟﻔﺘﺮة اﻟﻤﻤﺘﺪة ﻣﻦ اﻟﻘﺮن اﻟﺮاﺑﻊ ﻋﺸﺮ اﻟﻤﯿﻼدي و ﺣﺘﻰ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﺤﺮب اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ اﻷوﻟﻰ و ﺳﻘﻮط‬

‫اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻔﺘﺮة اﻷﻛﺜﺮ ﻇﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬و ﻓﯿﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﻐﺮب‬

‫ﯾﺨﻄﻮ ﺧﻄﻮاﺗﮫ اﻟﺠﺒﺎرة ﻧﺤﻮ "اﻟﺘﻨﻮﯾﺮ" و "اﻟﺤﺪاﺛﺔ" و "اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ" ‪ ،‬ﻛﺎن اﻟﺸﺮق ﯾﺘﺼﺎرع ﺣﻮل‬

‫ﻣﻔﮭﻮم "اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ" و ﻣﺤﺎرﺑﺔ أﻋﺪاﺋﮭﺎ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﻛﺎن "اﻟﺴﻨﺔ" و "اﻟﺸﯿﻌﺔ" ﯾﺘﺒﺎدﻟﻮن ھﺬه اﻟﻨﻈﺮة ‪،‬‬

‫ﻓﺎﻟﺸﯿﻌﻲ ﻛﺎن ﯾﺮى ﻟﻨﻔﺴﮫ اﻣﺘﺪادا ﻃﺎﺋﻔﯿﺎ ﻓﻲ "اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺼﻔﻮﯾﺔ" ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن "اﻟﺴﻨﻲ" ﯾﺮى اﻣﺘﺪاده‬

‫اﻟﻄﺎﺋﻔﻲ و اﻟﻤﺬھﺒﻲ ﻓﻲ "اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﺔ" و اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻀﺨﺎﻣﺘﮭﺎ ﻗﺎدرة ﻋﻠﻰ ﻟﻌﺐ ھﺬا اﻟﺪور ‪.‬‬

‫و ﻛﺎن ﻣﺮﻛﺰ اﻟﺼﺮاع "اﻟﻄـﺎﺋﻔﻲ" ﯾﺘﻤﺤﻮر ﺣﻮل "اﻟﻌﺮاق" اﻟﺬي ﻛﺎن ﻟﮫ ھﺬا اﻟﻌﻤﻖ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺮاﻗﺪ و‬

‫اﻟﻤﻘﺪّﺳﺎت "اﻟﺴﻨﯿﺔ" و "اﻟﺸﯿﻌﯿّﺔ" ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮاء ‪ ،‬و اﻟﺬي زاد اﻟﻮﺿﻊ ﺳﻮءا ھﻮ اﺳﺘﻐﻼل ﻛﻼ‬

‫اﻻﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺘﯿﻦ "اﻟﺼﻔﻮﯾﺔ ـ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﺔ" ﻟﻠﺨﻼﻓﺎت اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ و ﺗﺴﺨﯿﺮھﺎ ﻓﻲ اﻟﺘﻨﻈﯿﺮ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬و ﻟﻦ‬

‫أﻛﻮن ﻣﺘﺤﯿﺰا ﻟﻮ ﻗﻠﺖ‪ :‬أن رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ اﻟﺴﻨﺔ ﻛﺎﻧﻮا و ﻻ زاﻟﻮا أﻛﺜﺮ ﻃﻮاﻋﯿﺔ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬ﻣﻦ رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﺔ ‪ ،‬اﻟﺬﯾﻦ ﯾﻔﻀﻠﻮن ﻓﻲ أﺳﻮأ اﻷوﺿﺎع أن ﯾﻨﺄوا ﺑﺄﻧﻔﺴﮭﻢ ﻋﻦ اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﺴﮭﻞ ﻋﻠﻰ‬

‫"اﻟﺴﻠﻄﺎن اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻲ" اﺳﺘﺼﺪار "ﻓﺘﻮى" ‪ ،‬أو "إﺟﺎزة دﯾﻨﯿﺔ" ﻣﻦ ﺷﯿﺦ اﻹﺳﻼم "أﻋﻠﻰ ﺳﻠﻄﺔ دﯾﻨﯿﺔ ﻓﻲ‬

‫اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ أو ﻏﯿﺮه ﻣﻦ اﻟﻤﻔﺘﯿﻦ ‪ ،‬ﺑﻘﺘﺎل اﻟﺸﯿﻌﺔ "اﻟﺮواﻓﺾ" ‪ ،‬أو اﻟﻌﻜﺲ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ ﻋﺪم ﺟﻮاز اﻟﻘﺘﺎل‬

‫‪ ،‬و ﻛﻤﺜﺎل راﺟﻊ ﻛﺘﺎب "رﺳﺎﺋﻞ ﻓﻲ اﻟﺮد ﻋﻠﻰ اﻟﺮاﻓﻀﺔ‪ :‬ﺗﺄﻟﯿﻒ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ اﻷﻛﺮاد ‪:‬‬

‫ﺗﺤﻘﯿﻖ ‪ :‬ﺣﻤﺪي ﻋﺒﺪ اﻟﻤﺠﯿﺪ اﻟﺴﻠﻔﻲ"‪.‬‬

‫و ﺷﮭﺪ ذﻟﻚ اﻟﻌﺼﺮ ‪ ،‬إﻋﻼن اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ "اﻟﺼﻔﻮﯾﺔ" رﺳﻤﯿﺎ‪ :‬ﻋﻦ أن "اﻟﺘﺸﯿﻊ" ھﻮ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺮﺳﻤﻲ‬

‫ﻟﻠﺪوﻟﺔ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﻛﺎن ﯾﻌﻨﻲ أن اﻟﺨﺼﻢ اﻟﻄﺎﺋﻔﻲ ﻟـ"اﻟﺴﻨّﺔ" أﺻﺒﺢ ﻣﺬھﺒﺎ رﺳﻤﯿﺎ ﻟﺪوﻟﺔ ﻣﺠﺎورة ‪ ،‬و ﻟﺮﺑﻤﺎ‬

‫ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺰﻋﺔ "اﻟﺘﺸﯿﻊ" اﻷُﻣﻤﯿﺔ ‪ ،‬ﺳﺒﺒﺎ رﺋﯿﺴﯿﺎ ‪ ،‬ﻣﻦ ﺿﻤﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ أﺳﺒﺎب ‪ ،‬ﻓﻲ اﻧﺘﺸﺎر اﻟﺘﺸﯿﻊ ﺑﯿﻦ‬

‫اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن "اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺴﻨﻲ" ﻟﺪﯾﮫ ﻧﺰوع أﻛﺒﺮ ﻧﺤﻮ "اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" ‪ ،‬ﻟﻜﻦ "اﻟﺘﺸﯿﻊ"‬

‫ﺗﺄﺛﺮ ﺳﻠﺒﯿﺎ أﯾﻀﺎ ‪ ،‬ﺑﺈﻋﻼن اﻟﺼﻔﻮﯾﯿﻦ ﻋﻦ ﻣﺬھﺐ "اﻟﺘﺸﯿﻊ" ﻛﺪﯾﻦ رﺳﻤﻲ ﻟﻠﺪوﻟﺔ ‪ ،‬إذ دﺧﻠﺖ "اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ" ﻓﻲ ﺟﺪال "ﻓﻠﺴﻔﻲ" و "ﻓﻘﮭﻲ دﯾﻨﻲ" ﺣﻮل ﺟﻮاز دﻋﻢ "اﻟﺴﻠﻄﺔ" و إن زﻋﻤﺖ اﻋﺘﻨﺎﻗﮭﺎ اﻟﻤﺬھﺐ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬و اﻋﺘﻘﺪ أن اﻟﺴﺒﺐ اﻟﺮﺋﯿﺴﻲ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﺘﺮدد ‪ ،‬ھﻮ اﺧﺘﻼف ﻋﻼﻗﺔ رﺟﻞ اﻟﺪﯾﻦ "اﻟﺸﯿﻌﻲ"‬

‫ﺑﺎﻟﺴﻠﻄﺔ و أﺑﻨﺎء اﻟﺸﻌﺐ ‪.‬‬

‫ﻓﺒﯿﻨﻤﺎ ﯾﺤﺼﻞ رﺟﻞ اﻟﺪﯾﻦ "اﻟﺴﻨّﻲ" ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺪر ﻋﯿﺸﮫ ﻣﻦ "اﻟﺴﻠﻄﺔ" أو "اﻟﺤﺎﻛﻢ" ‪ ،‬ﻓﺈن رﺟﻞ اﻟﺪﯾﻦ‬

‫"اﻟﺸﯿﻌﻲ" ‪ ،‬ﯾﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺪر رزﻗﮫ ﻋﺒﺮ اﻟﺸﻌﺐ ‪ ،‬و ﻛﻠﻤﺎ اﺑﺘﻌﺪ ﻋﻦ "اﻟﺴﻠﻄﺎن" و "اﻟﺤﺎﻛﻢ" ‪ ،‬ﻛﻠﻤﺎ‬

‫ازدادت ﺷﻌﺒﯿﺘﮫ و اﺗﺴﻊ ﻣﺼﺪر ﻋﯿﺸﮫ و ﺗﻤﻜﻦ ﻣﻦ اﻻﻧﻔﺎق ﻋﻠﻰ "ﻃﻼﺑﮫ" و ﻣﺸﺎرﯾﻌﮫ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ھﺬا ﻻ‬

‫ﯾﻌﻨﻲ أن رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ "اﻟﺸﯿﻌﺔ" ﻟﻢ ﯾﺘﻌﺎﻃﻔﻮا ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ ﻣﻊ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺼﻔﻮﯾﺔ اﻟﺘﻲ أﺻﺒﺤﺖ أﻣﻼ ﻟﻠﺪﻓﺎع‬

‫ﻋﻦ ﻣﻈﻠﻤﺘﮭﻢ‪.‬‬

‫و رﻏﻢ اﻟﻤﺠﺎزر اﻟﻤﺘﺒﺎدﻟﺔ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ذﺑﺢ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﻮن آﻻف "اﻟﺸﯿﻌﺔ" ﻓﻲ "ﺗﺒﺮﯾﺰ" اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ‪ ،‬و ﺑﻐﺪاد ‪ ،‬ﺛﻢ‬

‫اﻧﺘﻘﻢ اﻹﯾﺮاﻧﯿﻮن ﻣﻦ "اﻟﺴﻨﺔ" ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﻟﻜﻦ أﺳﺘﻄﯿﻊ أن اؤﻛﺪ أن ﻋﻠﻤﺎء "اﻟﺸﯿﻌﺔ" ﻟﻢ ﯾﻔﺘﻮا ﺑﻘﺘﺎل‬

‫اﻟﺴﻨﺔ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﻃﺎﺋﻔﻲ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻓﻌﻞ اﻟﻤﻼﯾﺔ اﻟﺴﻨﺔ ذﻟﻚ و ﺑﺪون ﺗﺮدّد ‪ ،‬ﻟﻜﻦ و ﺑﻌﺪ أن اﻧﺘﻘﻠﺖ اﻟﺪوﻟﺔ‬

‫اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﺔ ﻣﻦ ﻣﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘﻮﺳﻊ اﻟﺴﺮﯾﻊ إﻟﻰ اﺳﺘﻘﺮار اﻟﺪوﻟﺔ ﻓﻲ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﻘﺮن اﻟـ ‪ 17‬م ‪ ،‬ﻓﻔﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي‬
‫‪9‬‬

‫ﻛﺎن اﻟﺴﻠﻄﺎن "ﺳﻠﯿﻢ ﯾﺎووز" و اﺑﻨﮫ "ﺳﻠﯿﻤﺎن اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ" ﻣﺘﻌﻄﺸﯿﻦ إﻟﻰ إراﻗﺔ دﻣﺎء "اﻟﻜﻔﺎر ـ اﻟﺸﯿﻌﺔ و‬

‫اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ" ‪ ،‬ﻛﺎن اﻟﺴﻼﻃﯿﻦ اﻟﺬﯾﻦ ﺟﺎءوا ﻣﻦ ﺑﻌﺪھﻢ "ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء ﻣﺮاد اﻟﺬي ﻗﺘﻞ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻋﻨﺪ ﻓﺘﺢ ﺑﻐﺪاد‬

‫‪ 1638‬م" ‪ ،‬أﻛﺜﺮ ﺗﻔﺎھﻤﺎ ﻣﻊ ﻣﻮاﻃﻨﯿﮭﻢ اﻟﺸﯿﻌﺔ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻟﺘﺤﺴﻦ اﻟﻌﻼﻗﺎت و ﺳﻮءھﺎ ﺑﯿﻦ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﯿﻦ و‬

‫اﻟﺼﻔﻮﯾﯿﻦ ‪ ،‬أﺛﺮه اﻟﺒﺎﻟﻎ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﺴﻨﯿﺔ ـ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق‪.‬‬

‫و ﺷﮭﺪت اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﻄﺎﺋﻔﯿﺔ ﺑﯿﻦ "اﻟﺸﯿﻌﺔ" و "اﻟﺴﻨﺔ" ﺣﺎﻻت ﻣﺘﻔﺎوﺗﺔ ﻣﻨﺬ ﺣﻜﻢ "ﻧﺎدر ﺷﺎه" اﻟﺬي اﻧﺘﻘﻞ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﻐﺎﻻة ﻓﻲ اﻟﺘﺸﯿﻊ إﻟﻰ اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻟﻮﺳﻄﯿﺔ "اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ" ﻣﺤﺎوﻻ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ ﻣﻮﻗﻒ وﺳﻄﻲ و ﺧﻠﻖ‬

‫إﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ ﻣﺘﺠﺎﻧﺴﺔ ﺗﺘﺠﺎوز اﻟﺤﺪود اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن اﻟﺮﺟﻞ ﻋﺮف ﻋﻨﮫ أﻧﮫ "ﻓﺎﺗﺢ ﻗﺎس‬

‫اﻟﻘﻠﺐ" ـ ﻟﻤﺤﺎت اﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﻣﻦ ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﻌﺮاق اﻟﺤﺪﯾﺚ‪ :‬ﻋﻠﻲ اﻟﻮردي ـ ﻟﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﺟﮭﻮده ھﺬه‬

‫ذھﺒﺖ أدراج اﻟﺮﯾﺎح ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ ﻗﺪ ﻓﺸﻞ ‪ ،‬و ﻛﺎن ذﻟﻚ وﺳﻂ ﻗﺮون ﻛﺎن اﻟﺸﻌﻮر اﻟﻄﺎﺋﻔﻲ "ﻓﻲ ﻗﻤﺘﮫ"‪.‬‬

‫اﺳﺘﻤﺮت اﻟﺤﻮزات اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ "اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ" ﺗﻌﯿﺶ ﺑﻌﯿﺪا ﻋﻦ اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ و اﻟﺤﻜﻢ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﻘﺮن ‪ 18‬م ﻛﺎن ﺑﺪاﯾﺔ‬

‫ﻇﮭﻮر ﺗﯿﺎر ﺟﺪﯾﺪ وﺳﻂ "اﻟﺘﺸﯿّﻊ" ﻛﺎن أﺷﺒﮫ ﺑـ"ﻧﺰﻋﺔ ﺻﻮﻓﯿﺔ" وﺳﻂ ﻣﺪرﺳﺔ ﻣﻠﯿﺌﺔ ﺑﺎﻟﻤﻨﻄﻖ و "ﻓﮭﻢ‬

‫اﻟﻮاﻗﻊ" ‪ ،‬ﻛﺎن ﻟﻈﮭﻮر اﻟﺸﯿﺦ أﺣﻤﺪ اﻷﺣﺴﺎﺋﻲ ـ ﻧﺴﺒﺔ إﻟﻰ ﻣﻨﻄﻘﺔ "اﻹﺣﺴﺎء" ﺷﺮق اﻟﺤﺠﺎز ‪ ،‬دور ﻛﺒﯿﺮ‬

‫ﻓﻲ ﺟﻌﻞ اﻟﻤﺬھﺐ "اﻟﺸﯿﻌﻲ" أﻛﺜﺮ ﻣﺜﺎﻟﯿﺔ "ﻃﻮﺑﺎوﯾﺔ" و ﺑﻌﺪا ﻋﻦ اﻟﻮاﻗﻊ ‪ ،‬و ﺻﺎر ﯾﻌﺘﻤﺪ ‪ ،‬ﺣﺎﻟﮫ ﺣﺎل‬

‫"اﻟﺼﻮﻓﯿﺔ" ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺴﻨّﻲ ‪ ،‬ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻮاﻃﻒ و "اﻟﺨﻮارق" و اﻟﻤﻌﺠﺰات ‪ ،‬دون اﻟﻤﻨﻄﻖ "اﻟﺠﺪال"‬

‫اﻟﻔﻘﮭﻲ و اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ‪ ،‬و أﻋﻄﻰ اﻟﺸﯿﺦ اﻷﺣﺴﺎﺋﻲ و ﺟﻤﺎﻋﺘﮫ "اﻟﺸﯿﺨﯿﺔ" دﻓﻌﺔ ﻗﻮﯾﺔ ﻟﻠﺘﯿﺎر "اﻟﺘﻘﻠﯿﺪي ـ أھﻞُ‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺚ" ﻓﻲ ﻣﻮاﺟﮭﺔ "اﻷﺻﻮﻟﯿﯿﻦ" اﻟﺬﯾﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﯾﺘﻘﻠﺒﻮن ﺑﯿﻦ "اﻟﻮاﻗﻊ" و "اﻟﻨﺺ اﻟﻤﻘﺪّس" ‪ ،‬و ﻛﺎن‬

‫ﻟﻠﺸﯿﺨﯿﺔ دور ﻓﻲ ﻇﮭﻮر اﻟﺤﺮﻛﺎت "اﻟﻘﺎدﯾﺎﻧﯿﺔ" و "اﻟﺒﺎﺑﯿﺔ" و "اﻟﺒﮭﺎﺋﯿﺔ" ‪ ،‬و ﻻ زال ﻟﮭﺎ ﺗﺄﺛﯿﺮ واﺿﺢ ﻓﻲ‬

‫ﺛﻘﺎﻓﺔ "ﺟﻤﺎﻋﺔ اﻟﺼﺪر" إﻟﻰ اﻵن ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن رﺟﺎل اﻟﺪوﻟﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ﻓﻲ "اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ"!! ﯾﺘﻌﺎﻣﻠﻮن ﻣﻊ ﺑﻌﺾ اﻟﺸﺨﺼﯿﺎت "اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" ﻋﺒﺮ ﻧﻈﺮﯾﺔ "اﻟﻤﺆاﻣﺮة" ﯾﻘﻮل وزﯾﺮ اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ‬

‫اﻹﯾﺮاﻧﻲ اﻷﺳﺒﻖ ـ ﻋﻠﻰ أﻛﺒﺮ وﻻﯾﺘﻲ "ﻣــﺠﻠﺔ اﻟﺘﻘﺮﯾﺐ ـ اﻟﻌﺪد ‪ 14‬اﻟﻤﻘﺎل‪:‬ﻣﻘﺪﻣﺔ ﻓــﻜﺮﯾﺔ ﻟﺤــﺮﻛﺔ‬

‫"اﻟﻤﺸﺮوﻃﺔ ـ اﻟﺪﺳﺘﻮر"‪:‬‬

‫ھﺬا اﻟﺮﺟﻞ ـ أي اﻷﺣﺴﺎﺋﻲ ـ ﻇﮭﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺠﮭﻮل‪ ،‬وأﺷﺎع أﻓﻜﺎرا ھﻲ ﻣﺰﯾﺞ ﻣﻦ ﻏﻠﻮ وﺧﺮاﻓﺔ‬

‫واﻧﺤﺮاف‪ ،‬ﺛﻢ اﺧﺘﻔﻰ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺠﮭﻮل ‪.‬‬

‫ﺳﻤﻰ ﻧﻔﺴﮫ ﺑﺎﻟﺸﯿﺦ أﺣﻤﺪ اﻻﺣﺴﺎﺋﻲ وأھﻞ اﻻﺣﺴﺎء ﻓﻲ ﺷﺮق اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ﻻ ﯾﻌﺮﻓﻮن ﻋﻨﮫ‬

‫وﻻ ﻋﻦ أﺳﺮﺗﮫ ﺷﯿﺌﺎً‪ ،‬وﻟﻢ ﺗﻌﺮف اﻟﻤﺪارس اﻹﺳﻼﻣﯿّﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻋﻨﮫ ﺷﯿﺌﺎً‪.‬‬

‫ﯾﺒﺪو أﻧّﮫ اﺳﺘﻄﺎع أن ﯾﺤﺼﻞ ﻓﻲ اﻟﺒﺤﺮﯾﻦ ﻋﻠﻰ إﺟﺎزة رواﯾﺔ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻣﻦ »اﻟﺸﯿﺦ ﺣﺴﯿﻦ آل‬

‫ﻋﺼﻔﻮر« وﻋﻠﻰ إﺟﺎزة ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ ﻣﻦ »اﻟﺸﯿﺦ ﻛﺎﺷﻒ اﻟﻐﻄﺎء« ﻓﻲ اﻟﻨﺠﻒ‪ .‬وﻛﻼھﻤﺎ ﺻﺮّﺣﺎ ﻓﻲ‬

‫اﻻﺟﺎزة ﺑﻌﺪم ﻣﻌﺮﻓﺘﮭﻤﺎ ﺑﺎﻻﺣﺴﺎﺋﻲ‪ ،‬ﺑﻞ رأﯾﺎ أوراﻗﺎ ﻓﯿﮭﺎ ﺷﺮح ﻟﻜﺘﺎب »اﻟﺘﺒﺼﺮة« ادّﻋﺎ أﻧّﮫ ﺣﺮرھﺎ‬

‫ﺑﻨﻔﺴﮫ‪ ،‬وأﻗﺎم اﻟﺸﮭﻮد ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ‪ ،‬وﺑﻌﺪ أن اﻓﺘﻀﺢ أﻣﺮ اﻟﺮﺟﻞ ﺗﺒﯿﻦ أﻧّﮫ ﻟﻢ ﯾﻜﺘﺒﮭﺎ وادﻋﺎھﺎ ﻛﺬﺑﺎ ﻟﻨﻔﺴﮫ‪.‬‬

‫ﻧﺸﻂ ھﺬا اﻟﻤﺘﺸﯿﺦ ﻓﻲ ﺑﺚ أﻓﻜﺎره وﻛﺎن ﻟﮭﺎ أﺛﺮھﺎ ﻓﻲ إﯾﺮان وﻣﻠﺨﺼﮭﺎ‪:‬‬

‫»أن اﻟﻤﻌﺼﻮﻣﯿﻦ اﻷرﺑﻌﺔ ﻋﺸﺮ ھﻢ)اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻤﺤﻤﺪﯾﺔ(‪ ،‬وھﺬه اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ھﻲ ﻧﻔﺴﮭﺎ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ‬

‫اﻹﻟﮭﯿﺔ!! ﺛﻢ إﻧﮫ ھﻮ)اﻟﺸﯿﺦ أﺣﻤﺪ( ﺟﺰء ﻣﻦ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻤﺤﻤﺪﯾﺔ‪ ،‬وﻣﻌﺮﻓﺘﮫ ﺗﺸﻜﻞ)اﻟﺮﻛﻦ اﻟﺮاﺑﻊ( ﻣﻦ‬

‫اﻟﺪﯾﻦ‪ .‬وﻣﻦ ﻋﺮف ھﺬا اﻟﺮﻛﻦ اﻟﺮاﺑﻊ ﺣﻖ ﻣﻌﺮﻓﺘﮫ ﻓﻘﺪ أﻣﻦ ﻣﻦ ﻋﺬاب اﻟﻨﺎر وﻟﻮ ارﺗﻜﺐ اﻟﻤﻌﺎﺻﻲ‬

‫واﻟﻤﺤﺮﻣﺎت‪ ،‬وﺗﺮك اﻟﻮاﺟﺒﺎت«‪.‬‬

‫وﯾﺬﻛﺮ اﻟﺸﯿﺦ اﻟﺨﺎﻟﺼﻲ أن ھﺬا اﻟﺮﺟﻞ ﻛﺎن ﻟﮫ اﻟﺪور اﻟﻜﺒﯿﺮ ﻓﻲ إﺷﺎﻋﺔ اﻟﻤﻨﻜﺮات واﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ﺑﯿﻦ‬

‫اﻟﻨﺎس‪ .‬وأﺻﺪر ﻋﻠﻤﺎء اﻟﻨﺠﻒ وإﯾﺮان ﻋﻠﻰ أﺛﺮ ذﻟﻚ اﻟﺤﻜﻢ ﺑﺘﻜﻔﯿﺮه‪ ،‬ﺛﻢ اﺧﺘﻔﻰ ﻓﺠﺄة وﻟﻢ ﯾﻌﻠﻢ ﻟﮫ أﺛﺮ‪.‬‬

‫وﺷﺎع ﻓﻲ إﯾﺮان آﻧﺌﺬ أﻧّﮫ راھﺐ ﻣﺴﯿﺤﻲ ھﺪﻓﮫ زﻟﺰﻟﺔ وﺣﺪة اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ وزﻋﺰﻋﺔ اﺳﺘﻘﻼل إﯾﺮان‪.‬‬

‫"ﻧـﮭﺎﯾﺔ اﻻﻗﺘﺒﺎس"‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﻼﺣﻆ ﻣﺪى اﻟﺘﺤﻮل اﻟﺨﻄﯿﺮ اﻟﺬي ﯾﻌﯿﺸﮫ اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻵن ‪ ،‬ﻓﻜﻮن "اﻟﺸﯿﺦ اﻹﺣﺴﺎﺋﻲ" ﺷﺬ ﻋﻦ‬

‫ﺑﻌﺾ ﻣﻌﺘﻘﺪات اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻋﻤﻮﻣﺎ ‪ ،‬ﻟﯿﺲ ﻣﺒﺮرا ﻟﮭﺆﻻء ‪ ،‬وﻻﯾﺘﻲ و ﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﻧﮭﺠﮫ ‪ ،‬أن ﯾﻨﻔﻮا ﺣﻘﯿﻘﺔ‬
‫‪10‬‬

‫وﺟﻮد اﻟﺮﺟﻞ و ﺗﻨﺰﯾﮫ اﻟﺨﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻋﻦ اﻟﺨﻄﺄ ‪ ،‬ﻣﻊ أﻧﻲ ﻻ أﻋﺘﻘﺪ أن "اﻟﺸﯿﺦ اﻹﺣﺴﺎﺋﻲ" ﻛﺎن‬

‫ﻣﺨﻄﺌﺎ ‪ ،‬ﻓﻜﻞ ﻣﺎ ﺣﺪث ھﻮ ﻗﻠﯿﻞ ﻣﻦ اﻻﺳﺘﻐﺮاق "اﻟﺼﻮﻓﻲ" ﻻ أﻛﺜﺮ ‪ ،‬و ﺳﻨﺘﺤﺪث ﺑﺸﻜﻞ أﻋﻤﻖ ﻋﻦ‬

‫أﺳﺒﺎب ھﺬا اﻟﺘﻮﺟﮫ "اﻟﺪﯾﻨﻲ" ﻓﻲ إﯾﺮان اﻟﻤﻌﺎﺻﺮة أو اﻟﻌﮭﺪ "اﻟﺪﯾﻨﻲ"‪.‬‬

‫و ﯾﻨﺒﻐﻲ أن ﻻ ﻧﻨﺴﻰ أﯾﻀﺎ أن رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ "اﻟﺸﯿﻌﺔ" أﺧﺬوا ﻓﻲ ﺗﻄﻮﯾﺮ "ﻓﻘﮫ ﺳﯿﺎﺳﻲ" ﻣﻨﺬ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﻘﺮن‬

‫‪ 19‬م ﺣﯿﻦ أﺧﺬت "اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ" و ﻧﻈﻢ اﻟﻐﺮب اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ‪ ،‬ﺗﺆﺛﺮ ﻋﻠﻰ إﯾﺮان و اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬و ﻛﺬﻟﻚ‬

‫اﻧﺘﻌﺸﺖ اﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﺜﻘﺎﻓﯿﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ‪ ،‬و ﻃﺒﻌﺎ ﻛﺎن ھﻨﺎك ﻣﺠﺎل ھﺎﺋﻞ ﻟﻠﻌﻠﻤﺎﻧﯿﯿﻦ ﻓﻲ إﯾﺮان ‪ ،‬و وﺟﺪ‬

‫"أﺻﺤﺎب اﻟﻌﻤﺎﻣﺎت" أﻧﻔﺴﮭﻢ ﻣﻀﻄﺮﯾﻦ إﻟﻰ اﻟﺘﻌﺎﻃﻲ ﺑﺎﻟﺴﯿﺎﺳﺔ ‪ ،‬ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي أﺻﺒﺢ ﻓﯿﮫ ﻣﻦ ﺷﺒﮫ‬

‫اﻟﻤﺴﺘﺤﯿﻞ ‪ ،‬اﻟﺘﻔﺮﯾﻖ ﺑﯿﻨﻤﺎ ھﻮ "ﻟﻠﺸﻌﺐ" و ﻣﺎ ھﻮ "ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ" ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﻛﺎن ﯾﻌﻨﻲ اﻧﺨﺮاﻃﺎ ﺗﺪرﯾﺠﯿﺎ "ﻟﺮﺟﺎل‬

‫اﻟﺪﯾﻦ" ﻓﻲ اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل ﻋﻠﻲ أﻛﺒﺮ وﻻﯾﺘﻲ ـ وزﯾﺮ اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ اﻹﯾﺮاﻧﻲ اﻷﺳﺒﻖ ـ ﻓﻲ ﻣﻌﺮض ﺣﺪﯾﺜﮫ‬

‫ﻋﻦ ﺗﻌﺎﻃﻲ رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ "اﻟﺸﯿﻌﺔ" ﻣﻊ ﻣﺴﺄﻟﺔ "اﺣﺘﻜﺎر اﻟﺸﺮﻛﺔ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺔ ﻟﻠﺘﻨﺒﺎك"‪:‬‬

‫ﺣﯿﻦ ﯾﺌﺲ رﺟﺎل اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻣﻦ اﻟﺘﻔﺎوض ﻟﺠﺄوا إﻟﻰ اﻟﺘﮭﺪﯾﺪ‪ ،‬ﻓﻘﺎل ﻣﺸﯿﺮ اﻟﺪوﻟﺔ ﻣﺨﺎﻃﺒﺎ اﻟﻌﻠﻤﺎء‪:‬‬

‫»أﯾﮭﺎ اﻟﺴﺎدة ﻓﻜﺮوا ﻓﻲ ﻋﻮاﻗﺐ ھﺬا اﻹﺻﺮار«‪ .‬ﺛﺎر اﻟﺴﯿﺪ ﻋﻠﻲ أﻛﺒﺮ اﻟﺘﻔﺮﺷﻲ أﻣﺎم ھﺬا اﻟﺘﮭﺪﯾﺪ‬

‫وﻗﺎل‪» :‬ﻣﺎ ھﺬا اﻟﮭُﺮاء؟ ﻣﺎ ﻣﻌﻨﺎه؟ ﻣﺎذا ﺗﺮﯾﺪون أن ﺗﻔﻌﻠﻮا ﺑﻨﺎ؟«‪ .‬ﻓﺘﺤﺪث ﻗﻮام اﻟﺪوﻟﺔ وﻗﺎل‪ :‬إﻟﻐﺎء ھﺬه‬

‫اﻻﺗﻔﺎﻗﯿﺔ ﻣﺤﺎل وﻣﻤﺘﻨﻊ‪ .‬ﻋﺎد اﻟﺴﯿﺪ ﻋﻠﻲ أﻛﺒﺮ وﻗﺎل‪» :‬ﯾﺒﺪو أﻧﻚ أﻧﺖ رﺋﯿﺲ داﺋﺮة اﻟﺘﺪﺧﯿﻦ واﺗﻔﺎﻗﯿﺔ‬

‫رﺟﻲ«! ﻓﻘﺎل أﻣﯿﻦ اﻟﺴﻠﻄﺎن‪» :‬ﻻ ھﺬا ﻗﻮام اﻟﺪوﻟﺔ وزﯾﺮ اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ«‪ .‬ﻓﻘﺎل اﻟﺴﯿﺪ ﻣﺤﻤﺪ رﺿﺎ‬

‫اﻟﻄﺒﺎﻃﺒﺎﺋﻲ‪» :‬إذا ﻛﺎن ھﺬا اﻟﺤﻜﻢ ﻗﺪ ﺻﺪر ﻋﻦ اﻟﺪوﻟﺔ ﻓﻼﺑﺪ أن ﺗﻮﻗﻊ ﻋﻠﯿﮫ اﻷُﻣﺔ‪ ،‬وإذا ﻛﺎن ﻗﺪ ﺻﺪر‬

‫ﻋﻦ ﺷﺨﺺ اﻟﺸﺎه ﻓﻠﻢ ﯾﻜﻦ ذﻟﻚ ﻣﻦ ﺣﻘﮫ أﺑﺪاً«‪.‬‬

‫أﻧﻈﺮ إﻟﻰ ﺟﺬور اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ واﻟﻤﺸﺮوﻃﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺪﯾﻨﻲ وﺑﯿﻦ ﻋﻠﻤﺎء اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‪ ،‬واﻧﻈﺮ إﻟﻰ‬

‫درﺟﺔ ﺷﮭﺎﻣﺔ اﻟﻤﺮﺣﻮم اﻟﺴﯿﺪ ﻣﺤﻤﺪ رﺿﺎ اﻟﻄﺒﺎﻃﺒﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﻣﻮﻗﻔﮫ ﻣﻦ ﺳﻠﻄﺔ اﻟﺸﺎه اﻟﻤﻄﻠﻘﺔ وﺗﺼﺮﯾﺤﮫ‬

‫ﺑﺮﻓﻀﮭﺎ أﻣﺎم ﻛﺒﺎر رﺟﺎل اﻟﺪوﻟﺔ‪ .‬واﻓﮭﻢ ﻣﻦ ذﻟﻚ دور اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ ﺗﺤﺮﯾﺮ اﻷُﻣﺔ ﻣﻦ اﻟﺴﯿﻄﺮة‬

‫اﻻﺳﺘﻌﻤﺎرﯾﺔ وﻣﻦ اﻟﺤﻜﻢ اﻟﺪﯾﻜﺘﺎﺗﻮري ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺒﻠﺪ اﻟﻤﺴﻠﻢ‪.‬‬

‫ﻋﻠﻰ أي ﺣﺎل‪ ،‬ﻟﻢ ﯾﺴﺘﻄﻊ رﺟﺎل اﻟﺪوﻟﺔ أن ﯾﺘﺠﺎوزوا اﻟﻌﺒﺎرة اﻷوﻟﻰ ﻣﻦ اﺗﻔﺎﻗﯿﺔ اﻟﺘﻨﺒﺎك‪ ،‬ووﺟﺪوا‬

‫أن اﻟﻄﺮﯾﻖ أﻣﺎﻣﮭﻢ ﻣﺴﺪود ﺗﻤﺎﻣﺎ‪ ،‬ﻓﺼﺮﻓﻮا اﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﻗﺮاءة ﺑﻘﯿﺔ اﻻﺗﻔﺎﻗﯿﺔ‪ ،‬واﻧﺘﮭﻰ اﻟﻤﺠﻠﺲ ﺑﺄن‬

‫ﯾﺘﻌﮭﺪ أﻣﯿﻦ اﻟﺴﻠﻄﺎن ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﻋﻠﻤﺎء اﻟﺸﻌﺐ أن ﯾﺴﻌﻰ إﻟﻰ ﻓﺴﺦ اﻻﺗﻔﺎﻗﯿﺔ ﺷﺮط أن ﯾﻌﻠﻦ اﻟﻌﻠﻤﺎء‬

‫ﺑﻌﺪ إﻟﻐﺎء اﻻﺗﻔﺎﻗﯿﺔ إﺑﺎﺣﺔ اﻟﺘﺪﺧﯿﻦ وﻧﻔﻲ ﻓﺘﻮى اﻟﺠﮭﺎد‪.‬‬

‫وﺗﻮاﺻﻠﺖ اﻧﺘﻔﺎﺿﺔ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻤﺴﻠﻢ ﺑﻘﯿﺎدة ﻋﻠﻤﺎﺋﮫ اﻟﻜﺒﺎر ﯾﺘﺰﻋﻤﮭﻢ اﻟﻤﺮﺣﻮم اﻟﻤﯿﺮزا اﻟﺸﯿﺮازي‪،‬‬

‫وﺣﻘﻘﺖ اﻧﺘﺼﺎرھﺎ‪ ،‬واﺿﻄﺮ اﻟﺸﺎه ﻧﺎﺻﺮ اﻟﺪﯾﻦ إﻟﻰ إﻟﻐﺎء اﻻﺗﻔﺎﻗﯿﺔ‪ ،‬واﻗﺘﺮض ﻣﺒﻠﻎ‪ 500‬أﻟﻒ ﻟﯿﺮة‬

‫ﻣﻦ اﻟﺒﻨﻚ اﻟﺸﺎھﻨﺸﺎھﻲ اﻟﺬي أﺳﺴﮫ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﻮن ‪".‬اﻧﺘﮭﻰ اﻻﻗﺘﺒﺎس"‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻧﺠﺎح "اﻟﻤﻼﯾﺔ" اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ﻓﻲ ﻣﻨﻊ "ﻧﺎﺻﺮ اﻟﺪﯾﻦ ﺷﺎه" ﻋﻦ ﻋﻘﺪ اﻻﺗﻔﺎﻗﯿﺔ ﻣﻊ‬

‫اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﯿﻦ ‪ ،‬أﻃﻤﻌﮭﻢ ﻓﻲ اﻻﻧﺠﺮار ‪ ،‬أﻛﺜﺮ ﻓﺄﻛﺜﺮ ‪ ،‬ﻟﻺﻧﻐﻤﺎس ﻓﻲ اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ ‪ ،‬و ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن رﺟﻞ‬

‫اﻟﺪﯾﻦ "اﻟﺴﻨّﻲ" ﯾﺘﺄﺛﺮ ﺑﺄﻓﻜﺎر "اﻟﻘﻮﻣﯿﯿﻦ" ﺳﻮاء "اﻟﻌﺮب" أو اﻷﺗﺮاك" أو "اﻷﻛﺮاد" ‪ ،‬ﻛﺎن رﺟﻞ‬

‫اﻟﺪﯾﻦ "اﻟﺸﯿﻌﻲ" ‪ ،‬ﯾﺘﺄﺛﺮ ﺑﺎﻟﻤﻔﺎھﯿﻢ و اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" و "اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ" اﻟﺘﻲ أﺧﺬت ﺑﺎﻟﺘﻨﺎﻣﻲ ﻋﻠﻰ‬

‫أﯾﺪي "اﻟﻘﻮﻣﯿﯿﻦ اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ" ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﺈﻧﻚ ﺳﺘﺠﺪ اﻟﻤﻼﯾﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ و ﺣﺘﻰ اﻟﻌﺮاﻗﯿﯿﻦ ﯾﺴﺘﺨﺪﻣﻮن‬

‫ﻣﺼﻄﻠﺤﺎت ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﯾﻌﺮﻓﻮﻧﮭﺎ و ﻟﻮ ﻗﺒﻞ ﻗﺮن ﻣﻦ اﻟﺰﻣﻦ‪.‬‬

‫اﻟﺘﺸﯿــّﻊ ﻓﻲ زﻣﻦ اﻟﺸﺎه و اﻟﺜﻮرة‬

‫‪...............................................................................‬‬

‫ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ اﻟﻘﻮل أن دور "اﻟﻤﻼﯾﺔ" و "رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ" ﻓﻲ ﺗﻐﯿﯿﺮﯾﻦ ﺟﺮﯾﺎ ﻋﻠﻰ اﻷرض اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ‪،‬‬

‫إﯾﺠﺎﺑﯿﺎ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻗﯿﺎم ‪1906‬ﻛﺎن ﻛﺒﯿﺮا و إن ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺨﺘﻠﻒ ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﻛﺎن إﻗﺮار اﻟﺪﺳﺘﻮر ﻋﺎم‬

‫"اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻋﺎم ‪ 1979‬م ﻧﻜﺴﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻹﻗﺮار دﺳﺘﻮر‪ 1906‬م و اﻟﺬي ﻧﺘﺞ‬

‫ﻋﻦ ﺿﻐﻂ ﺷﻌﺒﻲ و ﺑﺪﻋﻢ ﻣﻦ "اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﯿﻦ" و "رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ" ‪ ،‬ﻓﺮﺻﺔ ﻟﺘﻘﺪم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﻲ إﯾﺮان ‪،‬‬
‫‪11‬‬

‫و ﻛﺎﻧﺖ إﯾﺮان ﺣﯿﻨﮭﺎ أول دوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ ﻗﺒﻞ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة ‪ ،‬ﺗﻌﻄﻲ ﺣﻖ‬

‫اﻟﺘﺼﻮﯾﺖ ﻟﻠﻤﺮأة و ﺗﻤﻨﺤﮭﺎ ﻣﺠﺎﻻ واﺳﻌﺎ ﻟﻠﻤﺸﺎرﻛﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن إﯾﺮان اﻧﺘﻘﻠﺖ ﻣﻦ "اﻟﻤﻠﻜﯿﺔ‬

‫اﻟﻤﻄﻠﻘﺔ" إﻟﻰ "اﻟﻤﻠﻜﯿﺔ اﻟﺪﺳﺘﻮرﯾﺔ" ‪ ،‬و ھﻮ أﻣﺮ إﯾﺠﺎﺑﻲ ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﯿﺪ‪.‬‬

‫و رﺑﻤﺎ ﯾﺘﺴﺎءل اﻟﺒﻌﺾ‪ :‬إذا ﻛﺎﻧﺖ إﯾﺮان ﻗﻄﻌﺖ أﺷﻮاﻃﺎ ﺑﻌﯿﺪة ﻓﻲ اﻟﺘﻘﺪم ﻧﺤﻮ اﻟﺘﺤﺪﯾﺚ ؟! ﻓﻠﻤﺎذا‬

‫اﻧﺘﻘﻠﺖ و ﺑﺸﻜﻞ ﺗﺼﺎﻋﺪي ﻧﺤﻮ اﻟﺘﺪﯾﻦ "اﻟﻤﺘﻄﺮف" و اﻧﺘﮭﺎء ﺑﺜﻮرة ‪ 1979‬م ؟!‪ .‬اﻷﻛﯿﺪ أن ھﺬا‬

‫اﻟﻤﻮﺿﻮع ﺷﺎﺋﻚ ﺑﻌﺾ اﻟﺸﻲء ‪ ،‬و رﺑﻤﺎ ﻛﺎن "ﻟﻠﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" أﯾﻀﺎ دور ﻓﯿﮫ ‪ ،‬و ھﻮ ﺟﻮاب ﻗﺪ ﯾﺜﯿﺮ‬

‫اﺳﺘﻐﺮاب اﻟﺒﻌﺾ ‪ ،‬ﻟﻘﺪ ﺷﮭﺪت إﯾﺮان ﺧﻄﻮات ﺟﺒﺎرة ﻧﺤﻮ اﻟﺘﺤﺪﯾﺚ و اﻟﻤﻌﺎﺻَﺮة ﺧﻼل اﻟﺴﺒﻌﯿﻦ‬

‫اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﺳﺒﻘﺖ اﻟﺜﻮرة ﺑﻞ إن رﺿﺎ ﺷﺎه ﺑﮭﻠﻮي و اﻟﺪ اﻟﺸﺎه اﻷﺧﯿﺮ ﺷﺠﻊ ﻧﺰع اﻟﺤﺠﺎب و ﺳﻔﻮر‬

‫اﻟﻤﺮأة و ﺳﻤﺢ ﺑﻨﺸﺮ اﻟﻤﻄﺒﻮﻋﺎت اﻟﻼ دﯾﻨﯿﺔ و اﻟﺴﯿﻨﻤﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻤﻂ اﻟﻐﺮﺑﻲ اﻟﺤﺪﯾﺚ ‪ ،‬ﺣﯿﻨﮭﺎ أﺻﺒﺢ‬

‫ﻟﻺﯾﺮاﻧﯿﺎت ﻣﺴﺎھﻤﺎت ﻓﻲ أدوار اﻹﻏﺮاء و اﻟﺴﯿﻨﻤﺎ اﻟﻮاﻗﻌﯿﺔ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻻﺣﺘﻀﺎن اﻟﻤﺜﻘﻔﯿﻦ "اﻟﻘﻮﻣﯿﯿﻦ"‬

‫و "اﻟﯿﺴﺎرﯾﯿﻦ" ﻟﻠﻤﻔﺎھﯿﻢ "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" و ﺗﺮوﯾﺠﮭﺎ ﻓﻲ أوﺳﺎط اﻟﻄﻠﺒﺔ ‪ ،‬و ﻻ ﻧﻨﺴﻰ أﻧﮫ ﻛﺎن ھﻨﺎك‬

‫ﺻﺮاع ﺑﯿﻦ اﻟﺴﻮﻓﯿﯿﺖ و اﻟﻐﺮب ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ اﻻﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺨﻠﯿﺞ اﻟﻔﺎرﺳﻲ ‪ ،‬ھﺬه اﻟﻄﺒﻘﺔ‬

‫اﻟﻤﺜﻘﻔﺔ و اﻟﺘﻲ ﺗﻌﺎﻃﻔﺖ ﻣﻊ ﺣﻜﻮﻣﺔ "ﻣﺼﺪّق" ـ اﻟﻤﻌﺮوف ﺑﻤﯿﻮﻟﮫ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ ـ و ﺳﻘﻮﻃﮫ اﻟﻤﻔﺎﺟﻲء‬

‫ﻋﻠﻰ ﯾﺪ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ‪ ،‬ﻗﯿﻞ إن اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﯿﻦ و اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﯿﻦ دﻋﻤﻮھﺎ ‪ ،‬و ﻣﻦ إﻋﺪاﻣﮫ ﺑﻌﺪ ﻣﺤﻜﻤﺔ‬

‫"ﺻﻮرﯾﺔ" ‪ ،‬ﻛﻞ ھﺬه اﻷﺳﺒﺎب ﺟﻌﻠﺖ اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ﯾﺤﺘﻀﻨﻮن "اﻟﺘﻄﺮف اﻟﺪﯾﻨﻲ" ﺑﻞ و ﯾﻀﻐﻂ اﻟﻌﺎﻣﺔ‬

‫ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻻﺗﺠﺎه اﻟﺪﯾﻨﻲ ﻧﺤﻮ ﻛﺮاھﯿﺔ "اﻟﻐﺮب"‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن اﻟﻤﺪارس اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ "اﻟﺤﻮزة" ﺗﺄﺛﺮت ﺑﺎﻷﻓﻜﺎر اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ ‪ ،‬و ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء اﻟﺠﺎﻧﺐ‬

‫"اﻹﻟﺤﺎدي" ﻣﻦ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﺈن ﻛﺮاھﯿﺔ "اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ" و "اﻟﻐﺮب اﻹﺳﺘﻌﻤﺎري" وﺟﺪ ﻟﻨﻔﺴﮫ رواﺟﺎ‬

‫ﺑﯿﻦ رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬و ھﺬا ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أن ﻟﯿﺴﺖ ھﻨﺎك اﺳﺘﺜﻨﺎءات و ﻟﻜﻨﮭﺎ ﻧﺎدرة ‪ ،‬و ﻓﻲ اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺔ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ "اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ ـ ﻓﻲ اﻟﻨﺠﻒ" اﻧﺘﻘﻠﺖ اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺔ ﻣﻦ "اﻟﺤﺎﺋﺮي" اﻟﻤﻨﻔﺘﺢ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﯿﻦ و‬

‫اﻟﻤﺘﻔﮭﻢ ﻟﻠﻮاﻗﻊ ‪ ،‬إﻟﻰ "اﻟﺸﯿﺮازي" اﻟﻤﺘﻄﺮف و اﻟﻼ واﻗﻌﻲ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ اﻷﺻﻔﮭﺎﻧﻲ و اﻟﺨﺎﻟﺼﻲ ‪،‬‬

‫ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﺧﻂ "اﻟﺘﻄﺮف" ﯾﺸﯿﺮ إﻟﻰ ﺗﺼﺎﻋﺪ وﺗﯿﺮﺗﮫ ﻣﻊ ﺗﺼﺎﻋﺪ "اﻟﺤﺮب اﻟﺒﺎردة" ﺑﯿﻦ اﻟﺸﺮق و‬

‫اﻟﻐﺮب ‪.‬‬

‫و ﻟﻜﻦ ھﺬا ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أن اﻟﻐﺮب ﻟﻢ ﯾﺮَ أي إﯾﺠﺎﺑﯿﺎت ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺸﻌﻮر اﻟﺪﯾﻨﻲ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻤﻌﺮوف أن أﺣﺪ‬

‫أُﺳﺲ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" ھﻮ "ﻋﺪاء اﻟﺪﯾﻦ" و اﻋﺘﺒﺎر أي ﺷﻌﻮر دﯾﻨﻲ ﻣﺠﺮد "أﻓﯿﻮن" أو "ﻣﺨﺪر"‬

‫و أن اﻟﺪﯾﻦ ﯾﻨﺒﻊ ﻣﻦ "اﻷﺳﻄﻮرة" و أﻧﮫ "ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ أﻛﺎذﯾﺐ" ‪ ،‬و ﺑﺪورھﻢ ‪ ،‬ﻧﻈﺮ اﻟﻤﺘﺪﯾﻨﻮن إﻟﻰ‬

‫"اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ" ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ ﺗﺘﺂﻣﺮ ﻋﻠﻰ ﻟُﺐّ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ "اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ و اﻹﺳﻼم" ‪ ،‬و ﻣﻦ‬

‫اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أﯾﻀﺎ أن ﺳﻠﻄﺔ اﻟﺸﺎه ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺮﯾﺪ ﺧﻠﻖ ھﻜﺬا ﻣﻮاﺟﮭﺔ ﺑﯿﻦ ﻓﺮﯾﻘﯿﻦ ﻛﻼھﻤﺎ ﯾﻌﺎدي "اﻟﺴﻠﻄﺔ" ‪،‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن اﻟﺘﺄﺛﯿﺮ أﯾﻀﺎ ﻛﺎن ﻣﺘﺒﺎدﻻ ﺑﯿﻦ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ "اﻟﺪﯾﻨﻲ" و اﻟﻤﺎرﻛﺴﻲ" ‪ ،‬ﻓﺒﯿﻨﻤﺎ ﻧﺠﺪ "اﻣﺮأة ﺷﯿﻮﻋﯿﺔ‬

‫ﻣﺤﺠﺒﺔ" ﻧﺮى ﻣﻘﺎﺑﻠﮭﺎ "إﺳﻼﻣﯿﺔ ﺗﺘﺤﺪث ﻋﻦ اﻟﺼﺮاع اﻟﻄﺒﻘﻲ" ‪ ،‬و ھﺬا ﻣﺠﺮد ﻣﺜﺎل ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﺗﻨﺎﻣﻲ‬

‫"اﻟﺸﻌﻮر اﻟﻘﻮﻣﻲ" اﻟﻤﺘﻄﺮف ﻋﻠﻰ ﯾﺪ اﻟﺸﺎه و ﺟﻤﺎﻋﺘﮫ ‪ ،‬ﻛﺎن ﺳﺒﺒﺎ ﻓﻲ ﺗﻨﺎﻣﻲ اﻟﺘﻄﺮف اﻟﺪﯾﻨﻲ‪.‬‬

‫ﻓﺎﻟﻤﻌﻠﻮم أن إﯾﺮان دوﻟﺔ "ﻣﺘﻌﺪدة اﻟﻘﻮﻣﯿﺎت و اﻷدﯾﺎن" ‪ ،‬و ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﯾﺘﺴﺒﺐ اﻟﻨﻈﺎم‬

‫اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ إﯾﺮان ‪ ،‬و اﻟﺬي ﺗﺒﻨﻰ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ "اﻟﻘﻮﻣﻲ اﻟﻔﺎرﺳﯿﺔ" ‪ ،‬ﻓﻲ زﻋﺰﻋﺔ اﻟﻨﻈﺎم و‬

‫اﻟﺘﺮاﺑﻂ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ و اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ و ﻓﻲ إﯾﺮان ﺗﻮﺟﺪ اﻟﻘﻮﻣﯿﺎت اﻟﻔﺎرﺳﯿﺔ و اﻟﺘﺮﻛﯿﺔ اﻵذرﯾﺔ و اﻟﻜﺎزاﺧﯿﺔ‬

‫و اﻷﻛﺮاد و اﻟﻌﺮب و اﻟﺒﺸﺘﻮن و ﻏﯿﺮھﻢ ﻣﻦ اﻷﻗﻠﯿﺎت اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ و اﻟﻤﺬھﺒﯿﺔ ‪ ،‬و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ أن‬

‫ﺗﺘﺼﺎﻋﺪ اﻷﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺎت "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" و "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﺟﻨﺒﺎ إﻟﻰ ﺟﻨﺐ ‪ ،‬و ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ ﻓﺈن "إﯾﺮان‬

‫اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ" ﻟﯿﺴﺖ ﺑﻤﻌﺰل ﻋﻦ اﻟﺘﺄﺛﯿﺮ "اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻟﻌﺮاﻗﻲ" ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﻌﻜﺲ ﺻﺤﯿﺢ ‪ ،‬ﻓﻜﺎن ﺗﻨﺎﻣﻲ‬

‫اﻟﻌﺪاء ﺑﯿﻦ "اﻟﺘّﺸﯿﱡﻊ و اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" أﺛﺮا ﻣﺘﺒﺎدﻻ ﺑﯿﻦ اﻟﺒﻠﺪﯾﻦ "اﻟﻌﺮاق و إﯾﺮان" ‪ ،‬ﻓﻔﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي‬

‫ﺗﺼﺎﻋﺪ ﻓﯿﮫ ﺣﺲّ اﻟﻜﺮاھﯿﺔ و اﻟﻤﻮاﺟﮭﺔ ﺑﯿﻦ "ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق" و "اﻟﻘﻮﻣﯿﯿﻦ ﻣﻦ اﻟﺒﻌﺚ و اﻟﻨﺎﺻﺮﯾﯿﻦ"‬

‫‪ ،‬ﺣﺪث اﻟﺸﻲء ذاﺗﮫ ﻓﻲ إﯾﺮان ‪ ،‬ﺑﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ و اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﻔﺎرﺳﯿﺔ ‪ ،‬و أدت ﺳﯿﺎﺳﺎت اﻟﺸﺎه اﻟﺨﺎﻃﺌﺔ‬
‫‪12‬‬

‫ﺗﺠﺎه "اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ" و ﻋﺒﺮ "اﺿﻄﮭﺎدھﻢ" إﻟﻰ ﺗﻨﺎﻣﻲ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺪﯾﻨﻲ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻟﺴﻮء اﻟﺤﻆ أن ﻗﺎدت‬

‫ﺷﺨﺼﯿﺔ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ "اﻟﻘﻮﯾﺔ و اﻟﻤﺘﻄﺮﻓﺔ" اﻟﺒﻠﺪ ﻧﺤﻮ ﺣﻘﺒﺔ ﻣﻈﻠﻤﺔ ‪ ،‬أﺳﺎءت ﻹﯾﺮان ـ ﻛﺒﻠﺪ ـ و ﻟﻠﺘﺸﯿﱡﻊ ـ‬

‫ﻛﻤﺬھﺐ ـ ‪ ،‬إن أي ﻓﻜﺮ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺼﺒﺢ ﻣﻤﻨﻮﻋﺎ ‪ ،‬ﯾﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﺻﺔ ﻛﺒﯿﺮة ﻟﻠﺮواج ‪ ،‬ﺣﺴﺐ اﻟﻘﺎﻋﺪة‬

‫"ﻛﻞ ﻣﻤﻨﻮع ﻣﺮﻏﻮب" ‪ ،‬و ﺑﺪﻻ ﻣﻦ أن ﺗﻜﻮن "اﻟﺜﻮرة" ﺧﻄﻮة ﻧﺤﻮ اﻷﻣﺎم ‪ ،‬ﻓﺈﻧﮭﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺧﻄﻮات‬

‫إﻟﻰ اﻟﻮراء و ﻧﻜﺴﺔ و آﻓﺔ أﺻﺎﺑﺖ اﻟﺘﺸﯿﻊ ‪.‬‬

‫و ﻣﺸﻜﻠﺔ رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ داﺋﻤﺎ ـ و اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻟﯿﺴﻮا اﺳﺘﺜﻨﺎء ـ أﻧﮭﻢ ﯾﻔﻜﺮون ﺑﻌﻮاﻃﻔﮭﻢ ﻻ ﺑﻌﻘﻮﻟﮭﻢ ‪،‬‬

‫ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮭﻢ إذا دﺧﻠﻮا ﻓﻲ اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ و ﻧﻈﻢ اﻟﺤﻜﻢ أﻓﺴﺪوھﺎ و ﺟﻠﺒﻮا اﻟﺨﺮاب ‪ ،‬ﻟﻘﺪ ﺗﻨﺎﻣﺖ ﺧﺮاﻓﺔ‬

‫"اﻟﺸﻌﻮر اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﻟﺪى ھﺬه اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻤﻞ ﻓﻲ ذھﻨﮭﺎ ﻛﻞ أﻣﺮاض "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" و‬

‫"اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" و "اﻹﺳﻼﻣﻮﯾﺔ" ‪ ،‬ﺑﺸﻜﻞ دراﻣﺎﺗﯿﻜﻲ ﻣﺘﺼﺎﻋﺪ ‪ ،‬و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ أﻧﮭﺎ اﺧﺘﺰﻟﺖ ﻛﻞ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ‬

‫اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ‪ ،‬و ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق ﯾﻌﺎﻧﻮن ﻣﻦ اﻟﻤﺮض ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬ﻓﻲ "اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ" و أﺣﻼﻣﮫ و ﻛﻮاﺑﯿﺴﮫ ‪،‬‬

‫ﻓﻲ ﺧﻠﻖ "اﻟﺠﻨﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" اﻟﻤﻤﺘﺪة ﻣﻦ إﻧﺪوﻧﯿﺴﯿﺎ و ﺣﺘﻰ ﻣﻮرﯾﺘﺎﻧﯿﺎ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن "اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ"‬

‫اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ و اﻟﻤﻌﺎرﺿﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮاء ‪ ،‬و ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺒﻨﯿﮭﺎ ﻟﻨﻮﻋﯿﻦ ﻣﻦ اﻟﺘﻄﺮف "اﻟﻤﻠﻜﯿﺔ اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ‬

‫اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" و ﺿﺪھﺎ "اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" ‪ ،‬أﺳﮭﻤﺖ ﻓﻲ ﻧﺠﺎح اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ "اﻟﻤﺘﻄﺮﻓﯿﻦ" و‬

‫اﺳﺘﯿﻼﺋﮭﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻜﻢ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﻋﺒﺪ اﻟﺠﺒﺎر اﻟﺮﻓﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﺑﺤﺜﮫ اﻟﻤﻌﻨﻮن "ﺗﺤﺪﯾﺚ اﻟﺒﺤﺚ اﻟﻌﻠﻤﻲ ﻓﻲ اﻟﺤﻮزة اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ" و‬

‫‪Islam On Line :‬اﻟﻤﻨﺸﻮر ﺑﺘﺎرﯾﺦ ‪ 2005 \ 2 \ 3‬م ﻋﻠﻰ ﻣﻮﻗﻊ‬

‫ﺛﻢ ﺗﻌﺰز اﻟﻤﻮﻗﻊ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ واﻟﺪﯾﻨﻲ‪ ،‬وﻓﯿﻤﺎ ﺑﻌﺪ اﻟﻌﻠﻤﻲ ﻟﻤﺪرﺳﺔ ﻗﻢ‪ ،‬ﺑﻌﺪ اﻧﺘﻔﺎﺿﺔ ‪ 1963‬اﻟﺘﻲ‬

‫ﻗﺎدھﺎ اﻹﻣﺎم اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ‪ ،‬واﻧﺘﮭﺖ ﺑﺎﻧﺘﺼﺎر اﻟﺜﻮرة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﺳﻨﺔ ‪ 1979‬وإﻗﺎﻣﺔ اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪.‬‬

‫وﺑﻌﺪ ذﻟﻚ اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﺗﺴﻊ اﻟﺘﻌﻠﯿﻢ اﻟﺪﯾﻨﻲ ﻓﻲ ﻗﻢ‪ ،‬وأﺧﺬ ﯾﻨﻔﺘﺢ ﻋﻠﻰ ﻋﻮاﻟﻢ ﺟﺪﯾﺪة‪ ،‬وﯾﺤﺮث أرﺿﺎ‬

‫ﺑﻜﺮا ﻟﻢ ﯾﺪﺷﻨﮭﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ‪ ،‬ﺑﻌﺪ أن اﻧﺒﺜﻘﺖ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ اﻻﺳﺘﻔﮭﺎﻣﺎت‪ ،‬وأﺛﯿﺮ اﻟﻌﺪﯾﺪ ﻣﻦ اﻹﺷﻜﺎﻟﯿﺎت‪ ،‬وﻓﺠﺄة‬

‫ﺑﺪأ اﻟﺪارﺳﻮن ﻓﻲ اﻟﺤﻮزة اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ ﯾﻘﺮءون وﯾﺴﻤﻌﻮن ﺑﻤﺎ ﻟﻢ ﯾﻔﻜﺮوا ﻓﯿﮫ‪ ،‬وﺗﻔﺠﺮ اﻟﺴﺆال اﻟﻼھﻮﺗﻲ‬

‫اﻟﺬي ﻇﻞ ﻏﺎﺋﺒﺎ ﻋﺪة ﻗﺮون‪.‬‬

‫وﻻ رﯾﺐ ﻓﻲ أن اﻟﮭﻮﯾﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ﻟﺜﻮرة ‪ 1979‬وﻣﺴﺎھﻤﺔ اﻟﺤﻮزة اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ ﻓﻲ ﻗﯿﺎدﺗﮭﺎ‪ ،‬وﺗﻌﺒﺌﺘﮭﺎ‬

‫ﻟﻠﺠﻤﺎھﯿﺮ‪ ،‬وﻣﺎ ﻧﺤﺘﺘﮫ ﻣﻦ ﺷﻌﺎرات ووﻋﻮد ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﯿﻖ اﻻﺳﺘﻘﻼل‪ ،‬واﻟﺤﺮﯾﺔ‪ ،‬واﻷﻣﻦ‪،‬‬

‫واﻟﻀﻤﺎن‪ ،‬واﻟﺮﻓﺎھﯿﺔ‪ ،‬واﻟﺘﻘﺪم‪ ...‬وﻏﯿﺮ ذﻟﻚ‪ .‬واﻟﻘﻮل ﺑﺄن اﻟﻔﻘﮫ وﻋﻠﻢ اﻟﻜﻼم وﺳﺎﺋﺮ اﻟﻤﻌﺎرف‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﻤﻮروﺛﺔ ﻛﻔﯿﻠﺔ ﺑﺎﻟﻮﻓﺎء ﺑﺎﻟﻤﻔﺎھﯿﻢ واﻟﺒﺮاﻣﺞ اﻟﻼزﻣﺔ ﻹﻧﺠﺎز ھﺬه اﻟﻮﻋﻮد‪ ،‬وﺗﺠﺴﯿﺪ ﺗﻠﻚ‬

‫اﻟﺸﻌﺎرات ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ‪ ،‬وﺿﻊ اﻟﺤﻮزة اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ ﻟﻠﻤﺮة اﻷوﻟﻰ ﻓﻲ ﻣﻮاﺟﮭﺔ ﻣﺒﺎﺷﺮة ﻣﻊ اﻟﻨﺎس‪،‬‬

‫وﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺗﮭﻢ اﻟﺤﯿﺎﺗﯿﺔ اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ‪ ،‬ﻣﻀﺎﻓﺎ إﻟﻰ ﺗﺼﺎﻋﺪ وﺗﯿﺮة اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ واﺷﺘﺪادھﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﻘﺪﯾﻦ‬

‫اﻷﺧﯿﺮﯾﻦ‪ ،‬ﺑﻔﻌﻞ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻋﻮاﻣﻞ ﺗﻘﻨﯿﺔ )ﺛﻮرة اﻻﺗﺼﺎﻻت( وﺟﯿﻮﺳﯿﺎﺳﯿﺔ )ﺣﺮوب ﺻﺪام اﻟﺜﻼث(‬

‫واﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ )ﺗﺮاﺟﻊ ﻋﻮاﺋﺪ اﻟﺒﺘﺮول( و)ﻓﺸﻞ ﻣﺸﺎرﯾﻊ اﻟﺘﻨﻤﯿﺔ( ودﯾﻤﻮﻏﺮاﻓﯿﺔ )ﺗﻀﺎﻋﻒ ﻋﺪد اﻟﺴﻜﺎن(‬

‫و)اﻟﮭﺠﺮة اﻟﻮاﺳﻌﺔ ﻣﻦ أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن واﻟﻌﺮاق ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺤﺮوب( ـ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻻﻗﺘﺒﺎس‪.‬‬

‫اﻟﺘّﺸﯿﻊ و إﺷﻜﺎﻻت ﻣﺎ ﺑﻌﺪ اﻟﺜﻮرة !‬

‫ﻣﻦ اﻟﻀﺮوري ھﻨﺎ ‪ ،‬و ﻧﺤﻦ ﻧﺪرس اﻟﺘﺤﻮﻻت اﻟﺨﻄﯿﺮة و اﻟﻜﺒﯿﺮة ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻹﯾﺮاﻧﻲ ‪،‬‬

‫و ﺳﻨﺘﺤﺚ ﻋﻦ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﻌﺮاﻗﻲ ﻓﯿﻤﺎ ﺑﻌﺪ ‪ ،‬أن ﻧﻼﺣﻆ أن اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟﺬي ﺑﺮز ﻗﺒﯿﻞ و ﺑﻌﺪ اﻟﺜﻮرة ‪،‬‬

‫ﯾﺨﺘﻠﻒ ﺟﺬرﯾﺎ ﻋﻦ اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﺬي ﻛﺎن أﻛﺜﺮ اﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻠﺤﺪاﺛﺔ و اﻟﻤﻌﺎﺻﺮة ‪ ،‬ﻓﺒﯿﻨﻤﺎ ﯾﻐﺮق اﻟﻤﺆدﻟﺠﻮن ـ‬

‫ﻓﻲ ﻋﺼﺮ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ـ ﻓﻲ ﻣﻈﺎھﺮ و ﻣﺼﻄﻠﺤﺎت اﻟﻨﻘﺎش اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻋﻠﻰ اﻟﻄﺮاز اﻟﻐﺮﺑﻲ ـ إﻻ‬

‫أن اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ دوﻣﺎ ﻣﻊ ھﺬا اﻟﻤﻨﻄﻖ ﯾﻨﺘﮭﻲ ﺑﻄﺮوﺣﺎت ﺳﺎذﺟﺔ و ﺳﻄﺤﯿﺔ و ﺣﺘﻰ اﻧﻔﻌﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬ﺗﺠﺎه اﻟﺮأي‬
‫‪13‬‬

‫اﻟﻤﺨﺎﻟﻒ ‪ ،‬و ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﻃﺮح ﻗﻀﯿﺔ "ﻧﻘﺪ اﻟﺬات" ﻛﺨﻄﻮة ﻟﻠﺘﻄﻮﯾﺮ ‪ ،‬ﺗﻐﺮق اﻟﻤﺪرﺳﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ‬

‫"اﻟﺤﻮزة" ﻓﻲ ﻧﻘﺪ اﻟﻐﺮب و اﻟﺤﺪاﺛﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﻘﻒ ﺗﺠﺎه "اﻟﺬات ‪ +‬اﻷﻧﺎ" ﻣﻮﻗﻒ اﻟﺘﻘﺪﯾﺲ و اﻻﺣﺘﺮام‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ ﻋﺒﺪ اﻟﺠﺒﺎر اﻟﺮﻓﺎﻋﻲ ـ اﻷﺳﺘﺎذ ﻓﻲ ﺣﻮزة ﻗﻢ ـ ‪:‬‬

‫" ﻣﻨﺬ ﻋﺸﺮﯾﻦ ﻋﺎﻣﺎ ﺑﺪأت ﺗﺘﺸﻜﻞ ﻓﻲ ﻃﮭﺮان ﺣﻠﻘﺎت دراﺳﯿﺔ وﻧﻘﺎﺷﯿﺔ ‪ ،‬ﺗﮭﺘﻢ ﺑﺎﻟﺘﻔﻜﯿﺮ‬

‫ﺑﺎﺳﺘﻔﮭﺎﻣﺎت ﻻھﻮﺗﯿﺔ ﻟﻢ ﯾﻌﺮﻓﮭﺎ اﻟﻤﮭﺘﻤﻮن ﺑﺎﻟﺪراﺳﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ إﯾﺮان ﻗﺒﻞ ھﺬه اﻟﻔﺘﺮة‪ .‬ﺗﺪور‬

‫ﺣﻮل‪ :‬ﻣﺎ ﯾﺘﺮﻗﺒﮫ اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻦ اﻟﺪﯾﻦ‪ ،‬وﺟﺪل اﻟﻌﻠﻢ واﻟﺪﯾﻦ‪ ،‬واﻟﻌﻘﻞ واﻟﻤﻌﺘﻘﺪات اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‪ ،‬وﻃﺒﯿﻌﺔ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ‬

‫اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‪ ،‬وﻣﺠﺎل اﻟﺪﯾﻦ وﺣﺪوده ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن‪ ،‬وھﻜﺬا ﺣﻘﻞ اﻟﻔﻘﮫ وﻣﺪﯾﺎﺗﮫ‪ ،‬وﻣﺸﺮوﻋﯿﺔ اﻟﺪوﻟﺔ‬

‫اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‪ ،‬وإﻣﻜﺎﻧﯿﺔ ﺗﻮﻇﯿﻒ اﻟﻤﻨﺎھﺞ واﻷدوات اﻟﻤﻌﺎﺻﺮة ﻟﻠﻌﻠﻮم اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﻓﻲ دراﺳﺔ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‬

‫واﻟﺘﺮاث واﻟﻨﺺ‪ ...‬وﻏﯿﺮ ذﻟﻚ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﺮف اﻟﯿﻮم ﺑﻤﺒﺎﺣﺚ »ﻓﻠﺴﻔﺔ اﻟﺪﯾﻦ وﻋﻠﻢ اﻟﻜﻼم اﻟﺠﺪﯾﺪ« ﻓﻲ‬

‫إﯾﺮان‪.‬‬

‫وﺑﺎﻟﺘﺪرﯾﺞ ﺣﻔﻠﺖ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﺪورﯾﺎت اﻟﻨﺎﻃﻘﺔ ﺑﺎﻟﻔﺎرﺳﯿﺔ ﺑﮭﺬه اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺎت‪ ،‬واھﺘﻤﺖ دور‬

‫اﻟﻨﺸﺮ ﺑﻄﺒﺎﻋﺔ ﻋﺪد وﻓﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﺪراﺳﺎت اﻟﻤﺘﺮﺟﻤﺔ ﻋﻦ اﻹﻧﺠﻠﯿﺰﯾﺔ واﻷﻟﻤﺎﻧﯿﺔ واﻟﻔﺮﻧﺴﯿﺔ‪ ،‬اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻨﺎول‬

‫ﻗﻀﺎﯾﺎ ﻓﻠﺴﻔﺔ اﻟﺪﯾﻦ‪ ،‬واﻟﻼھﻮت اﻟﻜﻨﺴﻲ اﻟﺤﺪﯾﺚ‪ ،‬واﻟﺘﻌﺪدﯾﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‪ ،‬واﻟﮭﺮﻣﻨﯿﻮﻃﯿﻘﺎ واﻟﺘﺄوﯾﻞ‪ ،‬وﻓﻠﺴﻔﺔ‬

‫اﻟﻠﻐﺔ‪ ،‬واﻷﻟﺴﻨﯿﺎت‪ ،‬وﻓﻠﺴﻔﺔ اﻟﻌﻠﻢ‪ ...‬وﻏﯿﺮھﺎ‪.‬‬

‫وﻛﺎﻧﺖ اﻟﺤﻮزة اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ ﻓﻲ ﻗﻢ أول ﻣﺤﻄﺔ ﻟﮭﺠﺮة ھﺬه اﻟﻨﻘﺎﺷﺎت واﻟﻜﺘﺎﺑﺎت ﻣﻦ ﻃﮭﺮان‪ ،‬ﻓﻘﺒﻞ‬

‫ﻋﺸﺮ ﺳﻨﻮات اﻓﺘﺘﺢ اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻋﺒﺪ اﻟﻜﺮﯾﻢ ﺳﺮوش‪ ،‬وھﻮ أﺣﺪ أﺑﺮز اﻟﻤﻔﻜﺮﯾﻦ ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺤﻘﻞ‪ ،‬ﺣﻠﻘﺔ‬

‫ﻟﺪراﺳﺔ ﻋﻠﻢ اﻟﻜﻼم اﻟﺠﺪﯾﺪ ﻓﻲ ﻗﻢ‪ ،‬وﻇﻞ ﯾﺪﯾﺮھﺎ ﺑﻨﻔﺴﮫ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺳﻨﺔ‪ ،‬وﻛﺎن ﯾﺨﺘﻠﻒ إﻟﯿﮭﺎ ﻧﺨﺒﺔ ﻣﻦ‬

‫ﺗﻼﻣﺬة اﻟﺤﻮزة اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ ‪.‬‬

‫واﺳﺘﻌﺮ اﻟﺴﺠﺎل ﺑﯿﻦ اﻟﺪارﺳﯿﻦ ﻓﻲ إﯾﺮان ﺣﻮل ﻣﺸﺮوﻋﯿﺔ ﺗﻮﻇﯿﻒ ﻣﻨﺎھﺞ اﻟﻌﻠﻮم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ‬

‫اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ‪ ،‬وھﻜﺬا أدوات وﻣﻘﻮﻻت اﻟﻼھﻮت اﻟﺠﺪﯾﺪ‪ ،‬ﻓﻲ اﻟﺪراﺳﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪ ،‬ﺑﻞ ﻣﺸﺮوﻋﯿﺔ اﻻﺷﺘﻐﺎل‬

‫ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺒﺎﺣﺚ‪ ،‬وﺗﺄﺟﯿﺞ أﺳﺌﻠﺔ‪ ،‬وإﺛﺎرة إﺷﻜﺎﻻت ﻣﻦ ﺷﺄﻧﮭﺎ أن ﺗﺰﻋﺰع إﯾﻤﺎن اﻟﻨﺎس وﺗﻌﺼﻒ‬

‫ﺑﻤﻌﺘﻘﺪاﺗﮭﻢ‪.‬‬

‫وﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ھﺬه اﻻﻋﺘﺮاﺿﺎت وازدﯾﺎد ﻣﻈﺎھﺮ اﻻﺣﺘﺠﺎج ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻟﻠﻮن ﻣﻦ اﻷﺑﺤﺎث‪ ،‬ﻓﺈن‬

‫ﻋﺪد اﻟﻤﻨﺨﺮﻃﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﺴﺠﺎل اﺗﺴﻊ‪ ،‬ﻓﺎﺳﺘﻮﻋﺐ اﻟﻨﺨﺒﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﻮزة اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ واﻟﺠﺎﻣﻌﺎت‪ ،‬وﺻﺎر ﻣﻦ أھﻢ‬

‫ﻣﺸﺎﻏﻞ اﻟﻤﻨﺘﺪﯾﺎت اﻟﺜﻘﺎﻓﯿﺔ وﻣﺮاﻛﺰ اﻟﺒﺤﻮث‪ ،‬واﻟﺪورﯾﺎت اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ ‪.‬‬

‫ﺛﻢ ﺗﻮﻏﻠﺖ ھﺬه اﻟﻤﺒﺎﺣﺚ ﻓﻲ أﻗﺴﺎم دراﺳﺎت اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ وﻋﻠﻢ اﻟﻜﻼم وﻏﯿﺮھﻤﺎ ﻓﻲ ﻛﻠﯿﺎت اﻹﻟﮭﯿﺎت‬

‫واﻟﺸﺮﯾﻌﺔ‪ ".‬ـ اﻟﻤﺼﺪر اﻟﺴﺎﺑﻖ‪.‬‬

‫ﻓﺎﻟﻤﻼﺣﻆ أن اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﺠﺪﯾﺪ ‪ ،‬ﻓﻲ ﺣﻘﯿﻘﺘﮫ ‪ ،‬ﻣﻌﺎﻛﺲ ﻟﻠﺘﺸﯿﻊ اﻟﻘﺪﯾﻢ أو ﺑﺎﻷﺣﺮى ﯾﻘﻒ ﺑﺎﻟﻀﺪ ﻣﻨﮫ ‪،‬‬

‫ﻓﻤﮭﻤﺎ ﺣﻤﻞ اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﻘﺪﯾﻢ ﻣﻦ "ﺧﺮاﻓﺎت" و "ﻃﻘﻮس" و "ﺷﻌﺎﺋﺮ" ‪ ،‬إﻻ أﻧﮫ ﻛﺎن ﯾﻤﺜﻞ ﺣﻘﯿﻘﺔ "اﻟﺪﯾﻦ‬

‫اﻟﺸﻌﺒﻲ" و "دﯾﻦ اﻟﻔﻘﺮاء و اﻟﻤﺤﺮوﻣﯿﻦ" ‪ ،‬ﻟﻜﻦ و ﻣﻨﺬ ﺗﺒﻨﻲ "إﯾﺮان اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻟﻤﺒﺪأ "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ـ‬

‫" ‪ ،‬إﻧﻘﻠﺐ ‪oligarchy of clergy‬اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﻤﻄﻠﻖ اﻟﺼﻼﺣﯿﺎت" و ﻇﮭﻮر "أوﻟﯿﺠﺎرﻛﯿﺔ اﻟﻤﻼﯾﺔ‬

‫اﻟﻤﺬھﺐ إﻟﻰ ﻧﻮع آﺧﺮ ﻣﻦ "دﯾﻦ اﻟﺴﻠﻄﺔ" و اﻧﺘﻘﻠﻨﺎ ﻣﻦ "وﻋﺎظ اﻟﺴﻼﻃﯿﻦ" إﻟﻰ "ﺳﻠﻄﺎن اﻟﻮاﻋﻈﯿﻦ" ‪،‬‬

‫ﺣﺴﺐ ﺗﻌﺒﯿﺮ أﺣﺪ اﻟﻜﺘّﺎب ‪ ،‬و ﻣﺸﻜﻠﺔ "اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺴﻄﺤﯿﺔ" اﻟﺘﻲ ﻧﻈّﺮت ﻟﮭﺎ "اﻟﺤﻮزة" أﻧﮭﺎ "ﺣﺮﯾﺔ‬

‫ﻣﺆﻃﺮة" ‪ ،‬أو ﻟﻨﺸﺒﮭﮭﺎ ﺑـ"اﻟﺴﺠّﺎن" اﻟﺬي ﯾﺨﺒﺮ اﻟﻤﺴﺠﻮﻧﯿﻦ أﻧﮭﻢ "أﺣﺮار داﺧﻞ زﻧﺰاﻧﺎﺗﮭﻢ" ‪ ،‬و ھﻨﺎ‬

‫ﻓﻨﺤﻦ ﻧﺠﺪ أن ﻛﻞ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻣﺪروﺳﺔ ﺗﺪور ﻓﻲ أﻃﺎر "اﻟﻼھﻮت" ‪ ،‬و أن ﻛﻞ ﻣﺮﺷﺢ ﻟﻼﻧﺘﺨﺎﺑﺎت ﻻ ﺑﺪ و‬

‫أن ﯾﺪور ﻓﻲ ﻓﻠﻚ اﻹﺳﻼم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬و ﺑﺪون ذﻟﻚ ﻧﺠﺪ أن ﻛﻞ ﺷﻲء ﯾﻨﻈﺮ إﻟﯿﮫ ﻋﻠﻰ أﻧﮫ "ﻋﺪو" و‬

‫"ﻣﺆاﻣﺮة" و "ﺗﮭﺪﯾﺪ ﻟﻸﻣﻦ اﻟﻘﻮﻣﻲ" و ﻓﻌﻼ ﺷﮭﺪت اﻟﺘﺴﻌﯿﻨﯿﺎت و ﻓﻲ ﻓﺘﺮة ﺑﺮوز "اﻟﺮﺋﯿﺲ ﻣﺤﻤﺪ‬
‫‪14‬‬

‫ﺧﺎﺗﻤﻲ" ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺼﺮاع ﺑﯿﻦ اﻹﺻﻼﺣﯿﯿﻦ و اﻟﻤﺤﺎﻓﻈﯿﻦ ـ اﻟﺬﯾﻦ أُﻓﻀّﻞ ﺗﺴﻤﯿﺘﮭﻢ ﺑﺎﻟﺮﺟﻌﯿﯿﻦ ـ و‬

‫ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺧﺸﻲ اﻟﻤﺤﺎﻓﻈﻮن ﻣﻦ اﻟﺘﺄﯾﯿﺪ اﻟﻤﺘﺼﺎﻋﺪ ﻟﻺﺻﻼﺣﯿﯿﻦ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﺸﺒﺎب و اﻟﻨﺴﻮة اﻹﯾﺮاﻧﯿﺎت ‪،‬‬

‫ﻗﺎم اﻟﺤﺮس اﻟﻘﺪﯾﻢ ﺑﺘﺤﺠﯿﻢ دور اﻟﺮﺋﯿﺲ ﺧﺎﺗﻤﻲ ﺧﺼﻮﺻﺎ ﻓﻲ دورﺗﮫ اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﯿﺔ اﻟﺜﺎﻧﯿﺔ ﺣﯿﺚ ﺷﺒﮭﮫ‬

‫ﺳﯿﺎﺳﯿﻮن إﯾﺮاﻧﯿﻮن ﻣﻌﺎرﺿﻮن ﺑﺎﻟﺪﻣﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻠﻌﺐ ﺑﮭﺎ اﻟﻤﺤﺎﻓﻈﻮن ‪ ،‬و ﻗُﻤﻌﺖ ﻣﻈﺎھﺮات اﻟﻄﻠﺒﺔ ﺑﺎﻟﺸﺪة‬

‫و اﻟﻘﺴﻮة‪.‬‬

‫ﻓﻤﺜﻼ ﻧﺠﺪ أن آﯾﺔ اﷲ ﺻﺎدق اﻟﺤﺴﯿﻨﻲ اﻟﺸﯿﺮازي و ﻋﻠﻰ ﻧﺴﻖ آﯾﺔ اﷲ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ‪ ،‬ﯾﺮوج ـ ﻓﻲ‬

‫ﻛﺘﺎﺑﮫ "اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم" ـ ﻟﻔﻜﺮة أن اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ھﻲ ﺳﯿﺎﺳﺔ "ﻣﺜﺎﻟﯿﺔ" ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ اﻷﺧﻼق‬

‫و اﻟﻔﻀﯿﻠﺔ و اﻹﺣﺴﺎن و اﻟﻌﺪل ‪ ،‬و ھﺬا ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻲ "ﻋﺼﺮ اﻷﻧﺒﯿﺎء" ‪ ،‬أﻣﺎ ﻓﻲ ﻋﺼﺮﻧﺎ اﻟﺤﺎﻟﻲ ‪ ،‬و ﻓﻲ‬

‫زﻣﻦ اﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﯿﺎ اﻟﻨـــﻮوﯾﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ و زﻣﻦ اﻟﻌــﻨﻒ "اﻟﺬي ﯾﻤﺎرس ﺗﺤﺖ ﺷﻌﺎر اﻟﻤﻘﺎوﻣﺔ" ‪ ،‬و ﺗﺒﺪﯾﺪ‬

‫اﻟﻤﺎل ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻼح و ﺷﺮاءه و ﺗﻄﻮﯾﺮه ‪ ،‬و ﺗﻔﺎﻗﻢ اﻟﻔﻘﺮ و اﻟﻌﻮز و اﻟﻄﺒﻘﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ‬

‫ﺧﺼﻮﺻﺎ ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﺠﻠﻲ و اﻟﻮاﺿﺢ أن "اﻟﻤﻌﻤﻢ" ﻛﺴﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬ﻻ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﻧﻈﯿﺮه "اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ" ‪ ،‬ھﺬا إن‬

‫ﻟﻢ ﯾﻜﻦ أﺳﻮأ ‪ ،‬ﻛﻮﻧﮫ ﯾﺤﺎول أﺿﻔﺎء اﻟﻘﺪﺳﯿﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﮫ‪.‬‬

‫إن اﻟﻼ أﺧﻼﻗﯿﺔ و اﻟﻤﯿﻜﺎﻓﯿﻠﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺟﺴﺪھﺎ ﻣﻼﯾﺔ إﯾﺮان ﻓﻲ ﺳﯿﺎﺳﺘﮭﻢ اﻟﻤﻠﯿﺌﺔ ﺑﺎﻟﺨﺪاع و اﻟﻤﺮاوﻏﺔ‬

‫و إﻟﮭﺎء اﻟﺸﻌﺐ ﺑﺎﻷﻋﺪاء اﻟﺨﺎرﺟﯿﯿﻦ ‪ ،‬أﺛﺒﺖ ﺑﻤﺎ ﻻ ﯾﻘﺒﻞ اﻟﺸﻚ ‪ ،‬أن ﻛﻞ ﻣﺎ ﻃﺮﺣﮫ اﻟﻤﻌﻤﻤﻮن ﻣﻦ‬

‫"ﺳﯿﺎﺳﺔ اﻹﺳﻼم اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ" ھﻲ ﻣﺠﺮد ﻛﺬﺑﺔ ‪ ،‬و ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺗﻄﺮف آﯾﺔ اﷲ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ إﻻ أﻧﮫ ﻋﻠﻰ‬

‫اﻷﻗﻞ ﻛﺎن ﺻﺮﯾﺤﺎ ﻓﻲ ﻣﺤﺎوﻟﺘﮫ ﺟﻌﻞ اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" أﺧﻼﻗﯿﺔ أو ﻣﺜﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬و ﻟﻜﻨﮫ ﻃﺒﻌﺎ‬

‫ﻓﺸﻞ ﻓﻲ إﻗﻨﺎع اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ "اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" ﻣﻦ اﺗﺨﺎذ ھﺬا اﻟﺨﻂ ‪ ،‬و اﻟﺪﻟﯿﻞ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ أن اﻟﺮﺟﻞ ﻟﻢ ﯾﻜﺪ‬

‫ﯾﻨﺘﻘﻞ إﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ اﻟﻐﯿﺐ ‪ ،‬ﺣﺘﻰ ﺳﺎرع اﻹﯾﺮاﻧﯿﻮن إﻟﻰ اﻟﺼﻠﺢ ﻣﻊ ﻧﻈﺎم "اﻟﺒﻌﺚ" ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬و دون‬

‫ﺷﺮوط ﻣﺴﺒﻘﺔ ﺗﺤﻔﻆ ﻟﻺﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ﻣﺎء اﻟﻮﺟﮫ و ﻣﺌﺎت اﻵﻻف اﻟﺬﯾﻦ ﻗﺘﻠﻮا ﻓﻲ اﻟﺤﺮب اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ ـ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ‬

‫‪ 1980‬ـ ‪ 1988‬م ‪ ،‬و ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻧﻈﺎم اﻟﺒﻌﺚ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ﯾﺮﺑﻲ اﻷﺟﯿﺎل ﻋﻠﻰ أن اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ‬

‫أﻋﺪاء و أﻧﮭﻢ "اﻟﻔﺮس اﻟﻤﺠﻮس"‪.‬‬

‫اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻵﺧﺮ اﻟﻘﺒﯿﺢ ﻣﻦ اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ھﻮ ﺗﺮﺳﯿﺨﮭﻢ ﻟﻠﻌﻼﻗﺎت ﻣﻊ اﻟﻨﻈﻢ "اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ‬

‫اﻻﺳﺘﺒﺪادﯾﺔ" ﻛﺎﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴﻮري "اﻟﺒﻌﺚ اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻟﺴﻮري" ‪ ،‬اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ ﻓﻲ ﻛﻮﺑﺎ "دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ‬

‫ﻛﺎﺳﺘﺮو" ‪ ،‬اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ ﻓﻲ ﻛﻮرﯾﺎ اﻟﺸﻤﺎﻟﯿﺔ "اﻟﻄﺎﻏﯿﺔ ﻛﻢ ﺳﻮﻧﻎ إل" ‪ ،‬اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ اﻟﺼﯿﻨﯿﺔ ‪،‬‬

‫روﺳﯿﺎ اﻹﺗﺤﺎدﯾﺔ و ﻧﻈﺎﻣﮭﺎ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﮭﺶ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻜﺲ أﺳﻮأ ﻣﺜﻞ ﻋﻠﻰ "اﻟﺒﺮاﻏﻤﺎﺗﯿﺔ" أو ﻟﻨﻘﻞ أﻧﮫ‬

‫اﻟﻨﻤﻮذج اﻷﺳﻮأ ﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﻤﻨﻔﻌﯿﺔ اﻟﻮاﻗﻌﯿﺔ‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻨﻲ ‪ ،‬رﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﻗﻀﺎﯾﺎ ﺷﻤﻮﻟﯿﺔ ‪ ،‬ﻛـ"ﻓﻠﺴﻄﯿﻦ" ‪" ،‬اﻟﺼﺮاع اﻟﻌﺮﺑﻲ‬

‫اﻹﺳﺮاﺋﯿﻠﻲ" ‪ ،‬و ﺑﺸﻜﻞ ﯾﻨﺎﻗﺾ ﺗﻤﺎﻣﺎ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ ﻟﻠﺸﻌﺐ اﻹﯾﺮاﻧﻲ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن إﯾﺮان أﺻﺒﺤﺖ‬

‫ﺗﺘﺒﻨﻰ "اﻟﻤﺸﺮوع اﻟﻘﻮﻣﻲ اﻟﻌﺮﺑﻲ" ﻓﻲ ﺣﻨﯿﻦ واﺿﺢ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ذوي "اﻟﻌﻤﺎﺋﻢ اﻟﺴﻮد" إﻟﻰ اﻷﻣﺠﺎد‬

‫اﻟﻘﺮﯾﺸﯿﺔ ‪ ،‬ﻣﻊ أن إﯾﺮان ﻟﯿﺴﺖ دوﻟﺔ ﻋﺮﺑﯿﺔ‪.‬‬

‫اﻟﺘﺸﯿﱡﻊ و وﻻﯾـــﺔ اﻟﻔﻘـــﯿﮫ‬

‫‪..........‬‬

‫ﺗﻘﻮم "ﻧﻈﺮﯾﺔ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" و اﻟﺘﻲ ﻃﺮﺣﮭﺎ آﯾﺔ اﷲ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ‪ ،‬و‬

‫ﻗﺪ اﺳﺘﻮﺣﺎھﺎ ﻣﻦ آﯾﺔ اﷲ أﺣﻤﺪ اﻟﻨﺮاﻏﻲ "ﻣﻦ ﻋﻠﻤﺎء اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ اﻟﻘﺮن ‪ 19‬ﻣﯿﻼدي" ‪ ،‬ﻋﻠﻰ ﻣﺒﺪأ‬

‫أﺳﺎﺳﻲ ھﻮ أن اﻟﻨﺒﻲ "ﻣﺤﻤﺪ" و ﺧﻠﯿﻔﺘﮫ ـ ﺣﺴﺐ اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺸّﯿﻌﯿﺔ ـ اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻲ ‪ ،‬ﻟﻢ ﯾﻜﺘﻔﻮا ﺑﺎﻟﻘﯿﺎم‬

‫ﺑﺎﻟﺪﻋﻮة و اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ و ﺗﻮﺿﯿﺢ اﻟﻨّﺺ اﻟﻤﻘﺪس ‪ ،‬ﺑﻞ أداروا ﻧﻈﺎﻣﺎ إدارﯾﺎ ﻛﺎﻣﻼ ‪ ،‬ﻛﺈدارة اﻟﺤﺮب و‬

‫ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻷﺣﻜﺎم و اﻟﺤﺪود ‪ ،‬ﯾﻘﻮل آﯾﺔ اﷲ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ‪:‬‬
‫‪15‬‬

‫وﺟﻮد اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪوﱠن ﻻ ﯾﻜﻔﻲ ﻻﺻﻼح اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‪ .‬ﻓﻜﻠﻲ ﯾﺼﺒﺢ اﻟﻘﺎﻧﻮن أﺳﺎﺳﺎً ﻻﺻﻼح اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ‬

‫واﺳﻌﺎدھﺎ‪ ،‬ﻓﺈﻧﮫ ﯾﺤﺘﺎج إﻟﻰ ﺳﻠﻄﺔ ﺗﻨﻔﯿﺬﯾﺔ وﻟﺬا أﻗﺮ اﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ واﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﺔ واﻻدارﯾﺔ إﻟﻰ‬

‫ﺟﺎﻧﺐ إرﺳﺎل اﻟﻘﺎﻧﻮن‪ ،‬أي أﺣﻜﺎم اﻟﺸﺮع‪ .‬وﻛﺎن اﻟﺮﺳﻮل اﻷﻛﺮم )ص( ﻋﻠﻰ رأس اﻟﺘﺸﻜﯿﻼت اﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﺔ‬

‫واﻻدارﯾﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ اﻻﺳﻼﻣﻲ‪ ،‬واھﺘﻢ )ص( ـ ﺑﺎﻻﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ اﺑﻼغ اﻟﻮﺣﻲ وﺑﯿﺎن وﺗﻔﺴﯿﺮ اﻟﻌﻘﺎﺋﺪ‬

‫واﻷﺣﻜﺎم واﻷﻧﻈﻤﺔ اﻻﺳﻼﻣﯿﺔ ـ ﺑﺎﺟﺮاء اﻻﺣﻜﺎم وإﻗﺎﻣﺔ ﻧﻈﻢ اﻻﺳﻼم‪ ،‬إﻟﻰ أن وﺟﺪت اﻟﺪوﻟﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‬

‫ﻓﻠﻢ ﯾﻜﺘﻒ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﺰﻣﺎن ﻣﺜﻼً ﺑﺒﯿﺎن ﻗﺎﻧﻮن اﻟﺠﺰاء ﻓﺤﺴﺐ‪ ،‬ﺑﻞ ﻗﺎم ﻣﻊ ذﻟﻚ ﺑﺘﻨﻔﯿﺬه أﯾﻀﺎً‪ ،‬ﻓﻘﻄﻊ اﻷﯾﺪي‬

‫ورﺟﻢ وأﻗﺎم اﻟﺤﺪود‪ .‬وﻛﺎن ﻟﻠﺨﻠﯿﻔﺔ واﻟﻤﺮﺗﺒﺔ‪ .‬ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﻋﯿﻦ اﻟﺮﺳﻮل اﻷﻛﺮم )ص( ﺧﻠﯿﻔﺔ ﺑﻌﺪه‪ ،‬ﻟﻢ ﯾﻜﻦ‬

‫ذﻟﻚ ﻟﻤﺠﺮد ﺑﯿﺎن اﻟﻌﻘﺎﺋﺪ واﻷﺣﻜﺎم‪ ،‬ﺑﻞ ﻛﺎن ﻷﺟﻞ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻷﺣﻜﺎم وﺗﻨﻔﯿﺬ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ أﯾﻀﺎً‪.‬‬

‫وﻛﺎﻧﺖ وﻇﯿﻔﺔ ﺗﻨﻔﯿﺬ اﻷﺣﻜﺎم واﻗﺎﻣﺔ ُﻧﻈُﻢ اﻹﺳﻼم ھﻲ اﻟﺘﻲ ﺟﻌﻠﺖ ﺗﻌﯿﯿﻦ اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ ﻣﮭﻤﺎً إﻟﻰ درﺟﺔ ﻟﻮﻻه‬

‫ﻟﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﺮﺳﻮل )ص( ﻗﺪ ﺑﻠﻎ رﺳﺎﻟﺘﮫ‪ ،‬وﻟﻤﺎ ﻛﺎن أﻛﻤﻠﮭﺎ‪ ،‬إذ إن اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﺑﻌﺪ اﻟﺮﺳﻮل )ص( ﻛﺎﻧﻮا‬

‫ﯾﺤﺘﺎﺟﻮن إﻟﻰ ﻣﻦ ﯾﻄﺒﻖ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ‪ ،‬وﯾﻘﯿﻢ اﻟﻨﻈﻢ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻟﺘﺄﻣﯿﻦ ﺳﻌﺎدة اﻟﺪﻧﯿﺎ واﻵﺧﺮة‪.‬‬

‫و ﯾﻀﯿﻒ ‪:‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﺒﺪﯾﮭﻲ أن ﺿﺮورة ﺗﻨﻔﯿﺬ اﻷﺣﻜﺎم اﻟﺘﻲ اﺳﺘﻠﺰﻣﺖ ﺗﺸﻜﯿﻞ ﺣﻜﻮﻣﺔ اﻟﺮﺳﻮل اﻷﻛﺮم )ص( ﻟﯿﺴﺖ‬

‫ﻣﻨﺤﺼﺮة وﻣﺤﺪودة ﺑﺰﻣﺎﻧﮫ )ص(‪ ،‬ﻓﮭﻲ ﻣﺴﺘﻤﺮة أﯾﻀﺎً ﺑﻌﺪ رﺣﻠﺘﮫ )ص(‪ .‬وﻓﻘﺎً ﻟﻶﯾﺎت اﻟﻘﺮآﻧﯿﺔ‬

‫ﻓﺈن أﺣﻜﺎم اﻹﺳﻼم ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺤﺪودة ﺑﺰﻣﺎن وﻣﻜﺎن ﺧﺎﺻﯿﻦ‪ ،‬ﺑﻞ ھﻲ ﺑﺎﻗﯿﺔ وواﺟﺒﺔ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬ ]‪[1‬اﻟﻜﺮﯾﻤﺔ‪1‬‬

‫إﻟﻰ اﻷﺑﺪ‪.‬‬

‫ﻓﻠﻢ ﺗﺄت ﻷﺟﻞ زﻣﺎن اﻟﺮﺳﻮل اﻷﻛﺮم )ص( ﻟﺘﺘﺮك ﺑﻌﺪه وﻻ ﺗﻨﻔّﺬ أﺣﻜﺎم اﻟﻘﺼﺎص‪ ،‬أي اﻟﻘﺎﻧﻮن‬

‫اﻟﺠﺰاﺋﻲ ﻟﻺﺳﻼم‪ .‬أو ﻻ ﺗﺆﺧﺬ اﻟﻀﺮاﺋﺐ اﻟﻤﻘﺮرة‪ ،‬أو ﯾﺘﻌﻄﻞ اﻟﺪﻓﺎع ﻋﻦ اﻷراﺿﻲ واﻷﻣﺔ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺘﯿﻦ‪ .‬واﻟﻘﻮل ﺑﺄن ﻗﻮاﻧﯿﻦ اﻹﺳﻼم ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺘﻌﻄﯿﻞ‪ ،‬أو أﻧﮭﺎ ﻣﻨﺤﺼﺮة ﺑﺰﻣﺎن أو ﻣﻜﺎن ﻣﺤﺪدﯾﻦ‬

‫ﺧﻼف اﻟﻀﺮورﯾﺎت اﻟﻌﻘﺎﺋﺪﯾﺔ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم‪ .‬وﻋﻠﯿﮫ ﻓﺒﻤﺎ أن ﺗﻨﻔﯿﺬ اﻷﺣﻜﺎم ﺿﺮورة ﺑﻌﺪ اﻟﺮﺳﻮل اﻷﻛﺮم‬

‫)ص( وإﻟﻰ اﻷﺑﺪ‪ ،‬ﻓﺈن ﺗﺸﻜﯿﻞ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ وإﻗﺎﻣﺔ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﺔ اﻹدارﯾﺔ ﯾﺼﺒﺢ ﺿﺮورﯾﺎً‪ .‬ﻓﺒﺪون‬

‫ﺗﺸﻜﯿﻞ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ‪ ،‬وﺑﺪون اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﺔ واﻻدارﯾﺔ ـ واﻟﺬي ﯾﺠﻌﻞ ﺟﻤﯿﻊ ﺗﺼﺮﻓﺎت واﻧﺸﻄﺔ اﻓﺮاد‬

‫اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺧﺎﺿﻌﺎً ﻟﻨﻈﺎم ﻋﺎدل‪ ،‬وذﻟﻚ ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ ﺗﻨﻔﯿﺬ اﻷﺣﻜﺎم ـ ﺑﺪون ذﻟﻚ ﺗﻠﺰم اﻟﻔﻮﺿﻰ‪ ،‬وﯾﺘﻔﺸﻰ‬

‫اﻟﻔﺴﺎد اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ واﻟﻌﻘﺎﺋﺪي واﻷﺧﻼﻗﻲ‪.‬‬

‫إﻧﻨﺎ ھﻨﺎ ﺑﺪاﯾﺔ أﻣﺎم ﺗﻠﻚ اﻹﺷﻜﺎﻟﯿﺔ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻄﺮﺣﮭﺎ "اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن اﻷﺻﻮﻟﯿﻮن" دوﻣﺎ ‪ ،‬و ھﻮ‬

‫اﻟﺮﺟﻮع إﻟﻰ "اﻟﻤﺜﺎل" أو "اﻟﻨﻤﻮذج" اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ اﻟﻤﺎﺿﻮي ـ ذو اﻟﻄﺒﯿﻌﺔ اﻟﺘﺨﯿﻠﯿﺔ ـ إذ أن ھﺬه اﻟﻤﺎدة‬

‫ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻮروث اﻟﺸﻔﮭﻲ اﻟﺘﺮاﺛﻲ اﻟﺬي ﯾﺤﻤﻞ ﻓﻲ ذاﺗﮫ ﻧﻮﻋﺎ ﻣﻦ "اﻟﻜﻢ اﻟﻤﺘﺮاﻛﻢ" ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺘﺮاث ﻛﻜﻞ‬

‫ھﻮ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ رواﯾﺎت "ﺗﺮاث" ﯾﺘﻮﻗﻒ ﺣﺠﻤﮭﺎ و ﻧﻮﻋﮭﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺰاج اﻟﺒﺎﺣﺚ و ﻧﻈﺮﺗﮫ "اﻟﺘﻤﺤﯿﺼﯿﺔ"‬

‫ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻨﺼﻮص ‪ ،‬و ﻣﮭﻤﺎ ﺣﺎول اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ھﻨﺎ إﻗﻨﺎﻋﻨﺎ ﻓﮭﻮ ﯾﺒﻘﻰ داﺋﺮا أوﻻ ﻓﻲ ﻓﻠﻚ "اﻟﺘﺸﯿﻊ"‬

‫و ﻟﺮﺑﻤﺎ ﻻ ﺗﺘﻼﺋﻢ ﻓﻠﺴﻔﺘﮫ ﻣﻊ اﻟﻤﺬاھﺐ اﻷﺧﺮى اﻟﺘﻲ ﺗﺆﻣﻦ أن اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﺗﺮك اﻷﻣﻮر ﻓﻮﺿﻰ ﻣﻦ‬

‫ﺑﻌﺪه ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻛﯿﻒ ﻟﻠﻔﻘﯿﮫ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮ أن ﯾﻀﻊ ﻧﻔﺴﮫ ﻓﻲ ﻣﻘﺎم اﻟﻤﻌﺼﻮم ؟! و ھﻞ ﻛﺎن اﻟﺸﯿﻌﺔ و اﻻﺋﻤﺔ‬

‫اﻹﺛﻨﻲ ﻣﺨﻄﺌﯿﻦ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻟﻢ ﯾﻘﻮﻣﻮا ﺑﺘﻄﺒﯿﻖ ھﺬه اﻷﺣﻜﺎم ﻃﻮال ‪ 1400‬ﺳﻨﺔ ھﻲ ﻋﻤﺮ اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻹﺳﻼﻣﻲ‬

‫؟!‪.‬‬

‫‪ [1] 1 ‬ﻛﻨﻤﻮﺫﺝ‪ ‬ﻟﻬﺬﻩ‪ ‬ﺍﻵﻳﺎﺕ‪ : ‬ﺍﻵﻳﺔ‪ 52 ‬ﺳﻮﺭﺓ‪ ‬ﺍﺑﺮﺍﻫﻴﻢ‪ ٬‬ﻭﺍﻵﻳﺔ‪ 2 ‬ﺳﻮﺭﺓ‪ ‬ﻳﻮﻧﺲ‪ ٬‬ﻭﺍﻵﻳﺔ‪ 49 ‬ﺳﻮﺭﺓ‪ ‬ﺍﻟﺤﺞ‪ ٬‬ﻭﺍﻵﻳﺔ‪40 ‬‬
‫‪ ‬ﺳﻮﺭﺓ‪ ‬ﺍﻻﺣﺰﺍﺏ‪ ٬‬ﻭﺍﻵﻳﺔ‪ 70 ‬ﺳﻮﺭﺓ‪ ‬ﻳﺲ‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫ﯾﻘﻮل أﯾﻀﺎ ‪:‬‬

‫ﺑﻌﺪ رﺣﻠﺔ اﻟﺮﺳﻮل اﻷﻛﺮم )ص( ﻟﻢ ﯾﺴﻤﺢ اﻟﻤﻌﺎﻧﺪون وﺑﻨﻮ اﻣﯿﺔ ﻟﻌﻨﮭﻢ اﷲ ﺑﺎﺳﺘﻘﺮار اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‬

‫ﺑﻮﻻﯾﺔ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ )ع(‪ .‬ﻟﻢ ﯾﺴﻤﺤﻮا ﺑﺘﺤﻘﻖ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺮﺿﯿﺔ ﻋﻨﺪ اﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ وﻋﻨﺪ‬

‫اﻟﺮﺳﻮل اﻷﻛﺮم )ص( وﻓﻲ اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ ﺑﺪﱠﻟﻮا اﺳﺎس اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ‪ .‬وﻛﺎن ﻧﮭﺞ ﺣﻜﻮﻣﺘﮭﻢ ﻓﻲ ﻣﻌﻈﻤﮫ ﯾﻐﺎﯾﺮ‬

‫اﻟﻨﮭﺞ اﻹﺳﻼﻣﻲ‪ .‬ﻟﻘﺪ ﻛﺎن ﻧﻈﺎم اﻟﺤﻜﻢ وﻧﻤﻂ اﻻدارة واﻟﺴﯿﺎﺳﺔ ﻋﻨﺪ ﺑﻨﻲ أﻣﯿﺔ وﺑﻨﻲ اﻟﻌﺒﺎس ﺿﺪ‬

‫اﻹﺳﻼم‪ ،‬ﻓﺼﺎر ﻧﻈﺎم اﻟﺤﻜﻢ ﻣﻘﻠﻮﺑﺎً ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺎﻣﻞ وﺗﺤﻮل إﻟﻰ ﺳﻠﻄﻨﺔ‪ .‬ﻛﻤﺜﻞ ﻧﻈﺎم اﻟﻤﻠﻜﯿﺔ ﻓﻲ اﯾﺮان‬

‫واﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ اﻟﺮوم وﻓﺮاﻋﻨﺔ ﻣﺼﺮ‪ .‬واﺳﺘﻤﺮ ﻓﻲ اﻟﻌﮭﻮد اﻟﺘﺎﻟﯿﺔ ﺑﮭﺬا اﻟﻨﺤﻮ ﻏﯿﺮ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻏﺎﻟﺒﺎً‪ ،‬إﻟﻰ‬

‫أن وﺻﻠﻨﺎ إﻟﻰ اﻟﺤﺎل اﻟﺘﻲ ﻧﺮاھﺎ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل أﯾﻀﺎ ‪:‬‬

‫وﺣﯿﺚ اﻧﻨﺎ ﻣﻜﻠﻔﻮن ﺑﺘﺄﻣﯿﻦ اﻟﻈﺮوف اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ اﻟﻤﺴﺎﻋﺪة ﻟﺘﺮﺑﯿﺔ اﻟﻌﻨﺎﺻﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﺔ واﻟﻔﺎﺿﻠﺔ أﯾﻀﺎً‪.‬‬

‫وھﺬه اﻟﻈﺮوف ﺗﻌﺎﻛﺲ ﻇﺮوف ﺣﺎﻛﻤﯿﺔ اﻟﻄﺎﻏﻮت واﻟﺴﻠﻄﺎت ﻏﯿﺮ اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺎﻣﻞ‪ .‬ﻓﺎﻟﻈﺮوف‬

‫اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ اﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺣﺎﻛﻤﯿﺔ اﻟﻄﺎﻏﻮت وﻧﻈﺎم اﻟﺸﺮك ﯾﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﯿﮭﺎ ھﺬه اﻟﻤﻔﺎﺳﺪ اﻟﺘﻲ ﻧﺮاھﺎ‪ .‬وھﺬا‬

‫ھﻮ اﻟﻔﺴﺎد ﻓﻲ اﻻرض اﻟﺬي ﯾﺠﺐ أن ﯾﺰال ﻣﻦ اﻟﻮﺟﻮد‪ ،‬وﯾﻨﺎل ﻣﺴﺒﺒﻮه ﻋﻘﺎﺑﮭﻢ‪ ،‬وھﺬا ھﻮ ﻧﻔﺲ اﻟﻔﺴﺎد‬

‫اﻟﺬي أوﺟﺪه ﻓﺮﻋﻮن ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﺑﺴﯿﺎﺳﺘﮫ "إﻧﮫ ﻛـــﺎن ﻣﻦ اﻟﻤــﻔﺴﺪﯾﻦ" ‪ ...‬ﻓﻔﻲ ھﺬه اﻟﻈﺮوف اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ‬

‫واﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ اﻻﻧﺴﺎن اﻟﻤﺆﻣﻦ واﻟﻤﺘﻘﻲ واﻟﻌﺎدل اﻟﻌﯿﺶ ﻣﻊ ﺑﻘﺎﺋﮫ ﻋﻠﻰ اﯾﻤﺎﻧﮫ وﻋﻤﻠﮫ اﻟﺼﺎﻟﺢ‪.‬‬

‫ﯾﺒﻘﻰ اﻣﺎﻣﮫ ﻃﺮﯾﻘﺎن‪ :‬إﻣﺎ اﻻﺿﻄﺮار إﻟﻰ ارﺗﻜﺎب اﻷﻋﻤﺎل اﻟﻄﺎﻟﺤﺔ واﻟﺘﻲ ﻓﯿﮭﺎ ﺷﺮك‪ ،‬أو ﻣﻌﺎرﺿﺔ‬

‫اﻟﻄﻮاﻏﯿﺖ وﻣﺤﺎرﺑﺘﮭﻢ ﻻزاﻟﺔ ﺗﻠﻚ اﻟﻈﺮوف اﻟﻔﺎﺳﺪة ﻓﺮاراً ﻣﻦ ارﺗﻜﺎب ﺗﻠﻚ اﻻﻋﻤﺎل‪ ،‬وﻣﻦ اﻟﺨﻀﻮع‬

‫ﻷواﻣﺮ اﻟﻄﻮاﻏﯿﺖ وﻗﻮاﻧﯿﻨﮭﻢ‪ .‬اﻧﻨﺎ ﻻ ﻧﺠﺪ ﺣﯿﻠﺔ ﺳﻮى اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ اﻻﺟﮭﺰه اﻟﺤﻜﻮﻣﯿﺔ اﻟﻔﺎﺳﺪة‬

‫واﻟﻤﻔﺴﺪة‪ ،‬واﺳﻘﺎط اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت اﻟﺨﺎﺋﻨﺔ واﻟﻔﺎﺳﺪة واﻟﻈﺎﻟﻤﺔ اﻟﺠﺎﺋﺮة‪ .‬ھﺬه ھﻲ اﻟﻮﻇﯿﻔﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺠﺐ ﻋﻠﻰ‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺑﻠﺪ ﻣﻦ اﻟﺒﻠﺪان اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﮭﺎ‪ ،‬واﻟﻮﺻﻮل ﺑﺎﻟﺜﻮرة اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ إﻟﻰ‬

‫اﻟﻨﺼﺮ‪.‬‬

‫إن اﻟﻈﻠﻢ ﺣﺴﺐ ھﺬا اﻟﻔﮭﻢ اﻟﺴﻄﺤﻲ "ﻟﻠﺪﯾﻦ" ﯾﻌﻨﻲ ـ ﻋﺪم ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ـ ﻟﻜﻦ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻮاﻗﻌﯿﺔ ﺗﻨﺎﻓﻲ‬

‫ذﻟﻚ ‪ ،‬ﻓﻜﻢ ﻣﻦ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﻗﺎﻣﺖ ﺑﺘﻄﺒﯿﻖ "اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ" و ھﻲ ﻣﻦ أﺳﻮأ اﻟﺘﺠﺎرب ﻓﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺦ ‪ ،‬و ﺣﺴﺐ ھﺬا‬

‫اﻟﻔﮭﻢ أﯾﻀﺎ ﻧﺮى ﺗﺄﺛﺮا واﺿﺤﺎ ﺑﺎﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ ‪ ،‬اﻟﺘﻲ ﺗﺮﯾﺪ رﺳﻢ ﺻﻮرة "وردﯾﺔ" ﻟﻠﺠﻨّﺔ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ‬

‫"اﻟﺤﺘﻤﯿﺔ" ﺣﯿﺚ ﻻ ﯾﺒﻘﻰ ھﻨﺎك ﺗﺒﺎﻏﺾ أو ﺗﺤﺎﺳﺪ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ ﯾﻘﻮل ﺑﻨﻘﯿﺾ ذﻟﻚ ‪ ،‬ﻓﻔﻲ ﻇﻞ‬

‫ﺣﻜﻢ اﻟﻨﺒﻲ و ﻓﻲ ﻇﻞ اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻲ ‪ ،‬ﻛﺎن ھﻨﺎك ﺳﻌﻲ ﺣﺜﯿﺚ ﻣﻦ اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻓﻲ ﺟﻤﻊ اﻟﻤﺎل و إن ﻛﺎن ﻋﺒﺮ‬

‫ﻃﺮق ﻏﯿﺮ ﺷﺮﻋﯿﺔ "ﻏﯿﺮ ﻗﺎﻧﻮﻧﯿﺔ" ‪ ،‬و ﻣﻌﺮوف أن ﻛﻞ اﻻﻧﻘﺴﺎم اﻟﺤﺎﺻﻞ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ھﻮ ﺑﺴﺒﺐ ھﺬه‬

‫اﻟﻄﺒﯿﻌﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ھﺬه اﻷﺳﺒﺎب ھﻲ اﻟﺘﻲ ﺟﻌﻠﺖ ﻓﺮﯾﻘﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﻮزة ﯾﺆﻣﻦ ﺑـ"وﻻﯾﺔ اﻷﻣﺔ" أو "اﻟﺸﻌﺐ"‬

‫أو "اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻛﻤﺎ ﯾﺴﻤﯿﮭﺎ اﻟﺒﻌﺾ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ أﻧﮫ ﻓﻲ ﻏﯿﺎب "اﻟﻤﻌﺼﻮم" ﻻ ﺑﺪ أن ﯾﻜﻮن‬

‫"اﻟﺸﻌﺐ" ھﻮ ﺻﺎﺣﺐ اﻷﻣﺮ و اﻟﻨﮭﻲ ‪ ،‬و اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻣﮭﻤﺎ ﻛﺎن ﺗﻘﯿﺎ أو ورﻋﺎ ﻓﺈﻧﮫ ﯾﺒﻘﻰ ﺻﺎﺣﺐ أھﻮاء و‬

‫رﻏﺒﺎت و ﻣﺼﺎﻟﺢ ‪ ،‬و ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻧﻈﺮﯾﺔ "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" و ﺿﻌﺖ اﻟﻤﺮﺟﻊ "آﯾﺔ اﷲ" ﻓﻲ ﻣﻘﺎم‬

‫وﻛﯿﻞ اﻟﻤﻌﺼﻮم اﻟﻐﺎﺋﺐ ‪ ،‬و ھﻮ أﻣﺮ ﯾﺮﻓﻀﮫ "اﻟﺘﺸﯿﻊ" ﻓﻲ ﺧﻄﻮﻃﮫ اﻟﻌﺎﻣﺔ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﻜﺎﺗﺐ "ﻣﺮﺗﻀﻰ ﻣﻌﺎش" ﻓﻲ ﺑﺤﺜﮫ اﻟﻘﯿـّﻢ ﺣﻮل "ﺣﻘﯿﻘﺔ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ و اﻟﺤﺮﯾﺔ" و‬

‫اﻟﻤﻨﺸﻮر ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺔ "اﻟﻨﺒﺄ" اﻟﻜﻮﯾﺘﯿﺔ اﻟﻌﺪد ‪: 41‬‬

‫ﻻﯾﻮﺟﺪ ھﻨﺎك دﻟﯿﻞ ﺷﺮﻋﻲ ﻗﺎﻃﻊ ﻋﻠﻰ ان وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ھﻲ ﻣﺜﻞ وﻻﯾﺔ اﻟﻤﻌﺼﻮم ﺑﻞ ان ﻣﻌﻈﻢ اﻻدﻟﺔ‬

‫اﻟﻮاردة ﻓﻲ ﺑﺎب اﻟﻮﻻﯾﺔ ﺗﺘﺤﺪث ﻋﻦ وﻻﯾﺘﮭﻢ دون ذﻛﺮ اﻟﻔﻘﮭﺎء‪ ،‬واذا ﻛﺎﻧﺖ ھﻨﺎك رواﯾﺎت ﻓﻲ ذﻛﺮ‬
‫‪17‬‬

‫اﻟﻌﻠﻤﺎء واﻟﻔﻘﮭﺎء ﻓﺎن اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﻔﻘﮭﺎء ﯾﺸﯿﺮون اﻟﻰ اﻧﮭﺎ واردة ﻓﻲ ﺑﺎب اﻟﺘﻘﻠﯿﺪ واﻻﺣﻜﺎم اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ‬

‫ورﺟﻮع اﻟﺠﺎھﻞ اﻟﻰ اﻟﻌﺎﻟﻢ‪ ،‬اﻣﺎ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ وﺑﮭﺬا اﻻﻃﻼق ﻓﻠﯿﺲ ھﻨﺎك ﻣﻮرد ﻗﻄﻌﻲ ﯾﺴﺘﻨﺪ ﻋﻠﯿﮫ‪ .‬ﯾﻘﻮل‬

‫اﻟﺸﯿﺦ اﻟﻨﺎﺋﯿﻨﻲ‪ : :‬اﻟﻤﻘﺼﻮد ﻣﻦ اﺛﺒﺎت اﻟﻮﻻﯾﺔ ﻟﻠﻔﻘﯿﮫ ھﻮ اﺛﺒﺎت ﻣﺎ ﻛﺎن ﻟﻼﺷﺘﺮ وﻗﯿﺲ وﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ اﺑﻲ‬

‫ﺑﻜﺮ وﻧﻈﺮاﺋﮭﻢ وﻻاﺷﻜﺎل ﻓﻲ اﻧﮫ ﻛﺎن ﻟﮭﻢ اﺟﺮاء اﻟﺤﺪود واﺧﺬ اﻟﺰﻛﺎة ﺟﺒﺮا واﻟﺨﺮاج واﻟﺠﺰﯾﺔ وﻧﺤﻮ‬

‫ذﻟﻚ ﻣﻦ اﻻﻣﻮر اﻟﻌﺎﻣﺔ‪ .‬وھﺬا ﻻﯾﻨﻔﻊ دﻟﯿﻼ ﻻن وﻻﯾﺔ وﻻة اﻻﻣﺎم ﻛﺎﻧﺖ ﺑﺎﻟﻨﯿﺎﺑﺔ اﻟﺨﺎﺻﺔ وﻓﻲ ﻇﻞ ﺣﻜﻤﮫ‬

‫و ﻣﺮاﻗﺒﺘﮫ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﮭﺎء ﺑﺎﻟﻨﯿﺎﺑﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﺣﺪدت ﺿﻤﻦ اﻃﺮ ﻻﯾﻤﻜﻦ ﻓﮭﻢ ذﻟﻚ اﻻﻃﻼق ﻣﻨﮭﺎ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺸﯿﺦ اﻻﻧﺼﺎري‪ :‬اﻣﺎ اﻟﻮﻻﯾﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻮﺟﮫ اﻻول اﻋﻨﻲ اﺳﺘﻘﻼﻟﮫ ﻓﻲ اﻟﺘﺼﺮف ﻓﻠﻢ ﯾﺜﺒﺖ ﺑﻌﻤﻮم‪.‬‬

‫ﺣﯿﺚ ﺣﺼﺮ رﺣﻤﮫ اﷲ اﻟﻮﻻﯾﺔ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻻﻣﻮر اﻟﺨﺎﺻﺔ ﻛﻮﻻﯾﺔ اﻻﯾﺘﺎم واﻟﺴﻔﮭﺎء واﻻﻣﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮوف‬

‫واﻟﻨﮭﻲ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ وھﻲ وﻻﯾﺔ ﻋﺎﻣﺔ اﻋﻢ ﻣﻦ ﻛﻮﻧﮭﺎ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻔﻘﯿﮫ‪ ،‬ﻧﻌﻢ ﻣﻦ ﺑﺎب اﻻھﻢ واﻟﻤﮭﻢ ورﻓﻊ‬

‫اﺧﺘﻼل اﻟﻨﻈﺎم ﯾﺘﺼﺪى اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻟﺒﻌﺾ اﻟﻤﻮارد‪ ،‬وھﺬا ﻻﯾﺸﻜﻞ دﻟﯿﻼ اوﻟﯿﺎ واﺻﻠﯿﺎ ﻋﻠﻰ ﺛﺒﻮت اﻟﻮﻻﯾﺔ‬

‫اﻟﻤﻄﻠﻘﺔ‪ .‬ﺑﻞ ﻣﺎ ﺛﺒﺖ ﻣﻦ اﻟﻤﺠﻤﻮع اﻟﻌﺎم ﻟﻼﯾﺂت واﻟﺮواﯾﺎت ھﻮ وﻻﯾﺔ ﻣﺤﺪودة ﺑﺸﺮوط وﻗﯿﻮد وأﻃﺮ‬

‫ﺣﯿﺚ ﯾﺮى اﻻﻣﺎم اﻟﺸﯿﺮازي‪ :‬أن ﻻ وﻻﯾﺔ ﻟﻠﻔﻘﯿﮫ ﻓﻲ اﻟﺘﺸﺮﯾﻊ اﻟﺨﺎرج ﻋﻦ اﻻﻃﺎر اﻻﺳﻼﻣﻲ اذ اﻻدﻟﺔ‬

‫ﻻﺗﺪل ﻋﻠﯿﮫ واﻻﺻﻞ اﻟﻌﺪم‪ .‬وھﺬا ﯾﻌﻨﻲ ان اﻟﻮﻻﯾﺔ ﻣﺤﺼﻮرة ﺿﻤﻦ اﻻﻃﺎر اﻻﺳﻼﻣﻲ اﻟﺬي ﻣﻦ اﺳﺴﮫ‬

‫اﻻوﻟﯿﺔ اﻟﺤﺮﯾﺔ واﻟﺸﻮرى‪.‬‬

‫ﺣﻮل وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘــــــــﯿﮫ‬

‫ﯾﺴﺘﺸﮭﺪ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﺑﺤﺪﯾﺚ ﻣﻨﻘﻮل ﻋﻦ اﻟﻜﺎﻓﻲ ﻓﻲ ﺑﺎب ")‪ ..‬ﺟﻤﯿﻊ‬

‫ﻣﺎ ﯾﺤﺘﺎج اﻟﻨﺎس اﻟﯿﮫ إﻻ وﻗﺪ ﺟﺎء ﻓﯿﮫ ﻛﺘﺎب أو ﺳﻨﺔ‪ "(..‬ﻟﻼﺳﺘﺪﻻل ﻋﻠﻰ "وﺟﻮب" إﻗﺎﻣﺔ ﺣﻜﻮﻣﺔ‬

‫إﺳﻼﻣﯿﺔ" !! ﻣﻊ أﻧﻲ ﻻ أرى ھﻨﺎ أي ﻋﻼﻗﺔ "اﺳﺘﺪﻻﻟﯿﺔ" ﺑﯿﻦ ھﺬه اﻷﺣﺎدﯾﺚ و اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻨﻲ ﻛﻤﺎ أﻧﮫ‬

‫اﺳﺘﺪل ﺑﺎﻵﯾﺔ "}وﻟﻘﺪ أرﺳﻠﻨﺎ رﺳﻠﻨﺎ ﺑﺎﻟﺒﯿﻨﺎت وأﻧﺰﻟﻨﺎ ﻣﻌﮭﻢ اﻟﻜﺘﺎب واﻟﻤﯿﺰان ﻟﯿﻘﻮم اﻟﻨﺎس ﺑﺎﻟﻘﺴﻂ{ و‬

‫ﻟﻜﻦ اﻵﯾﺔ ﺗﺨﺺ "اﻟﺮﺳﻞ ﻓﻘﻂ و ﻻ ﺗﺴﺮي ﺣﺘﻰ ﻋﻠﻰ اﻷﻧﺒﯿﺎء ﻣﻤﻦ ﻻ ﯾﺤﻤﻠﻮن اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ" ﻛﻤﺎ أن ھﺬه‬

‫اﻵﯾﺔ ﺗﺼﻠﺢ ﻟﮭﺪم "ﻧﻈﺮﯾﺔ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ﻻ ﻹﺛﺒﺎﺗﮭﺎ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻟﺮﱡﺳﻞ و اﻟﻤﻌﺼﻮﻣﻮن وﺣﺪھﻢ‬

‫ﯾﺴﺘﻄﯿﻌﻮن اﻻﻃﻼع ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻤﻄﻠﻘﺔ و اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ﯾﺴﺘﻤﺮ "رﺑّﻤﺎ ﻻ ﺷﻌﻮرﯾﺎ" ﺑﺎﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ‬

‫اﻷﻣﺮ اﻟﻤﻮﺟﮫ ﻣﻦ اﷲ ﻟﻠﺮﺳﻮل و ﻛﺄﻧﮫ ھﻮ ﻧﻔﺴﮫ ﻓﮭﻢ ﻣﺎ ﻓﮭﻤﻨﺎه ‪ ،‬و ﻟﻨﻔﺘﺮض أن اﻷﻣﺮ ﻛﺬﻟﻚ ‪ ،‬ﻓﺈﯾﻦ‬

‫اﻷﺣﺎدﯾﺚ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﺪد ﻣﺪة اﻧﺘﺨﺎب رﺋﯿﺲ اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ ﺑﺄرﺑﻌﺔ ﺳﻨﻮات ؟! ﻛﻤﺎ أن "أﺻﻮل اﻟﻜﺎﻓﻲ" ﻻ‬

‫ﯾﻘﻮم ﺑﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻟﺠﻌﻔﺮﯾﯿﻦ ﻣﻘﺎم "ﺻﺤﯿﺢ اﻟﺒﺨﺎري و ﻣﺴﻠﻢ" ﺑﯿﻦ اﻟﺴﻨﺔ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺸﯿﻌﻲ ﻻ ﯾﻌﺘﺒﺮ ﻛﻞ ﻣﺎ ورد‬

‫ﻓﻲ "اﻟﻜﺎﻓﻲ" واﺟﺐ اﻻﺗﺒﺎع ‪ ،‬ﺑﻞ إﻧﮫ ﺑﻤﺠﺮد أن ﯾﻨﺎﻗﺾ اﻟﻘﺮآن ﯾﻜﻮن ﻗﺎﺑﻼ ﻟﻠﺮﻓﺾ‪.‬‬

‫أﻋﺘﻘﺪ أن اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﯾﺮاﻧﻲ و اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻨﻲ اﻹﯾﺮاﻧﻲ ‪ ،‬ﻟﻢ ﯾﻘﻮﻣﺎ ﻟﺤﺪ اﻵن ﺑﻨﻘﺪ ﺣﻘﯿﻘﻲ و واﻗﻌﻲ ﻟﻤﻨﮭﺞ‬

‫"اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ" و ﺗﻄﺒﯿﻘﺎﺗﮫ اﻟﻜﺎرﺛﯿﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﯿﻌﺔ و اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ و اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ﻋﻤﻮﻣﺎ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﺣﺘﺠﺎﺟﮫ‬

‫ﻋﻠﻰ اؤﻟﺌﻚ اﻟﺬﯾﻦ ﻗﺎﻟﻮا أﻧﮫ ﻻ ﯾﻤﻜﻢ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻷﺣﻜﺎم اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ إﻻ ﺑﻈﮭﻮر "اﻟﻤﮭﺪي اﻟﻤﻨﺘﻈﺮ" ‪ ،‬ﺑﺎﻟﻘﻮل‪:‬‬

‫أن اﻟﺼﻼة واﺟﺒﺔ ﻓﮭﻞ ﺗﺘﺮﻛﻮﻧﮭﺎ إﻟﻰ ﺣﯿﻦ ﻇﮭﻮر اﻟﻤﮭﺪي‪ , !!"..‬اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻻ ﻣﺠﺎل ﻟﻠﻤﻘﺎرﻧﺔ ﺑﯿﻦ‬

‫ﻞ ﯾﺼﻠّﻲ ﻟﯿﻘﺎل "ﻣﺎ أﺗﻘﺎه" ‪ ،‬و‬


‫ﺳﯿﺎﺳﺔ دوﻟﺔ و ﻋﺒﺎدات ﺧﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻔﺮد و إﯾﻤﺎﻧﮫ اﻟﺸﺨﺼﻲ ‪ ،‬ﻓﺮُبّ ﻣﺼ ّ‬

‫آﺧﺮ ﯾﺼﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ "اﻟﺮﯾﺎﺿﺔ" و اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ ﻗﺒﻮل "اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺘﻘﻠﯿﺪي"‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ﻣﺤﺎوﻟﺔ اﻟﻄﺒﻘﺔ "اﻟﻤﻌﻤﻤﺔ ـ اﻟﻤﻼﯾﺔ" ﻓﻲ إﯾﺮان ‪ ،‬إﺧﻔﺎء ﺣﻘﯿﻘﺔ "دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" و ﺟﻌﻠﮫ وﻛﯿﻞ‬

‫ﷲ ﻓﻲ اﻷرض ‪ ،‬ﺑﺎءت ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﺻﺎﻣﺪ ﻋﻠﻰ ﻛﺮﺳﻲ اﻟﺤﻜﻢ و ﺣﺘﻰ آﺧﺮ ﻟﺤﻈﺔ ﻣﻦ ﺣﯿﺎﺗﮫ‬

‫‪ ،‬ﺻﺤﯿﺢ أﻧﮫ ﻻ ﯾﻮرث اﻟﻜﺮﺳﻲ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ أن اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ﻣﻨﻊ ﺗﻮﻟﻲ أي ﻣﻦ ﻋﺎﺋﻠﺘﮫ ھﺬا اﻟﻤﻨﺼﺐ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ‬

‫اﻟﻤﻤﺴﻚ ﺑﮭﺬه اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬و اﻟﺬي ﻻ ﯾﻨﺘﺨﺐ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ و ﻻ ﯾﻌﺎد اﻧﺘﺨﺎﺑﮫ أو ﻣﺤﺎﺳﺒﺘﮫ ‪ ،‬إذ ھﻮ اﻟﻘﺮآن‬
‫‪18‬‬

‫اﻟﻨﺎﻃﻖ ؟!! ﯾﺸﺒﮫ اﻟﻤﻠﻮك اﻟﻤﺴﺘﺒﺪّﯾﻦ أو اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮر ﻓﻲ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ ‪ ،‬و ھﻮ "ﻛﻮﻧﮫ وﻛﯿﻞ‬

‫اﻟﻤﻌﺼﻮم اﻟﻐﺎﺋﺐ" ﯾﺴﺘﺒﺪ ﻋﻠﻰ أﺻﺤﺎب اﻟﻤﻠﻚ "اﻟﺸﻌﺐ" ﻋﺒﺮ ھﺬه اﻟﻮﻛﺎﻟﺔ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﻋﻠﻰ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ‬

‫إﯾﺮان ﺗﺨﻠﯿﺺ ﻣﺬھﺒﮭﻢ و ﺷﻌﺒﮭﻢ ﻣﻦ "دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ" ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ وﻛﺎﻟﺔ ﻣﺰورة و ﻏﯿﺮ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﻤﻜﻦ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ ﻧﺘﺎﺋﺞ أﻓﻀﻞ ﻓﻲ ﻇﻞ دوﻟﺔ ﯾﻜﻮن اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻓﯿﮭﺎ ﻣﺤﺪود اﻟﺼﻼﺣﯿﺎت و‬

‫ﻣﻌﺮﺿﺎ ﻟﻠﻤﺤﺎﺳﺒﺔ إذا ﻟﻢ ﺗﺮق ﺳﯿﺎﺳﺘﮫ ﻟﻠﺸﻌﺐ ‪ ،‬و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ اﻧﺘﺨﺎب آﺧﺮ ﻣﻜﺎﻧﮫ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻃﺒﻘﺔ اﻟﻤﻼﯾﺔ‬

‫أرادت ﻋﺒﺮ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ‪ ،‬ﻓﺮض دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ﺗﺘﺬرع ﺑﺎﻻﻧﺘﺨﺎب ‪ ،‬ﻣﻊ أن اﻟﻤﺮﺷﺤﯿﻦ ﻟﻠﺤﻜﻮﻣﺔ و اﻟﺒﺮﻟﻤﺎن‬

‫ﯾُﺨﺘﺎرون ﻣﺴﺒﻘﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ "ﻣﺠﻠﺲ ﺗﺸﺨﯿﺺ ﻣﺼﻠﺤﺔ اﻟﻨﻈﺎم" و اﻟﺬي ﯾﺸﺒﮫ "ﻣﺠﻠﺲ ﻗﯿﺎدة اﻟﺜﻮرة" ﻓﻲ‬

‫ﻇﻞ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ اﻟﺒﻌﺚ و ﺻﺪام‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ‪:‬‬

‫ﻓﻜﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﺮﺳﻮل اﻷﻛﺮم )ص( ﻣﺴﺆوﻻً ﻋﻦ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻷﺣﻜﺎم‪ ،‬واﻗﺎﻣﺔ أﻧﻈﻤﺔ اﻹﺳﻼم‪ ،‬وﻗﺪ ﺟﻌﻠﮫ اﷲ‬

‫ﺗﻌﺎﻟﻰ رﺋﯿﺴﺎً وﺣﺎﻛﻤﺎً ﻟﻠﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‪ ،‬وأوﺟﺐ ﻋﻠﯿﮭﻢ ﻃﺎﻋﺘﮫ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻔﻘﮭﺎء اﻟﻌﺪول أﯾﻀﺎً ﯾﺠﺐ أن ﯾﻜﻮﻧﻮا رؤﺳﺎء‬

‫وﺣﻜﺎﻣﺎً‪ ،‬وﻣﺴﺆوﻟﯿﻦ ﻋﻦ ﺗﻨﻔﯿﺬ اﻷﺣﻜﺎم وإﻗﺮار اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻺﺳﻼم‪.‬‬

‫و ﻟﻜﻦ ﻧﻌﻮد ﻟﻠﺴﺆال‪ :‬ﻣﻦ ﯾُﻘﺮر ﻣﻦ ھﻮ اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﻌﺎدل و اﻟﻤﻮﺛﻮق ؟!! و إذا ﻛﺎﻧﺖ "اﻟﺤﻮزة" أو "اﻟﻄﺒﻘﺔ"‬

‫اﻟﻤﻌﻤﻤﺔ ھﻲ ﻣﻦ ﺳﺘﻘﺮر ذﻟﻚ ‪ ،‬ﻧﻜﻮن ﻋﺪﻧﺎ إﻟﻰ أﺻﻞ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ‪ ،‬إذ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﺑﺤﺎل ﻣﻦ اﻷﺣﻮال أن ﯾﻤﺜﻞ‬

‫ھﺆﻻء ﻣﺼﺎﻟﺢ ﻏﺎﻟﺒﯿﺔ اﻟﺸﻌﺐ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن اﻟﺴﻠﻚ اﻟﺪراﺳﻲ "اﻟﺤﻮزة" ﻣﻠﯿﺌﺔ ﺑﺎﻟﻌﯿﻮب و اﻟﻨﻈﻢ‬

‫اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ ‪ ،‬ﻓﮭﻞ ﯾﺠﻮز ﻣﺜﻼ اﻧﺘﻘﺎد "اﻹﻣﺎم اﻷب اﻟﻘﺎﺋﺪ اﻟﻔﻘﯿﮫ"؟!! أو رﺳﻢ ﺻﻮرة ﻛﺎرﯾﻜﺎﺗﻮرﯾﺔ ﻋﻨﮫ و‬

‫ﻧﺸﺮھﺎ ؟!! ﻃﺒﻌﺎ ھﺬا ﻏﯿﺮ ﻣﺴﻤﻮح ﺑﮫ ﻓﻲ "دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺘﻨﺎ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ"‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﻤﮭﻤﺎ روّج اﻟﻤﻼﯾﺔ و اﻟﻤﻌﻤﻤﻮن ﻣﻦ ﻧﻈﺮﯾﺎت و ﻣﺜﺎﻟﯿﺎت ‪ ،‬ﺗﺒﻘﻰ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﺄي‬

‫ﻣﻮﺿﻮع ﺑﺸﺮي آﺧﺮ ‪ ،‬ﻗﺎﺑﻼ ﻟﻼﺧﺘﻼف ﻓﻲ اﻟﺸﺮح و اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ ﺑﻞ و ﺣﺘﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻻﺧﺘﯿﺎر ﻓﻲ اﻟﻘﺒﻮل أو‬

‫اﻟﺮﻓﺾ "ﻓﻤﻦ ﺷﺎء ﻓﻠﯿﺆﻣﻦ و ﻣﻦ ﺷﺎء ﻓﻠﯿﻜﻔﺮ" ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن ﻧﻈﺎم وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻧﻮﻋﺎ آﺧﺮ ﻣﻦ‬

‫اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ‪ ،‬و ﻟﺮﺑﻤﺎ ﯾﻜﻮن أﺧﻄﺮ ﻣﻦ ﻏﯿﺮه ﻛﻮﻧﮫ ﻗﺎﺋﻤﺎ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس "ﺛﯿﻮﻗﺮاﻃﻲ" ﯾﻀﻔﻲ اﻟﻘﺪﺳﯿﺔ و‬

‫اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ اﻹﻟﮭﯿﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻧﺠﺪ "ﻋﻠﻲ اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ ـ اﻟﻤﺮﺷﺪ اﻟﺮوﺣﻲ اﻟﺬي ﺧﻠﻒ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ﻓﻲ‬

‫اﻟﺤﻜﻢ" ﯾﺆﻛﺪ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم" ﻋﻠﻰ أن اﻟﻨﻈﺎم "اﻹﺳﻼﻣﻲ" اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﻗﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ‬

‫اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﷲ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﷲ ﯾﺆﺛﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻨﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ‪ ،‬أي ﻓﻲ ﻧﻤﻂ اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت واﻟﺘﺸﻜﯿﻼت اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ‬

‫إدارة ھﺬا اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻤﻨﺒﺜﻖ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس اﻻﻋﺘﻘﺎد ﺑﺎﷲ وﺑﺎﻻﺳﺘﻨﺎد إﻟﻰ اﻟﻤﺪرﺳﺔ اﻹﻟﮭﯿﺔ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺒﻨﯿﺔ‬

‫اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ واﻟﺘﺸﻜﯿﻼت اﻹدارﯾﺔ واﻟﺠﮭﺎز اﻟﺘﺸﺮﯾﻌﻲ ﺗﺘﻤﯿﺰ ﺑﺎﺧﺘﻼﻓﺎت أﺳﺎﺳﯿﺔ ﻋﻦ ﻧﻈﯿﺮاﺗﮭﺎ ﻓﻲ‬

‫اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻏﯿﺮ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﺗﻮﺣﯿﺪ اﷲ واﻹﯾﻤﺎن ﺑﮫ‪ .‬وإﻟﻰ ھﺬا ﯾﺮﺷﺪﻧﺎ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﯾﻢ ﻓﯿﻘﻮل‬

‫}وﻧﺮﯾﺪ أن ﻧﻤﻦّ ﻋﻠﻰ اﻟﺬﯾﻦ اﺳﺘﻀﻌﻔﻮا ﻓﻲ اﻷرض وﻧﺠﻌﻠﮭﻢ أﺋﻤﺔ وﻧﺠﻌﻠﮭﻢ اﻟﻮارﺛﯿﻦ{ )اﻟﻘﺼﺺ‪.(5:‬‬

‫اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ص ‪3‬‬

‫و اﻟﻮاﺿﺢ أن اﻵﯾﺔ اﻟﺘﻲ اﺳﺘﺸﮭﺪ ﺑﮭﺎ ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺎﻟﻤﻮﺿﻮع و "اﻟﻘﺮآن ﺣﻤّﺎل أوﺟﮫ" ﻛﻤﺎ ﯾﻘﻮل اﻹﻣﺎم‬

‫ﻋﻠﻲ ‪ ،‬و ﻻ دﻟﯿﻞ ﺷﺮﻋﻲ ﻋﻠﻰ أن اﺳﺘﺒﺪاد "ﻓﻘﯿﮫ"!! ﻣﺎ ﺑﺎﻟﺴﻠﻄﺔ ھﻮ "اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻤﻘﺼﻮد" ﺷﺮﻋﺎ ‪،‬‬

‫ﺧﺼﻮﺻﺎ و أﻧﮫ واﺣﺪ ﻣﻦ ﺳﺎﺋﺮ اﻟﻨﺎس ‪ ،‬ھﺬا اﻹﺻﺮار ﻋﻠﻰ رﺑﻂ "اﻟﻨﻈﺎم" ﺑﺎﷲ أو اﻟﻤﺸﯿﺌﺔ اﻹﻟﮭﯿﺔ ‪،‬‬

‫ھﻮ ﻧﻮع ﻣﻦ "ﺑﺎﺑﻮﯾﺔ" اﻟﻘﺮون اﻟﻮﺳﻄﻰ ‪ ،‬ﺣﯿﻦ ﻛﺎن "اﻟﺒﺎﺑﺎ" ﺑﺎﻋﺘﺒﺎره وﻛﯿﻞ اﻟﻠــــﮫ و اﻟﻤﺴﯿـﺢ ‪ ،‬ﯾﺸﻦ‬

‫اﻟﺤﺮوب و ﯾﺤﺮم اﻟﻨﺎس أو ﯾﮭﺒﮭﻢ أو ﯾﻌﺬﺑﮭﻢ و ﯾﻘﺘﻠﮭﻢ‪.‬‬


‫‪19‬‬

‫و ﯾﻘﻮل أﯾﻀﺎ‪:‬‬

‫ﻓﺎﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺗﻌﻮد ﻷوﻟﺌﻚ اﻟﻨﺎس اﻟﺬﯾﻦ ﯾﻤﺜﻠﻮن اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ اﻟﺴﺎﺣﻘﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‪ ،‬وھﻲ ﻣﻦ ﺻﻼﺣﯿﺎت‬

‫اﻷﺷﺨﺎص اﻟﺬﯾﻦ ﯾﻨﺘﺨﺒﮭﻢ اﻟﻨﺎس وﯾﺠﻌﻠﻮﻧﮭﻢ ﻋﻠﻰ رأس ھﺮم اﻟﺴﻠﻄﺔ‪ .‬وﻟﺬﻟﻚ وﺟﺪﻧﺎ اﻹﻣﺎم اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ‬

‫ﯾﺨﺎﻃﺐ اﻟﻤﺴﺆوﻟﯿﻦ اﻟﺤﻜﻮﻣﯿﯿﻦ ﻗﺎﺋﻼً‪" :‬إن اﻟﻨﺎس ھﻢ اﻟﺬﯾﻦ أﺧﺮﺟﻮﻛﻢ ﻣﻦ اﻟﺴﺠﻮن وأﺟﻠﺴﻮﻛﻢ ﻋﻠﻰ‬

‫ﻛﺮاﺳﻲ اﻟﺤﻜﻢ ﻓﻲ اﻟﺪوﻟﺔ"‪ .‬اﻟﻤﺼﺪر اﻟﺴﺎﺑﻖ ص ‪.4‬‬

‫ﻓﺎﻟﻤﻼﺣﻆ أن اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ "و اﻟﺬي ﯾُﻨﻈّﺮ ﻟﻨﻔﺴﮫ ھﻨﺎ ‪ ،‬ﯾﻨﺘﻘﻞ ﻣﻦ اﻟﺤﻖ اﻹﻟﮭﻲ و اﻟﺸﺮﻋﻲ ‪ ،‬إﻟﻰ "ﺣﻜﻢ‬

‫اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ" اﻟﻤﺰﻋﻮﻣﺔ ‪ ،‬و ﻻ ﻧﺪري ھﻨﺎ ﻣﺎ ھﻮ اﻟﻤﻘﺼﻮد ﺑﺎﻷﻛﺜﺮﯾﺔ ‪ ،‬ﻓﺈذا ﻛﺎن ﯾﺘﻜﻠﻢ ﺑﺎﺳﻢ "اﻟﺸﯿﻌﺔ" ﻓﺈن‬

‫اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻌﻼ ھﻢ اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ ﻓﻲ إﯾﺮان ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ھﻞ ﻛﻠﮭﻢ ﯾﺆﻣﻨﻮن ﺑﻮﻻﯾﺔ "اﻟﻔﻘﯿﮫ" ‪ ،‬ھﺬا ﻓﻀﻼ ﻋﻦ اﻟﺪوﻟﺔ‬

‫"اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ؟!! ‪ ،‬ﻻ أﻇﻦ ذﻟﻚ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أﻧﮫ ﺑﺎت ﻣﻌﺮوﻓﺎ ﺣﺠﻢ اﻟﻤﻌﺎرﺿﺔ اﻟﻤﻌﻄّﻠﺔ و ﺗﯿﺎر‬

‫اﻹﺻﻼح اﻟﻤﻀﻄﮭﺪ‪.‬‬

‫و ﯾﻀﯿﻒ "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ‪:‬‬

‫ھﺬه أول ﺛﻤﺮة ﻣﻦ ﺛﻤﺎر اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﻟﺘﻮﺣﯿﺪ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﯾﻤﺎرس اﻟﻨﺎس دور اﻹﺷﺮاف‬

‫واﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺑﻨﺎءاً ﻋﻠﻰ اﻷﺳﺲ واﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻹﻟﮭﯿﺔ‪ .‬أي أﻧﮫ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﻜﻮن اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﷲ أﺳﺎﺳﺎً ﻟﻠﺤﻜﻮﻣﺔ‪،‬‬

‫ﯾُﻨﺘﺨﺐ اﻟﺤﺎﻛﻤﻮن ﻣﻦ ﺑﯿﻦ ﻋﺒﺎد اﷲ‪ ،‬وﻻ ﯾﻜﻮن اﻟﻤﻌﯿﺎر واﻟﻤﻼك ﻟﺘﻮﻟﻲ اﻟﺤﻜﻢ ھﻮ اﻟﺜﺮاء‪ ،‬واﻟﻤﻠَﻜﺔ‬

‫اﻟﻤﺎدﯾﺔ واﻟﻐﻨﻰ‪ ،‬ﺑﻞ اﻹﯾﻤﺎن واﻟﻌﻤﻞ اﻟﺼﺎﻟﺢ واﻟﺘﻘﻮى ‪.‬‬

‫ﻓﻤَﻦ ﯾﻜﻦ أﻛﺜﺮ إﯾﻤﺎﻧﺎً ﺑﺎﷲ ـ ﺗﺒﺎرك وﺗﻌﺎﻟﻰ ـ وأﺷﺪ ﺗﻘﻮى وﺗﺒﺮز ﻣﻼﻣﺢ ﺗﻘﻮاه ﺑﺸﻜﻞ أوﺿﺢ ﻓﻲ‬

‫ﻣﯿﺪان اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ‪ ،‬ﯾﻨﺒﻐﻲ ﻟﮫ أن ﯾﻜﻮن ھﻮ اﻟﺒﺪﯾﻞ ﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻤﺴﺘﻜﺒﺮﯾﻦ وﯾﺘﺒﻮأ ﻣﻘﻌﺪ اﻟﺤﻜﻢ اﻹﻟﮭﻲ‪ ،‬وﯾﺼﺒﺢ‬

‫ﺧﻠﯿﻔﺔ اﷲ ﻓﻲ اﻷرض‪ .‬اﻟﻤــﺼﺪر اﻟﺴﺎﺑﻖ ص ‪4‬‬

‫و ھﺬه ﻣﻐﺎﻟﻄﺔ واﺿﺤﺔ ‪ ،‬ﻓﻤﺎذا ﯾﻌﻨﻲ "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ﺑﻘﻮﻟﮫ "اﻹﯾﻤﺎن و اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺼﺎﻟﺢ و اﻟﺘﻘﻮى"!! ‪،‬‬

‫ﻓﺈن ﻛﺎن اﻟﻤﻘﺼﻮد ھﻮ "ﻛﺜﺮة اﻟﻌﺒﺎدات و اﻟﺘﻘﻠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﺴﺠﺎد و اﻟﻠﻄﻢ ﻓﻲ اﻟﺤﺴﯿﻨﯿﺎت" ‪ ،‬ﻓﻤﺎ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ‬

‫ﯾﻔﻌﻞ ذﻟﻚ ‪ ،‬و اﷲ وﺣﺪه ﯾﻌﻠﻢ ﻣﻦ ھﻮ "اﻟﻤﺨﻠﺺ" و ﻣﻦ ھﻮ "اﻟﻜﺎذب" ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أﻧﮫ ﻟﯿﺲ ھﻨﺎك ﻃﺮف‬

‫ﻣﺤﺪد ﯾﻜﻮن ھﻮ "اﻟﻔﯿﺼﻞ" ﻓﻲ أن ﯾﻘﺮر ﻣﻦ ھﻮ "اﻟﺘﻘﻲ" و ﻣﻦ ھﻮ "اﻟﻤﺮاﺋﻲ" و ﻣﻦ ھﻮ "اﻟﺠﺎﺣﺪ" و‬

‫ﻛﻤﺎ ﯾﻘﻮل اﻟﻤﺜﻞ اﻟﺸﻌﺒﻲ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪":‬ﯾﻠﻄﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﮭﺮﯾﺴﺔ ﻣﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺴﯿﻦ"!!‪.‬‬

‫اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻮاﺿﺤﺔ ھﻲ أﻧﮫ ﻻ أﺣﺪ ﻣﻨﺎ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﯾﻤﯿﺰ "اﻟﺨﺒﯿﺚ" ﻣﻦ "اﻟﻄﯿﺐ" ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن‬

‫اﻟﻤﻌﺼﻮم اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ ﻏﺎﺋﺐ ﺣﺴﺐ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻟﺠﻌﻔﺮي ‪ ،‬و اﻟﺮﺳﻮل ﻣﺘﻮﻓﻲ ـ ﺣﺴﺐ ﻣﺬھﺐ‬

‫اﻟﺴﻨﺔ ـ ﻓﻼ أﺣﺪ ﯾﻤﻠﻚ اﻵن ﺣﻖّ "اﺣﺘﻜﺎر" اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ و اﻟﻔﻘﮫ و اﻟﻨﻈﻢ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﺳﯿﺮة اﻹﻣﺎم‬

‫ﻋﻠﻲ و ﻗﺒﻠﮫ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﺑﺎﻟﻀﺪ ﻣﻦ "اﻻﺳﺘﺒﺪاد" ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ اﻣﺘﻼﻛﮭﻤﺎ اﻟﻌﺼﻤﺔ و اﻟﺘﺄﯾﯿﺪ اﻹﻟﮭﻲ‬

‫‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻻ "اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ" و ﻻ "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ﯾﻤﻠﻚ ھﺬا اﻟﻤﻘﺎم أو اﻟﺤﻖ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﻜﺎﺗﺐ "ﻣﺮﺗﻀﻰ ﻣﻌﺎش" ‪:‬‬

‫ﻣﻦ اﻻدﻟﺔ اﻻﺳﺎﺳﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺴﺘﺪل ﺑﮭﺎ ﻋﻠﻰ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ وﻧﻔﻮذ ﺣﻜﻤﮫ واﻣﺮه ھﻮ ﺣﻔﻆ اﻟﻨﻈﺎم ودرء‬

‫اﻟﻔﻮﺿﻰ ﻻن ﺗﺮك اﻻﻣﺔ ﺑﻼ ﻗﯿﺎدة ﺳﻮف ﯾﻘﻮدھﺎ اﻟﻰ ﻓﻮﺿﻰ ﻋﺎرﻣﺔ ﺗﻨﺘﮭﻚ ﻓﯿﮭﺎ اﻟﺤﻘﻮق وﺗﻀﯿﻊ‬
‫‪20‬‬

‫اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ وﺗﻨﺘﺸﺮ اﻟﻤﻔﺎﺳﺪ‪ ،‬وھﺬا ﯾﻌﻨﻲ ان اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻣﻦ اﻟﻀﺮورات اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﻮاﺿﺤﺔ‪ .‬وﻟﻜﻦ ﻋﻨﺪﻣﺎ‬

‫ﯾﺘﺼﺮف اﻟﻮﻟﻲ ﺑﺪون رﺿﻰ اﻻﻣﺔ وﯾﻀﯿﻊ ﺣﻘﻮق اﻟﻨﺎس وﻻﯾﺮاﻋﻲ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ وﯾﺴﻠﺐ اﻟﺤﺮﯾﺎت‬

‫وﯾﺴﺘﺒﺪ ﺑﺎﻻﻣﺮ ﻓﺎن ھﺬا ھﻮ درء ﻟﻠﻔﺎﺳﺪ ﺑﺎﻻﻓﺴﺪ وﯾﺆدي اﻟﻰ ﻓﻮﺿﻰ اﻛﺒﺮ وﺗﺪﻣﯿﺮ اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ‬

‫اﻟﻌﺎم‪ .‬ﻓﺎﻟﻌﻘﻞ‪ :‬ﯾﺤﻜﻢ ﺑﺎﻟﺒﺪاھﺔ ﺑﻘﺒﺢ اﻟﻔﻮﺿﻰ ووﺟﻮب اﻗﺎﻣﺔ اﻟﻨﻈﺎم‪ ،‬وﻻﺗﺴﺘﻘﺮ اﻟﺪوﻟﺔ اﻻ ﺑﺨﻀﻮع‬

‫اﻻﻣﺔ وﻃﺎﻋﺘﮭﺎ‪ ،‬وﺗﺤﻘﻖ اﻟﺪوﻟﺔ ﺑﻘﮭﺮ ﻗﺎھﺮ ﻇﻠﻢ ﻋﻠﻰ اﻻﻣﺔ ﯾﺤﻜﻢ اﻟﻌﻘﻞ ﺑﻘﺒﺤﮫ ﻓﺎﻧﮫ ﺧﻼف ﺳﻠﻄﻨﺔ‬

‫‪ .‬ان اﻟﻨﻈﺎم )‪(17‬اﻟﻨﺎس ﻋﻠﻰ اﻣﻮاﻟﮭﻢ وﻧﻔﻮﺳﮭﻢ وﻻﯾﺤﻜﻢ اﻟﻌﻘﻞ اﯾﻀﺎ ﺑﻮﺟﻮب اﻟﺨﻀﻮع واﻻﻃﺎﻋﺔ ﻟﮫ‬

‫اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻻﯾﺴﺘﻘﺮ اﻻ ﻋﻨﺪ وﺟﻮد ﻣﺸﺎرﻛﺔ ﺟﻤﺎﻋﯿﺔ ﻣﺴﺆوﻟﺔ ﻋﻠﻰ اﺳﺎس واﻗﻌﻲ وھﺬه اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ‬

‫ﺗﺘﺤﻘﻖ ﻋﺒﺮ وﺟﻮد اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﺘﻲ ﻣﻦ اھﻤﮭﺎ ﺣﺮﯾﺔ اﻧﺘﺨﺎب اﻟﺤﺎﻛﻢ‪ .‬ﻟﺬﻟﻚ ﻧﺮى ان اﻻﻧﻈﻤﺔ اﻻﺳﺘﺒﺪادﯾﺔ‬

‫ھﻲ اﻛﺜﺮ اﻻﻧﻈﻤﺔ ﻓﻮﺿﻮﯾﺔ وﻓﺴﺎدا ﺣﯿﺚ ﺗﺴﺤﻖ اﺑﺴﻂ اﻟﺤﻘﻮق اﻻﻧﺴﺎﻧﯿﺔ وﺗﻨﻤﻮ اﻻﻣﺮاض اﻻﺧﻼﻗﯿﺔ‬

‫واﻟﻨﻔﺴﯿﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ وﯾﺴﺘﮭﻠﻚ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم ﻓﻲ اﺷﻜﺎل ﻣﻦ اﻟﻨﻔﺎق واﻻﻧﺎﻧﯿﺔ واﻟﺘﻔﻜﻚ واﻟﺘﻨﺎﺣﺮ‪ .‬وﻣﻦ‬

‫ھﻨﺎ ﻓﻠﯿﺲ‪ :‬ﻻﺣﺪ ان ﯾﺤﺪد ﺣﺮﯾﺎت اﻟﻨﺎس او ﯾﺘﺼﺮف ﻓﻲ ﻣﻘﺪراﺗﮭﻢ ﺑﻐﯿﺮ اذﻧﮭﻢ‪ ،‬وﻟﻼﻓﺮاد ان ﯾﻨﺘﺨﺒﻮا‬

‫اﻟﻔﺮد اﻻﺻﻠﺢ وﯾﻮﻟﻮه ﻋﻠﻰ اﻧﻔﺴﮭﻢ ﺑﻞ ﯾﺠﺐ ذﻟﻚ ﺑﻌﺪﻣﺎ ﺣﻜﻢ اﻟﻌﻘﻞ ﺑﺎن اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻻﺑﺪ ﻟﮫ ﻣﻦ ﻧﻈﺎم‬

‫‪ .‬ﻓﺎﻟﻨﻈﺎم ﯾﺘﺤﻘﻖ وﯾﺘﻜﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﺤﺮﯾﺔ وﯾﺨﺘﻨﻖ وﯾﻨﮭﺎر )‪(18‬وﺣﻜﻢ واﻧﮭﻤﺎ ﻣﻦ ﺿﺮورﯾﺎت ﺣﯿﺎة اﻟﺒﺸﺮ‬

‫ﻣﻊ اﻻﺳﺘﺒﺪاد وﻗﻤﻊ اﻟﺤﺮﯾﺎت‪.‬‬

‫اﻟﺤﻠﻘﺔ اﻟﺜﺎﻣﻨـــﺔ‬

‫‪ ..................‬ﺣﻮل وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ‪.........................................‬‬

‫إن اﻟﺘﻈﺎھﺮ ﺑﺎﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬ھﻮ أﺣﺪ أﺳﻮأ أﻣﺮاض "اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" ﺣﯿﺚ ﯾﺴﻌﻰ اﻟﻨﺎس ﺟﺎھﺪﯾﻦ إﻟﻰ‬

‫إﻇﮭﺎر "اﻟﺨﺸﻮع" و "اﻟﺘﻔﻘﮫ" و "اﻟﻮرع" ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ اﻟﻮﺻﻮل إﻟﻰ "ﻣﻨﺼﺐ" أو "وﻇﯿﻔﺔ" أو‬

‫"وزارة" ‪ ،‬و ھﻨﺎ و ﻷن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﻘﺎﺋﻢ أﻗﺮ ﻣﻘﺎﯾﯿﺴﮫ "اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ اﻟﺘﻘﻮﯾﺔ" ﻓﮭﻮ ﻧﻔﺴﮫ ﺳﯿﺤﺪد ﻣﻦ‬

‫ھﻮ "اﻟﺘﻘﻲ" و ﻣﻦ ھﻮ "اﻟﺸﻘﻲ"!! ﻣﻊ أن اﻟﻘﺮآن ﯾﻘﻮل ﻓﻲ أوﺿﺢ آﯾﺎﺗﮫ } ﻻ ﺗﺰﻛﻮا أﻧﻔﺴﻜﻢ ﺑﻞ اﷲ‬

‫ﯾﺰﻛﯿﻜﻢ { أو ﻗﻮﻟﮫ } إﻟﻰ اﷲ ﻣﺮﺟﻌﻜﻢ ﻓﯿﻨﺒﺄﻛﻢ ﺑﻤﺎ ﻛﻨﺘﻢ ﺗﻌﻤﻠﻮن { ‪ ،‬ﯾﻘﻮل "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ‪:‬‬

‫إﻧﻨﺎ ﻧﺴﻌﻰ ﻟﺘﻜﻮن ﻗﻮاﻧﯿﻨﻨﺎ إﻟﮭﯿﺔ‪ ،‬ﻓﻤﺠﻠﺲ اﻟﺸﻮرى اﻹﺳﻼﻣﻲ وﻣﺠﻠﺲ ﺻﯿﺎﻧﺔ اﻟﺪﺳﺘﻮر‪ ،‬اﻟﻠﺬان‬

‫ﯾﻤﺜﻼن ﻣﻌﺎً اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻤﻘﻨّﻨﺔ ﻟﺪﯾﻨﺎ‪ ،‬ﯾﺴﻌﯿﺎن ﻟﺘﻜﻮن اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﺘﻲ ﯾﺼﺎدﻗﺎن ﻋﻠﯿﮭﺎ ﻗﻮاﻧﯿﻦ ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﺔ ﻣﻊ‬

‫اﻟﻜﺘﺎب واﻟﺴﻨّﺔ وﻣﻊ اﻟﻨﺼﻮص ﻻﻧﺘﺨﺎب أﺷﺨﺎص ﯾﺪﯾﺮون اﻟﺒﻼد ﻋﺒﺮ اﺧﺘﯿﺎرھﻢ ﻣﻦ ﺑﯿﻦ اﻷﻓﺮاد‬

‫اﻟﻤﺆﻣﻨﯿﻦ ﺑﺎﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‪ ،‬وھﺬا ھﻮ اﻟﺪرس اﻟﺬي ﯾﻌﻠﻤﻨﺎ إﯾﺎه اﻻﻋﺘﻘﺎد ﺑﺎﻟﺘﻮﺣﯿﺪ واﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﷲ‪ .‬اﻟﻤﺼﺪر‬

‫اﻟﺴﺎﺑﻖ ص ‪5‬‬

‫ﻓﺎﻟﻤﻼﺣﻆ ھﻨﺎ أﻧﮫ ﺗﺤﺪث ھﻨﺎ ﻋﻦ "اﻧﺘﺨﺎب أﺷﺨﺎص" ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮫ ﻋﺎد ﻟﯿﻘﯿﺪ اﻻﻧﺘﺨﺎب ﺑﺎﻟﻘﻮل "ﻋﺒﺮ‬

‫اﺧﺘﯿﺎرھﻢ ﻣﻦ ﺑﯿﻦ اﻷﻓﺮاد اﻟﻤﺆﻣﻨﯿﻦ ﺑﺎﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" ‪ ،‬إﻧﮫ ﻓﻌﻼ ﺗﻼﻋﺐ ﺑﺎﻻﻧﺘﺨﺎب إﻟﻰ ﺣﺪ أﻧﮫ‬

‫اﻧﺘﺨﺎب ﺑﻼ ﺟﺪوى أو ﻣﻌﻨﻰ ‪ ،‬و اﻟﺸﺨﺺ "اﻟﻤﺆﻣﻦ" ﻓﻌﻼ ﻗﺪ ﯾﺼﺒﺢ "ﻣﻠﺤﺪا" ﺑﻤﻘﺎﯾﯿﺲ اﻟﺴﻠﻄﺔ و‬

‫"اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ‪ ،‬و ﻣﺎ ﺣﺼﻞ ﻣﻊ "آﯾﺔ اﷲ ﻣﻨﺘﻈﺮي" و ﺣﺠﺒﮫ ﻋﻦ اﻟﻮﻻﯾﺔ ﻟﻤﺼﻠﺤﺔ "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ﺧﯿﺮ‬

‫ﻣﺜﺎل ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻗﻠﻨﺎه ‪.‬‬


‫‪21‬‬

‫و ﯾﻀﯿﻒ ﻓﻲ ص ‪ 7‬ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺑﮫ‪:‬‬

‫إن ھﺬه اﻟﻔﺮﺻﺔ اﻟﺜﻤﯿﻨﺔ‪ ،‬ﻓﺮﺻﺔ ﻗﯿﺎم اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ وﻧﺸﻮء اﻟﻨﻈﺎم اﻹﺳﻼﻣﻲ‪ ،‬وﻓﺮﺻﺔ ﺗﺒﻠﻮر‬

‫ﻟﻄﻒ اﷲ ﺑﻌﺒﺎده ﻓﻲ ھﺬه اﻟﺒﻘﻌﺔ ﻣﻦ اﻷرض‪ ،‬ﻋﻠﯿﻨﺎ أن ﻧﻌﺮف ﻗﯿﻤﺘﮭﺎ وﻧﻘﺪر أھﻤﯿﺘﮭﺎ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﻛﺎن ﺷﻌﺒﻨﺎ‬

‫ﯾُﺴﺎق ﻧﺤﻮ اﻟﻔﺴﺎد واﻵﺛﺎم‪ ،‬و ُﯾﺤَﺚ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻌﺎﺻﻲ واﻟﺬﻧﻮب‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﯾﻤﻜﻨﮫ اﻟﯿﻮم أن ﯾﺘﻤﺘﻊ ﺑﻨﻌﻤﺔ اﻟﻌﯿﺶ‬

‫ﻣﺴﻠﻤﺎً ﻣﺆﻣﻨﺎً ﺑﺎﷲ‪ ،‬ﯾﻤﺎرس اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺼﺎﻟﺢ وﻗﺪ ﻣﮭﺪ ﻟﻠﺠﻤﯿﻊ ﺳﺒﯿﻞ اﻟﻤﺠﺎھﺪة ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻟﺸﯿﺎﻃﯿﻦ‬

‫واﻟﻨﻔﺲ اﻷﻣﺎرة ﺑﺎﻟﺴﻮء وﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻷﻋﺪاء‪ ،‬وﻓُﺘﺢ أﻣﺎم أﺑﻨﺎء ھﺬا اﻟﺸﻌﺐ ﻃﺮﯾﻖ اﻟﺘﻀﺤﯿﺔ واﻟﻔﺪاء‬

‫واﻟﺼﻼح واﻟﺮﺷﺎد ‪.‬‬

‫إن ھﺬا اﻟﺤﺪﯾﺚ "اﻟﻮﻋﻈﻲ" ﯾﻨﺎﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ‪ ،‬ﻓﻤﻨﺬ ﻗﯿﺎم "اﻟﺜﻮرة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﺗﻀﺎﻋﻒ ﻋﺪد‬

‫اﻟﻤﺪﻣﻨﯿﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﻜﺤﻮل و اﻟﻤﺨﺪرات و راﺟﺖ اﻻﻧﺤﺮاﻓﺎت اﻟﺠﻨﺴﯿﺔ "ﻛﺎﻟﻤﺜﻠﯿﺔ" و ﯾﻌﯿﺶ أﻏﻠﺒﯿﺔ‬

‫اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ "و ﻗﺪ ﺗﺴﻨﻰ ﻟﻲ اﻻﻃﻼع ﻋﻠﻰ اﻷوﺿﺎع ھﻨﺎك ﻓﻲ زﯾﺎرة ﻗﺼﯿﺮة" ﺣﺎﻟﺔ ﻣﺰرﯾﺔ ﻣﻦ اﻟﻔﻘﺮ‬

‫و اﻟﺒﻄﺎﻟﺔ و ﺗﺼﺎﻋﺪ ﺣﺎﻻت اﻟﻄﻼق و اﻟﻔﺴﺎد اﻹداري ‪ ،‬ﺑﻞ إن اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ﯾﺘﻨﺪرون ﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ‬

‫"اﻟﻨﻜﺘﺔ" ﺑﺎﻟﻘﻮل ‪ :‬إذا ﻗﺎل ﻟﻚ اﻟﻤﺴﺌﻮل ﺑﺲ ﻓﺮدا ـ ﺑﻌﺪ اﻟﻐﺪ ﺑﺎﻟﻔﺎرﺳﯿﺔ ـ ﻓﮭﻮ ﯾﻜﺬب‪."..‬‬

‫و اﻟﻤﻼﺣﻆ أن "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ھﻲ أﻗﺮب إﻟﻰ أن ﺗﻜﻮن ﻧﻈﺮﯾﺔ "ﺳﻨﯿﺔ" أﻛﺜﺮ ﻣﻨﮭﺎ "ﺷﯿﻌﯿﺔ" ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ‬

‫أﻧﮭﺎ ﺗﺸﺒﮫ "ﻧﻈﺮﯾﺔ اﻟﺨﻼﻓﺔ" اﻟﺘﻲ ﯾﺮوّج ﻟﮭﺎ "ﺑﻦ ﻻدن" و "اﻟﻘﺎﻋﺪة" ‪ ،‬و اﻟﻮاﺿﺢ أن "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ـ و‬

‫ھﻮ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ذﻟﻚ ﻗﻠﯿﻼ ﻋﻦ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ـ ﯾﺴﻌﻰ إﻟﻰ أن ﯾﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﮫ ھﺬا "اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ" و ﻟﺬﻟﻚ‬

‫ﻧﺮاه و ﺗﯿﺎره "ﺣﺰب اﷲ" ﯾﺘﺒﻨﻰ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ـ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" ﺑﻞ و ﺣﺘﻰ اﻟﺘﻀﺤﯿﺔ ﺑﺸﯿﻌﺔ‬

‫اﻟﻌﺮاق ﻟﻠﻮﺻﻮل إﻟﻰ ھﺬا اﻟﮭﺪف‪.‬‬

‫إن ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﺗﻌﻤﯿﻢ ﻧﻈﺮﯾﺔ "ﺷﯿﻌﯿﺔ" ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ "ﺳﻨﻲ" ﻣﻌﺮوف ﺑﻄﺎﺋﻔﯿﺘﮫ ‪ ،‬ھﻮ أﺷﺒﮫ ﺑﺰراﻋﺔ أي ﻧﺒﺎت‬

‫ﻓﻲ "اﻟﻘﻄﺐ اﻟﺸﻤﺎﻟﻲ" ‪ ،‬ﺑﻞ إن "ﻧﻈﺮﯾﺔ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ﻟﯿﺲ ﻟﮭﺎ ﻣﺆﯾﺪون ﺑﯿﻦ "اﻟﺸﯿﻌﺔ" ﻓﻀﻼ ﻋﻦ‬

‫ﻏﯿﺮھﻢ ‪،‬‬

‫ﻣﻊ ذﻟﻚ ﻧﺠﺪ "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫ﻓﻨﻈﺎم وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ھﻮ اﻟﻄﺎﺑﻊ اﻟﻤﻤﯿﺰ ﻟﺪﺳﺘﻮر اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ واﻟﺼﻔﺔ اﻟﻐﺎﻟﺒﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﻜﻞ‬

‫اﻟﻌﺎم ﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻨﺎ‪ ،‬أي أن "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ﺗُﻠﺤﻆ ﺑﻮﺿﻮح ﻓﻲ ﻛﻞ ﺷﺄن ﻣﻦ اﻟﺸﺆون اﻟﻤﮭﻤﺔ واﻷﺳﺎﺳﯿﺔ‬

‫ﻟﮭﺬا اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‪ ،‬وآﺛﺎرھﺎ ﻣﺸﮭﻮدة ﻓﻲ أﻋﻄﺎف اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وﺣﻨﺎﯾﺎه‪ "..‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪. 8‬‬

‫و اﻟﻮاﺿﺢ ھﻨﺎ أن ھﺬا اﻷﻣﺮ ﻻ ﯾﻌﺪو ﻛﻮﻧﮫ ﻣﺠﺮد زﻋﻢ ﻻ أﺳﺎس ﻟﮫ ‪ ،‬و ﻣﺸﻜﻠﺔ إﯾﺮان ﻣﻊ "وﻻﯾﺔ‬

‫اﻟﻔﻘﯿﮫ" ھﻮ أن أي دوﻟﺔ ﺷﮭﺪت ﻧﮭﻮض "ﺛﻮرة" و إﺣﻼل ﻧﻈﺎم ﻣﻜﺎن آﺧﺮ ‪ ،‬ﻻ ﺑﺪ و أن ﺗﺘﺨﻄﻰ زﻣﻦ‬

‫اﻟﺜﻮرة و ﻗﻮاﻧﯿﻨﮭﺎ إﻟﻰ "اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻤﺪﻧﻲ" اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻮاﻃﻨﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﻮاﺿﺢ ﻟﺤﺪ اﻵن أن إﯾﺮان ﻻ‬

‫زاﻟﺖ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﻃﻮاريء ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺧﻼل ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ أﻃﺮوﺣﺎت "اﻟﻤﺮﺷﺪ" ﻧﺠﺪ أﻧﮫ ھﻮ ﻧﻔﺴﮫ ﻏﯿﺮ ﻣﺘﺄﻛﺪ‬

‫ﻣﻦ ﺷﺮﻋﯿﺔ "وﻻﯾﺘﮫ اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ" ﺣﺘﻰ ﺑﺎﻷدﻟﺔ اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ ﻓﮭﻮ ﯾﻘﻮل‪:‬‬


‫‪22‬‬

‫وأﻋﺘﻘﺪ أﻧﻨﺎ ﻟﺴﻨﺎ ﺑﺤﺎﺟﺔ إﻟﻰ دﻟﯿﻞ ﻧﻘﻠﻲ )رواﺋﻲ( ﻟﻠﺒﺮھﻨﺔ ﻋﻠﻰ "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ"‪ ،‬ﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن‬

‫اﻷدﻟﺔ اﻟﻨﻘﻠﯿﺔ اﻟﺮواﺋﯿﺔ ﻣﺘﻮﻓﺮة ﻓﻲ اﻟﻘﺮآن واﻟﺤﺪﯾﺚ‪ ،‬وﻛﻠﮭﺎ ﺗﺪﻟﻞ ﻋﻠﻰ ﺣﻜﻮﻣﺔ اﻟﻔﻘﮭﺎء واﻟﻌﻠﻤﺎء‬

‫اﻟﺮﺑﺎﻧﯿﯿﻦ‪ .‬ﺑﯿﺪ أﻧﻨﺎ ﻟﻮ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﺪﯾﻨﺎ أي دﻟﯿﻞ ﻧﻘﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺣﻜﻮﻣﺔ اﻟﺨﺒﺮاء ﺑﺎﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﺳﻼﻣﻲ‪،‬‬

‫ﻓﺈن اﻟﻌﻘﻞ واﻷدﻟﺔ اﻟﻤﻨﻄﻘﯿﺔ ﺗﺸﯿﺮ إﻟﻰ ﺣﻘﯿﻘﺔ أﻧﮫ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻷﺣﻜﺎم اﻹﻟﮭﯿﺔ‪ ،‬وﺗﻨﻔﯿﺬ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ‬

‫اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﯾﻨﺒﻐﻲ أن ﯾﺘﺼﺪى ﻟﺬﻟﻚ أﺷﺨﺎص ﯾﻤﺘﻠﻜﻮن اﻷھﻠﯿﺔ‪ ،‬واﻟﻜﻔﺎءة واﻟﺼﻼﺣﯿﺔ‬

‫اﻟﻼزﻣﺔ‪ ،‬ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻤﻀﻤﺎر ﻣﻤﻦ ﻟﺪﯾﮭﻢ إﻃﻼع وﻣﻌﺮﻓﺔ ﺑﺎﻟﺸﺆون اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‪ .‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪.8‬‬

‫و ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﺮى أن اﻻﺳﺘﺪﻻل ﯾﺒﻘﻰ "ذاﺗﯿﺎ" ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن "اﻟﻤﺮﺷﺪ" ﯾﺸﺮع ﺷﺮﻋﯿﺘﮫ ﺑﻨﻔﺴﮫ ‪ ،‬ﺑﻞ و إن‬

‫اﻟﺮﺟﻞ ﻟﯿﺆﻛﺪ ﺷﺮﻋﯿﺔ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺘﮫ ﺑﺎﻟﻘﻮل‪:‬‬

‫إن إﺷﺮاف اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﯿﻊ اﻟﻤﺮاﻛﺰ اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ واﻟﻤﺮاﻓﻖ اﻟﺤﺴﺎﺳﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﺳﻼﻣﻲ‪،‬‬

‫أﻣﺮ ﺿﺮوري‪ ،‬وﻗﺪ اﺳﺘﺠﺎب دﺳﺘﻮرﻧﺎ ﻟﮭﺬه اﻟﻀﺮورة وﻟﺒّﺎھﺎ ‪ ...‬ﻓﺈن اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﯾﻤﺎرس ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ‬

‫إﺷﺮاﻓﮫ ـ ﻛﻤﺎ ورد ﻓﻲ دﺳﺘﻮر اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ـ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﯿﻊ اﻟﻤﺮاﻛﺰ اﻟﺤﯿﻮﯾﺔ واﻟﺤﺴﺎﺳﺔ ﻓﻲ ھﺬا‬

‫اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‪ ،‬وﻟﮫ ﺣﻀﻮر ﻓﺎﻋﻞ وﻣﺆﺛﺮ ﻓﯿﮭﺎ‪ ،‬وھﺬا أﻣﺮ ﻟﯿﺲ ﺑﺤﺎﺟﺔ إﻟﻰ دﻟﯿﻞ وﺑﺮھﺎن‪ ،‬ﺑﻞ اﻟﻌﺠﯿﺐ ھﻮ‬

‫ﻣﺎ ﻗﺪ ﯾﻄﺮﺣﮫ ﺑﻌﺾ اﻷﺷﺨﺎص ﻣﻤﺎ ﯾﻌﺪّوﻧﮫ دﻟﯿﻼً ﻋﻠﻰ رﻓﺾ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ودﺣﻀﮭﺎ‪ .‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪8‬‬

‫و ‪. 9‬‬

‫و ھﻮ ﻓﻌﻼ ﺳﺒﺐ وﺟﯿﮫ ﻟﺮﻓﺾ "دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ اﻟﻤُﻌﻤّﻢ" و ﻟﯿﺲ ھﻨﺎك ﻣﻦ دﻟﯿﻞ ﺷﺮﻋﻲ أو ﻋﻘﻠﻲ ﯾﻘﺒﻞ‬

‫ﺑﺤﻜﻢ ﺷﻤﻮﻟﻲ ﻣﻦ أي ﻧﻮع ﻛﺎن ‪ ،‬ﻣﻦ ھﺬا اﻟﻤﻨﻄﻠﻖ ﻛﺎن ﻟﺰاﻣﺎ ﻋﻠﻰ اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ‪ ،‬إﻣﺎ ﺗﻄﻮﯾﺮ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ ـ‬

‫ﺑﺤﯿﺚ ﯾﺼﺒﺢ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻋﺮﺿﺔ ﻟﻠﻤﺤﺎﺳﺒﺔ ـ أو إﻟﻐﺎء ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﺑﻨﻈﺎم آﺧﺮ ﺑﺴﯿﻂ ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﺣﻜﻢ اﻟﺸﻌﺐ‬

‫و رﻗﺎﺑﺘﮫ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ‪.‬‬

‫و اﻟﻤﺼﯿﺒﺔ أن اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ وﺿﻊ ﻧﻔﺴﮫ ﻣﻮﺿﻊ "اﻷﻧﺒﯿﺎء و اﻻﺋﻤﺔ اﻟﻤﻌﺼﻮﻣﯿﻦ" ﻓﮭﻮ ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫أﻣﺎ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻤﻠﺘﺰم ﺑﺎﻟﻘﯿﻢ اﻹﻟﮭﯿﺔ‪ ،‬واﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻋﺘﻨﺎق ﻋﻘﯿﺪة اﻟﺘﻮﺣﯿﺪ‪ ،‬واﻟﻨﺒﻮة واﻟﺸﺮﯾﻌﺔ اﻹﻟﮭﯿﺔ‪،‬‬

‫ﻓﺈﻧﮫ ﻻ ﯾﺮى ﺑﺪاً ﻣﻦ اﻟﻘﺒﻮل ﺑﺄن ﯾﻜﻮن ﻋﻠﻰ رأﺳﮫ ﺷﺨﺺ ﻋﺎﻟﻢ ﺑﺎﻟﺸﺮﯾﻌﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ واﻟﺘﻌﺎﻟﯿﻢ اﻹﻟﮭﯿﺔ‪،‬‬

‫وﺗﺘﺠﺴﺪ ﻓﯿﮫ اﻷﺧﻼق اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ‪ ،‬وﺗﺘﺠﻠﻰ ﻓﯿﮫ اﻟﺨﺼﺎل اﻟﺤﻤﯿﺪة‪ ،‬وﻻ ﯾﻘﺘﺮف اﻟﺬﻧﻮب وﻻ ﯾﺮﺗﻜﺐ‬

‫اﻟﻤﻌﺎﺻﻲ‪ ،‬وﻻ ﯾﻘﻊ ﻋﻤﺪاً ﻓﻲ اﻟﺨﻄﺄ واﻻﺷﺘﺒﺎه‪ ،‬ﻏﯿﺮ ﺟﺎﺋﺮ وﻻ ﻇﺎﻟﻢ وﻻ ﻃﺎﻣﻊ ﻓﻲ ﺷﻲء ﻣﻦ اﻟﺤﻄﺎم‬

‫ﻟﻨﻔﺴﮫ‪ ،‬ﺑﻞ ﯾﺘﺤﺮق ﻟﻶﺧﺮﯾﻦ وﯾﻔﻀﻞ إﻗﺮار اﻟﻘﯿﻢ اﻹﻟﮭﯿﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ واﻷﻣﻮر اﻟﺬاﺗﯿﺔ‬

‫واﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻔﺌﻮﯾﺔ‪ .‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪. 9‬‬

‫إﻧﮫ ﻣﺠﺮد ﺣﺪﯾﺚ "ﻣﺜﺎﻟﻲ" ﺧﯿﺎﻟﻲ ‪ ،‬ﻟﯿﺲ ﻟﮫ أﺳﺲ أﺧﻼﻗﯿﺔ أو دﯾﻨﯿﺔ أو إﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ﻓﺈن‬

‫"وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ھﻮ اﻧﻘﻼب ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺸﯿﻊ و ﻣﺬھﺐ أھﻞ اﻟﺒﯿﺖ ‪ ،‬ﻷﻧﮫ اﻧﺘﻘﻞ ﻣﻦ ﻛﻮﻧﮫ "ﻋﻘﯿﺪة ﺷﻌﺐ" إﻟﻰ‬

‫ﻋﻘﯿﺪة أﺧﺮى ﯾﺴﺘﺤﻮذ ﺑﮭﺎ "ﻃﺒﻘﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﻼﻟﻲ" ﻋﻠﻰ ﻗﺮار اﻟﺸﻌﺐ و ﺛﺮواﺗﮫ ‪ ،‬و رﻏﻢ ﻣﺤﺎوﻻت‬

‫"اﻟﻤﺮﺷﺪ ﻋﻠﻲ اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ اﻟﺬي ﻧﺤﻦ ﺑﺼﺪده ‪ ،‬ﻓﻲ إﻗﻨﺎع اﻟﻘﺎريء اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﺧﺼﻮﺻﺎ و‬
‫‪23‬‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻟﺸﯿﻌﻲ و اﻟﺴﻨﻲ ﺑﺸﻜﻞ أﻋﻢ ‪ ،‬ﺑﺄن اﻟﻨﻈﺎم اﻹﯾﺮاﻧﻲ "ﺟﻤﮭﻮري ﻣﺴﺘﻤﺪ ﻣﻦ اﻟﺸﻌﺐ" ‪ ،‬إﻻ أﻧﮫ‬

‫وﺿﺢ ﺑﻤﺎ ﻻ ﯾﻘﺒﻞ اﻟﺸﻚ أن ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ھﻮ "دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ" ﻣﺎﺋﺔ ﺑﺎﻟﻤﺎﺋﺔ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﯾﻘﻮل اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ‬

‫ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮان "ﺗﻨﻔﯿﺬ رأي اﻟﺸﻌﺐ"‪:‬‬

‫وﻟﮭﺬا ﻓﺈن ھﺬا اﻷﻣﺮ ﻗﺪ ﺗﻤﺖ ﻣﻌﺎﻟﺠﺘﮫ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ وﻓﻲ ﻧﻈﺎﻣﻨﺎ اﻟﺠﻤﮭﻮري اﻹﺳﻼﻣﻲ‪ ،‬إذ أن ﻋﻠﻰ‬

‫رأس اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﻼد ﯾﻘﻒ رﺋﯿﺲ اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪ ،‬وﻗﺪ ﺗﻢ اﻧﺘﺨﺎﺑﮫ ﻣﻦ ﺧﻼل آراء‬

‫اﻟﺸﻌﺐ وﻋﯿّﻦ ﻓﻲ ﻣﻨﺼﺒﮫ ﻋﺒﺮ ﺗﻨﻔﯿﺬ اﻹﻣﺎم ﻟﺮأي اﻟﺸﻌﺐ وإﻣﻀﺎﺋﮫ‪ ،‬أي أﻧﮫ ـ ﻓﻲ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ـ ﻣﻌﯿّﻦ‪،‬‬

‫وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ‪ ،‬ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻹﻣﺎم‪.‬‬

‫ﻓﺎﻟﺸﻌﺐ ﯾﻨﺘﺨﺐ ﺷﺨﺼﺎً ﻣﻦ ﺑﯿﻦ اﻷﺷﺨﺎص اﻟﻼﺋﻘﯿﻦ ﻟﺮﺋﺎﺳﺔ اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ‪ ،‬ﺛﻢ ﯾﻘﻮم اﻹﻣﺎم ﺑﺘﻨﻔﯿﺬ رأي‬

‫اﻟﺸﻌﺐ ﺑﺘﻌﯿﯿﻨﮫ رﺋﯿﺴﺎً‪ ،‬أي أﻧﮫ إن ﻟﻢ ﯾﺼﺎدق اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻰ اﻧﺘﺨﺎﺑﮫ ﻟﻦ ﯾﺼﺒﺢ رﺋﯿﺴﺎً ﻟﻠﺠﻤﮭﻮرﯾـﺔ‪.‬‬

‫ﻓﺎﻹﻣـﺎم ـ وھﻮ اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﻌﺎدل ووﻟﻲ أﻣﺮ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ـ ﯾﻤﺴﻚ زﻣﺎم اﻷﻣﻮر ﺑﺸﺄن ﺗﻌﯿﯿﻦ أﻋﻠﻰ ﻣﺴﺆول‬

‫ﺗﻨﻔﯿﺬي ﻓﻲ اﻟﺒﻠﺪ‪ .‬و ﯾﻀﯿﻒ‪:‬‬

‫وھﻜﺬا اﻷﻣﺮ ﻋﻠﻰ ﺻﻌﯿﺪ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺘﺸﺮﯾﻌﯿﺔ "اﻟﻤﻘﻨّﻨﺔ"‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﯾﻌﯿّﻦ اﻹﻣﺎم ﺳﺘﺔ ﻣﻦ اﻟﻔﻘﮭﺎء ﻓﻲ‬

‫ﻣﺠﻠﺲ ﺻﯿﺎﻧﺔ اﻟﺪﺳﺘﻮر‪ ،‬وھﺬا ﯾﻌﻨﻲ ﺣﻀﻮر اﻹﻣﺎم ـ ﻣﻌﻨﻮﯾﺎً ـ ﻓﻲ ﻣﺠﺎل اﻟﺘﺸﺮﯾﻊ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻓﻲ اﻟﺒﻼد‪،‬‬

‫ﻓﺒﺪون ﺗﺴﺠﯿﻞ اﻹﻣﺎم ﺣﻀﻮره ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻤﻀﻤﺎر ﻻ ﺗﻜﻮن ﻋﻤﻠﯿﺔ اﻟﺘﻘﻨﯿﻦ ﻗﺪ ﺗﻤﺖ ﺗﺤﺖ ﻧﻈﺮ اﻟﻮﻟﻲ‬

‫اﻟﻔﻘﯿﮫ وإﺷﺮاف ‪.‬‬

‫وھﻜﺬا اﻷﻣﺮ ﻓﻲ ﻣﺠﺎل اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻘﻀﺎﺋﯿﺔ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﯾﺴﺠﻞ اﻹﻣﺎم ﺣﻀﻮره "اﻟﻤﻌﻨﻮي" ﻣﻦ ﺧﻼل‬

‫ﺗﻌﯿﯿﻨﮫ رﺋﯿﺲ دﯾﻮان اﻟﻘﻀﺎء اﻷﻋﻠﻰ‪ ،‬واﻟﻤﺪﻋﻲ اﻟﻌﺎم ﻓﻲ اﻟﺒﻼد‪ ،‬وھﺬان اﻟﻤﺴﺆوﻻن ﺗﻨﺘﮭﻲ إﻟﯿﮭﻤﺎ‬

‫ﺟﻤﯿﻊ اﻟﺸﺆون اﻟﻘﻀﺎﺋﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﻼد‪ ،‬وھﻤﺎ ـ ﻓﻲ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ـ ﻧﺎﺋﺒﺎ اﻹﻣﺎم وﻣﻤﺜﻼه ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻤﺠﺎل‪ ،‬وﻣﻦ‬

‫ﺧﻼﻟﮭﻤﺎ ﯾﺘﻢ ﺗﺄﻣﯿﻦ إﺷﺮاف اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻟﺼﻌﯿﺪ‪.‬‬

‫إذاً‪ ،‬ﻓﺎﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻟﮫ ﺣﻀﻮر ﻓﻌﺎل ودور أﺳﺎﺳﻲ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﺳﻼﻣﻲ‪ ،‬ﺳﻮاء ﻋﻠﻰ ﺻﻌﯿﺪ‬

‫اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﺔ أو اﻟﺴﻠﻄﺘﯿﻦ اﻟﻤﻘﻨّﻨﺔ واﻟﻘﻀﺎﺋﯿﺔ‪ .‬وﻃﺒﻌﺎً ﻓﺈن ﺻﻼﺣﯿﺎت اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻻ ﺗﻨﺤﺼﺮ ﻓﻲ‬

‫ھﺬا اﻹﻃﺎر‪ ،‬وﺗﺘﺠﺎوز ذﻟﻚ ﺑﻜﺜﯿﺮ؛ ﻓﻔﻲ اﻟﺠﯿﺶ واﻟﻘﻀﺎﯾﺎ اﻟﻌﺴﻜﺮﯾﺔ‪ ،‬وﻓﻲ إﻋﻼن اﻟﺤﺮب وﺑﺪﺋﮭﺎ‪ ،‬وﻓﻲ‬

‫ﺧﺘﺎﻣﮭﺎ وإﻋﻼن اﻟﺴﻠﻢ‪ ،‬وﻓﻲ ﺗﻌﺒﺌﺔ اﻟﻘﻮى وﺣﺸﺪھﺎ‪ ،‬وﻓﻲ ﻛﻞ اﻟﺸﺆون اﻟﺘﻲ ﺗﻌﺪّ ﻣﻦ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ‬

‫واﻟﻤﮭﻤﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﺳﻼﻣﻲ‪ ،‬ﻧﺮى ﻟﻠﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﺳﻠﻄﺔ ودوراً وﺣﻀﻮراً ﻓﺎﻋﻼً ﻃﺒﻘﺎً ﻟﻠﺪﺳﺘﻮر‪،‬‬

‫ووﻓﻘﺎً ﻟﻠﻤﻘﺎﯾﯿﺲ اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ‪ ،‬اﻟﺘﻲ ﯾﺠﺐ أن ﺗﺠﺮي اﻷﻣﻮر ﺑﻤﻮﺟﺒﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺬي ﯾﺘﻮﺟﺐ ﻗﯿﺎم‬

‫اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﯿﮫ‪ .‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪ 9‬و ‪. 10‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﺗﺘﻮﺿﺢ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ و ﻋﻠﻰ ﻟﺴﺎن أﻋﻠﻰ ﺳﻠﻄﺔ ﻓﻲ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻨﻲ ﻓﻲ إﯾﺮان و أﻧﮫ ﻻ ﯾﺴﺘﻨﺪ إﻟﻰ‬

‫أي ﻗﺎﻋﺪة ﺷﻌﺒﯿﺔ ‪ ،‬اﻟﻠﮭﻢ إﻻ ﻓﻲ ﻗﻄﺎﻋﺎت ﺿﯿّﻘﺔ ﺟﺪا ‪ ،‬إﻧﮭﺎ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ﻣﻐﻠﻔﺔ "ﺑﺎﻟﻮﻋﻆ" و "اﻟﺨﺸﻮع‬
‫‪24‬‬

‫اﻟﻜﺎذب" ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈن ﺗﺤﺮﯾﺮ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻣﻦ ﺧﺎﻃﻔﯿﮫ ﯾﺠﺐ أن ﯾﻜﻮن ھﺪف اﻟﺤﻮزات اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ‬

‫ﻧﻔﺴﮭﺎ ‪ ،‬و ﻋﻠﻰ اﻹﺻﻼﺣﯿﯿﻦ اﻟﺘﺤﺮك ﻗﺒﻞ ﺗﺤﻮل اﻷﻣﺮ إﻟﻰ ﻛﺎرﺛﺔ ﻻ ﺧﺮوج ﻣﻨﮭﺎ‪.‬‬

‫اﻟﺤــﻠﻘﺔ اﻟﺘـــﺎﺳــــــــﻌــﺔ‬

‫‪ ...............‬ﺣﻮل وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ‪.........................‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﻼﺣﻆ أن ﻛﻞ اﻟﻤﻨﻈﺮﯾﻦ اﻟﺪﯾﻨﯿﯿﻦ اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﻣﻦ "اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ" و "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" و "ﻣﺤﻤﺪ‬

‫ﻋﻠﻲ اﻟﺘﺴﺨﯿﺮي" و ﺳﺎﺋﺮ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻟﻤﻌﻤﻤﺔ ‪ ،‬ﯾﻄﺮﺣﻮن ﻧﻈﺎم وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻋﻠﻰ أﻧﮫ ﻧﻈﺎم‬

‫ﯾﻌﻜﺲ رﻏﺒﺔ اﻟﺸﻌﺐ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ‪ ،‬و ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ ﻣﻦ ﻧﻘﺪھﻢ اﻟﻤﻮﺟّﮫ إﻟﻰ‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ "اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ" أﻧﮫ ﻧﻘﺪ ﺳﻄﺤﻲ ﻻ أﻛﺜﺮ ‪ ،‬ﻓﻤﺠﺮد ﻧﻈﺮة إﻟﻰ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻜﺒﯿﺮ ﻟﻠﻌﻼﻣﺔ‬

‫آﯾﺔ اﷲ ﻣــﺤﻤﺪ ﺑﺎﻗﺮ اﻟﺼﺪر "إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" ـ ﻓﻲ اﻋﺘﻘﺎدي أﻧﮫ ﻣﺎ ﻣﻦ ﺷﺨﺼﯿﺔ ﺷﯿﻌﯿﺔ ﺗﻀﺎھﻲ ﻗﻮة و‬

‫إﺑﺪاع ھﺬا اﻟﺮﺟﻞ ـ ﻓﺈﻧﻚ ﺳﺘﺠﺪ اﻟﻨﻈﺎم اﻹﻗﺘﺼﺎدي اﻹﺳﻼﻣﻲ "أﺷﻚﱡ ﺣﻘﯿﻘﺔ ﻓﻲ وﺟﻮد ﻧﻈﺎم اﻗﺘﺼﺎدي‬

‫ﺧﺎص ﺑﺎﻹﺳﻼم" أﻗﺮب إﻟﻰ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ و ﺣﺮﯾﺔ اﻟﺘﺠﺎرة ‪ ،‬و أﻋﺘﻘﺪ أن ھﺬه ﻧﻘﻄﺔ ﺗﺤﺴﺐ ﻟﺼﺎﻟﺢ‬

‫اﻹﺳﻼم ﻛﺪﯾﻦ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﻄﻮر و اﻻﻧﺪﻣﺎج ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ‪ .‬و ھﻨﺎ أود أن أﻃﺮح ﺟﻤﻠﺔ ﻧﻘﺎط ﻣﻔﯿﺪة‬

‫ﺣﻮل ﻣﻮﺿﻮع "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ﻃﺮﺣﮭﺎ اﻟﻜﺎﺗﺐ ﻣﺮﺗﻀﻰ ﻣﻌﺎش و ھﻲ‪:‬‬

‫وﯾﺮى اﻟﺒﻌﺾ ان اﻟﻮﻟﻲ ﯾﻨﺘﺨﺐ وﻟﻜﻦ ﻟﯿﺲ ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ اﻻﻣﺔ ﺑﻞ ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ اھﻞ اﻟﺤﻞ واﻟﻌﻘﺪ‪ ،‬ﻻن‬

‫اﻻﻣﺔ ﻏﯿﺮ ﻗﺎدرة ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﻤﺆھﻞ وﺗﺸﺨﯿﺺ اﻋﻠﻤﯿﺘﮫ وﻋﺪاﻟﺘﮫ ﻟﺬﻟﻚ ﯾﻘﺘﺼﺮ اﻻﻣﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺎرﻓﯿﻦ‬

‫وھﻢ اھﻞ اﻟﺤﻞ واﻟﻌﻘﺪ ﻣﻊ ﻛﻮن اﻟﺴﯿﺮة اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ‪ .‬وﻟﻜﻦ ھﻨﺎك ﻣﻼﺣﻈﺎت ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺮأي‪:‬‬

‫‪1‬ـ ان اﻟﺤﺮﯾﺔ ﺣﻖ ﻋﺎم ﻻﯾﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ اھﻞ اﻟﺤﻞ واﻟﻌﻘﺪ وﻟﻮ ﻗﺼﺮ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﻟﻀﯿﻌﺖ ﺣﻘﻮق اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‬

‫ﻛﻤﺎ ﺣﺼﻞ ذﻟﻚ ﻓﻲ اﻟﺴﻘﯿﻔﺔ‪ .‬ﻻن اﻟﺤﺮﯾﺔ ﻣﻦ اوﻟﯿﺎت اﻟﺤﻘﻮق اﻻﻧﺴﺎﻧﯿﺔ‪.‬‬

‫‪2‬ـ ان اﻻﺧﺬ ﺑﺮأي اھﻞ اﻟﺤﻞ واﻟﻌﻘﺪ وﺗﺮك رأي اﻻﻣﺔ ﺧﻼف اﻃﻼق اﯾﺎت اﻟﺸﻮرى‪ ،‬وﻋﻤﻞ ﺑﺮأي‬

‫واﻟﺰﻣﻮا اﻟﺴﻮاد اﻻﻋﻈﻢ‬ ‫اﻻﻗﻠﯿﺔ وﺗﻀﯿﯿﻊ رأي اﻻﻛﺜﺮﯾﺔ وھﺬا ﻻﯾﺴﻤﻰ ﺷﻮرى‪ .‬ﯾﻘﻮل اﻣﯿﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﯿﻦ )‬

‫ﻓﺎن ﯾﺪ اﷲ ﻋﻠﻰ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ واﯾﺎﻛﻢ واﻟﻔﺮﻗﺔ ﻓﺎن اﻟﺸﺎذ ﻣﻦ اﻟﻨﺎس ﻟﻠﺸﯿﻄﺎن ﻛﻤﺎ ان اﻟﺸﺎذ ﻣﻦ اﻟﻐﻨﻢ‬

‫ﻟﻠﺬﺋﺐ‪).‬ﻧﮭﺞ اﻟﺒﻼﻏﺔ‪(11/2‬‬

‫‪3‬ـ اذا ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺼﺮﻓﺎت اﻟﻮﻟﻲ ﺗﺤﺘﺎج اﻟﻰ اﺟﺎزة ﻣﻦ اﻻﻣﺔ ﻟﻨﻔﻮذ ﻋﻤﻠﮫ وﺳﻠﻄﺘﮫ ﻓﺎن اﻻﺟﺎزة ﻻﺗﺘﺤﻘﻖ‬

‫ﺑﻤﺠﺮد اﻧﺘﺨﺎب اھﻞ اﻟﺤﻞ واﻟﻌﻘﺪ‪.‬‬


‫‪25‬‬

‫‪4‬ـ ان اﻟﺴﯿﺮة اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ اﻧﺘﺨﺎب اھﻞ اﻟﺤﻞ واﻟﻌﻘﺪ ﻟﻠﻮﻟﻲ ﻓﺎن ذﻟﻚ ﻛﺎن ﻟﺒﻌﺪ اﻟﻤﺴﺎﻓﺎت ﺟﻐﺮاﻓﯿﺎ‬

‫وﺻﻌﻮﺑﺔ اﻻﺗﺼﺎل‪ ،‬وﻟﻜﻦ اﻟﯿﻮم اﻟﻤﺴﺎﻓﺎت اﺻﺒﺤﺖ ﺷﺒﮫ ﻣﻠﻐﯿﺔ ﻟﻮﺟﻮد اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ اﻻﺗﺼﺎل واﻋﻄﺎء‬

‫اﻻﻣﺔ رأﯾﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﻮﻟﻲ اﻟﺬي ﺗﻨﺘﺨﺒﮫ‪.‬‬

‫‪5‬ـ ﺗﺮى اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﺪﺳﺘﻮرﯾﺔ ان اﻧﺘﺨﺎب اھﻞ اﻟﺤﻞ واﻟﻌﻘﺪ ھﻮ ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ اﻟﻤﺒﻄﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﮭﺪف‬

‫اﻟﻰ ﻣﺼﺎدرة رأي اﻻﻣﺔ ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻋﺒﺮ ﺗﻌﯿﯿﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻻﺷﺨﺎص ﺗﺴﻤﯿﮭﻢ اھﻞ اﻟﺤﻞ واﻟﻌﻘﺪ‬

‫ﻻﺿﻔﺎء اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﮭﺎ‪ ،‬ﻛﻤﺎ ﺗﻔﻌﻞ ذﻟﻚ ﺑﻌﺾ اﻻﻧﻈﻤﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻨﺘﺨﺐ ﻓﯿﮭﺎ اﻟﺮﺋﯿﺲ ﻣﻦ ﺧﻼل‬

‫اﻟﺒﺮﻟﻤﺎن اﻟﺬي ﯾﺴﯿﻄﺮون ﻋﻠﯿﮫ ﺳﯿﻄﺮة ﻣﻄﻠﻘﺔ‪.‬‬

‫ﻧﻌﻢ ﯾﻤﻜﻦ ان ﯾﻘﻮم اھﻞ اﻟﺤﻞ واﻟﻌﻘﺪ ﺑﺘﺮﺷﯿﺢ اﻟﻔﻘﯿﮫ او اﻟﻔﻘﮭﺎء ﻟﻼﻣﺔ ﻛﻲ ﺗﻨﺘﺨﺒﮭﻢ اﻧﺘﺨﺎﺑﺎ ﺣﺮا ﻛﻤﺎ ﯾﺤﺼﻞ‬

‫ذﻟﻚ ﻓﻲ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺮﺷﺢ اﻻﺣﺰاب اﺷﺨﺎﺻﺎ اﻟﻰ اﻟﺸﻌﺐ ﺣﺘﻰ ﯾﻨﺘﺨﺒﻮھﻢ‪ .‬ﻧﮭﺎﯾﺔ‬

‫اﻻﻗﺘﺒﺎس‪.‬‬

‫ﻧﻌﻮد إﻟﻰ اﻟﻨﻘﻄﺔ اﻷوﻟﻰ اﻟﺘﻲ ﺑﺪأﻧﺎ ﺑﮭﺎ اﻟﻤﻮﺿﻮع ‪ ،‬ﻓﻜﻞ اﻟﻨﻘﺪ اﻟﻤﻮﺟّﮫ إﻟﻰ "اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ"‬

‫ﯾﺒﻘﻰ اﺳﺘﻌﺎرة ﻣﻦ ﻣﻌﻤﻤﻲ و ﻣﻠﺘﺤﻲ "اﻟﺜﻮرة" ﻓﻲ ﻗﺮاءاﺗﮭﻢ ﻟﻠﻜﺘﺐ "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" و "اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ" ‪،‬‬

‫ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﻚ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻘﺮأ ھﺬا اﻟﻨﻘﺪ ﺗﻈﻦ ﻧﻔﺴﻚ ﻷول وھﻠﺔ ﺗﻘﺮأ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻟﻠﺒﻼﺷﻔﺔ "اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﯿﻦ" ‪ ،‬ﯾﻘﻮل‬

‫اﻹﺳﻼم"‪:‬‬ ‫"اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻓﻲ‬

‫وﻟﮭﺬا ﻓﺈن ھﺬا اﻷﻣﺮ ﻗﺪ ﺗﻤﺖ ﻣﻌﺎﻟﺠﺘﮫ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ وﻓﻲ ﻧﻈﺎﻣﻨﺎ اﻟﺠﻤﮭﻮري اﻹﺳﻼﻣﻲ‪ ،‬إذ أن ﻋﻠﻰ‬

‫رأس اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﻼد ﯾﻘﻒ رﺋﯿﺲ اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪ ،‬وﻗﺪ ﺗﻢ اﻧﺘﺨﺎﺑﮫ ﻣﻦ ﺧﻼل آراء‬

‫اﻟﺸﻌﺐ وﻋﯿّﻦ ﻓﻲ ﻣﻨﺼﺒﮫ ﻋﺒﺮ ﺗﻨﻔﯿﺬ اﻹﻣﺎم ﻟﺮأي اﻟﺸﻌﺐ وإﻣﻀﺎﺋﮫ‪ ،‬أي أﻧﮫ ـ ﻓﻲ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ـ ﻣﻌﯿّﻦ‪،‬‬

‫وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ‪ ،‬ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻹﻣﺎم‪.‬‬

‫ﻓﺎﻟﺸﻌﺐ ﯾﻨﺘﺨﺐ ﺷﺨﺼﺎً ﻣﻦ ﺑﯿﻦ اﻷﺷﺨﺎص اﻟﻼﺋﻘﯿﻦ ﻟﺮﺋﺎﺳﺔ اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ‪ ،‬ﺛﻢ ﯾﻘﻮم اﻹﻣﺎم ﺑﺘﻨﻔﯿﺬ رأي‬

‫اﻟﺸﻌﺐ ﺑﺘﻌﯿﯿﻨﮫ رﺋﯿﺴﺎً‪ ،‬أي أﻧﮫ إن ﻟﻢ ﯾﺼﺎدق اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻰ اﻧﺘﺨﺎﺑﮫ ﻟﻦ ﯾﺼﺒﺢ رﺋﯿﺴﺎً ﻟﻠﺠﻤﮭﻮرﯾـﺔ‪.‬‬

‫ﻓﺎﻹﻣـﺎم ـ وھﻮ اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﻌﺎدل ووﻟﻲ أﻣﺮ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ـ ﯾﻤﺴﻚ زﻣﺎم اﻷﻣﻮر ﺑﺸﺄن ﺗﻌﯿﯿﻦ أﻋﻠﻰ ﻣﺴﺆول‬

‫ﺗﻨﻔﯿﺬي ﻓﻲ اﻟﺒﻠﺪ‪.‬‬

‫وھﻜﺬا اﻷﻣﺮ ﻋﻠﻰ ﺻﻌﯿﺪ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺘﺸﺮﯾﻌﯿﺔ "اﻟﻤﻘﻨّﻨﺔ"‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﯾﻌﯿّﻦ اﻹﻣﺎم ﺳﺘﺔ ﻣﻦ اﻟﻔﻘﮭﺎء ﻓﻲ‬

‫ﻣﺠﻠﺲ ﺻﯿﺎﻧﺔ اﻟﺪﺳﺘﻮر‪ ،‬وھﺬا ﯾﻌﻨﻲ ﺣﻀﻮر اﻹﻣﺎم ـ ﻣﻌﻨﻮﯾﺎً ـ ﻓﻲ ﻣﺠﺎل اﻟﺘﺸﺮﯾﻊ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻓﻲ اﻟﺒﻼد‪،‬‬
‫‪26‬‬

‫ﻓﺒﺪون ﺗﺴﺠﯿﻞ اﻹﻣﺎم ﺣﻀﻮره ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻤﻀﻤﺎر ﻻ ﺗﻜﻮن ﻋﻤﻠﯿﺔ اﻟﺘﻘﻨﯿﻦ ﻗﺪ ﺗﻤﺖ ﺗﺤﺖ ﻧﻈﺮ اﻟﻮﻟﻲ‬

‫اﻟﻔﻘﯿﮫ وإﺷﺮاف ‪.‬‬

‫وھﻜﺬا اﻷﻣﺮ ﻓﻲ ﻣﺠﺎل اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻘﻀﺎﺋﯿﺔ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﯾﺴﺠﻞ اﻹﻣﺎم ﺣﻀﻮره "اﻟﻤﻌﻨﻮي" ﻣﻦ ﺧﻼل‬

‫ﺗﻌﯿﯿﻨﮫ رﺋﯿﺲ دﯾﻮان اﻟﻘﻀﺎء اﻷﻋﻠﻰ‪ ،‬واﻟﻤﺪﻋﻲ اﻟﻌﺎم ﻓﻲ اﻟﺒﻼد‪ ،‬وھﺬان اﻟﻤﺴﺆوﻻن ﺗﻨﺘﮭﻲ إﻟﯿﮭﻤﺎ‬

‫ﺟﻤﯿﻊ اﻟﺸﺆون اﻟﻘﻀﺎﺋﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﻼد‪ ،‬وھﻤﺎ ـ ﻓﻲ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ـ ﻧﺎﺋﺒﺎ اﻹﻣﺎم وﻣﻤﺜﻼه ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻤﺠﺎل‪ ،‬وﻣﻦ‬

‫ﺧﻼﻟﮭﻤﺎ ﯾﺘﻢ ﺗﺄﻣﯿﻦ إﺷﺮاف اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻟﺼﻌﯿﺪ‪ .‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪ 9‬و ‪. 10‬‬

‫ﻓﺄﯾﻦ ھﻮ اﻻﻧﺘﺨﺎب اﻟﺤﺮ إذا ﯾﺎ ﻣﺮﺷﺪ اﻟﺜﻮرة و ﻋﺮّاﺑﮭﺎ ؟! ﻓﻘﺒﻞ ﻗﻠﯿﻞ أﺧﺒﺮﻧﺎ اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ ﺑﻨﻔﺴﮫ أن‬

‫رﺋﯿﺲ اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ و ﻛﻞ اﻷرﻛﺎن اﻷﺧﺮى ﻓﻲ اﻟﻨﻈﺎم اﻹﯾﺮاﻧﻲ ‪ ،‬ﯾﻌﯿّﻨﮭﻢ "اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﺑﺎﺳﻢ‬

‫اﻟﺸﻌﺐ"!! ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻟﺸّﻌﺐ ﺑﻤﻼﯾﯿﻨﮫ ﻻ ﯾﻌﺪوا أن ﯾﻜﻮن اﺳﻤﺎ و ﺷﻌﺎرا ﺗﺮﻓﻌﮫ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ﻓﻲ‬

‫اﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺎت اﻟﺮﺳﻤﯿﺔ ‪ ،‬و أن "اﻟﻌﻤﺎﻣﺔ" ھﻲ وﺣﺪھﺎ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ اﻟﻘﺮار ‪ ،‬و ﻻ ﺗﻨﺴﻰ ﻋﺰﯾﺰي‬

‫اﻟﻘﺎريء أن اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﺸﯿﻌﻲ ـ اﻟﺬي ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﺴﻨﻲ اﻟﺬي ﻻ ﯾﻌﺪو ﻛﻮﻧﮫ ﻣﻮﻇﻔﺎ ﺣﻜﻮﻣﯿﺎ ـ ﯾﻤﺘﻠﻚ‬

‫ﻗﻮة اﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻛﺒﯿﺮة ﻋﺒﺮ اﺳﺘﻼﻣﮫ ﻣﻼﯾﯿﻦ اﻟﺪوﻻرات ﻣﻦ أﻣﻮال اﻟﺨﻤﺲ و اﻟﺘﺒﺮﻋﺎت و اﻟﺼﺪﻗﺎت ‪،‬‬

‫ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ أن ﯾﻤﺜﻞ ﻃﺒﻘﺔ رأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﺑﻌﯿﻨﮭﺎ ‪ ،‬ﺣﺎﻟﮫ ﺣﺎل اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﻐﺮﺑﻲ اﻟﺬي اﻧﺘﻘﺪه‬

‫"اﻟﻤﻼﯾﺔ" و "اﻟﻤﻠﺘﺤﻮن" ‪ ،‬و اﻷﻛﯿﺪ أن "اﻟﻔﻘﯿﮫ" ﺳﯿﺨﺘﻠﻒ ﺗﻌﺎﻣﻠﮫ ﻣﻊ ﻓﻘﯿﺮ ﯾﺒﻠﻎ ﺧﻤﺴﮫ اﻟﺴﻨﻮي ‪100‬‬

‫دوﻻر ﻋﻦ ذﻟﻚ اﻟﺬي ﯾﺪﻓﻊ ‪ 1000000‬دوﻻر ﻣﺜﻼ‪.‬‬

‫إن اﻹﻋﻼم "اﻟﻐﺮﺑﻲ" اﻟﻤﺨﺎدع اﻟﺬي ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻋﻨﮫ "اﻟﻤﺮﺷﺪ اﻷﻋﻠﻰ" ‪ ،‬ﻟﯿﺲ إﻻ ﻋﻜﺴﺎ ﻟﻠﺼﻮرة‬

‫اﻷﺧﺮى ‪ ،‬ﻓﺎﻹﻋﻼم اﻹﯾﺮاﻧﻲ اﻟﺬي ﯾﺪﯾﺮه "اﻟﻤﺤﺠّﺒﻮن و اﻟﻤﺤﺠﺒﺎت" و "اﻟﻤﻼﯾﺔ و اﻟﻤﻼﯾﺎت" ﻻ‬

‫ﯾﻌﻜﺲ إﻻ رؤﯾﺔ "ﻓﻘﯿﮫ واﺣﺪ" ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ ﺣﺘﻰ "اﻟﻔﻘﮭﺎء" اﻟﻤﻌﺎرﺿﻮن "ﻟﻠﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ﻻ ﯾﺤﻖ ﻟﮭﻢ‬

‫اﻹدﻻء ﺑﺂراﺋﮭﻢ ﻓﻲ ھﺬا اﻹﻋﻼم اﻟﻤﻮﺟّﮫ و اﻟﻤﺴﯿّﺲ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ"‪:‬‬

‫وﺑﺎﻟﺠﻤﻠﺔ‪ ،‬ﻓﺈﻧﮫ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺗﺘﺠﺴﺪ إرادة اﻟﺸﻌﺐ وﯾﻨﻔّﺬ رأﯾﮫ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﯿﻊ اﻟﺼﻌﺪ‪ ،‬ﺳﻮاء‬

‫ﻋﻠﻰ ﺻﻌﯿﺪ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻤﻘﻨّﻨﺔ أو اﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﺔ‪ ،‬أو ﻓﻲ ﺟﻤﯿﻊ ﺷﺆون اﻟﺴﻠﻄﺔ واﻟﺤﻜﻢ ووﻻﯾﺔ اﻷﻣﺮ‪ ،‬ﺗﺘﺠﺴﺪ‬

‫أﻛﺜﺮ ﺑﻜﺜﯿﺮ ﻣﻤﺎ ﯾﺠﺮي ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ‪ .‬ﻣﻀﺎﻓﺎً إﻟﻰ ذﻟﻚ‪ ،‬ﻓﺈﻧﻨﺎ ﻧﺮى أن اﻟﺤﺎﻛﻤﯿﻦ‬

‫واﻟﻤﺴﺆوﻟﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﯾﺘﻤﺘﻌﻮن ﺑﺈﯾﻤﺎن اﻟﺸﻌﺐ وﺗﺄﯾﯿﺪه وﺣﺒﮫ‪ .‬ﻓﺎﻟﺸﻌﺐ ﯾﻜﻦّ ﻟﮭﻢ اﻟﻮد‬

‫واﻟﺤﺐ واﻹﯾﻤﺎن‪ ،‬وﻟﮭﺬا ﻓﺈﻧﮫ ﯾﺮاھﻢ ﻣﻨﮫ وإﻟﯿﮫ‪ ،‬وﯾﺆﻣﻦ ﺑﺄﻧﮭﻢ ﺧﺪم ﻟﮫ وﻣﻨﻔّﺬون ﻹرادﺗﮫ وﻣﻤﺜﻠﻮن‬

‫ﻟﻄﻤﻮﺣﺎﺗﮫ وآﻣﺎﻟﮫ‪ .‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪. 15‬‬

‫ﻃﺒﻌﺎ ﺳﯿﺒﺪو ﻓﻲ إﻋﻼم ﯾﺴﯿﻄﺮ ﻋﻠﯿﮫ "أﺻﺤﺎب اﻟﻨﻈﺮة اﻟﻀﯿﻘﺔ" أن اﻟﺸﻌﺐ ﻛﻠﮫ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﮭﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ‬

‫‪ ،‬و ﺑﺪﻟﯿﻞ أن ﻛﻞ "اﻟﺼﺤﻒ و اﻟﻤﺠﻼت ـ ﺣﯿﺚ أن اﻟﺘﻠﻔﺰﯾﻮن ﻣﺤﺘﻜﺮ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﻤﺤﺎﻓﻈﯿﻦ و‬

‫اﻟﻤﺘﻄﺮﻓﯿﻦ" اﻹﺻﻼﺣﯿﺔ ‪ ،‬أُﻏﻠﻘﺖ ﺑﺄﻣﺮ اﻟﻤﺤﺎﻓﻈﯿﻦ ‪ ،‬إﻻ ﻷﻧﮭﻢ ﻧﺸﺮوا أﻓﻜﺎرا إﺳﻼﻣﯿﺔ أﻛﺜﺮ "ﺗﺤﺮرا"‪.‬‬
‫‪27‬‬

‫إن وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻓﻲ داﺧﻠﮭﺎ ﻻ ﺗﺤﻤﻞ إﻻ ﻓﻠﺴﻔﺔ ھﺸّﺔ و ﺧﺪاﻋﺎ ‪ ،‬ﻻ ﯾﺤﺘﻮي ﺣﺘﻰ اﻟﺒﺮﯾﻖ اﻟﻜﺎذب ‪،‬‬

‫ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ھﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ "اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ"!! ﻻ ﺗﺤﻮي إﻻ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ﻣﻐﻠﻔﺔ ﺑﻐﻼف "اﻹﯾﻤﺎن اﻟﺪﯾﻨﻲ"‪ .‬ﯾﻘﻮل‬

‫"اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ"‪:‬‬

‫ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻷﺳﺎس‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﻘﻮل ﺑﺄن اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ واﻟﺸﻌﺒﯿﺔ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أن ﺗﻜﻮن ـ ﺑﺎﻟﻀﺮورة ـ‬

‫ﺣﻜﻮﻣﺔ دﯾﻨﯿﺔ‪ ،‬أو أن ﺣﻜﻮﻣﺔ اﻟﺪﯾﻦ ﻻ ﯾﻤﻜﻨﮭﺎ أن ﺗﻜﻮن ﺣﻜﻮﻣﺔ ﺷﻌﺒﯿﺔ‪ ،‬ﻣﻐﺎﻟﻄﺔ وﺳﻔﺴﻄﺔ ﻟﯿﺲ إﻻ‪ .‬إذ‬

‫أن ﺑﺈﻣﻜﺎن اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ـ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﮫ اﻟﺬي ھﻲ ﻓﯿﮫ ﺣﻜﻮﻣﺔ إﻟﮭﯿﺔ ـ أن ﺗﻜﻮن ﺣﻜﻮﻣﺔ‬

‫ﺷﻌﺒﯿﺔ أﯾﻀﺎً‪ .‬وﻛﻨﻤﻮذج ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ‪ ،‬ﻣﺎ ﻛﺎن ﻓﻲ ﻋﮭﺪ ﺻﺪر اﻹﺳﻼم‪ ،‬إﺑّﺎن زﻣﻦ اﻟﻨﺒﻲ )ص( واﻟﺨﻠﻔﺎء‬

‫اﻟﺬﯾﻦ ﺗﺒﻌﻮه أول اﻷﻣﺮ‪ ،‬واﻟﻨﻤﻮذج اﻟﺜﺎﻧﻲ ھﻮ ﺣﻜﻮﻣﺔ اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪ ،‬وﻛﻠﺘﺎھﻤﺎ ﺣﻜﻮﻣﺔ‬

‫ﺷﻌﺒﯿﺔ‪ ،‬وﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻋﻮاﻃﻒ اﻟﺸﻌﺐ ووﻓﻘﺎً ﻵراﺋﮫ‪ ،‬وﺗﺄﺳﺴﺖ ﻋﺒﺮ اﻧﺘﺨﺎب اﻟﺸﻌﺐ وﺗﻘﻮدھﺎ اﻟﻌﻨﺎﺻﺮ‬

‫اﻟﺸﻌﺒﯿﺔ‪ .‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪. 15‬‬

‫اﻟﻮاﺿﺢ ھﻨﺎ ﺑﺄن ﻣﻘﺎرﻧﺘﮫ ﺑﯿﻦ "ﺣﻜﻤﺔ اﻟﻨﺒﻲ و ﺻﺪر اﻹﺳﻼم" و ﻧﻤﻂ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺤﺪﯾﺚ ‪ ،‬ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﻏﯿﺮ‬

‫ﻣﻨﻄﻘﯿﺔ ﻓﻲ زﻣﻦ ﻇﮭﺮ ﻓﯿﮫ "اﻹﻋﻼم" و "اﻟﺮأي اﻟﻌﺎم" و "اﻻﻧﺘﺨﺎب اﻟﺴﺮي اﻟﻤﺒﺎﺷﺮ" ‪ ،‬و ﻋﮭﺪ ﻛﺎن‬

‫ﺗﻔﺴﯿﺮ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻵﯾﺔ أو ﺣﺪﯾﺚ ﯾﺘﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﺣﺮوب ـ راﺟﻊ ﻛﺘﺎب ﻣﻌﺎﻟﻢ اﻟﻤﺪرﺳﺘﯿﻦ ﻟﻠﻤﺤﻘﻖ ﻣﺮﺗﻀﻰ‬

‫اﻟﻌﺴﻜﺮي ﻓﮭﻮ ﺣﺎﻓﻞ ﺑﮭﺬه اﻷﻣﺜﻠﺔ ـ ﻛﻤﺎ أن "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" ﻧﻔﺴﮫ ﯾﺘﺤﺪث ﻋﻦ "ﻋﻮاﻃﻒ اﻟﺸﻌﺐ و آراﺋﮫ"‬

‫ﺮ ‪ ،‬ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء اﻟﻤﺮوّج ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ‪.‬‬


‫ﻣﻊ أﻧﮫ ﻻ ﯾﻮﺟﺪ ﻓﻲ إﯾﺮان إﻋﻼم ﺣ ّ‬

‫ﻓﻨﺤﻦ و ﻓﻲ ﺑﺤﺜﻨﺎ ھﺬا ﻟﺴﻨﺎ ﺿﺪ "اﻟﻤﺸﺮوع اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻹﺳﻼﻣﻲ" و ﻟﻜﻨﻨﺎ ﺿﺪ اﺣﺘﻜﺎر وﺟﮭﺔ‬

‫ﻧﻈﺮ واﺣﺪة ﻟﻜﻞ ﻣﺎ أﻧﺘﺠﮫ اﻹﺳﻼم ﻣﻦ ﻓﻜﺮ و ﻧﻈﺮﯾﺎت و ﻣﺬاھﺐ و ﻓﻠﺴﻔﺎت ‪ ،‬ﻓﻠﯿﺴﺖ ھﻨﺎك آﯾﺔ واﺣﺪة‬

‫أو ﺣﺪﯾﺚ أو ﻛﻠﻤﺎت إﻣﺎم ﻣﻌﺼﻮم ﺗﻨﺺ ﻋﻠﻰ أن "اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﯾﻤﺘﻠﻚ ﻛﺎﻣﻞ اﻟﺼﻼﺣﯿﺎت" ﺣﺘﻰ ﻓﻲ‬

‫إﺧﺮاس اﻻﺟﺘﮭﺎدات ‪ ،‬و ﻻ أﺳﺘﺒﻌﺪ أن ﺗﻘﻮم اﻟﺴﻠﻄﺎت اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ﻣﺴﺘﻘﺒﻼ ـ و ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻮال اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﯿﻦ ﻗﺒﻞ‬

‫‪ 800‬ﻋﺎم ﺣﯿﻨﻤﺎ ﺳﺪّوا ﺑﺎب اﻻﺟﺘﮭﺎد ﻓﻲ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺴﻨﻲ ـ ﺑﺈﺻﺪار ﻓﺘﻮى ﺗﺤﺮم "اﻻﺟﺘﮭﺎد" اﻟﺬي ھﻮ‬

‫ﻟُﺐّ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ و أﺳﺎﺳﮫ اﻟﺬي ﺳﻤﺢ ﻟﮫ ﺑﺎﻟﻨﺠﺎح و اﻻﺳﺘﻤﺮارﯾﺔ‪.‬‬

‫و ﯾﺴﺘﻨﺪ اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺎدة اﻟﺪﺳﺘﻮرﯾﺔ اﻟﺘﺎﻟﯿﺔ‪:‬‬

‫ﺗﻘﻮل اﻟﻤﺎدة اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻣﻦ اﻟﺪﺳﺘﻮر‪" :‬زﻣﻦ ﻏﯿﺒﺔ اﻹﻣﺎم اﻟﻤﮭﺪي )ﻋﺠﻞ اﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﺮﺟﮫ( ﺗﻜﻮن وﻻﯾﺔ ‪1‬‬

‫اﻷﻣﺮ وإﻣﺎﻣﺔ اﻷﻣﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﮭﻮرﯾﺔ إﯾﺮان اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﺑﯿﺪ اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﻌﺎدل‪ ،‬اﻟﻤﺘﻘﻲ‪ ،‬اﻟﺒﺼﯿﺮ ﺑﺄﻣﻮر اﻟﻌﺼﺮ‪،‬‬

‫اﻟﺸﺠﺎع اﻟﻘﺎدر ﻋﻠﻰ اﻹدارة واﻟﺘﺪﺑﯿﺮ‪."...‬‬

‫وﺗﻘﻮل اﻟﻤﺎدة اﻟﺘﺎﺳﻌﺔ ﺑﻌﺪ اﻟﻤﺎﺋﺔ‪ :‬اﻟﺸﺮوط اﻟﻼزم ﺗﻮﻓﺮھﺎ ﻓﻲ اﻟﻘﺎﺋﺪ‪ ،‬وﺻﻔﺎﺗﮫ ھﻲ‪:‬‬

‫‪1‬ـ اﻟﻜﻔﺎءة اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﻺﻓﺘﺎء ﻓﻲ ﻣﺨﺘﻠﻒ أﺑﻮاب اﻟﻔﻘﮫ‪.‬‬

‫‪2‬ـ اﻟﻌﺪاﻟﺔ واﻟﺘﻘﻮى اﻟﻼزﻣﺘﺎن ﻟﻘﯿﺎدة اﻷﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪.‬‬

‫‪3‬ـ اﻟﺮؤﯾﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻟﺼﺤﯿﺤﺔ‪ ،‬واﻟﻜﻔﺎءة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ واﻹدارﯾﺔ‪ ،‬واﻟﺘﺪﺑﯿﺮ واﻟﺸﺠﺎﻋﺔ‪ ،‬واﻟﻘﺪرة‬

‫اﻟﻜﺎﻓﯿﺔ ﻟﻠﻘﯿﺎدة ‪.‬‬


‫‪28‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﺗﻜﻮن اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻹﻧﺘﺨﺎﺑﯿﺔ "اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ" ھﺸّﺔ و ﺿﻌﯿﻔﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ دﺳﺘﻮر ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ‬

‫اﻟﻀﺒﺎﺑﯿﺔ و اﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ‪ ،‬ﻓﻠﯿﺲ ھﻨﺎك دﺳﺘﻮر ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﯾﻘﻮل ‪ :‬ﯾﺠﺐ أن ﯾﻜﻮن اﻟﺤﺎﻛﻢ ﻇﺎﻟﻤﺎ ‪ "..‬ﺣﺘﻰ‬

‫ﻃﻐﺎة ﻛﮭـــﺘﻠﺮ و ﺳﺘﺎﻟﯿﻦ و اﻟﻄﺎﻏﯿﺔ ﺻﺪّام ‪ ،‬ﯾﺪﻋﻮن و ﯾﺰﻋﻤﻮن أﻧﮭﻢ ﻋﺎدﻟﻮن و ﻣُﺴﺘﻘﯿﻤﻮن ‪ ،‬إذن ﻓﻤﻦ‬

‫اﻟﻮاﺿﺢ أن اﻟﺪّﺳﺘﻮر اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﺿﺒﺎﺑﻲ ﻟﻜﻮﻧﮫ ﻣﻦ ﻓﺌﺔ ﺑﻌﯿﻨﮭﺎ و ﻻ ﯾﻤﺜﻞ ﻛﻞ اﻟﺸﻌﺐ أو ﺣﺘﻰ اﻷﻏﻠﺒﯿﺔ‪.‬‬

‫‪ ........‬ﻣﻼﯾﺔ ﻣﺎرﻛﺴﯿــّﻮن ‪...............................‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﺆﺳﻒ ﺣﻘﺎ أن ﻧﺠﺪ اﻟﺸّﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ ‪ ،‬ﺗﺘﺄﺛﺮ ﺑﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ اﻟﻠﯿﻨﯿﻨﯿﺔ‬

‫اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ ‪ ،‬ھﺬه اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﻤﻠﯿﺌﺔ ﺑﺎﻟﺤﻘﺪ و اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ و اﺣﺘﻘﺎر اﻟﺒﺸﺮ و ﻣﻌﺎﻣﻠﺘﮭﻢ ﻛﻘﻄﻌﺎن ﻣﻦ‬

‫اﻟﺤﯿﻮاﻧﺎت ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻟﻦ ﯾﻜﻮن ﻏﺮﯾﺒﺎ أن ﯾﻘﻮم "اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ" و ﻣﻦ ﻣﻌﮫ ﻣﻦ ﺟﯿﻮش اﻟﻤﻼﯾﺔ اﻟﻤﺘﻌﺼﺒﯿﻦ‬

‫‪ ،‬ﺑﺘﺤﺮﯾﻒ اﻟﺤﻘﺎﺋﻖ و اﻟﻠﻌﺐ ﺑﻌﻮاﻃﻒ اﻟﻨﺎس و ﻋﻘﻮﻟﮭﻢ ‪ ،‬و ﻣﻨﮭﺞ "اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ" و "اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" واﺿﺢ‬

‫ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺸﺄن ‪ ،‬و ﻟﯿﺲ ﻋﺠﯿﺒﺎ أن ﻧﺠﺪ أﻧﮫ ﻣﻨﺬ أﯾﺎم "اﻟﺸﯿﺮازي" و اﺑﻨﮫ ﻣﺤﻤﺪ رﺿﺎ ـ اﻟﺬي اﺗﮭﻤﮫ‬

‫اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﻮن ﺑﺄﻧﮫ ﯾﺮوج ﻟﻠﺒﻠﺸﻔﯿﺔ و اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ ـ و ﻓﺘﻮى اﻟﺸﯿﺮازي اﻟﺘﻲ اﻋﺘﺒﺮت "اﻟﺒﻼﺷﻔﺔ"‬

‫اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﯿﻦ اﻟﺬﯾﻦ ﻻ ﯾﺆﻣﻨﻮن ﺑﺎﷲ ‪ ،‬أﺻﺪﻗﺎء ﻟﻸﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﺧﻼل ﺣﺮﺑﮭﻢ ﻣﻊ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﯿﻦ ﺑﺪاﯾﺔ‬

‫اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ‪.‬‬

‫و ﻓﻲ اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻠﺖ اﻟﺤﺮب اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ اﻟﺜﺎﻧﯿﺔ ﻣﻦ ﺻﺮاع ﺑﯿﻦ "اﻟﻤﻼﯾﺔ" و "ﺣﺰب ﺗﻮدة" و‬

‫"اﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ" ﻓﻲ إﯾﺮان و اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﺗﺄﺛﺮ اﻟﻤﻌﻤّﻤﻮن ﻓﻲ اﻟﺤﻮزة ﺑﺎﻟﻤﻨﻄﻖ اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ ﻓﻲ اﻹﯾﻤﺎن‬

‫ﺑﺼﺮاع "اﻻﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ" ﻣﻊ "اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ" و ﺗﺴﺨﯿﺮ اﻟﺸﻌﺐ و ﺗﺤﺮﯾﻜﮫ ﻛﻜﺘﻠﺔ ﻣﻦ "اﻟﺠﻤﺎدات اﻟﺘﻲ ﻻ‬

‫ﺗﻌﻘﻞ" و اﺳﺘﻐﻼل ﻋﻮاﻃﻔﮫ‪.‬‬

‫ﻓﮭﺎ ھﻮ اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﻨﺘﻘﺪ "اﻟﻐﺮب" ﯾﺒﺪو ﻟﻚ و ﻛﺄﻧﮫ ﺗﻠﻤﯿﺬ ﻣﻦ ﺗﻼﻣﯿﺬ "ﺳﺘﺎﻟﯿﻦ" أو‬

‫"ﺧﺮوﺷﻮف" ‪:‬‬

‫ﻟﻮ ﻧﻈﺮﻧﺎ إﻟﻰ ﻗﻀﯿﺔ ﻣﺪى اﻧﻄﺒﺎق ﺗﺼﺮﻓﺎت اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻣﻊ رأي اﻟﺸﻌﻮب وإرادﺗﮭﺎ ﻣﻦ‬

‫زاوﯾﺔ أﺧﺮى‪ ،‬ھﻲ اﻟﺰاوﯾﺔ اﻟﻌﻤﻠﯿﺔ واﻟﺠﺎﻧﺐ اﻟﺘﻄﺒﯿﻘﻲ‪ ،‬ﻟﻮﺟﺪﻧﺎ ﻋﺪم اﻧﺴﺠﺎم ﻣﺎ ﺗﻤﺎرﺳﮫ ﺗﻠﻚ‬

‫اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت واﻷﻧﻈﻤﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺼﻌﯿﺪ اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻣﻊ رﻏﺒﺎت ﺷﻌﻮﺑﮭﺎ وآراﺋﮭﺎ‪.‬‬

‫وﻛﺪﻟﯿﻞ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ‪ ،‬ﻣﺎ ﺗﻤﺎرﺳﮫ اﻟﺪول اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ وﺣﺘﻰ اﻟﺸﺮﻗﯿﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ ﻣﻦ اﻷﻋﻤﺎل‬

‫ﺿﺪ اﻟﺪول اﻷﺧﺮى ﻣﻤﺎ ﻻ ﺗﺮﺿﻰ ﺑﮫ ﺷﻌﻮب ﺗﻠﻚ اﻟﺪول‪ ،‬وھﻲ ﻟﯿﺴﺖ أﻋﻤﺎﻻً ﻣﺮﺣﻠﯿﺔ أو ﻣﺆﻗﺘﺔ‪ ،‬ﺑﻞ‬

‫ھﻲ ﺳﻠﺴﻠﺔ أﻋﻤﺎل ﺗﻌﻜﺲ اﻟﻨﮭﺞ اﻟﺪاﺋﻢ واﻟﺴﻠﻮك اﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﻟﮭﺬه اﻷﻧﻈﻤﺔ‪.‬‬

‫ﻓﻠﻮ ﺳﺌﻞ اﻟﺸﻌﺐ اﻷﻣﯿﺮﻛﻲ ھﻞ ھﻮ راضٍ ﻋﻤﺎ ﺗﻘﻮم ﺑﮫ ﺣﻜﻮﻣﺘﮫ ﻣﻦ اﻟﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺷﺆون دول اﻟﺸﺮق‬

‫اﻷوﺳﻂ ﻓﻤﺎذا ﺳﯿﻜﻮن اﻟﺠﻮاب؟‬

‫ھﻞ ﯾﺮﺿﻰ ﻣﻼﯾﯿﻦ اﻟﻨﺴﺎء واﻟﺮﺟﺎل اﻷﻣﯿﺮﻛﺎن ﺑﺄن ﺗﻨﮭﺐ ﺣﻜﻮﻣﺘﮫ ﺛﺮوات ﺑﻠﺪﻧﺎ اﻟﻤﻌﻄﺎء اﻟﻤﻤﻨﻮﺣﺔ‬

‫ﻟﮫ ﻣﻦ اﷲ‪ ،‬وھﻞ ﯾﺮﻏﺐ ھﺬا اﻟﺸﻌﺐ ﺑﺄن ﺗﺴﺘﻮﻟﻲ ﺣﻜﻮﻣﺘﮫ ـ ﻇﻠﻤﺎً ـ ﻋﻠﻰ اﻟﻄﺎﻗﺎت اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ‬
‫‪29‬‬

‫واﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ‪ ،‬ﻓﻲ اﻟﺒﻠﺪان اﻷﺧﺮى ﻋﺒﺮ ﻗﯿﺎﻣﮭﺎ ﺑﺈرﺳﺎل اﻷﺳﺎﻃﯿﻞ اﻟﻌﺴﻜﺮﯾﺔ اﻟﻌﻈﻤﻰ ﻓﻲ اﻟﻤﺤﯿﻂ‬

‫اﻟﮭﺎدي واﻟﻤﺤﯿﻂ اﻟﮭﻨﺪي واﻟﻤﺤﯿﻂ اﻷﻃﻠﺴﻲ‪ ،‬ﻣﻦ أﺟﻞ ﺗﮭﺪﯾﺪ دول ﺗﻠﻚ اﻟﻤﻨﺎﻃﻖ؟!‬

‫وﻟﻮ ﺳﺌﻞ اﻟﺸﻌﺐ اﻷﻣﯿﺮﻛﻲ ھﻞ ھﻮ ﻣﺴﺘﻌﺪ ﻹﻧﻔﺎق ﻣﻠﯿﺎرات اﻟﺪوﻻرات ﻋﻠﻰ أﻋﻤﺎل وﻛﺎﻟﺔ‬

‫( ﻣﻦ أﺟﻞ اﻹﻃﺎﺣﺔ ﺑﺎﻟﺤﻜﻮﻣﺎت اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺪول اﻷﺧﺮى‪ ،‬ﻛـ ‪C.I.A‬اﻟﻤﺨﺎﺑﺮات اﻟﻤﺮﻛﺰﯾﺔ )‬

‫ﻧﯿﻜﺎراﻏﻮا واﻟﺴﻠﻔﺎدور‪ ،‬وﻏﯿﺮھﻤﺎ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪام اﻷﻣﻮال واﻷﺳﻠﺤﺔ اﻷﻣﯿﺮﻛﯿﺔ‪ ،‬ﻓﺒﻤﺎذا ﺳﯿﺠﯿﺐ؟‬

‫وإذا ﺳﺌﻞ اﻟﺮأي اﻟﻌﺎم اﻷﻣﯿﺮﻛﻲ ﻋﻦ ﻣﺪى ﻣﻮاﻓﻘﺘﮫ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﺨﯿﺮ اﻷﻣﻮال واﻷﺳﻠﺤﺔ واﻟﺨﻄﻂ‬

‫اﻷﻣﯿﺮﻛﯿﺔ وﺗﻮﻇﯿﻒ اﻟﺨﺒﺮاء اﻟﻌﺴﻜﺮﯾﯿﻦ واﻟﺴﯿﺎﺳﯿﯿﻦ اﻷﻣﯿﺮﻛﯿﯿﻦ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ اﻟﻜﯿﺎن اﻟﺼﮭﯿﻮﻧﻲ‬

‫اﻟﻐﺎﺻﺐ‪ ،‬ﻛﻲ ﯾﮭﺪد اﻟﺸﻌﺐ اﻟﺴﻮري واﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﻲ واﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ وﯾﻌﺘﺪي ﻋﻠﯿﮫ ﻓﮭﻞ ﺳﯿﺮﺿﻰ ﺑﺬﻟﻚ؟‬

‫ﻟﻮ أﺟﺮي اﺳﺘﻄﻼع ﻟﻠﺮأي اﻟﻌﺎم ﻓﻲ أﻣﯿﺮﻛﺎ ﺣﻮل ﻣﺪى ﻗﺒﻮﻟﮫ ﺑﮭﺬه اﻟﺠﺮاﺋﻢ واﻻﻧﺘﮭﺎﻛﺎت ﻓﻤﺎذا‬

‫ﺳﯿﻜﻮن ﺟﻮاﺑﮫ؟‬

‫ﻻ ﺷﻚ ﻓﻲ أن اﻟﺠﻮاب واﺿﺢ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺸﻌﺐ اﻷﻣﯿﺮﻛﻲ أو أﻏﻠﺒﯿﺘﮫ اﻟﺴﺎﺣﻘﺔ ﺳﺘﻌﺘﺮض ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ذﻟﻚ‬

‫ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺎﻣﻞ‪ ،‬وھﺬا ﻣﺎ ﺣﺼﻞ ﻓﻲ ﺣﺮب ﻓﯿﺘﻨﺎم‪ ،‬إذ أدت ﺿﻐﻮط اﻟﺮأي اﻟﻌﺎم إﻟﻰ اﺿﻄﺮار اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ‬

‫اﻷﻣﯿﺮﻛﯿﺔ ﻟﺴﺤﺐ ‪ 500‬أﻟﻒ ﺟﻨﺪي أﻣﯿﺮﻛﻲ ﻣﻦ ﻓﯿﺘﻨﺎم‪ ،‬وﺗﺮك اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻔﯿﺘﻨﺎﻣﻲ اﻟﻌﻤﯿﻞ وﺟﮭﺎً ﻟﻮﺟﮫ‬

‫ﻣﻊ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻔﯿﺘﻨﺎﻣﻲ اﻟﻤﻨﺎﺿﻞ ﺿﺪه‪ "...‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪.17‬‬

‫ھﻞ رأﯾﺖ أﺧﻲ اﻟﻘﺎريء ؟! ھﺬه اﻟﻠﻐﺔ و اﻟﻤﺼﻄﻠﺤﺎت "ﻣﺎرﻛﺴﯿﺔ" ﻣﺎﺋﺔ ﺑﺎﻟﻤﺎﺋﺔ ‪ ،‬ﻓﺮﻏﻢ اﻻﻧﺘﻘﺎد‬

‫اﻟﺨﺠﻮل ﻟﻸﻧﻈﻤﺔ "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" إﻟﻰ أن "اﷲ" ﻟﺪﯾﮫ ﻋﻼﻗﺎت ﻣﻤﯿﺰة ﻣﻊ أﻧﻈﻤﺔ "ﻛﺎﺳﺘﺮو" و "اﻟﺼﯿﻦ‬

‫اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ" و "ﺗﺸﺎﻓﯿﺰ اﻟﻤﻠﺤﺪ ـ رﺋﯿﺲ ﻓﻨﺰوﯾﻼ" و "ﻛﯿﻢ ﺳﻮﻧﻎ إل ـ اﻟﺬي ﯾﺮﻓﺾ أن ﯾﻌﺒﺪ ﺷﻌﺐ‬

‫ﻛﻮرﯾﺎ اﻟﺸﻤﺎﻟﯿﺔ إﻟﮭﺎ ﻏﯿﺮه" ‪ ،‬ھﻞ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻔﯿﺘﻨﺎﻣﻲ اﻟﺬي ﯾﻌﯿﺶ ﺗﺤﺖ وﻃﺄة اﻟﺤﻜﻢ و اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ‬

‫ﻣﻨﺬ اﻟﺴﺒﻌﯿﻨﺎت و ﻟﺤﺪ اﻵن ‪ ،‬ھﻞ ھﻮ ﻣﺤﻜﻮم ﻓﻌﻼ "ﺑﻨﻈﺎم وﻃﻨﻲ" ؟! و ھﻞ ھﻮ ﺣﻘﺎ ﺷﻌﺐ ﺣﺮّ ؟! ‪،‬‬

‫اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أﻧﮫ ﻻ ﻓﺮق ﺑﯿﻦ أن ﺗﻜﻮن دﻛﺘﺎﺗﻮرا ﺑﺎﺳﻢ "اﷲ" أو "اﻟﺒﺮوﻟﯿﺘﺎرﯾﺎ" ‪ ،‬و اﻷﻛﯿﺪ أن اﻟﺸﻌﺐ‬

‫اﻟﻤﺤﻜﻮم ﺑﻨﻈﺎم ﻻ ﯾُﺘﻘﻦ ﺷﯿﺌﺎ ﻏﯿﺮ ﻗﻠﺐ اﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ‪ ،‬ھﻮ ﺷﻌﺐ ﻏﯿﺮ ﺣُﺮّ ‪ ،‬و ﻟﻤﺎذا ﯾﻜﻮن "اﻟﻐﺮب‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻻﻧﺘﺨﺎب" ﻧﻈﺎﻣﺎ ﻏﯿﺮ ﺣُﺮ "ﺣﺴﺐ اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ و ﻣﻼﻟﯿﮫ" ؟! ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻷﻧﻈﻤﺔ‬

‫"اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ و دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺎت اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻜﺎﻓﺮة ﺑﺎﷲ" ھﻲ ‪ :‬أﻧﻈﻤﺔ وﻃﻨﯿﺔ ﺣﺮة ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ‬

‫اﻟﺸﻌﺐ" ﺣﺴﺐ ھﺆﻻء اﻟﻤﻼﻟﻲ أﻧﻔﺴﮭﻢ ‪ ،‬و ﻃﺒﻌﺎ أُﺳﺘُﻘﺒﻞ "اﻟﻄﺎﻏﯿﺔ ﻛﺎﺳﺘﺮو" اﺳﺘﻘﺒﺎل اﻷﺑﻄﺎل ـ و إن‬

‫ﻛﺎن ﻻ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺎﷲ ـ ﻓﻘﻂ ﻷﻧﮫ ﯾﻌﺎدي اﻟﻐﺮب و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ‪.‬‬

‫اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أن رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ "اﻟﺸﯿﻌﺔ و اﻟﺴﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮاء" ﯾﻨﻄﻠﻘﻮن ﻓﻲ ﻧﻘﺪھﻢ "ﻟﻠﻐﺮب" ﻣﻦ ﻣﻨﻄﻠﻖ‬

‫"اﻟﻜﺮاھﯿﺔ اﻟﺪّﯾﻨﯿﺔ" دون اﻟﻨﻘﺪ اﻟﻮاﻗﻌﻲ اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ و اﻟﻌﻠﻤﻲ ‪ ،‬ﻓﻤﺜﻼ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﻨﺘﻘﺪ ھﺆﻻء اﻟﻐﺮب ‪،‬‬

‫ﯾﺒﺤﺜﻮن ﻋﻦ أي ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻣﻮﺟﻮدة ﻓﻲ اﻟﻐﺮب ‪ ،‬ﻣﺘﻨﺎﺳﯿﻦ ﻣﺸﺎﻛﻠﮭﻢ و ﻣﺘﻨﺎﺳﯿﻦ أﯾﻀﺎ أن "اﻟﻄﺒﯿﻌﺔ‬

‫اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ" ھﻲ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻣﺸﻜﻠﺔ ‪ ،‬ﻛﻮن اﻹﻧﺴﺎن ﺷﯿﺌﺎ ﻣﺤﺪودا و ﻧﺎﻗﺼﺎ ‪ ،‬أي أن ﻻ ﺣﻀﺎرة ﻓﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺦ ـ‬

‫ﺑﻤﺎ ﻓﯿﮭﻢ اﻷﻧﺒﯿﺎء ـ اﺳﺘﻄﺎﻋﻮا ﺣﻞّ ﻛﻞ اﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻟﮫ ـ ﺣﺎﻟﮫ ﺣﺎل ﻛُﻞ‬
‫‪30‬‬

‫ﺗﺠﺮﺑﺔ إﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ـ ﺣﺴﻨﺎﺗﮫ و ﻓﻀﺎﺋﻠﮫ و ﺳﯿﺌﺎﺗﮫ و ﻋﯿﻮﺑﮫ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن ﯾﻨﺒﻐﻲ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺘﻔﻠﺴﻔﯿﻦ "ﻻ‬

‫ﻧﻘﺼﺪ ﺑﻜﻠﻤﺔ ﻣﺘﻔﻠﺴﻒ اﻟﺘﺤﻘﯿﺮ ﻣﻦ ﻓﻠﺴﻔﺘﮭﻢ ﺑﻞ ﺑﻤﻌﻨﻰ دارﺳﻲ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻣﻦ رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ" أن ﯾﻨﻈﺮوا‬

‫إﻟﻰ إﯾﺠﺎﺑﯿﺎت اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ﺗﻄﺎﺑﻘﮭﺎ ﻣﻊ روح اﻷدﯾﺎن ‪ ،‬ﻓﮭﻢ ﯾﻨﺘﻘﺪون "اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﻤﻔﺮﻃﺔ ﻓﻲ‬

‫اﻟﻐﺮب" ﻣﻊ أن ھﺆﻻء اﻟﻤﻌﻤّﻤﯿﻦ ﻻ ﯾﻤﻠﻜﻮن "ﻗﻄﻌﺎ" اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺘﻐﻨﻮن ﺑﮭﺎ ‪ ،‬ﻓﻘﺒﻞ أن ﯾﻨﺘﻘﺪوا‬

‫"ﺳﯿﺌﺎت اﻟﺤﺮﯾﺔ و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ" ﻋﻠﯿﮭﻢ أن ﯾﻤﺘﻠﻜﻮا ھﺬه اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ‪ ،‬و ھﻮ ﯾُﺸﺒﮫ ﺣﺪﯾﺚ واﻋﻆ "ﻟﺸﻌﺐ‬

‫ﺟﺎﺋﻊ" ﻋﻦ ﺳﯿﺌﺎت "اﻟﺘﺨﻤﺔ و ﻛﺜﺮة اﻷﻛﻞ" أو اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ "اﻻﻏﺘﺮار ﺑﺎﻟﻤﺎل و اﻟﺠﺎه" ﻟﺸﻌﺐ ﻓﻘﯿﺮ‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﺈن ﻗﻠّﺔ ﻗﻠﯿﻠﺔ ﺣﺎوﻟﺖ و ﺗﺤﺎول ھﻀﻢ و اﺳﺘﯿﻌﺎب "اﻟﻤﻨﺘﺞ اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻟﻠﺤﻀﺎرة" ﻛﻤﺎ ﯾﻔﻌﻞ‬

‫اﻟﺴﯿﺪ "ھـﺎﻧﻲ ﻓـــﺤــﺺ" اﻟﺬي ﻗﺪ ﻧﺨﺘﻠﻒ ﻣﻊ ﺑﻌﺾ آراﺋﮫ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮫ ﻓﻌﻼ ﻋﻘﻞ ﺗﻨﻮﯾﺮي ﻛﺒﯿﺮ وﺳﻂ ﺑﺤﺮ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﺘﺨﺒﻄﯿﻦ و اﻟﻤﺘﺨﻠﻔﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﻤﺸﺎﻛﻞ اﻟﻐﺮب ھﻲ "ﻣﺸﺎﻛﻞ ﻣﺮﺣﻠﯿﺔ" ﻋﺮﺿﯿﺔ ‪ ،‬ﻧﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ‬

‫اﻟﺘﻄﻮرﯾﺔ اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ اﻟﺘﻲ ﺑﻠﻐﻮھﺎ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﺘﯿﺎر اﻹﺻﻼﺣﻲ "ﻣﺤﻤﺪ ﺧﺎﺗﻤﻲ" و ﻣﻦ ﯾﺆﯾﺪه ‪ ،‬ﻗﺪ ﯾﻜﻮﻧﻮن‬

‫"اﻷﻣﻞ اﻷﺧﯿﺮ" ﻓﻲ إﻧﻘﺎذ اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻣﻦ ھﺬا اﻟﺘﻄﺮف اﻟﺠﺎرف ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﯾﺒﻘﻰ اﻹﺻﻼح ﺧﺠﻮﻻ ﻟﺤﺪ اﻵن‬

‫‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻹﺻﻼح ﻣﺎ ﻟﻢ ﯾﺴﺘﺨﺪم ﻟﻐﺔ واﺿﺤﺔ و ﯾﻮاﺟﮫ ﺗﯿّﺎر اﻟﺴﻠﻄﺔ ﺑﻜﻞ ﻗﻮة ‪ ،‬و اﻟﻘﻮة اﻟﺘﻲ ﻧﻌﻨﯿﮭﺎ‬

‫ھﻲ اﻟﺼﺮاﺣﺔ و اﻟﻨﻘﺪ اﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ‪ ،‬ﺑﺪون ذﻟﻚ ﺳﯿﺒﻘﻰ اﻟﺘﺸﯿّﻊ ﻓﻲ ﺧﻄﺮ و إﯾﺮان ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻓﺔ اﻟﮭﺎوﯾﺔ ‪،‬‬

‫ﺣﯿﺚ أن اﻟﻨﻈﺎم اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﯾﻠﮭﻲ اﻟﺸﻌﺐ ﺑﻤﺎ أﺳﻤﺎه "اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ" ﺑـ"اﻟﺸﯿﻄﺎن اﻷﻛﺒﺮ ـ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة‬

‫اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ" ﺑﯿﻨﻤﺎ ھﻢ ﯾﻐﺪﻗﻮن ﻣﻠﯿﺎرات اﻟﺪوﻻرات ﻋﻠﻰ ﻣﺸﺮوﻋﮭﻢ اﻟﻨﻮوي ‪ ،‬اﻟﺬي ﯾﺒﻨﯿﮫ اﻟﺮوس ‪،‬‬

‫وﺳﻂ ﻣﺨﺎوف ﻣﻦ ﺣﺪوث ﻛﺎرﺛﺔ إﻧﺴﺎﻧﯿﺔ إذا ﺣﺼﻞ أي ﺧﻄﺄ ﺗﻘﻨﻲ أو ﺣﺮب ﻗﺪ ﺗﺪﻣﺮ اﻟﻤﻔﺎﻋﻼت‬

‫اﻟﻨﻮوﯾﺔ ‪ ،‬و اﻟﻤﻌﺮوف ﻋﻦ اﻟﺮوس أﻧﮭﻢ أﺻﺤﺎب اﻟﻜﺎرﺛﺔ ﻓﻲ "ﺷﯿﺮﻧﻮﺑﻞ"‪.‬‬

‫إن اﻟﻄﺒﻘﺔ "اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" ﻓﻲ إﯾﺮان ﺗﺴﺘﻐﻞ اﻟﺪﯾﻦ و ﺣﺲّ اﻻﺿﻄﮭﺎد اﻟﻤﻐﺮوس ﻓﻲ اﻟﻨﻔﺲ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﻣﻨﺬ‬

‫ﻣﺌﺎت اﻟﺴﻨﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ اﻻﺳﺘﻤﺮار ﻓﻲ اﻟﺴﻠﻄﺔ و اﻟﺤﻜﻢ ‪ ،‬و ھﻮ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﮫ "اﻟﺤﺰب اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ‬

‫اﻟﺮّوﺳﻲ" اﻟﺬي اﺳﺘﻐﻞ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻌﺎﻣﻠﺔ "اﻟﻤﺴﺤﻮﻗﺔ" ﻟﻼﺳﺘﺤﻮاذ ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻠﻄﺔ و اﻟﺤﻜﻢ ‪ ،‬ﻋﻠﻰ إﯾﺮان‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﻮ أرادت ﻓﻌﻼ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﺸﻌﺐ اﻹﯾﺮاﻧﻲ و إﺑﻘﺎء اﻟﺘﺸﯿﻊ ﺧﺎﻟﺼﺎ ﻟﻠﺸﻌﺐ ‪،‬‬

‫ﺗﻐﯿﯿﺮ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻟﺤﺎﻟﯿﺔ أو ﺑﻌﺒﺎرة أُﺧﺮى ‪ ،‬إﻧﮭﺎء اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ اﻟﺜﻮرﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻠﻐﻲ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﻘﺎﻧﻮن‬

‫"ﻻ ﯾُﮭﻢ إن ﻛﺎن ﻗﺎﻧﻮﻧﺎ وﺿﻌﯿﺎ أو دﯾﻨﯿﺎ" ﺑﺤﺠﺔ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ "ﺧﻂ اﻟﺜﻮرة"‪.‬‬

‫و ﯾﺒﻘﻰ اﻟﺴﺆال ھﻮ‪ :‬ﻣﺘﻰ ﺗﻨﺘﮭﻲ ﺣﻘﺒﺔ "اﻟﻤﻼﯾﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﯿﻦ"؟!‪.‬‬

‫‪ ....................‬ﺧﻂ ﺣﺰب اﷲ و "ﻋﻘﺪة اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﻨﻘﺺ" ‪..............................‬‬

‫اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ‪ ،‬أن ﻇﺎھﺮة ﻣﺎ ﯾﺴﻤﻰ ﺑـ"ﺣــﺰب اﷲ" أو "ﺧﻂّ اﻹﻣﺎم" ـ أي اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ـ ﯾﻤﺜﻞ اﻟﺨﻂ اﻷﻛﺜﺮ‬

‫"ﺗﻄﺮﻓﺎ" ﻓﻲ اﻹﺳﻼم اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬و ھﺬا اﻟﺨﻂ ﯾﺮﻓﺾ ﺗﻘﺒﻞ اﻟﺮأي اﻵﺧﺮ ـ ﺣﺘﻰ داﺧﻞ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ‬
‫‪31‬‬

‫ـ و ھﻢ ﯾﺮﻓﻀﻮن اﻟﺨﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻓﻲ ﺟﺎﻧﺒﮫ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ "اﻟﺸﺒﮫ ﻋﻠﻤﺎﻧﻲ" ‪ ،‬اﻟﻤﻤﺘﺪ ﻣﻦ ﻏﯿﺒﺔ اﻹﻣﺎم اﻟﺜﺎﻧﻲ‬

‫ﻋﺸﺮ "ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ اﻟﺤﺴﻦ" اﻟﻤﮭﺪي و اﻟﺬي اﺧﺘﻔﻰ ﻣﻨﺬ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻟﺚ اﻟﮭﺠﺮي ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮭﻢ ﻧﻘﻠﻮا‬

‫اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻧﺤﻮ ﺧﻄﻮة ﻣﺘﻄﺮﻓﺔ ‪ ،‬ﻣﻦ اﻋﺘﺰال اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻟﻠﺴﯿﺎﺳﺔ إﻟﻰ ﺣﻜﻢ اﻟﻔﻘﯿﮫ و اﺳﺘﺒﺪاده ﺑﻜﻞ ﺷﻲء‪.‬‬

‫ﯾﺮى اﻟﺒﺎﺣﺚ "إﯾﻠﻲ ﻛﺎرﻣﻦ" ﻓﻲ ﺑﺤﺜﮫ اﻟﻤﻌﻨﻮن‬ ‫‘‬


‫"‬‫‪FIGHT ON ALL FRONTS’: ‬‬
‫‪Hizballah, the War on Terror, ‬‬
‫‪and the War in Iraq‬‬

‫و اﻟﻤﻨﺸﻮر ﻋﺎم ‪ 2003‬م ‪ ،‬ﺑﺄن ﺣﺰب اﷲ ﻟﻢ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﻃﺒﯿﻌﺘﮫ اﻟﻌﺪواﻧﯿﺔ ﻣﻨﺬ ﺗﺄﺳﯿﺴﮫ ﺧﻼل‬

‫اﻟﺜﻤﺎﻧﯿﻨﺎت "ﻗﺎم ﺣﺰب اﷲ ﺑﻌﺪة ﻋﻤﻠﯿﺎت إﻧﺘﺤﺎرﯾﺔ ﺿﺪ اﻟﻘﻮات اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ و اﻟﻔﺮﻧﺴﯿﺔ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن ‪1983‬‬

‫ﻋﻨﮫ اﻋﺘﺒﺎره "أﺣﺪ أﺧﻄﺮ اﻟﺘﻨﻈﯿﻤﺎت اﻹرھﺎﺑﯿﺔ" ﻣﻦ ﻗﺒﻞ‬ ‫و ‪ 1984‬م " و ھﻮ اﻷﻣﺮ اﻟﺬي ﻧﺘﺞ‬

‫اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة و وﻛﺎﻟﺔ اﻟﻤﺨﺎﺑﺮات اﻟﻤﺮﻛﺰﯾﺔ اﻟـﺴﻲ أي أي‪.‬‬

‫إن اﻟﺘﻄﺮف ﺧﻄﺄ ‪ ،‬ﺳﻮاء ﻓﻲ اﻟﻤﻮﻗﻒ اﻷول "اﻋﺘﺰال اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ" أو ﻧﻘﯿﻀﮫ "اﻟﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ"‬

‫‪ ،‬إن ﺧﻂ ﺣﺰب اﷲ و اﻟﺬي ﻗﺎم ﻓﻲ إﯾﺮان ‪ ،‬و اﺷﺘﮭﺮ إﻋﻼﻣﯿﺎ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن ‪ ،‬ھﻮ ﺣﺎﻟﺔ ﺧﺎﺻﺔ أﺳﺘﻄﯿﻊ‬

‫ﺑﺄﻧﮭﺎ أﻗﺮب إﻟﻰ "ردّ اﻟﻔﻌﻞ" ‪ ،‬ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ رأى رﺟﺎل اﻟﺤﻮزة اﻧﺠﺮار ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻛﺒﯿﺮة ﻣﻦ اﻟﻤﻌﻤﻤﯿﻦ ﻧﺤﻮ‬

‫ﺗﻤﻠﻖ اﻟﺴﻠﻄﺎت و اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ "اﻟﺴﻨﺔ ﻋﻤﻮﻣﺎ ﻣﻌﺮوﻓﻮن ﺑﺬﻟﻚ ﺑﯿﻨﻤﺎ ھﺬه اﻟﻈﺎھﺮة أﺿﯿﻖ ﺑﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ"‬

‫رد اﻟﻔﻌﻞ ھﻮ "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ‪ ،‬و ﻋﻨﺪﻣﺎ اﺗﮭﻢ اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﺑﺄن اﻷﺧﯿﺮﯾﻦ ھﻢ "ﻋﻤﻼء إﺳﺮاﺋﯿﻞ و‬
‫ّ‬ ‫ﻛﺎن‬

‫اﻟﺼﮭﯿﻮﻧﯿﺔ" ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن اﻟﺴﻨﺔ اﺧﺘﻠﻘﻮا ﺷﺨﺼﯿﺔ "ﻋﺒﺪ اﷲ ﺑﻦ ﺳﺒﺄ" ـ و ھﻲ ﺷﺨﺼﯿﺔ أُﺳﻄﻮرﯾﺔ‬

‫اﺧﺘﻠﻘﮭﺎ ﺳﯿﻒ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ اﻟﺘﻤﯿﻤﻲ و ﻧﺴﺐ إﻟﯿﮭﺎ ﻛﻞ أﺣﺪاث ﺻﺪر اﻹﺳﻼم و أﯾﻀﺎ ﺗﺄﺳﯿﺲ اﻟﻤﺬھﺐ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ :‬وﻋﺎظ اﻟﺴﻼﻃﯿﻦ ﻟﻠﺪﻛﺘﻮر ﻋﻠﻲ اﻟﻮردي و ﻋﺒﺪ اﷲ ﺑﻦ ﺳﺒﺄ و أﺳﺎﻃﯿﺮ أﺧﺮى ﻟﻠﻤﺤﻘﻖ‬

‫ﻣﺮﺗﻀﻰ اﻟﻌﺴﻜﺮي ـ و ﻷن اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻣﺘﮭﻤﻮن ﻣﻦ ﻗﺒﻞ أﻋﺪاﺋﮭﻢ اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﯿﻦ أﯾﻀﺎ و ﻣﻨﺬ ﻣﺌﺎت اﻟﺴﻨﯿﻦ‬

‫ﺑﺄﻧﮭﻢ اﺳﺘﺪﻋﻮا "اﻟﻤﻐﻮل" ﻟﮭﺪم ﺣﻜﻢ ﺑﻨﻲ اﻟﻌﺒﺎس ‪ ،‬ﻛﻞ ھﺬا ﺧﻠﻖ "ﻋﻘﺪة اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﻨﻘﺺ" ﻟﺪى ﻋﻤﻮم‬

‫اﻟﺸﯿﻌﺔ ‪ ،‬و ﺑﺎﻟﺬات "ﺣﺰب اﷲ" اﻟﺬي ﯾﻈﻦ أﻧﮫ و ﺑﻔﻌﻞ ﺗﺒﻨﯿﮫ ﻟﺒﺮﻧﺎﻣﺞ "اﻟﻤﻘﺎوﻣﺔ" و ﻋﺪاء اﻟﯿﮭﻮد و‬

‫"اﻟﺼﮭﯿﻮﻧﯿﺔ"!! و ﻣﻘﺎوﻣﺔ "اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر اﻟﻐﺮﺑﻲ" ﻛﻤﺎ ﯾﺼﻄﻠﺤﻮن ﻋﻠﯿﮫ ‪ ،‬ﺳﯿﻄﻮي ھﺬه اﻟﺼﻔﺤﺔ‪.‬‬

‫ﺑﻞ ﺑﻠﻐﺖ ھﺬه "اﻟﻌﻘﺪة" ﺣﺪا ﻓﻲ أن ﺗﯿﺎر "ﺣﺰب اﷲ" ﺗﻨﺎزل ﻋﻦ ﻛﻞ ﺑﺮﻧﺎﻣﺠﮫ اﻟﻌﻘﺎﺋﺪي و اﻟﺬي ﻛﺎن‬

‫ﻗﺪ ﺗﻤﺨﺾ ﻋﻦ ﺻﺮاع "إﯾﺮان اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻣﻊ "ﻋﺮاق اﻟﺒﻌﺚ اﻟﻌﺮﺑﻲ و ﺻﺪام" ‪ ،‬ﺑﺤﯿﺚ أﺻﺒﺢ ھﺬا‬

‫اﻟﺤﺰب أﺷﺒﮫ ﺑﺎﻟﺨﻠﻄﺔ اﻟﻌﺠﯿﺒﺔ ﻣﻦ "اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ" إﻟﻰ "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ اﻷﻣﻤﯿﺔ" و "ﺣﺰب اﻟﺒﻌﺚ‬

‫اﻟﻌﺮﺑﻲ" و "اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ" ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﺈن ھﺰﯾﻤﺔ "اﻷﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" ﻋﻠﻰ ﯾﺪ اﻟﻠﺒﺮاﻟﯿﯿﻦ‬

‫اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ و ﺑﺪﻋﻢ ﻣﻦ اﻟﻐﺮب اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪ ،‬ﺳﯿﻜﻮن اﻟﺼﻔﻌﺔ اﻷھﻢ اﻟﺘﻲ‬

‫ﺳﯿﺴﺘﻔﯿﻖ ﻋﻠﻰ أﺛﺮھﺎ ﻣﻦ ﻋﻘﺪة "اﻟﻨﻘﺺ" اﻟﺘﻲ ﯾﻌﯿﺸﮭﺎ ھﺬا اﻟﺨﻂ اﻟﺜﯿﻮﻗﺮاﻃﻲ‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫إن اﻷﺻﻮﻟﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬و رﻏﻢ ﻛﻞ ﻋﯿﻮﺑﮭﺎ ‪ ،‬إﻻ أﻧﮭﺎ أﻓﻀﻞ ﻣﻦ "اﻷﺻﻮﻟﯿﺔ اﻟﺴﻨﯿﺔ" ‪ ،‬ﻓﺎﻷﺻﻮﻟﯿﺔ‬

‫اﻟﺴﻨﯿﺔ "اﻟﻘﺎﻋﺪة و اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن و اﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ" ﻣﺠﻤﻌﻮن ﻋﻠﻰ "ﺗﻜﻔﯿﺮ ﻛﻞ ﻣﻦ ﯾﺆﻣﻦ‬

‫ﺑﺎﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ أو ﯾﻤﺎرﺳﮭﺎ" ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻷﺻﻮﻟﯿﺔ "اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ" ﺗﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ "ﻗﻮاﻋﺪ اﻟﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ"‬

‫ﺑﺸﻜﻞ أﻛﺜﺮ اﻧﻔﺘﺎﺣﺎ و ھﻢ ﯾﻨﺘﻘﺪون ﺟﻮاﻧﺐ ﻣﻌﯿﻨﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﻤﺎرﺳﺎت اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ‬

‫"ﻛﺎﻟﺰواج اﻟﻤﺜﻠﻲ" ﻣﺜﻼ‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﺈن ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ ـ ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ ﻟﯿﺲ ﻣﺴﺘﺤﯿﻼ ـ إﯾﺠﺎد ﺣﺮﻛﺔ إﺻﻼح ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪،‬‬

‫ﺗﺪﻓﻊ ﺑﺎﺗﺠﺎه اﻟﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ إﯾﺮان اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﺗﺰﻋﻢ أﻧﮭﺎ ﻧﻈﺎم "اﻧﺘﺨﺎﺑﻲ" رﻏﻢ‬

‫ﺗﺤﻔﻈﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﻗﻮاﻋﺪ ھﺬا اﻻﻧﺘﺨﺎب ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ أﻧﻈﻤﺔ ﻛـ"اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ" و "إﻣﺎرة ﻃﺎﻟﺒﺎن ﻓﻲ‬

‫أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن ﺳﺎﺑﻘﺎ" ﺗﺮﻓﺾ اﻻﻧﺘﺨﺎب ﺟﻤﻠﺔ و ﺗﻔﺼﯿﻼ‪.‬‬

‫ﻟﻜﻨﻨﺎ ﻧﻌﻮد إﻟﻰ اﻟﻘﻮل ﺑﺄن "ﺣﺰب اﷲ" أو "ﺧﻂ اﻹﻣﺎم" ﯾﺒﻘﻰ ـ ﻛﻜﻞ ﺣﺮﻛﺔ أﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺔ ـ ﻣﻨﻐﻠﻘﺎ و‬

‫ﻋﺪاﺋﯿﺎ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬و ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ ﺑﺴﯿﻄﺔ ﻷﻃﺮوﺣﺎت اﻟﺰﻋﯿﻢ اﻟﺮوﺣﻲ ﻟﺤﺰب اﷲ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن "ﻣﺤﻤﺪ‬

‫ﺣﺴﯿﻦ ﻓﻀﻞ اﷲ" و اﻟﺘﻲ ﯾﻤﻜﻦ اﻻﻃﻼع ﻋﻠﯿﮭﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﻗﻌﮫ اﻟﺸﺨﺼﻲ ﻋﻠﻰ اﻹﻧﺘﺮﻧﺖ "ﺑﯿﻨﺎت دوت‬

‫أورغ" ‪ ،‬ﺳﺘﺠﺪ اﻟﻤﺮﺷﺪ ﯾﺘﺤﺪث ﺑﻤﺼﻄﻠﺤﺎت ﻣﺘﻌﺪدة "إﺳﻼﻣﯿﺔ"‪" ,‬ﻋﺮوﺑﯿﺔ"‪" ,‬ﻣﺎرﻛﺴﯿﺔ"‪ ,‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ‬

‫أﻧﮫ ﻣﺎ ﻣﻦ ھﺪف واﺿﺢ ﻟﮭﺬا اﻟﺤﺰب ‪ ،‬و ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﯾﻜﻮن ﻧﻘﺪه ﻟﻠﻌﻼﻗﺔ ﻣﻊ "اﻟﻐﺮب" ﻧﻘﺪا اﻧﺘﻘﺎﺋﯿﺎ و‬

‫ﻋﺎﻃﻔﯿﺎ ‪ ،‬و ﻟﯿﺲ واﻗﻌﯿﺎ ﺳﯿﺎﺳﯿﺎ ‪ ،‬و ﻛﺄن ﻣﻜﻮّن اﻟﻌﻼﻗﺔ ھﻮ "ﻧﺤﻦ" ﻓﻘﻂ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﻐﺮب و ﻣﺼﺎﻟﺤﮫ و‬

‫ﺛﻘﺎﻓﺘﮫ ھﻮ ﻣﺠﺮد "ﺷﺒﺢ"‪.‬‬

‫ﻓﮭﻮ ﯾﻘﻮل ﻋﻦ ھﺬه اﻟﻌﻼﻗﺔ‪:‬‬

‫اﺗﺨﺬت اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻹﺳﻼم و اﻟﻐﺮب أوﺟﮭﺎ ﻣﺘﻌﺪدة ‪ ،‬و اﺗﺴﻤﺖ ﻏﺎﻟﺐ اﻷﺣﯿﺎن ﺑﺎﻟﺤﺪة و اﻟﺘﻮﺗﺮ ‪،‬‬

‫و ﻻ ﺳﯿّﻤﺎ ﺑﻌﺪ اﻧﮭﯿﺎر اﻻﺗﺤﺎد اﻟﺴﻮﻓﯿﺘﻲ ‪ ،‬وﻟﻜﻨﮭﺎ أﺻﺒﺤﺖ أﻛﺜﺮ ﺗﻌﻘﯿﺪا ﻓﻲ اﻷوﻧﺔ اﻷﺧﯿﺮة ‪ ،‬و ﺗﺤﺪﯾﺪا‬

‫ﺑﻌﺪ أﺣﺪاث ‪ 11‬ﻣﻦ أﯾﻠﻮل ‪ ،‬ﺣﯿﺚ أﻓﺼﺢ اﻟﻐﺮب ﻋﻦ ﻃﺒﯿﻌﺘﮫ اﻟﻌﺪواﻧﯿﺔ ‪ ،‬و اﺗﮭﻢ اﻹﺳﻼم ﺑﺄﻧﮫ ﯾﺨﺘﺰن‬

‫ﻓﻲ ﺻﻠﺐ ﺗﺸﺮﯾﻌﺎﺗﮫ اﻹرھﺎب و اﻟﻌﻨﻒ ‪ ،‬ﻓﺄﺿﺤﻰ اﻹرھﺎب ﺳﻤﺔ ﻛﻞ ﻋﺮﺑﻲ و ﻣﺴﻠﻢ ‪..‬إﻟﺦ"‬

‫ﻻﺣﻆ ﻣﻌﻲ ﻛﯿﻒ أن ھﺬا اﻟﺨﻂ ﻟﻢ ﯾﻨﺘﻘﺪ "ﺟﺮﯾﻤﺔ ‪ 11‬ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ" و ﻟﻢ ﯾﻨﺘﻘﺪ ﺗﻨﻈﯿﻢ "اﻟﻘﺎﻋﺪة" و‬

‫ﻋﻤﻠﯿﺎﺗﮫ اﻹرھﺎﺑﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ اﻟﻨﻘﺪ ‪ ،‬ﻛﻞ اﻟﻨﻘﺪ ‪ ،‬ﯾﻮﺟّﮫ ﻟﻠﻐﺮب و ﻓﻘﻂ ﻟﻠﻐﺮب ‪ ،‬إن اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻮاﺿﺤﺔ ھﻲ أن‬

‫اﻟﺘﯿﺎرات اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ "ﺑﻤﺎ ﻓﯿﮭﺎ ﺣﺰب اﷲ" ﯾﻨﻄﻠﻖ ﻣﻦ ﻧﺮﺟﺴﯿﺔ ﺣﺎدة ﺗﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺎدة اﻟﺬات و اﻷﻧﺎ‬

‫اﻟﻤﻨﺘﺸﯿﺔ‪.‬‬

‫و ﯾﺤﺎول ﻓﻀﻞ اﷲ أن ﯾﻔﺼﻞ ﺑﯿﻦ "اﻹدارات اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ" و "اﻟﺸﻌﻮب اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ" ﻓﻲ إﺷﺎرة أو ﺗﻠﻤﯿﺢ‬

‫ﺿﺪ "اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ" ‪ ،‬و ﻛﺄن أﻧﻈﻤﺔ اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﻤﻌﺮوﻓﺔ ﺑﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺘﮭﺎ ھﻲ أﻧﻈﻤﺔ‬

‫ﺷﺮﻋﯿﺔ و وﻃﻨﯿﺔ ‪ ،‬ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ھﺬه ﻣﺘﺎﺟﺮة ﺳﺎﻓﺮة ﺑﻤﺬھﺐ اﻟﺘﺸﯿﻊ و اﻹﺳﻼم و اﻟﺪﯾﻦ ﻋﻤﻮﻣﺎ‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫و اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻟﻜﺒﺮى اﻟﺘﻲ ﯾﻌﺎﻧﯿﮭﺎ اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻵن و ﺑﻔﻌﻞ ھﺬا اﻟﺨﻂ اﻟﻤﻨﻐﻠﻖ و اﻟﻤﺘﻄﺮف داﺧﻞ‬

‫"اﻟﺤﻮزة" ھﻮ ﺗﺤﻮﻟﮭﻢ ﻧﺤﻮ ﺗﺒﻨﻲ "اﻷﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" و ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ ﺑﺴﯿﻄﺔ ﻟﻺﻋﻼم اﻹﯾﺮاﻧﻲ و‬

‫ﺗﻠﻔﺰﯾﻮن "اﻟﻤﻨﺎر" اﻟﺘﺎﺑﻊ ﻟﺤﺰب اﷲ ‪ ،‬ﺗﺪرك ﻣﺪى ﺗﻐﻠﻐﻞ اﻟﺤﺲ اﻟﻘﻮﻣﻲ "اﻟﻌﺮوﺑﻲ" و اﻟﻔﺎﺷﯿﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ‬

‫داﺧﻞ ﻣﻨﻈﻮﻣﺎت اﻟﺘﻄﺮف اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬و ھﻲ ﺣﻘﺎ ﻣﺼﯿﺒﺔ أن ﯾﺘﺒﻨﻰ ﺧﻂ "ﯾﺰﻋﻢ اﻟﺪﻓﺎع ﻋﻦ ﻣﻈﻠﻮﻣﯿﺔ آل‬

‫ﻣﺤﻤﺪ و ﯾﺰﻋﻢ إﻋﺎدة اﻟﺤﺲ اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ اﻷﻣﻤﻲ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم" ﻣﻨﮭﺠﺎ ﻗﻮﻣﯿﺎ ﻋﺮﺑﯿﺎ ﺣﻮل اﻹﺳﻼم و اﻟﺪﯾﻦ‬

‫إﻟﻰ ﺳﻼح ﺑﻮﺟﮫ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و أﻧﺼﺎرھﺎ ‪ ،‬ﺑﻞ إن ھﯿﺌﺔ دﯾﻨﯿﺔ ﻛـ"اﻟﻤﺠﻠﺲ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻷﻋﻠﻰ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن"‬

‫ﯾﺮدد ﻛﻠﻤﺎت "اﻟﻌﺮوﺑﺔ" و "اﻹﺳﺘﻌﻤﺎر" و "اﻷﻣﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺣﺰب اﻟﺒﻌﺚ و اﻟﺘﯿﺎرات‬

‫اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ و اﻟﻨﺎﺻﺮﯾﺔ ‪.‬‬

‫إذا ﻓﻘﺪ أﺻﺒﺢ "اﻹﺳﻼم اﻟﺸﯿﻌﻲ" ﺣﺎﻟﮫ ﺣﺎل "اﻹﺳﻼم اﻟﺴﻨﻲ" ‪ ،‬ﻣﺮﯾﻀﺎ ﺑﺄﻟﻒ ﻋﺎھﺔ و ﻋﺎھﺔ و‬

‫وﺳﯿﻠﺔ أﺧﺮى ﻟﻨﺸﺮ اﻟﻜﺮاھﯿﺔ و إﻟﻐﺎء اﻵﺧﺮﯾﻦ و اﺑﺘﻼع ﺣﻘﻮﻗﮭﻢ ‪ ،‬إن ھﺬا اﻟﺘﻄﺮف ﺳﯿﺴﻲء إﻟﻰ‬

‫اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ أﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﺗﻌﺮض ﻟﮫ ﻃﻮال ‪ 1400‬ﻋﺎم ‪ ،‬ﻣﻦ اﻟﺤﺘﻤﻲ إذا ‪ ،‬و ﺗﻠﻚ ﻣﺼﯿﺒﺔ إن ﻟﻢ‬

‫ﺗﺤﺼﻞ ‪ ،‬أن ﯾﻮﻟﺪ اﻹﺻﻼح و اﻟﺘﻐﯿﺮ ﻣﻦ رﺣﻢ اﻟﻤﺬھﺐ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬و ھﻮ أﻣﺮ ﯾﻨﻄﻮي ﻋﻠﻰ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ‬

‫اﻟﺘﻌﻘﯿﺪ ‪ ،‬و ﻛﻞ ﻣﺎ ﺷﮭﺪه اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻣﻦ ﻣﺤﺎوﻻت إﺻﻼح ﻟﻢ ﯾﻜﻦ إﻻ ﺣﺮﻛﺎت ﺧﺠﻮﻟﺔ ﻻ ﺗﻀﺮب ﻓﻲ‬

‫اﻟﻌﻤﻖ ‪ ،‬إذ أن ﺣﻠﻘﺔ اﻟﻤﻌﺼﻮﻣﯿﻦ اﻣﺘﺪت ﻣﻦ اﻷﺋﻤﺔ اﻻﺛﻨﻲ ﻋﺸﺮ ﻟﺘﺸﻤﻞ "اﻟﻤﺮاﺟﻊ" و ﻣﻦ ﺛُﻢ اﻟﻮﻛﻼء‬

‫و ﺣﺘﻰ اﻷﻃﻔﺎل أﺻﺒﺤﻮا "ﯾُﻘﺘﺪى" ﺑﮭﻢ‪.‬‬

‫‪........................‬‬ ‫ﺣﺰب اﷲ و اﻟﺨﻠﻔﯿﺔ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ‬

‫ﻻ ﺑﺪ ﻟﻨﺎ ﻣﻦ دراﺳﺔ أﻋﻤﺎق اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺨﺎص ﺑﺤﺰب اﷲ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ و اﻟﺬي ﯾﻌﻜﺲ ﺧﻠﻔﯿﺎت ﺗﺎرﯾﺨﯿﺔ ﺗﻌﻮد‬

‫إﻟﻰ ﺑﺪاﯾﺎت اﻟﻘﺮن ‪ 19‬و ﻇﮭﻮر اﻟﻔﻜﺮ اﻟﻘﻮﻣﻲ اﻟﻌﺮوﺑﻲ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن ﻟﺒﻨﺎن ﯾﻤﺜﻞ ﺟﺴﺮا ﺛﻘﺎﻓﯿﺎ و‬

‫ﺗﺠﺎرﯾﺎ ﺑﯿﻦ اﻟﺸﺮق و اﻟﻐﺮب ‪ ،‬و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺠﺐ أن ﻻ ﻧﻐﻔﻠﮭﺎ ھﺎ ھﻨﺎ و اﻟﺘﻲ ﯾﻐﻔﻠﮭﺎ "ﺣﺰب اﷲ" و‬

‫ﺧﻂ "اﻹﻣﺎم"!! ھﻲ أن اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎن و ﻗﺒﯿﻞ اﻟﻌﮭﺪ اﻟﻤﻤﻠﻮﻛﻲ و اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻲ ﻛﺎﻧﻮا أﻛﺜﺮ اﻧﻔﺘﺎﺣﺎ ﻣﻦ‬

‫ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺼﺮ اﻟﺤﺪﯾﺚ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ أﻧﮭﻢ ﻟﻢ ﯾﻘﺎوﻣﻮا اﻟﺠﯿﻮش اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﺔ اﻟﺘﻲ دﺧﻠﺖ إﻟﻰ ﺑﻼد اﻟﺸﺎم ﻣﻦ ﺗﺮﻛﯿﺎ‬

‫و ﺳﻮاﺣﻞ إﺳﺮاﺋﯿﻞ ‪ ،‬و ﻣﮭﻤﺎ ﺣﺎول اﻟﻤﺆرﺧﻮن "اﻟﻘﻮﻣﯿﻮن اﻟﻌﺮوﺑﯿﻮن" اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ "ﻣﻘﺎوﻣﺔ اﻟﺸﯿﻌﺔ‬

‫ﻟﻠﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ" ﻟﺮﺑﻄﮭﻢ ﻗﺴﺮا ﺑﺼﺪام اﻟﺤﻀﺎرات اﻟﺬي ﯾﺮوج ﻟﮫ "ﻣﻼﯾﺔ" و ﺣﻜﺎم اﻟﺪول اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﺘﺎرﯾﺦ ﯾﻜﺬّﺑﮭﻢ و ﯾﻨﻔﻲ ﺗﻠﻚ اﻻدﻋﺎءات ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺨﺰوم "و ھﻮ ﻣﺆﻣﻦ‬

‫ﺑﺎﻟﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ﺣﺴﺐ ﻣﺎ ھﻮ واﺿﺢ ﻣﻦ أﺳﻠﻮﺑﮫ" ﯾﺤﺎول اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ "ﻣﻘﺎوﻣﺔ ﺷﯿﻌﯿﺔ"!! ﻟﻠﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ‬

‫ﻟﻜﻦ اﻟﺒﺤﺚ اﻟﺬي ﻛﺘﺒﮫ ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮان }ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﻌﮭﺪﯾﻦ اﻟﺼﻠﯿﺒﻲ و اﻟﻤﻤﻠﻮﻛﻲ { و اﻟﻤﻨﺸﻮر ﻋﺎم‬

‫‪ 1979‬م ﯾﻮﺿﺢ أن "اﻟﻤﻘﺎوﻣﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ" ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺑﺬﻟﻚ اﻟﺤﺠﻢ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن اﻟﺸﯿﻌﺔ ﺷﮭﺪوا ﺗﺴﺎﻣﺤﺎ‬

‫دﯾﻨﯿﺎ ﺣﻘﯿﻘﯿﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ اﻟﺬﯾﻦ ﺣﺮﻛﻮا اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﻤﺤﻠﻲ و ﺧﻠﻘﻮا ﺑﯿﺌﺔ ﻣﺘﻤﺎﺳﻜﺔ "ﻣﺴﻠﻤﻮن ﺷﯿﻌﺔ‬

‫و إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺒﮭﻢ ﻣﺴﯿﺤﯿﻮن و ﻧﺼﯿﺮﯾﺔ" ﯾﻘﻮل اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺨﺰوم‪:‬‬


‫‪34‬‬

‫وﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﺬﻛﺮ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺼﺎدر اﻟﻤﻌﺎﺻﺮة وﻣﻨﮭﺎ "اﺑﻦ اﻟﻘﻼﻧﺴﻲ" ان ﻧﻮراﻟﺪﯾﻦ ھﺰم اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ‬

‫وﻣﻌﮭﻢ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻓﻲ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ ﻗﺮب ﺑﺎﻧﯿﺎس‪ ،‬ﻧﺮى اﻟﻌﺎﻣﻠﯿﯿﻦ ﯾﺴﺎﻧﺪون ﺻﻼح اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ‬

‫ﺣﺮوﺑﮫ‪ .‬وﺗﻔﺴﯿﺮ ذﻟﻚ اﻧﮫ ﻟﯿﺲ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﻐﺮب ان ﯾﻀﻢ ﺟﯿﺶ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‪ ،‬ﻻن اﻟﻨﻈﺎم‬

‫اﻻﻗﻄﺎﻋﻲ اﻟﺬي ﻛﺎن ﺳﺎﺋﺪاً ﻛﺎن ﯾﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺗﺄدﯾﺔ ﺧﺪﻣﺔ ﻋﺴﻜﺮﯾﺔ ﺳﻨﻮﯾﺔ ﯾﺆدﯾﮭﺎ اﻟﺘﺎﺑﻊ ﻟﻠﻤﺘﺒﻮع ﺑﺤﺴﺐ‬

‫اﻟﺘﺸﺮﯾﻌﺎت واﻻﻋﺮاف اﻻﻗﻄﺎﻋﯿﺔ‪.‬‬

‫اﻟﻮاﺿﺢ أﻧﮫ ﯾﺤﺎول إﯾﺠﺎد ﻣﺒﺮرات ﻷﺣﺪاث ‪ ،‬ﻻ ﺗﺮوق ﻟﻨﻈﺮﯾﺘﮫ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﯿﺤﺎول إﯾﺠﺎد ﺗﺒﺮﯾﺮ ﻣﺎ‬

‫‪ ،‬ﻓﺎﻟﺸﯿﻌﻲ اﻟﺬي ﯾﺤﺎرب ﻓﻲ ﺟﯿﻮش "ﻧﻮر اﻟﺪﯾﻦ" و "ﺻﻼح اﻟﺪﯾﻦ" ﻟﯿﺲ ﻣـُﻜﺮھﺎ ﺑﻞ ھﻮ "ﻣﺘﻄﻮع"‬

‫و ﯾﺮﯾﺪ ﺑﺬﻟﻚ وﺟﮫ اﷲ ‪ ،‬أﻣﺎ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺨﺮج ﻣﻊ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ "ﻓﺈن اﻟﻨﻈﺎم اﻹﻗﻄﺎﻋﻲ اﻟﺬي ﻛﺎن ﺳﺎﺋﺪا ‪"..‬‬

‫أن ﺷﯿﻌﺔ ﻟﺒﻨﺎن ﻟﻢ ﯾﻜﻮﻧﻮا ﻣﺤﺼﻮرﯾﻦ ﺑﺠــﻨﻮب‬ ‫!! ھﻮ اﻟﺬي ﺣﺘﻢ ذﻟﻚ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ ﺗﻘﻮل‬

‫اﻟﻠﯿﻄﺎﻧﻲ و ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺟﻨﻮب ﻟﺒﻨﺎن ﻗﺒﻞ اﻟﻌﮭﺪ اﻟﻤﻤﻠﻮﻛﻲ ‪ ،‬ھﺬا اﻟﻌﮭﺪ اﻟﺬي ﺗﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﻗﺘﻞ آﻻف اﻟﺸﯿﻌﺔ و‬

‫اﺿﻄﮭﺎدھﻢ و ﻗﺘﻞ أﺣﺪ أﻛﺒﺮ ﻋﻠﻤﺎﺋﮭﻢ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻣﻜﻲ اﻟﺠﺰﯾﻨﻲ اﻟﻤﻠﻘﺐ ﺑـ"اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻷول" و ﺗﺴﺒﺐ ﻓﻲ‬

‫ھﺠﺮﺗﮭﻢ ﻛﻐﺎﻟﺒﯿﺔ إﻟﻰ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ اﻟﻤﻤﺘﺪة إﻟﻰ ﺟﻨﻮب اﻟﻠﯿﻄﺎﻧﻲ ﺑﻔﻌﻞ اﻟﻤﻤﺎﻟﯿﻚ اﻟﺬﯾﻦ ﺗﺒﻨﻮا "ﻓﺘﺎوى اﺑﻦ‬

‫ﺗﯿﻤﯿﺔ" اﻟﻤﻌﺮوف ﺑﺤﻘﺪه ﺗﺠﺎه اﻟﺸﯿﻌﺔ و اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻲ "اﻟﻜﯿﺎن اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﻟﺠﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ ـ اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﻨﺬر‬

‫ﺟﺎﺑﺮ" ‪ ،‬و ﻟﺮﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﺷﯿﻌﺔ ﻟﺒﻨﺎن ﻗﺎوﻣﻮا اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ ﻗﻠﯿﻼ ﻓﻲ اﻟﻔﺘﺮة اﻟﺘﻲ ﺷﮭﺪت اﻟﺼﺮاع ﺑﯿﻦ‬

‫اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ و اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻔﺎﻃﻤﯿﺔ "اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ" اﻹﺳﻤﺎﻋﯿﻠﯿﺔ و ﯾﻨﺒﻐﻲ ﻣﻼﺣﻈﺔ وﺟﻮد ﺑﺮود ﺑﯿﻦ اﻟﻔﺎﻃﻤﯿﯿﻦ و‬

‫ھﺬه اﻟﺪوﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﯾﺪ "ﺻﻼح اﻟﺪﯾﻦ‬ ‫اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﯿﯿﻦ ﻻﺧﺘﻼﻓﺎت ﻣﺬھﺒﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮭﻢ و ﻋﻨﺪ ﺳﻘﻮط‬

‫اﻷﯾﻮﺑﻲ" و وﺻﻮل أﻧﺒﺎء ذﺑﺤﮫ و أﻓﺎﻋﯿﻠﮫ ﺑﺎﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﯿﯿﻦ اﺳﺘﺬﻛﺮوا‬

‫اﻟﻤﺄﺛﻮرة اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ‪":‬اﻟﻜﺎﻓﺮ اﻟﻌﺎدل ﺧﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻟﻈﺎﻟﻢ" ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺨﺰوم‪:‬‬

‫وﻟﻤﺎ ﻛﺎن اﻣﺘﻼك اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ ﻟﻼرض ﻗﺪ ﻧﺸﺄ ﻋﻨﮫ ﺑﺎﻟﻀﺮورة اﻣﺘﻼﻛﮭﻢ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﻧﺸﺄ اﻣﺘﺰاج‬

‫ﺑﯿﻦ اﻻرض واﻟﺴﻠﻄﺎن ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ‪ ،‬ﺟﻌﻞ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﯾﺪﯾﻦ ﺑﺪورﺗﮫ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻟﻠﻨﻈﺎم‬

‫اﻻﻗﻄﺎﻋﻲ‪ .‬ﻣﻤﺎ أدى اﻟﻰ ﺧﻠﻖ ﺗﺮاﺗﺒﯿﺔ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﯾﻘﻒ ﻓﯿﮭﺎ اﻟﺴﯿﺪ اﻻﻗﻄﺎﻋﻲ ﻋﻠﻰ رأس اﻟﮭﺮم‪،‬‬

‫ﯾﻠﯿﮫ اﺳﯿﺎد اﻟﻤﻨﺎﻃﻖ اﻟﺼﻐﯿﺮة اﻟﺘﺎﺑﻌﺔ ﻟﮫ‪ ،‬ﺛﻢ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻮاﺳﻌﺔ ﻣﻦ اﻟﻨﺎس اﻟﻤﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﻤﺎﻟﻜﻲ‬

‫اﻻرض ﺑﺤﻜﻢ ﻋﻼﻗﺎﺗﮭﻢ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ اﻟﺘﻲ رﺳﺨﺘﮭﺎ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﺤﻘﻮﻗﯿﺔ اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ‬

‫اﻻﻗﻄﺎﻋﯿﯿﻦ اﻧﻔﺴﮭﻢ‪ .‬وھﻜﺬا اﺻﺒﺢ ﺑﺤﻜﻢ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﺳﻜﺎن ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ أﻗﻨﺎﻧﺎً ﻋﻨﺪ ھﺆﻻء ﯾﻘﺪﻣﻮن‬

‫اﻟﻮﻻء واﻻﺧﻼص واﻟﺘﻤﻮﯾﻦ أﯾﺎم اﻟﺴﻠﻢ واﻟﺤﺮب‪ ،‬وھﻮ ﻣﺎ ﯾﻔﺴﺮ وﻗﻮف ﺑﻌﻀﮭﻢ اﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ‬

‫اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻌﺎرك‪.‬‬

‫و ﻣﻦ ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرات ﯾﺘﻮﺿﺢ ﻣﺪى اﻟﺨﻠﻂ اﻟﺬي ﯾﻘﻊ ﻓﯿﮫ اﻟﻘﻮﻣﯿﻮن اﻟﻌﺮب "ﺑﻤﺎ ﻓﯿﮭﻢ ﺣﺰب اﷲ"‬

‫ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺪرﺳﻮن ﺗﺎرﯾﺦ ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺘﺮة دون أن ﯾﺴﺄﻟﻮا أﻧﻔﺴﮭﻢ أﯾﻀﺎ اﻟﺴﺆال اﻟﻤﻨﻄﻘﻲ اﻟﺘﺎﻟﻲ ‪ :‬ﻟﻤﺎذا‬

‫ﻟﻢ ﯾﻌﺜﺮ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﻮن ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺎوﻣﺔ ﺷﯿﻌﯿﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ﻛﺘﻠﻚ اﻟﺘﻲ ﻗﺎم ﺑﮭﺎ اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﯿﻮن ﺿﺪ‬

‫اﻟﻤﻤﺎﻟﯿﻚ و اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﯿﻦ ؟! و ﻟﻤﺎذا ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ھﻨﺎك ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺷﺒﯿﮭﺔ ﺑﻤﻌﺮﻛﺔ "ﯾﺎرون" اﻟﺘﻲ أدت إﻟﻰ‬

‫ﺗﺴﻠﻂ "أﺣﻤﺪ ﺑﺎﺷﺎ اﻟﺠﺰار" و اﻟﺬي ﺷﮭﺪ ﻋﮭﺪه اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻻﻧﺘﻔﺎﺿﺎت اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﻛﺮد ﻓﻌﻞ ﻋﻠﻰ‬

‫اﻻﺿﻄﮭﺎد ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن اﻟﻈﺮوف اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﯿﺔ ﻟﻢ ﺗﺨﺘﻠﻒ ‪ ،‬ﺑﻞ إن ﻣﻌﺎﻧﺎت اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ‬


‫‪35‬‬

‫اﻟﺤﻜﻢ "اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﻻ ﺗﻘﺎرن ﺑﺎﻟﻈﺮوف اﻟﻤﻤﺘﺎزة اﻟﺘﻲ ﻋﺎﺷﻮھﺎ أﯾﺎم اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﺑﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﺘﺮة‬

‫رﻓﺎھﯿﺔ ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﺑﺎﻟﻌﮭﺪ "اﻟﻤﻤﻠﻮﻛﻲ" و "اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻲ" ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺨﺰوم‪:‬‬

‫واﻟﻔﻼح اﻟﻌﺎﻣﻠﻲ ارﺗﺒﻂ ﺑﺄرﺿﮫ ارﺗﺒﺎﻃﺎً وﺛﯿﻘﺎً ﻓﻠﻢ ﯾﻜﻦ ﯾﺴﻤﺢ ﻟﮫ ﺑﺘﺮك ارﺿﮫ اﻻ ﻧﺎدراً‪ ،‬ﻟﺌﻼ‬

‫ﺗﺘﻌﺮض اﻟﻤﻨﺎﻃﻖ اﻟﺘﻲ ﯾﺴﯿﻄﺮ ﻋﻠﯿﮭﺎ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﻮن اﻟﻰ ﺧﻠﻞ ﺳﻜﺎﻧﻲ‪ ،‬ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﻛﺎن ﯾﻤﺘﮭﻦ‬

‫ﻓﯿﮫ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﻮن اﻟﻔﺮوﺳﯿﺔ واﻟﺤﺮب‪ ،‬ﻓﻜﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ ﻣﺼﺎدرة أرض اﻟﻔﻼح وﻃﺮده ﻣﻨﮭﺎ‪ .‬اﻻ‬

‫اﻧﮫ ﻛﺎن ﻣﺼﺪر اﻻﺳﺘﺜﻤﺎر اﻻﻗﻄﺎﻋﻲ اﻟﻮﺣﯿﺪ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺤﺮﺑﻲ اﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﺘﺠﺎرة‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ‬

‫ﻛﺎن ﯾﺘﻢ اﻟﺼﺎﻗﮫ ﺑﺎﻻرض ﺑﺪﻻً ﻣﻦ ﺗﺠﺮﯾﺪه ﻣﻨﮭﺎ‪.‬‬

‫ﺣﺎول اﻟﺪﻛﺘﻮر ھﺎ ھﻨﺎ إﯾﮭﺎﻣﻨﺎ أﻧﮫ ﻛﺎن ﻣﻦ "اﻟﻤﻤﻜﻦ"!! أن ﯾﻄﺮد اﻟﻔﻼح ﻣﻦ أرﺿﮫ ﻓﻲ ﺟﺒﻞ‬

‫ﻋﺎﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﻌﮭﺪ اﻟﺼﻠﯿﺒﻲ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮫ ﻓﻲ ﺑﺪاﯾﺔ ﻛﻼﻣﮫ ﯾﻘﻮل "و اﻟﻔﻼح اﻟﻌﺎﻣﻠﻲ ارﺗﺒﻂ ﺑﺄرﺿﮫ‬

‫ارﺗﺒﺎﻃﺎ وﺛﯿﻘﺎ ﻓﻠﻢ ﯾﻜﻦ ﯾﺴﻤﺢ ﻟﮫ ﺑﺘﺮك أرﺿﮫ إﻻ ﻧﺎدرا" و ﻓﻲ ﻧﮭﺎﯾﺔ ﻛﻼﻣﮫ "ﻟﺬﻟﻚ ﻛﺎن ﯾﺘﻢ‬

‫إﻟﺼﺎﻗﮫ ﺑﺎﻷرض ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﺗﺠﺮﯾﺪه ﻣﻨﮭﺎ" ‪ ،‬ﯾﺘﻀﺢ ﻣﺪى اﻟﻤﺤﺎوﻟﺔ اﻟﯿﺎﺋﺴﺔ ﻟﺨﻠﻖ "ﺗﺎرﯾﺦ وھﻤﻲ"‬

‫ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ذﻟﻚ اﻟﻤﻮﺛـّﻖ و اﻟﻮاﻗﻌﻲ ‪ ،‬و ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﺗﺠﺪ اﻟﻔﻼح ﯾﻌﯿﺶ ﺑﺴﻌﺎدة و ھﻮ ﻣﺮﺗﺒﻂ‬

‫ﺑﺄرﺿﮫ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ اﻟﺴﺨﺮة اﻟﺤﺮﺑﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻋﻤﻞ ﻋﻠﯿﮭﺎ اﻟﻤﻤﺎﻟﯿﻚ و اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﻮن‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺨﺰوم‪:‬‬

‫وﻟﻜﻦ ﺳﺮﻋﺎن ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﺗﺴﺘﻘﺮ ﺑﯿﻦ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻟﻀﺮورة اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ اﻟﺘﺠﺎري‬

‫واﻟﺤﻮاﻓﺰ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺮﺑﻄﮭﻤﺎ‪ .‬واﺑﻦ ﺟﺒﯿﺮ اﻟﺬي زار ﻟﺒﻨﺎن ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻔﺘﺮة ﯾﺨﺒﺮﻧﺎ‬

‫ﺑﺬﻟﻚ‪" :‬ﻣﻦ اﻟﻌﺠﺐ ان اﻟﻨﺼﺎرى اﻟﻤﺠﺎورﯾﻦ ﻟﺠﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ اذا رأوا ﺑﮫ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻨﻘﻄﻌﯿﻦ ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﺟﻠﺒﻮا ﻟﮭﻢ اﻟﻘﻮت واﺣﺴﻨﻮا اﻟﯿﮭﻢ‪ ،‬وﯾﻘﻮﻟﻮن ھﺆﻻء ﻣﻤﻦ اﻧﻘﻄﻊ اﻟﻰ اﷲ ﻋﺰ وﺟﻞ‬

‫ﻓﺘﺠﺐ ﻣﺸﺎرﻛﺘﮭﻢ"‪.‬‬

‫اﻣﺎ ﻓﻲ وﺻﻔﮫ ﻟﺤﺎﻟﺔ ﺳﻜﺎن ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺘﺮة ﻓﯿﺬﻛﺮ ﻗﺎﺋﻼً‪" :‬رﺣﻠﻨﺎ ﻣﻦ ﺗﺒﻨﯿﻦ‪ ،‬دﻣﺮھﺎ‬

‫اﷲ‪) ،‬اﺷﺎرة اﻟﻰ اﻧﮭﺎ ﺑﺄﯾﺪي اﻻﻓﺮﻧﺞ( وﻃﺮﯾﻘﻨﺎ ﻛﻠﮫ ﻋﻠﻰ ﺿﯿﺎع ﻣﺘﺼﻠﺔ وﻋﻤﺎﺋﺮ ﻣﻨﺘﻈﻤﺔ‪،‬‬

‫ﺳﻜﺎﻧﮭﺎ ﻛﻠﮭﻢ ﻣﺴﻠﻤﻮن‪ ،‬وھﻢ ﻣﻦ اﻻﻓﺮﻧﺞ ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻟﺔ ﺗﺮﻓﯿﮫ‪ ،‬ﻧﻌﻮذ ﺑﺎﷲ ﻣﻦ اﻟﻔﺘﻨﺔ"‪ .‬وﻻ أدل ﻋﻠﻰ‬

‫اﻟﺤﯿﺎة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ اﻟﻤﺸﺘﺮﻛﺔ اﻟﺘﻲ ﻋﺎﺷﮭﺎ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن واﻟﻨﺼﺎرى ﻓﻲ ﻣﺪﯾﻨﺔ ﺻﻮر ﻣﻦ وﺻﻒ‬

‫اﺑﻦ ﺟﺒﯿﺮ اﯾﻀﺎً ﻟﻌﺮس أﻓﺮﻧﺠﻲ ﯾﺸﺘﺮك ﻓﯿﮫ ﻛﻼ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ‪:‬‬

‫"ﺧﺮﺟﺖ )اﻟﻌﺮوس( ﺗﺘﮭﺎدى ﺑﯿﻦ رﺟﻠﯿﻦ ﯾﻤﺴﻜﺎﻧﮭﺎ ﻣﻦ ﯾﻤﯿﻦ وﺷﻤﺎل‪ ..‬وھﻲ ﻓﻲ أﺑﮭﻰ زي‪،‬‬

‫وآﺧﺮ ﻟﺒﺎس‪ ،‬ﺗﺴﺤﺐ أذﯾﺎل اﻟﺤﺮﯾﺮ اﻟﻤﺬھﺐ ﺳﺤﺒﺎً ﻋﻠﻰ اﻟﮭﯿﺌﺔ اﻟﻤﻌﮭﻮدة ﻣﻦ ﻟﺒﺎﺳﮭﻢ‪ ،‬وﻋﻠﻰ‬

‫رأﺳﮭﺎ وھﻲ راﻓﻠﺔ ﻓﻲ ﺣﻠﯿﮭﺎ وﺣﻠﻠﮭﺎ ﺗﻤﺸﻲ ﻓﺘﺮا ﻓﻲ ﻓﺘﺮ ﻣﺸﻲ اﻟﺤﻤﺎﻣﺔ او ﺳﯿﺮ اﻟﻐﻤﺎﻣﺔ‪ ،‬ﻧﻌﻮذ‬

‫ﺑﺎﷲ ﻣﻦ ﻓﺘﻨﺔ اﻟﻤﻨﺎﻇﺮ‪ ،‬واﻟﻤﺴﻠﻤﻮن وﺳﺎﺋﺮ اﻟﻨﺼﺎرى ﻣﻦ اﻟﻨﻈﺎر ﻗﺪ ﻋﺎدوا ﻓﻲ ﻃﺮﯾﻘﮭﻢ‬

‫ﯾﺘﻄﻠﻌﻮن ﻓﯿﮭﻢ وﻻ ﯾﻨﻜﺮون ﻋﻠﯿﮭﻢ ذﻟﻚ"‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ ‪ ،‬رﻏﻢ ﻛﻞ اﻟﺘﺒﺮﯾﺮات اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ‪ ،‬إن ﻋﻼﻗﺔ ﻣﻤﺘﺎزة ﻗﺎﻣﺖ ﺑﯿﻦ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ‬

‫"اﻟﺸﯿﻌﻲ و اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ" ﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﺤﻘﺒﺔ ‪ ،‬و ﺗﻔﺴﯿﺮ اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺨﺰوم ﻟﻜﻠﻤﺎت اﺑﻦ ﺟﺒﯿﺮ و دﻋﺎﺋﮫ‬

‫ﻋﻠﻰ ﺗﺒﻨﯿﻦ ﺑﺎﻟﻘﻮل‪ :‬دﻣﺮھﺎ اﷲ" ﻛﺎن ﺑﺴﺒﺐ وﺟﻮد اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﻲ و اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ ﻓﯿﮭﺎ و ﻟﯿﺲ‬

‫ﺗﻌﻠﯿﻠﮫ ﺑـ"إﺷﺎرة إﻟﻰ أﻧﮭﺎ ﺑﺄﯾﺪي اﻟﻔﺮﻧﺠﺔ" ﺳﻮى اﺟﺘﮭﺎدا ﺷﺨﺼﯿﺎ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن وﺻﻒ اﺑﻦ ﺟﺒﯿﺮ‬

‫ﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ "اﻟﺸﯿﻌﺔ" و اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﻌﺮس ﺗﺆﻛﺪ وﺟﻮد اﻧﺴﺠﺎم اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ‪ ،‬و ﺛﻘﺎﻓﺔ‬
‫‪36‬‬

‫اﻟﺘﺒﺮﯾﺮ ﺷﻮھﺖ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻛﻞ أﺑﺤﺎﺛﻨﺎ اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ‪ ،‬و ﻛﻤﺜﺎل ﻧﺠﺪ اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺨﺰوم‬

‫ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫وﻟﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﻤﺠﺘﻊ اﻟﺼﻠﯿﺒﻲ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ ﯾﺘﺸﻜﻞ ﺑﺎﺳﺮه ﻣﻦ اﻟﻌﺴﺎﻛﺮ واﻟﺘﺠﺎر‪ ،‬ﻓﻠﻢ ﯾﻜﻦ‬

‫ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ ﺻﺎﻟﺤﺎً ﻻن ﯾﺨﻠﻖ او ﯾﻘﯿﻢ ﻣﺴﺘﻮى ﻓﻜﺮﯾﺎً رﻓﯿﻌﺎً‪ .‬ﻟﮭﺬا ﻛﺎن أﺛﺮ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﯿﻦ اﻟﺤﻀﺎري‬

‫ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﺿﻌﯿﻔﺎً ﺟﺪاً اﻗﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ وﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﯾﺘﺮﺗﺐ ﺑﯿﻦ اﻟﺴﯿﺪ‬

‫وﻓﻼﺣﯿﮫ ﻣﻦ ﻋﻼﻗﺎت ﻣﺤﺪودة ﺿﻤﻦ اﻃﺎر ﻣﺎ ﺗﻤﻠﯿﮫ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﺤﺮﺑﯿﺔ‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ھﺬه ﻧﻈﺮة ﺳﻄﺤﯿﺔ ﻟﻸﻣﻮر ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ "ﻣﺠﺘﻤﻊ اﻟﻔﻼﺳﻔﺔ" ھﻮ إﺣﺪى‬

‫اﻟﻤﺴﺘﺤﯿﻼت ‪ ،‬ﺑﻞ إن اﻟﺘﺎﺟﺮ و اﻟﻤﺤﺎرب و اﻟﻔﻼح ﻗﺪ ﯾﻜﻮن ﻓﻲ ﻋﻘﻠﮫ "ﻓﯿﻠﺴﻮف" أﻣﺎ اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ‬

‫"اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ" ﻓﮭﻲ ﻣﻦ أوھﺎم ﺷﺮﻗﻨﺎ اﻟﻤﺘﺨﻠﻒ ‪ ،‬ﺑﻞ إن وﺻﻒ اﺑﻦ ﺟﺒﯿﺮ ﻟﻠﻌﺮس ﺗﺒﺪوا ﻟﻲ أﺷﺒﮫ‬

‫ﺑﻮﺻﻔﮫ ﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻣﺘﺴﺎﻣﺢ أﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﯾﺪور ﻓﻲ ﺧﯿﺎﻻت ﻣﺆرﺧﯿﻨﺎ اﻷﻓﺬاذ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺨﺰوم‪:‬‬

‫اﻣﺎ ﻋﻦ اﻟﺘﻤﺎزج اﻟﻌﺮﻗﻲ ﺑﯿﻦ اﻟﻮﻃﻨﯿﯿﻦ واﻻﻓﺮﻧﺞ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﺣﺪث ﺧﻼل اﻟﺤﺮوب اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﺔ –ﻧﺘﯿﺠﺔ‬

‫ﺗﺤﻮل ﻓﯿﻤﺎ ﺑﻌﺪ )‪(Poulain‬ﻟﻠﻐﺰو واﻟﺴﺒﻲ وﺑﯿﻊ اﻟﺮﻗﯿﻖ‪ -‬ﻇﮭﻮر ﺟﯿﻞ ھﺠﯿﻦ اﻃﻠﻖ ﻋﻠﯿﮫ اﺳﻢ‬

‫اﻟﻰ ﻣﺬھﺐ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ اﻟﺘﻲ وﺟﺪ ﻓﯿﮭﺎ‪ .‬ﻓﻔﻲ اﻟﺸﻤﺎل اﻋﺘﻨﻘﻮا ﻣﺬھﺐ اﻟﻤﻮارﻧﺔ‪ ،‬وﻓﻲ ﺑﻼد اﻟﻌﻠﻮﯾﺔ‬

‫اﻋﺘﻨﻘﻮا ﻣﺬھﺐ اﻟﻨﺼﯿﺮﯾﺔ‪ ،‬وﻓﻲ اﻟﺠﻨﻮب اﻋﺘﻨﻘﻮا ﻣﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﺔ‪ ،‬وﻣﺎ زاﻟﺖ ﺳﺤﻨﺘﮭﻢ اﻻوروﺑﯿﺔ‬

‫ﻇﺎھﺮة اﻟﻰ اﻟﯿﻮم ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﻣﻨﺎﻃﻘﮫ‪ .‬ﻛﻤﺎ ان ﺑﻌﺾ ھﺬه اﻟﻌﺎﺋﻼت ﻣﺎ زاﻟﺖ ﺗﺤﺘﻔﻆ ﺑﺄﺳﻤﺎء‬

‫)‪ (De Douhai‬وﻓﺮﻧﺠﯿﺔ واﻟﺪوﯾﮭﻲ )‪(Baldwin‬ﻻﺗﯿﻨﯿﺔ أﻣﺜﺎل ﻋﺎﺋﻠﺔ اﻟﺼﻠﯿﺒﻲ‪ ،‬وﺑﺮودﯾﻞ‬

‫وﻏﯿﺮھﺎ‪(Torby).‬ودورﯾﺎن ﺣﻤﻠﮫ وﻃﺮﺑﯿﮫ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ إذا أن ھﻨﺎك اﺧﺘﻼﻓﺎ ﻛﺒﯿﺮا ﺑﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ و ﻟﺒﻨﺎن ﺧﻼل ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻷﻟﻒ‬

‫اﻷول ﻣﻦ اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﻤﯿﻼدي ‪ ،‬و اﻟﺸﯿﻌﺔ ﺧﻼل اﻟﻘﺮﻧﯿﻦ اﻷﺧﯿﺮﯾﻦ ‪ ،‬ﺣﯿﻦ ﻗﺎﻣﻮا ﺧﻼل اﻻﺣﺘﻼل‬

‫اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ـ اﻟﺬي ﻻ أﻋﺘﺒﺮه اﺣﺘﻼﻻ ـ ﺑﺬﺑﺢ ﻣﺴﯿﺤﯿﯿﻦ ﻓﻲ ﺟﻨﻮب ﻟﺒﻨﺎن ‪ ،‬و ھﻮ ﺗﺤﻮل ﻣﺜﯿﺮ ﻟﻼﻧﺘﺒﺎه ‪،‬‬

‫و ﻛﺎن ذﻟﻚ رﺑﻤﺎ ردة ﻓﻌﻞ أﺧﺮى ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺤﯿﻂ اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﺬي ﻛﺎن ـ و ﻻ زال ـ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس أﻧﮭﻢ "ﻟﯿﺴﻮا ﻣﺠﺎھﺪﯾﻦ" و ﻛﺄن اﻹﺳﻼم ﻛﺪﯾﻦ ﻻ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﮫ ﺑﺪون ﺳﻔﻚ اﻟﺪم ‪ ،‬ﯾﻘﻮل‬

‫اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺨﺰوم‪:‬‬

‫ﻣﻨﺬ اﻟﻠﺤﻈﺔ اﻟﺘﻲ اﺳﺘﻄﺎع ﻓﯿﮭﺎ اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﻮن ان ﯾﻀﻌﻮا اﻗﺪاﻣﮭﻢ ﻋﻠﻰ ارض ﻣﻌﺎدﯾﺔ ﻟﮭﻢ ﺣﺎوﻟﻮا‬

‫ان ﯾﻘﯿﻤﻮا ﻟﮭﻢ ﻣﺮاﻛﺰ دﻓﺎﻋﯿﺔ وھﺠﻮﻣﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﮫ‪ ،‬وھﻮ ﺗﺄﻛﯿﺪ ﺛﺎﺑﺖ ﻋﻠﻰ رﻓﺾ‬

‫اﻟﻌﺎﻣﻠﯿﯿﻦ ﻟﻼﺣﺘﻼل‪ .‬وھﻜﺬا ﻛﺎﻧﺖ ﺳﻠﺴﻠﺔ اﻟﺤﺼﻮن واﻻﺑﺮاج اﻟﺘﻲ اﻗﺎﻣﻮھﺎ ﻋﻠﻰ ﻃﻮل اﻟﺴﺎﺣﻞ‬

‫اﻟﺠﻨﻮﺑﻲ اﻟﻤﻤﺘﺪ ﻣﻦ ﻋﻜﺎ اﻟﻰ ﺻﯿﺪا‪ .‬ﻛﻤﺎ اﻗﺎﻣﻮا ﺳﻠﺴﻠﺔ اﺧﺮى ﻣﻦ ھﺬه اﻟﺤﺼﻮن ﻓﻲ داﺧﻞ‬

‫ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ اﻣﻨﻊ وأﺿﺨﻢ ﻣﻤﺎ اﻧﺸﺄوه ﻋﻠﻰ اﻟﺴﺎﺣﻞ‪.‬‬

‫ھﺬه اﻟﻘﻼع واﻟﺤﺼﻮن اﻟﺴﺎﺣﻠﯿﺔ ﻣﻨﮭﺎ واﻟﺪاﺧﻠﯿﺔ ﻟﻌﺒﺖ دوراً ﺣﻀﺎرﯾﺎً ﻣﮭﻤﺎً ﻟﻜﻮﻧﮭﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺮاﻛﺰ‬

‫اﻟﺘﻘﺎء ﻟﻠﺘﻔﺎﻋﻞ اﻟﺤﻀﺎري اﻟﺬي ﻛﺎن ﯾﺘﻢ ﺑﯿﻦ وﻗﺖ وآﺧﺮ ﺑﯿﻦ اﻟﺴﻜﺎن اﻟﻮﻃﻨﯿﯿﻦ ﻣﻦ ﺟﮭﺔ ووﻓﻮد‬

‫اﻻﻓﺮﻧﺞ اﻟﻤﺘﻌﺪدة واﻟﻤﺘﻐﯿﺮة ﻋﻠﻰ اﻟﺪوام ﻣﻦ ﺟﮭﺔ ﺛﺎﻧﯿﺔ‪.‬‬


‫‪37‬‬

‫إن ﺑﻨﺎء اﻟﻘﻼع ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻣﻦ ﻟﺒﻨﺎن ﻻ ﯾﻌﻨﻲ إﻻ أﻧﮭﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻤﺜّﻞ ﺧﻄﻮﻃﺎ ﺧﻠﻔﯿﺔ ﻣﺆﻣّﻨﺔ ‪ ،‬و‬

‫ﻟﯿﺲ ﻛﻤﺎ ﯾﺘﻮھﻢ اﻟﺪﻛﺘﻮر ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أﻧﮭﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺴﺘﺨﺪم ﻟﻠﮭﺠﻮم و اﻟﺪﻓﺎع ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮاء‪.‬‬

‫و ﺧﻼل اﻟﻘﺮﻧﯿﻦ اﻷﺧﯿﺮﯾﻦ و ﺣﯿﺚ ﻛﺎﻧﺖ أوروﺑﺎ ﺗﺸﮭﺪ ﺑﺪاﯾﺎت اﻟﻨﮭﻀﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ آﻧﺬاك ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن‬

‫ﻣﺴﯿﺤﯿﻲ و دروز و ﺳﻨﺔ ﻟﺒﻨﺎن روﺟﻮا ﻟﻠﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و ﻓﻌﻼ اﻧﺠﺮ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻣﻊ اﻵﺧﺮﯾﻦ ‪ ،‬و ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ‬

‫ﺑﺴﯿﻄﺔ ﻟﻠﺜﻘﻞ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ اﻟﺬي ﻛﺎن ﯾﺘﻤﺤﻮر ﺣﻮﻟﮫ أھﺎﻟﻲ اﻟﺠﻨﻮب اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ ـ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ ـ ﺗﺒﻨﯿﻦ ـ ﺑﻨﺖ‬

‫ﺟﺒﯿﻞ ـ ﺳﺘﺠﺪ أن ﻛﻞ اﻟﻤﺸﺎﻋﺮ اﻷﺧﻮﯾﺔ ﺗﺘﻤﺤﻮر ﺣﻮل "اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" اﻟﺘﻲ ﺑﺪت ﺑﺪﯾﻼ ﻟﻠﺪﯾﻦ اﻟﺬي ﯾﺮﻓﺾ‬

‫اﻷﺧﻮة ﻣﻊ "اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ" ﺣﺴﺐ اﻟﻔﮭﻢ اﻟﺮﺟﻌﻲ ﻟﻠﺪﯾﻦ‪.‬‬

‫و ﻣﻮﻗﻒ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﯿﯿﻦ ﺗﺠﺎه إﺳﺮاﺋﯿﻞ "اﻟﯿﮭﻮد" و اﻟﻐﺮب ‪ ،‬ﻟﻢ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻗﻂ ﻋﻦ ﻣﻮاﻗﻒ اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﯿﯿﻦ و‬

‫ﺣﺘﻰ ﺧﻄﺎﺑﮭﻢ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﻻ ﯾﻜﺎد ﯾﺨﺘﻠﻒ ‪ ،‬ﻋﺪا ﻓﺌﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ "اﻟﻤﻮارﻧﺔ" و "اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ اﻟﺪروز"‬

‫اﻟﺬﯾﻦ ﻛﺎﻧﻮا أﻛﺜﺮ اﻧﻔﺘﺎﺣﺎ ﺗﺠﺎه اﻟﺤﺪاﺛﺔ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ اﻟﺴﯿﺪ ﻣﺤﺴﻦ اﻷﻣﯿﻦ ـ أﺣﺪ زﻋﻤﺎء اﻹﺻﻼح ﻓﻲ‬

‫اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻛﺎﻧﺖ أﻓﻜﺎره ﺗﺘﻤﺤﻮر ﺣﻮل "اﻟﻤﻔﮭﻮم اﻟﻘﻮﻣﻲ" و ﻛﺎن ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ ﻛﻞ اﻟﻤﺤﺎوﻻت‬

‫اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ﻹﺻﻼح اﻟﺸﺮق ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ "ﻣﺆاﻣﺮة اﺳﺘﻌﻤﺎرﯾﺔ" ‪:‬‬

‫ﻗﺎﻟﻮا اﻟﺸﻌﻮب ﻧﻔﻜﱡﮭﺎ ﻣﻦ رﻗﱢﮭﺎ‬

‫ﻛﻼ ﺑﻞ اﺳﺘﻌﺒﺎدَھﺎ ﻗﺪ راﻣﻮا‬

‫ﺑﺎﺳﻢ اﻟﺤﻤﺎﯾﺔ واﻟﻮﺻﺎﯾﺔ ﯾُﺠﺘﺮى‬

‫ﺣﻖٌ ﻟﻜﻢ وﺗﺪوﺳﻜﻢ أﻗﺪامُ‬

‫إن ھﺬه اﻟﻨﻈﺮة اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ "اﻟﺸﻚ" و اﻟﻄﻌﻦ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺸﺮوع ﺳﯿﺎﺳﻲ ﻏﺮﺑﻲ و ﻋﺪم اﻟﻨﻈﺮ إﻟﻰ‬

‫اﻷﻣﻮر ﺑﺄﺳﻠﻮب "ﺑﺮاﻏﻤﺎﺗﻲ" ﻗﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻄﻖ اﻟﺴﺆال ﻋﻦ "اﻟﻤﻨﻔﻌﺔ و اﻟﻀﺮر" ﻓﻲ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ ‪ ،‬و‬

‫ﻃﺒﯿﻌﻲ أن ﺗﻜﻮن اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ ھﻲ اﻟﻘﺒﻮل ﺑﺎﻟﺤﻠﻮل اﻟﺪﻧﯿﺎ و اﻟﻤﺸﺮوع اﻟﺬي ﻛﺎن ﻣﺮﻓﻮﺿﺎ ‪ ،‬و ﻛﺎن‬

‫اﻻﻏﺘﺮاب اﻟﺬي ﯾﻌﯿﺸﮫ "اﻟﻤﺮاﺟﻊ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" ﺑﺼﻔﺔ ﻋﺎﻣﺔ ‪ ،‬ﺳﺒﺒﺎ ﻣﮭﻤﺎ ﻣﻦ اﻷﺳﺒﺎب اﻟﺘﻲ أدت إﻟﻰ ﻏﯿﺎب‬

‫اﻟﺤﺲ اﻟﻮﻃﻨﻲ ـ ﺑﻤﻌﻨﺎه اﻟﺒﺮاﻏﻤﺎﺗﻲ ﻻ اﻟﺸﻌﺎراﺗﻲ ـ ﻟﺪى اﻟﻤﺘﺼﺪي ﻟﻠﻔﺘﻮى ‪ ،‬ﻓﺘﺮى ﻣﺜﻼ ﻟﺒﻨﺎﻧﯿﺎ ﯾﻘﻀﻲ‬

‫ﻓﻲ اﻟﻨﺠﻒ أو ﻛﺮﺑﻼء ﻋﻘﻮدا ﻣﻦ ﻋﻤﺮه ﻟﻠﺒﺤﺚ و اﻟﺪراﺳﺔ ﺛﻢ ﯾﻌﻮد إﻟﻰ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ أو إﻟﻰ ﻟﺒﻨﺎن ﻣﻦ‬

‫ﻏﯿﺮ أن ﯾﺪرك اﻟﺘﺤﻮﻻت اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ و اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ و اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺷﮭﺪھﺎ اﻟﺒﻠﺪ ‪ ،‬و اﻟﻌﻜﺲ ﺻﺤﯿﺢ‬

‫‪ ،‬و اﻷﻣﺮ ﻧﻔﺴﮫ ﯾﺘﻜﺮر ﻣﻊ إﯾﺮان و اﻟﻌﺮاق‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ﻣﻔﮭﻮم اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و اﻟﺬي ﺳﺎد ﺑﯿﻦ ﻓﺌﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺮاﺟﻊ و ﻟﯿﺲ ﻛﻠﮭﻢ و اﻟﻘﺎﺋﻞ‪ :‬ﺣﺎﻛﻢ‬

‫ﻋﺮﺑﻲ أو ﻣﺴﻠﻢ ﻇﺎﻟﻢ ﺧﯿﺮ ﻣﻦ ﺣﺎﻛﻢ إﻧﻜﻠﯿﺰي "ﻛﺎﻓﺮ" ﻋﺎدل" و ھﺬا اﻟﻤﺒﺪأ ﯾﻘﻒ ﺑﺎﻟﻀﺪ ﻣﻦ أُﺳﺲ‬

‫اﻟﺘﺸﯿﻊ ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻧﻼﺣﻆ أن اﻟﻤﺪرﺳﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ "اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﯿﺔ ـ ﺣﺰب اﷲ" أﺧﺬت ﺗﺘﺨﻠﻰ ﻋﻦ ﻣﺒﺎديء اﻟﺘﺸﯿﻊ ‪،‬‬

‫إﻟﻰ ﺣﺪ أن ﻓﻀﻞ اﷲ أﻧﻜﺮ اﺳﺘﺸﮭﺎد اﻟﺰھﺮاء ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﻤﺮ ‪ ،‬و ھﻮ اﻷﻣﺮ اﻟﺬي ﺟﻌﻞ‬

‫ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻌﻤﻤﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻛـ"ﻓﺎﺿﻞ اﻟﻤﺎﻟﻜﻲ" ﯾﺘﮭﻤﻮﻧﮫ ﺑﺎﻟﻀﻼل و اﻟﺨﺮوج ﻋﻠﻰ أﺻﻮل اﻟﻤﺬھﺐ و‬

‫ﻷﺳﺒﺎب أﺧﺮى أﯾﻀﺎ‪.‬‬


‫‪38‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ﺷﯿﻌﺔ ﻟﺒﻨﺎن "اﻟﺨﻂ اﻟﻌﺎم" ﯾﻨﺘﻤﻮن ﻓﻜﺮﯾﺎ ﻟﻤﻨﮭﺞ اﻟﺨﺎﻟﺼﻲ ‪ ،‬و اﻟﺬي ﯾﻜﺮھﮫ ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق‬

‫ﻋﻤﻮﻣﺎ ‪ ،‬ھﺬا اﻟﺨﻂ اﻟﺬي ﯾﺘﺒﻨﻰ ﻣﺒﺪأ "ﻗﻒ ﻣﻊ أﺧﯿﻚ و إن ﻛﺎن ﻇﺎﻟﻤﺎ" ‪ ،‬إن ھﺬا اﻟﺨﻂ اﻟﻌﻨﺼﺮي‬

‫اﻟﻤﺘﻄﺮف ﯾﻤﻜﻦ ﺗﺴﻤﯿﺘﮫ ﺑـ"ﺗﻨﻈﯿﻢ اﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﺸﯿﻌﻲ" ‪ ،‬ﻣﻦ اﻟﻤﻼﺣﻆ أﯾﻀﺎ أن ﻇﺎھﺮة "اﻹﻧﺘﺤﺎرﯾﯿﻦ ـ‬

‫اﻟﻄﯿﺎح" ﻇﮭﺮت ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل أﺳﺎﻣﺔ ﻣﺤﻤﺪ أﺑﻮ ﻧﺤﻞ أﺳﺘﺎذ اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﺑﻜﻠﯿﺔ اﻵداب و‬

‫ﻓﻲ ﺑﺤﺜﮫ اﻟﻤﻌﻨﻮن } اﻟﺤﻜﻢ اﻹﻗﻄﺎﻋﻲ ﻟﻤﺘﺄوﻟﺔ ﺟﺒﻞ‬ ‫اﻟﻌﻠﻮم اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﻓﻲ ﺟﺎﻣﻌﺔ اﻷزھﺮ ـ ﻏﺰة ـ‬

‫ﻋﺎﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﻌﮭﺪ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻲ {‪:‬‬

‫أدت ھﺰﯾﻤﺔ اﻟﻤﺘﺎوﻟﺔ ـ أي اﻟﺸﯿﻌﺔ ـ ﻓﻲ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﯾﺎرون إﻟﻰ ﺳﻘﻮط اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻹﻗﻄﺎﻋﯿﺔ‬

‫اﻷوﻟﻰ ﻓﻲ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ‪ ،‬وإﻟﻰ إﺿﻌﺎف اﻻﺗﺤﺎد اﻟﻌﺎﻣﻠﻲ وﺧﻀﻊ إﻗﻠﯿﻢ ﺟﺒﻞ ﻋﺎﻣﻞ ﻟﺤﻜﻢ اﻟﺠﺰار‬

‫اﻟﻤﺒﺎﺷﺮ‪ ،‬ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﺷﻜّﻞ ﻓﯿﮫ اﻟﺸﯿﺦ ﻓﺎرس ﺑﻦ اﻟﺸﯿﺦ ﻧﺎﺻﯿﻒ اﻟﻨﺼﺎر اﻟﻔﺮق اﻻﻧﺘﺤﺎرﯾﺔ‪ ،‬أو‬

‫اﻟﻌﺼﺎﺑﺎت اﻟﻤﺴﻤﺎة "اﻟﻄﯿﺎح" ﻻﻋﺘﺮاض ﺳﺒﯿﻞ ﺟﻨﺪ اﻟﺠﺰار وﻋﻤﺎﻟﮫ‪ ،‬واﺳﺘﻤﺮ اﻟﺤﺎل ھﻜﺬا ﺣﺘﻰ ﺑﻌﺪ‬

‫وﻓﺎة اﻟﺠﺰار ﺳﻨﺔ ‪1219‬ھـ‪1804/‬م ‪ ".‬اﻟﻤﺼﺪر ص ‪10‬‬

‫ﺷﯿــــﻌﺔ اﻟﻌﺮاق ﻣﻦ ﺣﻜﻢ اﻟﺒﻌﺚ إﻟﻰ اﻟﺘﺤﺮﯾﺮ اﻷﻣـــــﺮﯾﻜــــــﻲ‬

‫ﻻ ﺷﻚ أن اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿﯿﻦ اﻛﺘﺸﻔﻮا ﻣﻨﺬ اﻧﻘﻼب ‪ 1958‬و اﻟﺬي أﻃﺎح ﺑﺎﻟﺤﻜﻢ اﻟﻤﻠﻜﻲ ‪ ،‬أﻧﮭﻢ‬

‫ارﺗﻜﺒﻮا أﻛﺒﺮ ﻏﻠﻄﺔ ﺑﻘﯿﺎﻣﮭﻢ ﺑـ"ﺛﻮرة" ﺿﺪ اﻟﻮﺟﻮد اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﻲ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻓﺮﺻﺔ ذھﺒﯿﺔ ﻟﮭﻢ ﻟﺨﻠﻖ ﺑﻠﺪ‬

‫ﯾﺴﺘﻄﯿﻌﻮن اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ ﻓﯿﮫ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﺳﻘﻮط اﻟﺤﻜﻢ اﻟﻤﻠﻜﻲ ـ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺳﻠﺒﯿﺎﺗﮫ ـ ﻛﺎن ﯾﻤﻠﻚ‬

‫ﺻﻔﺎت دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻟﺒﺮاﻟﯿﺔ ‪ ،‬أﺗﺎح ﻟﻸﺣﺰاب اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ و اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻜﻢ و ﻋﺒﺮ‬

‫اﻷﺳﺎﻟﯿﺐ اﻟﺪﻣﻮﯾﺔ و اﻟﻘﺬرة ‪ ،‬ﻛُﻞ ﻣﻨﮭﻢ ﻛﺎن ﯾﺆﻣﻦ أن اﻟﺤﻜﻢ "اﻟﻤﻄﻠﻖ" ﻣﻦ ﺣﻘﮫ وﺣﺪه ‪ ،‬و ﻣﮭﻤﺎ ﻟﻤﻌﻨﺎ‬

‫ﺻﻮرة "ﻋﺒﺪ اﻟﻜﺮﯾﻢ ﻗﺎﺳﻢ" ﻓﺈﻧﮫ ﯾﺒﻘﻰ ﻣﺜﺎﻻ ﺟﻤﻮدﯾﺎ و ﺷﺨﺼﯿﺔ ﻋﺴﻜﺮﯾﺔ ﻟﻢ ﺗﺴﺎھﻢ ﻓﻲ أي ﻧﺰﻋﺔ‬

‫دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻟﻮﺻﻮل ﺷﺨﺺ ﻋﺴﻜﺮي إﻟﻰ دﻓـّﺔ اﻟﺴﻠﻄﺔ ﺷﺒﮫ إﻋﻼن ﻋﻦ ﻃﺒﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق‬

‫اﻟﺠﻤﮭﻮري "اﻟﺪﻣﻮي اﻟﺘﻮﺗﺎﻟﯿﺘﺎري" ‪ ،‬و إذا أﻣﻌﻨﺖ اﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺘﺴﻠﺴﻞ ﻓﻲ اﻟﺸﺨﺼﯿﺎت اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﺴﻨﻤﺖ ﻣﻨﺼﺐ اﻟﺮﺋﺎﺳﺔ "ﻋﺒﺪ اﻟﻜﺮﯾﻢ ـ ﻋﺒﺪ اﻟﺴﻼم ﻋﺎرف ـ أﺣﻤﺪ ﺣﺴﻦ اﻟﺒﻜﺮ اﻟﺘﻜﺮﯾﺘﻲ ـ ﺻﺪام‬

‫ﺣﺴﯿﻦ اﻟﺘﻜﺮﯾﺘﻲ" ﻃﺒﻌﺎ ﻧﺴﺘﺜﻨﻲ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﻋﺎرف اﻟﺬي ﺗﻼ أﺧﺎه ﺣﯿﺚ أﻧﮫ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ دﻣﻮﯾﺎ أو ﺻﺎﺣﺐ‬

‫ﻃﻤﻮح ﻣﯿﻜﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ‪ ،‬ﺳﺘﺠﺪ أن ھﻨﺎك وﺗﯿﺮة ﺗﺼﺎﻋﺪﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﻨﻒ و اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ‪.‬‬

‫و ﺧﻼل ھﺬه اﻟﺘﺤﻮﻻت ﻛﺎن ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق ﯾﻨﺘﻘﻠﻮن ﻣﻦ ﺳﻲء إﻟﻰ أﺳﻮأ ‪ ،‬و ﻣﻦ اﺿﻄﮭﺎد إﻟﻰ‬

‫اﺿﻄﮭﺎدات ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺤﻮزة اﻟﺴﺒﺐ اﻷﺳﺎس ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺘﺨﻠﻒ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬أي أن ھﺬه‬

‫اﻟﺤﻮزة و اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺔ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺪاء و اﻟﺪواء ﻓﻲ وﻗﺖ واﺣﺪ ‪.‬‬

‫راﺟﻊ ﻣﺜﻼ اﻟﺨﻄﺎب اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻓﻲ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ و ﺑﺪاﯾﺎت اﻟﺤﺮب اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ اﻟﺜﺎﻧﯿﺔ ‪،‬‬

‫ﺳﺘﺠﺪ أن "اﻟﻌﻘﻞ و اﻟﻤﻨﻄﻖ اﻟﺸﯿﻌﻲ" ﯾﻌﯿﺶ ﺣﺎﻟﺔ "اﻟﻌﺎﻃﻔﺔ اﻟﺴﻠﺒﯿﺔ ‪ ،‬و ﻧﻌﻨﻲ ﺑﺬﻟﻚ أن اﻟﻌﺎﻃﻔﺔ اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﺤﻜﻤﺖ ﺑﺸﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق أوﻗﻌﺘﮭﻢ ﻓﻲ ﻣﺄزق ﺗﺎرﯾﺨﻲ ﺧﻄﯿﺮ ‪ ،‬و اﻟﺘﺎرﯾﺦ ﻻ ﯾﺮﺣﻢ أﺣﺪا ﻛﻤﺎ ﺗﻌﻠﻢ ‪ ،‬و ﺑﺪﻻ‬
‫‪39‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﺴﺆال اﻟﺬي ﯾﻄﺮﺣﮫ اﻟﻤﻔﻜﺮون اﻟﻌﺮاﻗﯿﻮن "اﻟﺸﯿﻌﺔ" ‪ :‬ﻟﻤﺎذا ﺗﺮﻛﻨﺎ اﻟﻌﺎﻟﻢ و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺪوﻟﻲ ﺗﺤﺖ‬

‫ﺳﯿﻒ اﻟﺠﻼد" ؟!!‪.‬‬

‫ﻧﻄﺮح اﻟﺴﺆال اﻟﺘﺎﻟﻲ‪ :‬ﻣﺎ اﻟﺬي ﺟﻌﻞ أﻗﻠﯿﺔ ﻻ ﺗﻜﺎد ﺗﺰﯾﺪ ﻋﻦ ‪ %20‬ﺗﺘﺤﻜﻢ ﺑﻤﺼﯿﺮ اﻟـ ‪ % 70‬ﻣﻦ‬

‫اﻟﻌﺮاﻗﯿﯿﻦ ؟! إن ﺣﺎﻟﺔ اﻹﻧﺘﻤﺎء اﻟﻜﺎذب إﻟﻰ اﻷﻣﺔ اﻟﺨﯿﺎﻟﯿﺔ "اﻷﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻛﻤﺎ ﯾﺴﻤﻮﻧﮭﺎ ‪ ،‬ھﻮ اﻟﺬي‬

‫ﺟﻌﻞ اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ "اﻟﺸﯿﺮازي" و "اﻟﺨﺎﻟﺼﻲ ‪ :‬اﻟﺬي ﻛﺎن أﺷﺒﮫ ﺑﺤﺼﺎن ﻃﺮوادة اﻟﺴﻨﻲ داﺧﻞ‬

‫اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺔ" و "اﻷﺻﻔﮭﺎﻧﻲ" ‪ ،‬ﯾﻔﺘﻮن ﺑـ"ﻣﻘﺎوﻣﺔ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﯿﻦ ‪ ،‬و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ اﻟﻜﺎرﺛﯿﺔ ھﻮ إﻏﺮاق‬

‫أﺟﯿﺎل ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻟﺒﺆس و اﻟﺘﺨﻠﻒ "و أﺣﺪ اﻟﻤﺮاﺟﻊ أﻟّﻒ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮان ـ دوﻟﺔ اﻟﻤﻠﯿﺎر ﻣﺴﻠﻢ"‬

‫‪ ،‬ﺑﻞ اﻷﻣﺮ اﻟﻤﺪھﺶ و اﻟﺬي أﺛﺎر ‪ ،‬و ﻻ زال ﯾﺜﯿﺮ اﺳﺘﻐﺮاﺑﻲ ‪ ،‬أن ﻣﺮاﺟﻊ ﻣﺬھﺐ "أھﻞ اﻟﻌﻘﻞ" ـ ﻣﻦ‬

‫ـ أﻓﺘﻮا ﺑﺤﺮﻣﺔ اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ أو ﺣﺘﻰ‬ ‫ﻻ ﻋﻘﻞ ﻟﮫ ﻻ دﯾﻦ ﻟﮫ ‪ ،‬اﻟﺤﺪﯾﺚ اﻟﺬي ﯾﺮوﯾﮫ اﻟﻜﻠﯿﻨﻲ ﻓﻲ اﻟﻜﺎﻓﻲ‬

‫إﻗﺎﻣﺔ اﻹﻧﺘﺨﺎﺑﺎت ـ ﺑﺤﺠﺔ أﻧﮭﺎ ﺗﻤﺖ ﺗﺤﺖ ﻣﺎ أﺳﻤﻮه ﺑﺎﻻﺣﺘﻼل اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﻲ ـ و ﻛﺎن ﻋﻠﯿﮭﻢ "ﻣﻨﻄﻘﯿﺎ" أن‬

‫ﯾﻔﺘﻮا ﺑﺎﻟﻌﻜﺲ ‪ ،‬أي اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ اﻟﻔﻌـّﺎﻟﺔ ﻟﻜﻲ ﻻ ﯾﻔﻘﺪوا ﺣﻘﻮﻗﮭﻢ أو ﻋﺪم اﻟﺴﻤﺎح ﻟﻶﺧﺮﯾﻦ ﺑﺎﻟﺘﻌﺪي ﻋﻠﯿﮭﺎ‬

‫‪ ،‬و ﺑﻔﻌﻞ ھﺬه اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ اﻟﺘﻲ أﺳﺘﻄﯿﻊ أن أﺳﻤﯿﮭﺎ "اﻻﻧﺘﺤﺎر اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ" ‪ ،‬أﺻﺒﺢ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻣﻮاﻃﻨﺎ ﻣﻦ‬

‫اﻟﺪرﺟﺔ اﻟﻌﺎﺷﺮة ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ اﻟﺒﺪء ﺑﻨﻘﺪ ذاﺗﻲ ﺻﺮﯾﺢ ﻟﻜﻲ ﻻ ﺗﻜﺮر ﺗﻠﻚ اﻷﺧﻄﺎء ‪ ،‬و ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ‬

‫أن ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق ﻛﺎدوا ﯾﺮﺗﻜﺒﻮن ذات اﻟﺨﻄﺄ أﺛﻨﺎء اﻟﺘﺤﺮﯾﺮ اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ ﻟﻠﻌﺮاق ‪ ،‬ﺑﻞ إن اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺎت‬

‫ﺳﻜﺘﺖ ﻓﻌﻼ ﻋﻦ أﻓﻌﺎل "ﻣﻘﺘﺪى اﻟﺼﺪر" اﻟﺬي ﻛﺎد ﺑﺴﯿﺎﺳﺎﺗﮫ ﯾﻌﯿﺪ اﻟﻤﻌﺎدﻟﺔ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ‪.‬‬

‫إن ﺗﺎرﯾﺦ ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق ﻻ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﻣﻈﮭﺮه اﻟﻌﺎم ﻋﻦ ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﺸﯿﻌﺔ و ﻣﻮاﻗﻔﮭﻢ ﻓﻲ إﯾﺮان و ﻟﺒﻨﺎن‬

‫و ﺳﻮرﯾﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻔﻜﺮ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻟﻤﻤﺘﺪ ﻣﻦ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﻘﺮن اﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ و ﺣﺘﻰ ﺳﺒﻌﯿﻨﯿﺎت اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ و‬

‫ﻇﮭﻮر "ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺎﻗﺮ اﻟﺼﺪر" ﻛﺄﻛﺒﺮ ﻋﻘﻠﯿﺔ ﺷﯿﻌﯿﺔ ﻃﻮال اﻟﻘﺮون اﻟﺴﺒﻌﺔ اﻷﺧﯿﺮة ‪ ،‬ﯾﺘﺴﻢ ھﺬا اﻟﻔﻜﺮ‬

‫ﺑﻨﺰﻋﺘﮫ "اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ‪ ،‬و ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻟﻐﺔ اﻟﻤﺮاﺟﻊ اﻟﺬﯾﻦ أﺛﺎروا ﺛﻮرة "اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ" ﻟﺘﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﻟﻐﺔ‬

‫أي ﻣﻨﻈﺮ ﻓﻲ "ﺣﺰب اﻟﺒﻌﺚ" اﻟﺬي ﺗﺄﺳﺲ ﻋﺎم ‪ 1947‬م ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن ھﺎﺟﺲ "اﻟﮭﻮﯾﺔ" و‬

‫"اﻻﻧﺘﻤﺎء" و ﻣﻌﺮﻓﺔ "اﻟﺬات" ﺳﺒﺒﺎ ﻓﻲ دﺧﻮل ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق ﺧﺼﻮﺻﺎ و اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻋﻤﻮﻣﺎ ‪ ،‬ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ‬

‫ﻣﻦ اﻻﻏﺘﺮاب اﻟﺬاﺗﻲ و اﻟﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ ﺑﻌﯿﻦ "اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﻤﻀﻄﮭﺪة" ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ ﺗﻘﻮﻗﻊ اﻟﻌﻘﻞ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﻲ و ﻣﯿﻠﮫ إﻟﻰ ردود اﻟﻔﻌﻞ‪.‬‬

‫ﻓﺒﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ھﻨﺎك ﺻﺮاع ھﻮﯾﺎت ﻗﻮﻣﯿﺔ و ﻣﺬھﺒﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﻛﺎن اﻟﻌﻼﻣﺔ "ﻛﺎﺷﻒ اﻟﻐﻄﺎء"‬

‫ﯾﺘﺮدد ﻋﻠﻰ ﻣﺆﺗﻤﺮات "اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ" و "اﻟﻮﺣﺪة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﻤﺰﻋﻮﻣﺔ" ‪ ،‬و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ أن وﻗﻊ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ ﻣﺄزق ﻣﺎ ﻛﺎن اﻟﺨﺮوج ﻣﻨﮫ ﻣﻤﻜﻨﺎ ﻟﻮ ﻻ أﺣﺪاث ‪ 11‬ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ اﻹرھﺎﺑﯿﺔ و اﻟﺘﻲ ﻏﯿﺮت ﻣﻦ‬

‫ﻣﺠﺮى اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ و اﻟﻌﺮاﻗﻲ ﻋﻠﻰ اﻷﺧﺺ ‪ ،‬ﻓﻜﺎن اﻟﻤﺠﺘﮭﺪ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻓﻲ وادٍ و اﻟﻤـُﻘﻠّﺪ "اﻟﺸﯿﻌﻲ‬

‫اﻟﺒﺴﯿﻂ" ﻓﻲ وادٍ آﺧﺮ ‪ ،‬اﻷول ﯾﺒﺤﺚ اﻟﻨﻈﺮﯾﺎت و اﻟﻔﻠﺴﻔﺎت اﻟﻌﺎﻣﺔ و ھﻤﻮم "اﻷﻣﺔ اﻟﻤﺰﻋﻮﻣﺔ" و‬

‫اﻟﺜﺎﻧﻲ ﯾﻌﯿﺶ ھﻢّ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﯿﻮﻣﻲ اﻟﻤﺆﻟﻢ ﻣﻦ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ و ﻓﻘﺮ و ﺣﺮﻣﺎن و ﺣﯿﺎة ﻏﯿﺮ ﻣﻀﻤﻮﻧﺔ‪.‬‬
‫‪40‬‬

‫و ﻟﻘﺪ أدرك "ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺎﻗﺮ اﻟﺼﺪر" ھﺬه اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ و ﻛﺎن أول ﻣﺮﺟﻊ ﺷﯿﻌﻲ ﯾﻨﺘﻘﺪ "اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ‬

‫اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" و ھﻮ اﻷﻣﺮ اﻟﺬي دﻓﻊ ﻧﻈﺎم اﻟﺒﻌﺚ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮري إﻟﻰ ﻗﺘﻠﮫ و ﺷﻘﯿﻘﺘﮫ و ﻣﻦ ﺛﻢ إﺑﺎدة اﻵﻻف ﻣﻦ‬

‫أﻧﺼﺎره و اﻟﻤﺘﻌﺎﻃﻔﯿﻦ ﻣﻌﮫ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﺼﺪر اﻷول أﻧﮫ ﻟﻢ ﯾﻘﻢ ﺑﻨﻘﺪ اﻟﺨﺮاﻓﺔ اﻟﺨﻄﯿﺮة اﻷﺧﺮى‬

‫"اﻷﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" و ﺣﻘﯿﻘﺔ أﻧﮭﺎ ﻻ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ وھﻢ "اﻷﻣﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" ‪ ،‬رﻏﻢ أن ﻧﻘﺪه ﻟﻠﻤﻔﮭﻮم اﻟﻘﻮﻣﻲ‬

‫ﻛﺎن ﺧﻄﻮة ﻣﮭﻤﺔ ﻟﻸﻣﺎم ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﯾﻨﺒﻐﻲ أن ﻧﺬﻛﺮ ﺣﻘﯿﻘﺔ ﻣﮭﻤﺔ أﺧﺮى ‪ ،‬و ھﻲ أن ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺤﻤﺪ ﺻﺎدق‬

‫اﻟﺼﺪر و ھﻮ ﺷﻘﯿﻘﮫ ‪ ،‬ﻣﺜﻞ ﺗﺤﻮﻻ ﺧﻄﯿﺮا ﻧﺤﻮ اﻟﺘﺨﻠﻒ و اﻟﺘﻄﺮف اﻟﻘﻮﻣﻲ اﻟﺪﯾﻨﻲ ﻣﻤﺎ ﺧﻠﻖ أﻛﺜﺮ‬

‫اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﺗﺸﻮھﺎ ﻓﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺦ "اﻟﺘﯿﺎر اﻟﺼﺪري"‪.‬‬

‫ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻵن ھﻲ ﺗﺤﻮﻟﮫ إﻟﻰ ﻣﺠﺮد "آﻟﺔ" ﻹﺷﻌﺎل ﻧﯿﺮان اﻟﻌﻮاﻃﻒ دون أن ﯾﻜﻮن‬

‫ﻟﻠﻌﻘﻞ دور ‪ ،‬أي دور ﻛﺎن ‪ ،‬و ﻻ زاﻟﺖ ﻧﻈﺮﯾﺎت اﻟﻤﺆاﻣﺮة ﺗﺘﺤﻜﻢ ﺑﺎﻟﻤﻼﯾﺔ اﻟﺸﯿﻌﺔ ـ ﻋﺪا اﺳﺘﺜﻨﺎءات‬

‫ھﻨﺎ و ھﻨﺎك ـ و ھﺬا اﻟﺘﯿﺎر اﻟﻤﺘﻄﺮف ﻻ ﯾﻤﺘﻠﻚ ﻣﺎ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ ﺗﺴﻤﯿﺘﮫ ﺑـ"اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ أو اﻷﯾﺪﯾﻮﻟﻮﺟﯿﺔ" ﺣﺘﻰ‬

‫و إن ﻛﺎﻧﺖ أﻛﺜﺮھﺎ ﺗﺨﻠﻔﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺘﯿﺎر ﻛﻠﮫ ﻻ ﯾﻌﺪو ﻛﻮﻧﮫ "ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻋﻮاﻃﻒ" و ﺣﺮﻛﺔ ردود ﻓﻌﻞ و‬

‫ﺗﻜﺮار ﺑﺒﻐﺎﺋﻲ ﻟﻤﻨﺘﺠﺎت اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﻌﺮاﻗﻲ اﻹﯾﺮاﻧﻲ و اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﯾﻤﺜﻞ "ﺗﯿﺎر اﻟﺼﺪر" ـ و اﻟﺬي‬

‫ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﻮاﺣﻲ ﻓﻜﺮه ﻋﻦ ﻃﺮوﺣﺎت اﻟﺼﺪر اﻷول ـ ﺧﻄﺮا ﺣﻘﯿﻘﯿﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺴﺎﺣﺔ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ و‬

‫اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﻟﻠﺘﺸﯿﱡﻊ ﻋﻤﻮﻣﺎ و اﻟﻌﺮاق ﺧﺼﻮﺻﺎ‪.‬‬

‫إن اﻟﺼﺪر اﻷول ﻛﺴﺮ ﺑﻌﺾ اﻟﺤﻮاﺟﺰ اﻟﻨﻔﺴﯿﺔ ﺗﺠﺎه "اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" و ﺗﻮﺟﯿﮫ ﻧﻘﺪ ﻓﻠﺴﻔﻲ إﻟﯿﮭﺎ ‪،‬‬

‫ﻟﻜﻦ أﻓﻜﺎره ﻓﻲ ﺧﻄﻮﻃﮭﺎ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻻ ﺗﺼﻠﺢ ﻟﻠﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و اﻟﻠﺒﺮاﻟﯿﺔ ‪ ،‬ھﺬا إن ﻟﻢ ﻧﻘﻞ أﻧﮭﺎ ﺗﻘﻒ ﺑﺎﻟﻀﺪ ‪،‬‬

‫ﻓﺎﻟﺼﺪر اﻷول ﻛﺎن ﯾﺆﻣﻦ ﺑـ"ﻧﻈﺎم إﺳﻼﻣﻲ ﯾﻘﻮد اﻟﺤﯿﺎة" ‪ ،‬و ﻧﻈﺮة ﺑﺴﯿﻄﺔ إﻟﻰ ﻃﺮوﺣﺎت "آﯾﺔ اﷲ‬

‫ﻛﺎﻇﻢ اﻟﺤﺎﺋﺮي" ﺗﻈﮭﺮ أن ھﺬا اﻟﺨﻂ ﻓﻌﻼ ﯾﺆﻣﻦ ﺑـ"وﻻﯾﺔ ﻓﻘﯿﮫ" ﻣــُـﻘﻨـّـﻌﺔ ‪ ،‬و أن ﺑﺮﻧﺎﻣﺠﮫ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ‬

‫ﻻ ﯾﻌﺪو ﻛﻮﻧﮫ "أﯾﺪﯾﻮﻟﻮﺟﯿﺔ أﺧﺮى" ﻻ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻮﻃﻦ اﻟﻌﺮاﻗﻲ ـ و ھﻮ ﺑﺎﻟﺬات ﻣﺎ ﻋﺎﺷﮫ ﺣﺰب اﻟﺒﻌﺚ‬

‫اﻟﻤﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻌﺮوﺑﺔ و ﻛﺬﺑﺔ اﻟﻮﻃﻦ اﻟﻌﺮﺑﻲ و ﻛﺬﻟﻚ اﻹﺳﻼم اﻟﺴﻨﻲ اﻟﺬي ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺈﺳﻼم ﻣﺨﻠﻮط ﺑﺎﻟﻌﺮوﺑﺔ‬

‫ـ ﻣﻦ ھﻨﺎ و رﻏﻢ أﻧﻨﺎ ﻧﻘﺪّر ﻟﻠﺮﺟﻞ ﻣﻮاﺟﮭﺘﮫ ﻟﻠﺒﻌﺚ اﻹرھﺎﺑﻲ ‪ ،‬إﻻ أن ﻣﻨﮭﺠﮫ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﻗﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ‬

‫اﻟﻌﺎﻃﻔﺔ و رﻓﺾ اﻟﻠﺒﺮاﻟﯿﺔ ﻻ ﺑﻤﻨﻄﻖ ﻓﻠﺴﻔﻲ ﻣﻮﺿﻮﻋﻲ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻋﺒﺮ رﻓﺾ اﻟﺬات "اﻷﻧﺎ اﻟﻤﺴﻠﻢ"‬

‫ﻟﻶﺧﺮ "اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ ‪ +‬اﻟﯿﮭﻮدي ‪ +‬اﻟﻐﺮﺑﻲ"‪.‬‬

‫و ﻣﮭﻤﺎ ﺣﺎوﻟﺖ اﻟﻤﺪرﺳﺔ اﻟﺤﻮزوﯾﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﺗﺠﻤﯿﻞ اﻟﺼﻮرة ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺘﮫ ﺗﺠﺎه "اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ ‪+‬‬

‫اﻟﯿﮭﻮد" إﻻ أﻧﮫ ﻻ ﯾﻌﺪو ﻛﻮﻧﮭﺎ ﺻﻮرة ﺟﻤﯿﻠﺔ إذا ﻣﺎ ﻗﻮرﻧﺖ ﺑﺎﻟﺘﻌﺎﻣﻞ اﻹﺳﻼﻣﻲ "اﻟﺴﻨﻲ" ﺗﺠﺎه اﻷدﯾﺎن‬

‫اﻷﺧﺮى ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﺗﺒﻘﻰ اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺘﮭﺎ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﺑﺎﻵﺧﺮ و ﻣﻨﺘﺠﮫ اﻟﺤﻀﺎري "اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ‬

‫‪ +‬اﻟﻠﺒﺮاﻟﯿﺔ ‪ +‬اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ" ﻋﻼﻗﺔ ﻛﺮاھﯿﺔ و ﺧﻮف و رﻓﺾ ﺳﻠﺒﻲ ‪ ،‬و اﻟﺮﻓﺾ اﻟﺴﻠﺒﻲ ﻧﻌﻨﻲ ﺑﮫ اﻟﺮﻓﺾ‬

‫ﻏﯿﺮ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻄﻖ واﻗﻌﻲ ﺣﻘﯿﻘﻲ‪.‬‬

‫و اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻌﺎﻧﻲ ﻣﻨﮭﺎ اﻟﺤﻮزة اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ھﻮ أن ﻣﺎ ﺣﺼﻞ ﻟﮭﺎ ﻣﻦ اﺿﻄﮭﺎد و ﻗﺘﻞ‬

‫إﺑﺎدة ﺧﻼل اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ اﻟﺜﻠﺚ اﻷﺧﯿﺮ اﻟﺬي ﺣﻜﻢ ﻓﯿﮫ اﻟﺒﻌﺚ ‪ ،‬أدى إﻟﻰ ﺧﺴﺎرة‬
‫‪41‬‬

‫اﻟﺤﻮزة ﺑﻤﺎ ﯾﻌﺎدل ﻛﻞ ﺗﺎرﯾﺨﮭﺎ ‪ ،‬ﻣﻨﺬ ﺗﺄﺳﯿﺴﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻣﻦ و اﻟﺘﺎﺳﻊ اﻟﻤﯿﻼدي ‪ ،‬ﻓﻌﻠﻤﺎء ﻛﺒﺎر‬

‫ﺗﻌﺮﺿﻮا ﻟﻠﻘﺘﻞ و اﻟﺘﺸﺮﯾﺪ و اﻟﻄﺮد ‪ ،‬ﻓﻜﺎن أن وﺟﺪ اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿﻮن أﻧﻔﺴﮭﻢ ﻣﺮﻣﯿﯿﻦ ﻓﻲ أﺣﻀﺎن‬

‫ﺣﻮزة ﻗﻢ و ﻣﺠﺒﺮﯾﻦ ﻋﻠﻰ ﺗﺒﻨﻲ ﻣﻨﮭﺠﮭﺎ ‪ ،‬ﺷﺎءوا أم أﺑﻮا ‪ ،‬و إﻟﻰ أن ﯾﺘﺤﺮر اﻟﻌﻘﻞ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻟﻌﺮاﻗﻲ‬

‫ﻣﻦ ﺛﻘﺎﻓﺔ اﻟﻤﻨﻔﻰ و اﻟﺸﺘﺎت ‪ ،‬ﻻ ﺑُﺪّ ﻟﮫ ﻣﻦ وﻗﺖ و ﺻﺒﺮ‪.‬‬

‫ﻣﻦ ﺣﺴﻦ ﺣﻆّ اﻟﺸﯿﻌﺔ ‪ ،‬أن أﺣﺪاث ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ اﻹرھﺎﺑﯿﺔ ﺟﺎءت ﻟﮭﻢ ﺑﺎﻟﻔﺮج و ﺑﻔﺮﺻﺔ ﺗﺎرﯾﺨﯿﺔ ﻹﻋﺎدة‬

‫ﺻﯿﺎﻏﺔ اﻟﺘﺎرﯾﺦ ﻓﻲ ﻗﺎﻟﺐ ﺟﺪﯾﺪ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻟﺴﻮء ﻃﺎﻟﻌﮭﻢ أﯾﻀﺎ ‪ ،‬أن ھﻨﺎك دوﻟﺔ اﺳﻤﮭﺎ "إﯾﺮان" ﺗﻄﻌﻨﮭﻢ‬

‫ﻓﻲ اﻟﻈﮭﺮ و ﺗﺤﺮّك ﺑﻌﺾ اﻷﻃﺮاف اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ ﺑﻤﺎ ﯾﻨﺎﻗﺾ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ ﺑﺎﺗﺠﺎه‬

‫اﻟﻌﺪاء و اﻻﺻﻄﺪام ﻣﻊ اﻟﻐﺮب ‪ ،‬و ھﻲ اﻟﻔﺮﺻﺔ اﻟﺘﻲ ﻃﺎﻟﻤﺎ اﻧﺘﻈﺮھﺎ اﻟﻤﻌﺴﻜﺮ اﻟﺨﺎﺳﺮ ﻓﻲ ﺣﺮب‬

‫ﺗﺤﺮﯾﺮ اﻟﻌﺮاق ‪ 2003‬م ‪ ،‬أﻻ و ھﻢ اﻟﻌﺮب اﻟﺴﻨﺔ ‪ ،‬اﻟﺬﯾﻦ ﻗﺎﻣﻮا ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﺑﻤﺪ "ﻣﻘﺘﺪى اﻟﺼﺪر" و ﺗﯿﺎره‬

‫اﻟﺘﺨﺮﯾﺒﻲ اﻟﻔﻮﺿﻮي ﺑﺎﻟﻤﺎل و اﻟﺴﻼح ‪ ،‬و اﻟﺘﻲ أﻇﮭﺮت ﻋﻠﻰ أرض اﻟﻮاﻗﻊ ﺗﺤﺎﻟﻒ "اﻟﺘﻨﺎﻗﻀﺎت"‬

‫ﺑﻮﺟﮫ اﻟﻤﺪّ اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﻗﺎم "ﻣﻘﺘﺪى" ﺑﺈﺷﻌﺎل ﻓﺘﻨﺔ ﻣﻊ اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي‬

‫ﻛﺎن اﻟﺠﯿﺶ اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ ﯾﺴﺘﻌﺪ ﻟﻼﻧﻘﻀﺎض ﻋﻠﻰ إرھﺎﺑﯿﻲ اﻟﻔﻠﻮﺟﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ إن "ﻣﻘﺘﺪى" اﻓﺘﺨﺮ ﻓﻲ إﺣﺪى‬

‫ﺧﻄﺐ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﺑـ"اﺣﺪاث ‪ 11‬ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ" اﻹرھﺎﺑﯿﺔ ‪ ،‬ﻣﻌﺘﺒﺮا إﯾﺎھﺎ ﻋﻤﻼ ﺑﻄﻮﻟﯿﺎ "ﻋﺎﻣﻲ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق‪:‬‬

‫اﻟﺴﻔﯿﺮ ﺑﻮل ﺑﺮﯾﻤﺮ ‪ ،‬اﻟﻤﺼﺪر"‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﺈن اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﯾﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺣﺎﻟﺔ ﺗﺄزم ذاﺗﯿﺔ ﺗﻨﻄﻮي ﻋﻠﻰ ﺧﻄﻮرة ﻓﻌﻠﯿﺔ ﻣﻦ‬

‫ﺣﯿﺚ اﺳﺘﺨﺪام أدوات رﺟﻌﯿﺔ ﻓﻲ وﻗﺖ أﺣﻮج ﻣﺎ ﯾﻜﻮن ﻓﯿﮫ اﻟﺸﯿﻌﺔ إﻟﻰ اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺣﻠﻔﺎء و أﺻﺪﻗﺎء‬

‫ﯾﻤﻜﻨﮭﻢ اﻟﻤﺴﺎﻋﺪة ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن اﻟﻘﺎﻋﺪة و ﺗﻨﻈﯿﻤﺎت "آل ﺳﻌﻮد" أﻋﻠﻨﺘﮭﺎ ﺣﺮﺑﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻋﻤﻮﻣﺎ‬

‫و اﻟﻌﺮاﻗﯿﯿﻦ ﻣﻨﮭﻢ ﺧﺼﻮﺻﺎ ‪ ،‬و ﻣﺎ ﺣﺪث ﻣﻦ ﻣﺬاﺑﺢ اﻧﺘﺤﺎرﯾﺔ ﻣﻨﺬ ‪ 2003‬م و ﻟﺤﺪ اﻵن ھﻮ أﻛﺒﺮ دﻟﯿﻞ‬

‫‪ ،‬ﻣﻊ ﻣﻼﺣﻈﺔ أن ھﺬا اﻷﻣﺮ ﯾﺤﺪث ﻣﻊ ﺷﯿﻌﺔ اﻟﮭﻨﺪ و ﺑﺎﻛﺴﺘﺎن ﻣﻨﺬ أﻣﺪ ﻃﻮﯾﻞ‪.‬‬

‫إنّ اﻟﺘّﺸﻮﯾﮫ اﻟﺒﺸﻊ ﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺘﺸﯿﻊ و اﻟﺬي ﻗﺎم ﺑﮫ ﻣﻌﻤّﻤﻮا "ﻗُﻢ" و "ﻃﮭﺮان" ﺧﻼل اﻟﻨﺼﻒ اﻟﺜﺎﻧﻲ‬

‫ﻟﻠﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ و ﻟﺤﺪ اﻵن ‪ ،‬أﺛّﺮ ﺳﻠﺒﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺪور اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻟﻌﺮاﻗﻲ ‪ ،‬ﺣﯿﺚ رﺳﺦ اﻹﯾﺮاﻧﯿﻮن ﻓﻲ‬

‫ﻧﻔﻮس اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ ﻣﻌﻤّﻤﻲ اﻟﻌﺮاق ﻣﻔﺎھﯿﻢ "اﻟﺼﺮاع" و "اﻟﺠﺒﮭﺔ اﻟﺪاﺧﻠﯿﺔ" و "اﻟﺠﺒﮭﺔ اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ" و‬

‫ﻋﻘﻠﯿﺔ "اﻟﻤﻘﺎوﻣﺔ" و "ﻛﺮاھﯿﺔ اﻟﺤﺪاﺛﺔ" ‪ ،‬ﻓﻤﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ ﻟﻠﺪارس ﺗﺒﯿﻦ أوﺟُﮫ اﻟﺘﺸﺎﺑﮫ ﺑﯿﻦ اﻟﺒﺮﻧﺎﻣﺞ‬

‫اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬ھﺬا إن ﻛﺎن ھﻨﺎك أيﱡ ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ أﺻﻼ !! ﺑﯿﻦ "اﻟﺘﯿﺎر اﻟﺼﺪري" و "ﺣﺰب اﻟﺪّﻋﻮة" و‬

‫"اﻟﻤﺠﻠﺲ اﻷﻋﻠﻰ ﻟﻠﺜﻮرة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ـ ﺟﻤﺎﻋﺔ اﻟﺤﻜﯿﻢ" و ﺑﯿﻦ اﻷﯾﺪﯾﻮﻟﻮﺟﯿﺔ اﻟﻌﺪاﺋﯿﺔ "ﻋﻘﻠﯿﺔ‬

‫اﻟﺼﺮاع" و "دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" اﻟﺘﻲ ﺗﺮوج ﻟﮭﺎ ﻋﻤﺎﺋﻢ ﻃﮭﺮان‪.‬‬

‫ﺻﺤﯿﺢ أن ﺑﻌﻀﺎ ﻣﻦ اﻷﺣﺰاب اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﺗﺮاﺟﻌﺖ ﻋﻦ ﻧﻈﺮﯾﺎت اﻹﺳﻼم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ و إن‬

‫ﺑﺸﻜﻞ ﻏﯿﺮ ﻛﻠﻲ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أﯾﻀﺎ أن اﻟﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﺤﻜﯿﻢ و اﻟﺪﻋﻮة ﺟﻌﻠﺘﮭﻢ‬

‫ﯾﺴﻠّﻤﻮن ﺑﺎﻟﻮاﻗﻊ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﻌﺮاﻗﻲ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻌﺪدﯾﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ و اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ ‪ ،‬و ﻣﻦ ذﻟﻚ ﻣﺸﺎرﻛﺔ‬

‫"اﻟﺴﯿﺪ اﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ـ رﺋﯿﺲ اﻟﻮزراء اﻟﻌﺮاﻗﻲ و ھﻮ ﻣﻦ ﺟﻤﺎﻋﺔ اﻟﺪﻋﻮة" ﻓﻲ ﺣﻔﻞ ﺗﻀﻤﻦ رﻗﺼﺎت ﺑﺎﻟﯿﮫ‬
‫‪42‬‬

‫ﻷﺣﺪ ﻣﺪارس اﻷﻃﻔﺎل ‪ ،‬و ھﻲ ﺧﻄﻮة ـ ﻋﻠﻰ ﺻﻐﺮھﺎ ـ ﻧﺤﻮ اﻟﻔﮭﻢ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻻھﺘﻤﺎم‬

‫اﻟﺪﻛﺘﻮر اﻟﺠﻌﻔﺮي ـ رﺋﯿﺲ اﻟﻮزراء اﻟﺴﺎﺑﻖ و ھﻮ أﯾﻀﺎ ﻣﻦ اﻟﺪﻋﻮة ـ ﺑﺎﻟﻨﻤﻮذج اﻟﺘﺮﻛﻲ اﻟﺤﺎﻟﻲ ‪،‬‬

‫ﺗﻌﺎﯾﺶ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻣﻊ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ ‪ ،‬دﻟﯿﻼ و رﺳﺎﻟﺔ واﺿﺤﺔ ﻟﻮاﺷﻨﻄﻦ و اﻟﻐﺮب ﻋﻠﻰ أن ﺣﺰب‬

‫اﻟﺪﻋﻮة ـ ﺗﺤﺪﯾﺪا ـ و اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿﻮن ﻋﻤﻮﻣﺎ ‪ ،‬ﻣﺴﺘﻌﺪون ﻟﻠﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن رﻓﺾ اﻟﺪﻛﺘﻮر‬

‫اﻟﺠﻌﻔﺮي ﻓﻲ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ وﺻﻒ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ "إﻟﺤﺎد" و رﻓﻀﮫ ﺟﻌﻞ اﻹﺳﻼم ﺣﺠﺔ‬

‫ﻟﺮﻓﺾ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬دﻟﯿﻼ و إﺷﺎرة أُﺧﺮى ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺤﻮﻻت‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻢ أﯾﻀﺎ أن ﺗﻘﻮم اﻟﺤﻮزة و اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺎت اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ آﯾﺔ اﷲ اﻟﺴﯿﺴﺘﺎﻧﻲ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﻤﺰﯾﺪ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻀﻐﻮط ﻋﻠﻰ ﺟﻤﺎﻋﺘﻲ "اﻟﺤﻜﯿﻢ" و "ﻣﻘﺘﺪى" ﻟﻮﻗﻒ ﻋﻤﻠﯿﺎت "أﺳﻠﻤﺔ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ" ‪ ،‬و ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﺆﺳﻒ ﺣﻘﺎ أن ﻣﺎدة "اﻹﺳﻼم ھﻮ اﻟﺪﯾﻦ اﻟﺮﺳﻤﻲ ﻟﻠﻌﺮاق" ﺣﺸﻲ ﺣﺸﻮا ﻓﻲ اﻟﺪﺳﺘﻮر اﻟﻌﺮاﻗﻲ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ‬

‫ﯾﻌﻨﻲ أن ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻔﺮد ﻓﻲ اﺧﺘﯿﺎر ﻋﻘﯿﺪﺗﮫ ﻣﮭﺪدة ‪ ،‬ﻓﻼ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺟﻌﻞ اﻟﻔﺮد ﺣﺮا ﻓﻲ أن ﯾﺆﻣﻦ أو ﻻ ﯾﺆﻣﻦ‬

‫‪ ،‬و ﺑﻤﺠﺮد أن ﻧﺒﺪأ ﺑﻮﺿﻊ اﻟﻌﻮاﺋﻖ أﻣﺎم اﻟﻔﺮد ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﻌﻮاﺋﻖ ﺳﺘﺘﺮاﻛﻢ ﺑﻤﺮور اﻟﻮﻗﺖ و ﻧﻌﻮد إﻟﻰ‬

‫ﻧﻘﻄﺔ اﻟﺼﻔﺮ ‪ ،‬و ھﺬا اﻟﻤﺒﺪأ اﻟﺨﺎﻃﻲء "ﻓﺮض اﻟﺪﯾﻦ ﺑﺎﻹﻛﺮاه" ﯾﺘﻨﺎﻓﻰ ﻣﻊ ﻛﻞ اﻷدﯾﺎن و اﻟﻌﻘﺎﺋﺪ ‪،‬‬

‫ﺧﺼﻮﺻﺎ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ‪.‬‬

‫ﻋﻠﻰ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ أن ﯾﻔﮭﻤﻮا أن اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺠﺮد اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت و ﺣﻜﻢ أﻏﻠﺒﯿﺔ ﻓﻘﻂ ‪ ،‬ﺑﻞ‬

‫ﯾُﻀﻢ إﻟﻰ ذﻟﻚ ﺿﻤﺎن اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﻔﺮدﯾﺔ و ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻤﻌﺘﻘﺪ و ﺗﻐﯿﯿﺮ اﻟﺪﯾﻦ ـ أﻣﺎ ﺣﺪّ اﻟﺮدة ﻓﮭﻮ ﻣﻦ ﺑﺪع‬

‫اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ اﻷول ـ و ﻣﻌﻠﻮم أن آﯾﺔ "ﻻ إﻛﺮاه ﻓﻲ اﻟﺪﯾﻦ" ھﻲ ﻣﺪﻧﯿﺔ و ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أن ﺗﻜﻮن ﻣﻨﺴﻮﺧﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ‬

‫أن ﻣﻦ ﻣﺼﻠﺤﺔ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻗﺒﻞ ﻏﯿﺮھﻢ ‪ ،‬ﺗﻮﻓﯿﺮ ﺟﻮ ﻣﻦ اﻟﺤﺮﯾﺔ ‪ ،‬و اﻟﻤﻌﻠﻮم أن اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻛﺎن ﯾﻨﺘﻌﺶ ﻓﻲ‬

‫ﻇﻞ اﻟﺤﺮﯾﺔ ‪ ،‬و ﺑﺪون اﻟﺤﺮﯾﺔ ﻓﺈن اﻻﺿﻄﮭﺎد ﻻ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﺑﺎﺧﺘﻼف اﻟﻌﻨﺎوﯾﻦ ‪ ،‬ﻷن اﻟﻤﻀﻤﻮن واﺣﺪ‪.‬‬

‫اﻟﺸــﯿﻌﺔ و اﻟﺪﯾﻤــــﻘﺮاﻃــــﯿﺔ ‪.‬‬

‫ﻣﻦ ﺧﻼل ﻣﺎ ﺗﻘﺪم ﯾﺘﺒﯿﻦ ﻟﻨﺎ أن ھﻨﺎك ﻣﺆﺷﺮات ﻣﺘﺒﺎﯾﻨﺔ ﺑﺸﺄن ﻣﺎ إذا ﻛﺎن اﻟﺸﯿﻌﺔ ﺳﯿﻘﻮﻣﻮن ﺑﺘﻄﺒﯿﻖ‬

‫"اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ" ﻛﺨﯿﺎر واﻗﻌﻲ و ﺗﻘﺒﱡﻞ ﻋﻘﺎﺋﺪي ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ھﻨﺎك ﻧﻘﻄﺔ ﻣﮭﻤﺔ ﯾﺠﺐ أن ﺗﺘﻮﻓﺮ ﻓﻲ اﻟﻌﻘﯿﺪة‬

‫و اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ اﻟﺸﯿﻌﯿﯿﻦ ﻟﯿﻨﺠﺢ اﻟﺨﯿﺎر اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪ ،‬أﻻ و ھﻮ اﻟﺘﺴﺎﻣﺢ اﻟﺪﯾﻨﻲ‪:‬‬

‫"‪"Toleration‬‬

‫و ھﻮ اﻷﻣﺮ اﻟﺬي ﻗﺎم اﻟﻐﺮﺑﯿﻮن ﺑﺘﻄﺒﯿﻘﮫ ﻣﻨﺬ اﻟﻘﺮن اﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋﺸﺮ و ﻇﮭﻮر اﻹﺻﻼح اﻟﺪﯾﻨﻲ اﻟﺬي‬

‫ﻗﺎده ﻣﺎرﺗﻦ ﻟﻮﺛﺮ و ﺗﻠﻤﯿﺬه "ﻛﺎﻟﻔﻦ" و ﺗﺮﺳﺦ ﻣﺪرﺳﺔ اﻟﻌﻘﻼﻧﯿﺔ‪:‬‬

‫"‪"Rationalism‬‬

‫اﻟﺘﻲ ﺧﻠﻘﺖ ﻣﻦ اﻟﻐﺮب أﻗﻮى ﺣﻀﺎرة ﻓﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺦ ‪ ،‬و ھﻨﺎ ﻻ ﻣﺠﺎل ﻷي ﻣﺤﺎﺟﺠﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ‬

‫اﻟﻤﻌﻤﻤﯿﻦ و اﻷﺻﻮﻟﯿﯿﻦ ﻟﻠﻘﻮل ﺑﺄن اﻟﻐﺮب ﻟﯿﺲ ﻣﺘﺪﯾﻨﺎ و أﻧﮫ أﺻﺒﺢ ﺑﻔﻌﻞ ھﺬه اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ "ﺣﻀﺎرة‬

‫ﻣﻠﺤﺪة" و ﺗﻘﻒ ﺑﺎﻟﻀﺪ ﻣﻦ اﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬ذﻟﻚ أﻧﮫ ﻻ ﻣﺠﺎل ﻧﮭﺎﺋﯿﺎ ﻷي دﯾﻦ ﻗﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻹﻛﺮاه ‪ ،‬و ﻣﻦ ذﻟﻚ‬
‫‪43‬‬

‫ﻧﺠﺪ أن ﺟﻤﺎﻋﺔ اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ و ﻣﺎ ﯾﺴﻤﻰ ﺑـ"ﺣﺰب اﷲ" ﺗﻘﻒ ﺑﺎﻟﻀﺪ ﻣﻦ اﻟﻤﻌﻤﻤﯿﻦ اﻟﺬﯾﻦ ﯾﺆﻣﻨﻮن‬

‫ﺑﺎﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ أو ﺣﺘﻰ ﺑﺎﻟﻨﻈﺮﯾﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻻ ﻣﻜﺎن ﻟﻠـ"وﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ﻓﯿﮭﺎ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ ھﻮ واﺿﺢ ﻣﻦ‬

‫ﻣﻮﻗﻔﮭﻢ ﻣﻦ آﯾﺔ اﷲ اﻟﺴﯿﺴﺘﺎﻧﻲ أو اﻟﻤﻨﺘﻈﺮي و اﻟﺒﺮوﺟﺮدي و اﻟﺸﯿﺮازي و ﺣﺘﻰ اﻟﻤﺪرﺳﻲ اﻟﺬي‬

‫ﺗﻌﺮض ﻟﻤﻀﺎﯾﻘﺎت ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻓﻲ إﯾﺮان‪.‬‬

‫و ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ وﻗﻔﺔ ﺣﻮزوﯾﺔ ﺣﻘﯿﻘﺔ إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻔﺮد ﻓﻲ إﺧﺘﯿﺎر دﯾﻨﮫ و أﻓﻜﺎره و‬

‫ﺣﺘﻰ أﺳﻠﻮب ﺣﯿﺎﺗﮫ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﻣﺒﺪأ "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ﻻ ﺑﺪ و أن ﯾﺤﺬف ﻣﻦ ﻗﺎﻣﻮس اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺸﯿﻌﻲ و‬

‫ﯾﺴﺘﺒﺪل ﺑﺎﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ اﻟﺬي ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ "اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ اﻟﻤﺆﻣﻨﺔ" اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻤﻲ اﻟﺪﯾﻦ و ﺗﻮﻓﺮ ﻟﮫ اﻟﺤﺮﯾﺔ ﻓﻲ‬

‫اﻻﻋﺘﻨﺎق و إﻗﺎﻣﺔ اﻟﻄﻘﻮس و اﻟﺸﻌﺎﺋﺮ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ‪ ،‬و ﯾﺠﺐ أن ﯾﺘﻢ ھﺬا اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ﺑﺎﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻟﺴﻠﻤﯿﺔ اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ‬

‫ﻛﺎﻟﻤﻈﺎھﺮات و اﻹﺿﺮاب و ﻧﺸﺮ روح اﻟﺘﺴﺎﻣﺢ و اﻹﺧﺎء ‪ ،‬ﻟﯿﺲ ﺑﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ و اﻟﺴﻨﺔ و ﺣﺴﺐ "ﻛﻤﺎ‬

‫ھﻮ ﻋﺎدة اﻟﻨﻈﺎم اﻹﯾﺮاﻧﻲ اﻟﺬي ﯾﺮوج ﻟﻠﻮﺣﺪة ﻓﻲ إﯾﻄﺎرھﺎ اﻟﺪﯾﻨﻲ اﻟﻀﯿﻖ" ﺑﻞ و ﺣﺘﻰ اﻟﺘﺴﺎﻣﺢ و‬

‫اﻷﺧﻮة ﻣﻊ "اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ" و اﻷھﻢ ﻣﻊ "اﻟﯿﮭﻮد" و ﺳﺎﺋﺮ اﻷدﯾﺎن و اﻟﻤﺬاھﺐ ‪ ،‬ﻛـ"اﻟﺒﮭﺎﺋﯿﺔ" و‬

‫"اﻷﺣﻤﺪﯾﺔ اﻟﻘﺎدﯾﺎﻧﯿﺔ" و ﺣﺘﻰ اﻟﻤﻠﺤﺪﯾﻦ و اﻟﻼ دﯾﻨﯿﯿﻦ "ﻓﻤﻦ ﻛـﻔﺮ ﻓﻌﻠﯿﮫ ﻛﻔﺮه" ‪ ،‬و ﺑﺪون ھﺬا ﻻ ﯾﺘﻢ‬

‫اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ اﻟﺤﻘﯿﻘﻲ ‪ ،‬و ﻛﻞ اﻟﻜﻼم اﻟﺬي ﯾﺮوﺟﮫ اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ و ﺧﻄّﮫ ﻋﻦ "ﺣﺮﯾﺔ" و "ﻛﺮاﻣﺔ" و "اﺳﺘﻘﻼل"‬

‫اﻷﻣﺔ ھﻮ ﺛﺮﺛﺮة ﻻ أﻛﺜﺮ و ﻟﯿﺲ ﻟﮭﺎ أي ﺣﻆ ﻣﻦ اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ‪.‬‬

‫ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬و اﻟﻮﺟﻮد اﻟﺸﯿﻌﻲ ﺟﺰء ﻣﻦ ھﺬا اﻟﺸﺮق ‪ ،‬أﻧﮫ ﻟﻢ ﯾﺴﺘﻄﻊ اﻟﻮﺻﻮل إﻟﻰ‬

‫ﻓﮭﻢ دور اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﺤﺪاﺛﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ ھﻮ ﻓﻲ اﻟﻐﺮب ‪ ،‬و اﻟﻤﺼﯿﺒﺔ أن دﻋﺎﺗﻨﺎ و ﻣﻼﻟﯿﻨﺎ‬

‫"ﺷﯿﻌﺔ و ﺳﻨﺔ" ﯾﻘﻮﻣﻮن ﻓﻲ اﻟﻐﺮب ﺑﺎﻟﺪﻋﻮة و اﻟﺘﺮوﯾﺞ ﻟﻤﺎ ﯾﺆﻣﻨﻮن ﺑﮫ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﯾﻤﻨﻊ ﻓﻲ اﻟﺪول‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ و اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ "و أﻧﺎ أﺗﺤﻔـّﻆ ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻹﺳﻼم اﻟﺮﺳﻤﻲ ذو اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ اﻟﻮاﺣﺪ" ﯾﻤﻨﻊ اﻟﺪﻋﻮة ﻷي‬

‫دﯾﻦ آﺧﺮ أو اﻟﺘﺒﺸﯿﺮ ﺑﮫ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ إن ﺣﺪث ذﻟﻚ ﻓﮭﻮ ﯾﺘﻢ ﺗﺤﺖ رﻗﺎﺑﺔ ﻣﺸﺪدة ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻄﺔ و اﻟﻤﺆﺳﺴﺔ‬

‫اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ اﻟﺮﺳﻤﯿﺔ‪.‬‬

‫و ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻧﺠﺪ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﯾﺘﺤﺪﺛﻮن ﻋﻦ "اﺿﻄﮭﺎد اﻟﻤﺸﺮﻛﯿﻦ ﻟﻠﻤﺴﻠﻤﯿﻦ" و اﻟﻤﻤﺎرﺳﺎت اﻟﻼ إﻧﺴﺎﻧﯿﺔ‬

‫اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﻮا ﯾﺘﻌﺮﺿﻮن ﻟﮭﺎ ﻓﻲ ﺻﺪر اﻹﺳﻼم ‪ ،‬و ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺤﺪﺛﻨﺎ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻋﻦ ﻛﻞ ﺣﻤﻼت اﻟﻘﺘﻞ و‬

‫اﻻﺿﻄﮭﺎد و اﻹﺑﺎدة اﻟﺘﻲ ﺗﻌﺮﺿﻮا ﻟﮭﺎ ‪ ،‬ﺛﻢ ﻧﺠﺪھﻢ ﯾﻘﻮﻣﻮن اﻵن و ﻋﻠﻰ أرض اﻟﻮاﻗﻊ ﺑﺎﺿﻄﮭﺎد‬

‫اﻷدﯾﺎن أو "اﻟﻤﺮﺗﺪﯾﻦ"!! و ﻣﻦ ﯾﻐﯿﺮ دﯾﻨﮫ ؟!! ﻧﺴﺄﻟﮭﻢ‪ :‬ﻟﻤﺎذا ﻛﺎن اﻻﺿﻄﮭﺎد أﻣﺮا ﻣﺬﻣﻮﻣﺎ ھﻨﺎ و‬

‫ﻣﻤﺪوﺣﺎ دﯾﻨﯿﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﺎﻟﯿﺔ اﻟﺘﺎﻟﯿﺔ ؟!! اﻷﻛﯿﺪ أن ﻻ أﺣﺪ ﯾﻤﺘﻠﻚ اﻟﺠﻮاب ‪ ،‬و اﻟﺠﻮاب اﻟﻮﺣﯿﺪ ھﻮ ﺗﻄﺒﯿﻖ‬

‫"اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ و ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﻌﻘﺎﺋﺪﯾﺔ"‪.‬‬

‫إن ﺣﻮار "اﷲ" ﻣﻊ "اﻟﺸﯿﻄﺎن" ﻓﻲ ﺳﻮرة اﻟﺒﻘﺮة ‪ ،‬ﯾﺸﻜﻞ إﺣﺪى اﻟﻨﻘﺎط اﻟﻤﮭﻤﺔ ﻟﺮﺳﻢ ﻓﻠﺴﻔﺔ دﯾﻨﯿﺔ‬

‫ﺗﺠﻌﻞ اﻹﺳﻼم "و اﻟﺸﯿﻌﺔ ﺟﺰء ﻣﮭﻢ ﻣﻦ ھﺬا اﻟﻤﻜﻮن" ﻓﻲ وﻓﺎق و اﻧﺴﺠﺎم ﻣﻊ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ‬

‫اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﻌﻠﻤﻨﺔ ﺧﺼﻮﺻﺎ و أﻧﮫ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺄن "اﻟﻤﮭﺪي ـ اﻹﻣﺎم اﻷﺧﯿﺮ‬

‫اﻟﻐﺎﺋﺐ و اﻟﺬي ﺳﯿﻌﻮد ﻣﻊ اﻟﻤﺴﯿﺢ" ھﻮ وﺣﺪه اﻟﺬي ﯾﻤﻠﻚ ﺣﻖ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻷﺣﻜﺎم "اﻟﻨﻈﺎم ـ اﻟﺴﻠﻄﺔ" و‬
‫‪44‬‬

‫أﻧﮫ ﻻ ﺟﮭﺎد أو ﻣﺒﺎدرة ﺑﺎﻟﺤﺮب ﻣﺎ دام اﻹﻣﺎم اﻟﻐﺎﺋﺐ ﻟﯿﺲ ھﻮ ﻣﻦ ﯾﺤﻜﻢ ‪ ،‬و أﻋﺘﻘﺪ أﻧﮫ ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻨﻘﻄﺔ‬

‫ﺗﺤﺪﯾﺪا ﯾﻠﺘﻘﻲ اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻣﻊ "اﻟﯿﮭﻮدﯾﺔ" و "اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ" ‪ ،‬و ﺣﻘﯿﻘﺔ أﻧﮫ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻠﺸﯿﻌﻲ ﻛﻔﺮد أن ﯾﻌﻮد إﻟﻰ‬

‫اﻷﺻﻞ ﻓﻲ اﻟﺘﺸﯿﻊ و ﯾﻠﻐﻲ "اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻟﻤﺼﻄﻨﻊ" اﻟﺬي ﺻﻨﻌﮫ ﺟﯿﻞ "ردود اﻟﻔﻌﻞ" اﺑﺘﺪاءا ﻣﻦ اﻟﺴﯿﺪ‬

‫اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ ـ و ھﻮ ﻏﯿﺮ ﻣﻌﺼﻮم ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﯿﺪ ـ و اﻧﺘﮭﺎءا ﺑﺎﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ و ﻓﻀﻞ اﷲ‪.‬‬

‫إن اﻟﺪﯾﻦ "ﻛﻤﺠﻤﻮﻋﺔ ﻋﻘﺎﺋﺪﯾﺔ" ﯾﺒﻘﻰ ﺷﯿﺌﺎ و ﻣﻮﺿﻮﻋﺎ ﻣﺮﺗﺒﻄﺎ ﺑﺎﻟﻔﺮد "اﻟﻨﻔﺲ" و ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻗﺒﻮل أو‬

‫رﻓﺾ ھﺬه اﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﻌﻘﺎﺋﺪﯾﺔ ھﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ "ﻗﻨﺎﻋﺔ ﺷﺨﺼﯿﺔ" و ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻷﺣﺪ اﻟﺘﺤﻜﻢ ﺑﮭﺎ "ﻟﺴﺖ‬

‫ﻋﻠﯿﮭﻢ ﺑﻤﺴﯿﻄﺮ" و ﻣﻦ ھﻨﺎ ﯾﺠﺐ ﺗﺮك اﻟﻨﺎس أﺣﺮارا ﻓﻲ أن ﯾﺆﻣﻨﻮا أو ﻻ ﯾﺆﻣﻨﻮا ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ ﻋﺪم‬

‫ﺗﻨﺎﻗﺾ "اﻹﺳﻼم" ﻣﻊ "اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ" و ﺗﻘﺒﻠﮫ "ﻟﻠﺤﺪاﺛﺔ" ‪ ،‬و ﺣﻘﺎ ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﺘﻮى "اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺨﻤﯿﻨﻲ" ﺿﺪ‬

‫اﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﻲ "ﺳﻠﻤﺎن رﺷﺪي" و ﺗﺤﻠﯿﻠﮫ ﻗﺘﻠﮫ ‪ ،‬ﺳﺎﺑﻘﺔ ﺧﻄﯿﺮة ﻓﻲ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬إذ ﻟﻢ ﯾﺴﺒﻖ‬

‫ﻟﻤﺮﺟﻊ ﺷﯿﻌﻲ ‪ ،‬ﻻ ﻗﺪﯾﻤﺎ و ﻻ ﺣﺪﯾﺜﺎ ‪ ،‬أن أﺻﺪر ﻓﯿﮭﺎ ﻓﺘﻮى ﺗﮭﺪر دم ﺷﺨﺺ ﻣﻌﯿﻦ ﺑﺴﺒﺐ رأي رآه‪.‬‬

‫ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ‪ ،‬اﻧﺘﻘﻞ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻣﻦ ﻛﻮﻧﮭﻢ "ﺿﺤﯿﺔ ﻓﺘﺎوى" ‪ ،‬ﻛﻤﺎ ﺣﺪث ﻣﻊ اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻷول و اﻟﺜﺎﻧﻲ ‪ ،‬إﻟﻰ‬

‫ﻣﺮﺣﻠﺔ "اﻟﺒﺎﺑﻮﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" اﻟﺘﻲ ﺗﺒﯿﺢ ﻗﺘﻞ اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس اﻟﺮأي و اﺧﺘﻼف اﻟﻤﺬھﺐ ‪ ،‬و ﻣﻦ‬

‫اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ﻓﺈن ھﺬه اﻟﻔﺘﻮى "اﻟﺴﯿﺌﺔ اﻟﺴﻤﻌﺔ" أﻋﺎدت إﻟﻰ أذھﺎﻧﻨﺎ ﻋﺼﻮر اﻟﻈﻼم و ﺧﻠﻂ اﻟﺪﯾﻦ ﺑﺎﻟﺴﻠﻄﺔ‬

‫‪ ،‬و ﻣﻦ ﻣﻠﻚ اﺳﺘﺄﺛﺮ ‪ ،‬و ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ أن ﯾﻨﻈﺮ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻌﯿﻦ اﻻﺣﺘﺮام إﻟﻰ اﻟﺘﺸﯿﻊ و اﻟﺸﯿﻌﺔ ‪،‬‬

‫أﻇﮭﺮت ھﺬه اﻟﻔﺘﻮى و ﻛﺄن "اﻟﺘﺸﯿﻊ" ﻟﯿﺲ إﻻ ﻧﺴﺨﺔ أﺧﺮى ﻣﻦ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺴﻨﻲ ‪ ،‬و أﻧﮫ ﻻ ﯾﺘﻘﺒﻞ‬

‫اﻟﺮأي اﻵﺧﺮ و ﻏﯿﺮ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﻄﻮرأو اﻟﺘﻌﺎﯾﺶ ‪ ،‬ﻓﺎﻧﺘﻘﻠﻨﺎ ﻣﻦ ﻣﺬھﺐ "ﯾﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ اﻻﺿﻄﮭﺎد" إﻟﻰ ﻣﺬھﺐ‬

‫ﯾﻘﻮم ﺑﺎﻻﺿﻄﮭﺎد‪.‬‬

‫ّـﯿــــــﻌﺔ و اﻹﻧﺘــــــــــــــــﺤــــــــــــــــﺎرﯾﻮن‬
‫اﻟﺸ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﻌﺮوف ‪ ،‬ﺗﺎرﯾﺨﯿﺎ ‪ ،‬أن "ﺧﻂّ اﻹﻣﺎم" و "ﺣﺰب اﷲ" ﻗﺪ ﺗﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﻇﺎھﺮة "اﻹﻧﺘﺤﺎرﯾﯿﻦ"‬

‫اﻟﺬﯾﻦ ﺗﻌﺎﻧﻲ ﻣﻨﮭﻢ اﻷﻏﻠﺒﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﻓﻤﮭﻤﺎ ﺣﺎول اﻟﻤُﻨﻈّﺮون ﺗﺒﺮﯾﺮ ﻣﺎ روج ﻟﮫ "ﺣﺰب‬

‫اﷲ" ﺑﺤﺠﺔ أن ﻋﻤﻠﯿﺎﺗﮭﻢ "اﻹﻧﺘﺤﺎرﯾﺔ" ﺿﺪ اﻹﺳﺮاﺋﯿﻠﯿﯿﻦ و اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﯿﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﻢ ﺿﺪّ "ﻗﻮات‬

‫ﻋﺴﻜﺮﯾﺔ"!! ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮭﺎ و ﺑﻼ ﺟﺪال أوﺣﺖ إﻟﻰ اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻟﻄﺎﺋﻔﯿﺔ اﻟﺴﻨﯿﺔ "اﻟﻘﺎﻋﺪة" و أذﯾﺎﻟﮭﺎ ‪ ،‬أن ﺗﻘﻮم‬

‫ﺑﻘﺘﻞ اﻟﻌﺮاﻗﯿﯿﻦ ـ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻋﻠﻰ وﺟﮫ اﻟﺨﺼﻮص ـ ﺑﮭﺬه اﻟﻄﺮﯾﻘﺔ اﻟﺒﺸﻌﺔ اﻟﻐﺪارة ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﻋﻠﯿﻨﺎ أن ﻻ‬

‫ﻧﻨﺴﻰ "أﺣﺪاث ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ" اﻷﻟﯿﻤﺔ و اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﺒﺎرة ﻋﻦ "ﻋﻤﻠﯿﺔ اﻧﺘﺤﺎرﯾﺔ ﺿﺨﻤﺔ" ‪ ،‬و ﺻﺤﯿﺢ أن‬

‫ﺗﻠﻔﺰﯾﻮن "اﻟﻤﻨﺎر" اﻟﺘﺎﺑﻊ ﻟﺤﺰب اﷲ ﻟﻢ ﯾﻌﺪ ﯾﺮوج ﻟﻌﻤﻠﯿﺎﺗﮫ اﻻﻧﺘﺤﺎرﯾﺔ و ﻏﺎﺑﺖ وﺟﻮه اؤﻟﺌﻚ اﻟﺬﯾﻦ‬

‫ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻘﻨﺎة ﺗﻌﺮﺿﮭﻢ ﻛـ"ﻣﺴﺎﻓﺮﯾﻦ إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺔ"!!‪.‬‬

‫ﻟﻜﻦ اﻹﻋﻼم اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﻻ زال ﯾﺮوج ﻋﺒﺮ أﻓﻼم اﻟﻜﺎرﺗﻮن و اﻟﻤﺴﻠﺴﻼت ﻟﻌﻤﻠﯿﺎت "اﻹﻧﺘﺤﺎر" ‪ ،‬و‬

‫أﺣﺪ ھﺬه اﻟﻤﺴﻠﺴﻼت ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺪور ﻋﻦ ﻗﺼﺔ ﻓﺘﺎة ﻓﻠﺴﻄﯿﻨﯿﺔ ﺻﻐﯿﺮة ‪ ،‬ﯾﻘﻮم ﺿﺎﺑﻂ إﺳﺮاﺋﯿﻠﻲ ﺑﺴﺮﻗﺔ‬

‫ﻋﯿﻨﯿﮭﺎ ﻹﺑﻨﮫ اﻷﻋﻤﻰ و ﯾﻌﯿﺪ اﻟﻔﺘﺎة و ھﻲ ﻋﻤﯿﺎء ‪ ،‬ﻓﯿﻐﻀﺐ أﺧﻮھﺎ ـ و ﻣﺎ أﺳﺮع اﻟﻤﺘﺪﯾﻦ اﻟﻤﺴﻠﻢ إﻟﻰ‬

‫اﻟﻐﻀﺐ ـ و ﯾﻘﻮم ﺑﺘﻔﺠﯿﺮ ﻧﻔﺴﮫ ﺑﯿﻦ اؤﻟﺌﻚ اﻟﻀﺒﺎط اﻧﺘﻘﺎﻣﺎ ﻷﺧﺘﮫ‪.‬‬


‫‪45‬‬

‫إن ھﺬه اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻞ اﻟﻤﺮء ﺳﺮﯾﻌﺎ ﻓﻲ ﺗﻔﺠﯿﺮ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬ھﻲ ﻓﻌﻼ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺧﻄﺮة و ﻻ ﺗﺤﻤﻞ أي‬

‫ﻣﯿﺰة ﺷﺠﺎﻋﺔ أو رﺟﻮﻟﺔ ـ ﻛﻤﺎ ﯾﺤﺐ اﻟﺸﺮﻗﻲ أن ﯾﻔﺘﺨﺮ ـ و ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أن ﻧﻘﺎرن ھﺬا اﻟﻌﻤﻞ "اﻟﻮﺻﻮل‬

‫اﻟﺴﺮﯾﻊ إﻟﻰ اﷲ ـ ﺣﺴﺐ ﺗﻌﺒﯿﺮ أﺣﺪ اﻟﻜـُﺘـّﺎب" ﺑﻤﺎ ﯾﻘﻮم ﺑﮫ ﺟﻨﺪي أو ﻣﺤﺎرب ﯾﺪاﻓﻊ ﻋﻦ ﺑﻠﺪه أو ﻗﻀﯿﺔ‬

‫ﻣﻌﯿﻨﺔ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ أﻗﺮب إﻟﻰ اﻟﮭﺮوب ﻣﻦ آﻻم اﻟﻤﻌﺮﻛﺔ و ﻣﺎ ﯾﺘﺮﺗﺐ ﻋﻨﮭﺎ ﻣﻦ ﺗﺸﻮه أو ﻋﻮق‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ﻋﻠﻰ ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق أن ﯾﻘﻮﻣﻮا ﻋﺒﺮ اﻟﺜﻘﻞ اﻟﻜﺒﯿﺮ ﻟﻠﻤﺮﺟﻌﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﺑﺈﺻﺪار‬

‫ﻓﺘﺎوى ﺻﺮﯾﺤﺔ "ﺗﺤﺮّم اﻹﻧﺘﺤﺎر" اﻟﻤﺒﺮر و ﻏﯿﺮ اﻟﻤﺒﺮر ‪ ،‬و أﯾﻀﺎ اﻟﻀﻐﻂ ﻋﻠﻰ اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ﻹﻟﻐﺎء‬

‫ھﺬه اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻣﻦ ﺑﯿﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ ‪ ،‬ﺻﺤﯿﺢ أﻧﮫ ﻻ ﺷﯿﻌﻲ ﻓﺠﺮ ﻧﻔﺴﮫ ـ ﻟﺤﺪ اﻵن ـ ﻓﻲ دوﻟﺔ ﻏﺮﺑﯿﺔ أو أﻧﺎسِ‬

‫ﻣﺪﻧﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﺎ ﺗﻘﻮم ﺑﮫ اﻟﺴﻠﻄﺎت اﻟﺮوﺣﯿﺔ ﻓﻲ إﯾﺮان و اﻟﺤﻮزات ﻓﻲ ﻗﻢ و ﻃﮭﺮان ﻣﻦ ﺗﺸﺠﯿﻊ ﻟﮭﺬا‬

‫اﻷﺳﻠﻮب اﻹرھﺎﺑﻲ ‪ ،‬ھﻮ ﺿﺎر ﺑﺎﻟﺸﯿﻌﺔ أﻧﻔﺴﮭﻢ و ﻏﯿﺮ ﻻﺋﻖ أﺧﻼﻗﯿﺎ‪.‬‬

‫ﺑﻞ إن أﻓﻼم اﻟﻜﺎرﺗﻮن اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ "و ھﻲ ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﯿﺪ ﻣﻮﺟﮭﺔ ﻟﻸﻃﻔﺎل" ﺗﺸﻜﻞ داﻓﻌﺎ ﺧﻄﯿﺮا ﻟﺨﻠﻖ ﺟﯿﻞ‬

‫ﻏﯿﺮ ﻣﻨﻀﺒﻂ و ﺧﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺠﺘﻤﻌﮫ و اﻟﻌﺎﻟﻢ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ وﺟﺐ اﻟﻌﻮدة إﻟﻰ ﺻﯿﻎ اﻟﺘﺸﯿﻊ اﻷﺻﯿﻠﺔ و اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ "اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻤﺴﺎﻟﻢ" و اﻟﺬي ﻻ ﯾﺆذي أﺣﺪا ‪ ،‬و ﯾﺮوي اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ ﻛﺘﺒﮭﻢ ﺣﺪﯾﺜﺎ ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫"اﻟﻤﺴﻠﻢ ﻣﻦ ﺳﻠﻢ اﻟﻨـﺎس ﻣﻦ ﯾﺪه و ﻟﺴﺎﻧﮫ" و ﺻﯿﻐﺔ ھﺬا اﻟﺤﺪﯾﺚ ﺗﺘﻼﺋﻢ ﻣﻊ اﻟﺘﻄﻮر اﻷﺧﻼﻗﻲ ﻟﻺﻧﺴﺎﻧﯿﺔ‬

‫‪ .‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﯾﺮوﯾﮫ اﻟﺴﻨّـﺔ ﺑﺎﻟﺼﯿﻐﺔ اﻟﺘﺎﻟﯿﺔ ‪":‬اﻟﻤﺴﻠﻢ ﻣﻦ ﺳﻠﻢ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻣﻦ ﯾﺪه و ﻟﺴﺎﻧﮫ"!!‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ ﻗﻠﺖ ﻓﻲ ﺣﻠﻘﺎت ﺳﺎﺑﻘﺔ ﻣﻦ ھﺬا اﻟﺒﺤﺚ ‪ ،‬ﺷﻜﻠﺖ اﻟﺜﻮرة اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ و ﺑﻜﻞ ﻣﻘﻮﻣﺎﺗﮭﺎ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ و‬

‫اﻟﺜﻘﺎﻓﯿﺔ ‪ ،‬اﻧﺘﻜﺎﺳﺔ ﺧﻄﯿﺮة ﻟﻤﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺘﺸﯿﻊ ‪ ،‬و ﺗﺤﻮﻻ دراﻣﺎﺗﯿﻜﯿﺎ ﻧﺤﻮ اﻷﺳﻮأ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻔﺘﺮض‬

‫ﺣﺪوث اﻟﻌﻜﺲ ‪ ،‬ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻨﺘﻈﺮ أن ﺗﻘﻒ اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺔ ﻓﻲ إﯾﺮان ﻣﻊ "ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﻘﯿﺪة" و اﻟﺴﻠﻢ اﻷھﻠﻲ و‬

‫ﻧﺸﺮ اﻟﺘﺸﯿﻊ ﻋﺒﺮ "اﻟﻜﻠﻤﺔ" و "اﻟﻜﻠﻤﺔ ﻓﻘﻂ" و ﻃﺮق اﻟﺪﻋﻮة اﻟﻤﺘﻮﻓﺮة ﻓﻲ ﺟﻤﯿﻊ اﻟﺒﻠﺪان اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪،‬‬

‫و اﻟﻘﯿﺎم ﺑﺤﻤﻼت ﺛﻘﺎﻓﯿﺔ ﺿﺨﻤﺔ ﻣﻦ ﺗﺒﺎدل أﻓﻜﺎر و ﺧﺒﺮات و ﺧﺪﻣﺔ ﻣﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ أﺻﺒﺤﺖ‬

‫ﻣﻘﻠﻮﺑﺔ اﻵن ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﯾﻘﻮم ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺻﻐﯿﺮة ﻣﻦ اﻟﻤﻌﻤﻤﯿﻦ ﺑﺎﺣﺘﻜﺎر ﻛﻞ ﺷﻲء و ﻛﻞ ﯾﻮم ﯾﻘﻮم ھﺆﻻء‬

‫ﺑﺄﻓﻌﺎل ﺗﺴﻲء إﻟﻰ اﻟﺘﺸﯿﻊ و ﺑﺄﺑﺸﻊ اﻷﺳﺎﻟﯿﺐ ‪ ،‬ﺗﺎرة ﻋﺒﺮ ﺧﻠﻖ "ﺗﺪﯾﻦ ﻓﺎﺷﻲ" و ﺗﺎرة "ﻋﺒﺮ ﺗﺒﻨﻲ‬

‫اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" أو ﺑﺎﻟﺘﺮوﯾﺞ ﻟﻺﻧﺘﺤﺎر اﻟﻘﺎﺗﻞ و اﻹرھﺎﺑﻲ ﻛﻤﺎ رأﯾﻨﺎ ﻓﻲ ھﺬه اﻟﺨﻼﺻﺔ‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻢ ﺟﺪا إذن أن ﯾﻨﺘﺒﮫ اﻟﺸﯿﻌﺔ إﻟﻰ أن ﻣﺎ ﯾﺤﺼﺪوﻧﮫ اﻟﯿﻮم ھﻮ ﻧﺘﺎج إﯾﺮان اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ اﻟﺘﻲ أﺳﺎءت‬

‫إﻟﻰ اﻟﺘﺸﯿﻊ و ﺟﻌﻠﺘﮫ داﻓﻌﺎ ﻟﻤﺘﻄﺮﻓﻲ اﻟﺴﻨﺔ ﻟﯿﺴﺘﺨﺪﻣﻮا اﻵن ‪ ،‬ذات اﻷﺳﺎﻟﯿﺐ اﻟﻘﺬرة ‪ ،‬ﻟﻘﺘﻞ اﻟﺸﯿﻌﺔ‬

‫اﻟﻌﺮاﻗﯿﯿﻦ ‪.‬‬

‫أﻋﺘﻘﺪ أﻧﻨﺎ ﻃﺮﺣﻨﺎ ﻛﺜﯿﺮا ﻣﻦ اﻟﻨﻘﺎط اﻟﺠﺪﯾﺪة اﻟﺠﺪﯾﺮة ﺑﺎﻟﺒﺤﺚ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﺒﺎﺣﺜﯿﻦ و اﻟﻜﺘّﺎب ‪ ،‬إن إﻋﺎدة‬

‫أي دﯾﻦ أو ﻣﺬھﺐ إﻟﻰ أﺻﻮﻟﮫ اﻟﻘﺎدرة ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻌﺎﯾﺶ ﻣﻊ اﻟﺤﻀﺎرة و اﻟﺘﻄﻮر و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﮭﻮ ﻣﻦ‬

‫أﺻﻌﺐ اﻟﻤﮭﺎت ﻋﻠﻰ اﻹﻃﻼق ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺿﻤﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﻤﺸﻜﻼت ھﻮ ﺗﻌﺎﻣﻞ "اﻟﻔﺮد اﻟﺸﯿﻌﻲ" ﻣﻊ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ‬

‫اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ و اﻟﻌﺼﺮﯾﺔ ‪ ،‬ﻓﻨﺤﻦ ﻧﺠﺪ رﻓﻀﺎ ﺷﯿﻌﯿﺎ ـ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﻨﺨﺒﺔ اﻟﻤﻌﻤّﻤﺔ و اﻟﻤﺘﺪﯾﻨﺔ ـ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮن‬

‫اﻟﻤﺪﻧﻲ و اﻟﻤﺤﺎﻛﻢ اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﻋﻠﻰ أﺳﺎس أﻧﮭﺎ ﻣﻦ "اﻟﺘﺤﺎﻛﻢ إﻟﻰ اﻟﻄﺎﻏﻮت" ﺣﺴﺐ اﻵﯾﺔ اﻟﻘﺮاﻧﯿﺔ‬
‫‪46‬‬

‫)ﯾﺮﯾﺪون ﻟﯿﺘﺤﺎﻛﻤﻮا إﻟﻰ اﻟﻄﺎﻏﻮت( ‪ ،‬ﻣﺘﻨﺎﺳﯿﻦ أن ھﺬا اﻷﻣﺮ أﯾﻀﺎ داﺧﻞ ﻓﻲ اﻻﺧﺘﯿﺎر اﻟﺸﺨﺼﻲ ‪،‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن اﻟﻄﺎﻏﻮت ھﻨﺎ ھﻮ )ھﻮى اﻟﺴﻠﻄﺎن( أو )اﻟﻄﺎﻏﯿﺔ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮر( و ﻟﯿﺲ اﻟﻤﺴﺎواة ﺑﯿﻦ اﻟﺒﺸﺮ ‪ ،‬و‬

‫ھﻮ ﻣﻔﮭﻮم إﻧﺴﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺻﻤﯿﻢ اﻟﺪﯾﺎﻧﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪.‬‬

‫و ﻧﺤﻦ ھﻨﺎ ﺿﺮﺑﻨﺎ ھﺬا اﻟﻤﺜﻞ ﻟﻠﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﻮاﺿﯿﻊ اﻟﺘﻲ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺿﺮورﯾﺔ ﻟﻠﺒﺤﺚ و اﻟﺪراﺳﺔ ‪ ،‬إن‬

‫اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" اﻟﺘﻲ ﺧﻠﻘﮭﺎ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺴﻨﻲ اﻟﻌﺮوﺑﻲ أﺻﺒﺤﺖ ﺧﻄﺮا ﻛﺒﯿﺮا ﺑﺴﺒﺐ اﻧﺘﻘﺎل ھﺬه‬

‫اﻟﻌﺪوى إﻟﻰ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻟﺬي ﯾﻌﺎﻧﻲ اﻵن ﻣﻦ "اﻏﺘﺮاب" ﻋﻦ اﻟﺬات اﻷﺻﻮﻟﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺠﺪ ﻧﻔﺴﮭﺎ‬

‫ﻓﻲ ﺗﻨﺎﻗﺾ ﻣﻊ اﻟﻮاﻗﻊ و اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ ‪ ،‬ﺗﺤﻮل "اﻟﺘﺸﯿﻊ" ﻓﻲ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ "اﻟﺜﻮرة اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ" إﻟﻰ داﻓﻊ آﺧﺮ‬

‫ﻟﻠﻌﻨﻒ و اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ و ﻟﻐﺔ اﻟﻜﺮاھﯿﺔ ‪ ،‬و رأﯾﻨﺎ ﻛﯿﻒ ھﺪد "ﺣﺰب اﷲ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ" ﺑﺨﻠﻖ ﻣﺎ ﯾﺸﺒﮫ "ﺗﻨﻈﯿﻢ‬

‫اﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﺸﯿﻌﻲ"!! اﻷﻣﺮ اﻟﺬي ﯾﻌﻨﻲ أﻧﻨﺎ ﻧﻜﺎد ﻧﻔﻘﺪ اﻷﻣﻞ ﻓﻲ ﻋﻼج ھﺬه اﻟﺤﺎﻟﺔ "ﺣﺰب اﷲ" و أن‬

‫اﻟﺴﺮﻃﺎن ﻗﺪ ﻻﻣﺲ اﻟﻨﺨﺎع‪.‬‬

‫و ﻻ ﺑﺪ أﯾﻀﺎ ﻣﻦ ﻣﺮاﺟﻌﺔ ﺷﯿﻌﯿﺔ ﻟﻠﮭﻮﯾﺘﯿﻦ "اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" و "اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ" ﻣﻊ إﻟﻐﺎء ﻣﺎ ﯾﺴﻤﻰ "اﻟﮭﻮﯾﺔ‬

‫اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" ﻛﻤﻨﮭﺞ ﺳﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬و ﻛﯿﻔﯿﺔ اﻟﻤﻼﺋﻤﺔ ﺑﯿﻦ "ﺗﻘﻠﯿﺪ اﻟﻤﺮﺟﻊ" و "اﻹﻧﺘﻤﺎء اﻟﻮﻃﻨﻲ" ‪ ،‬و ﻓﻌﻼ ﻓﻘﺪ‬

‫ﺧﻠﻘﺖ "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ھﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ﺧﻠﻼ ﻓﻲ ﺗﺮﻛﯿﺒﺔ اﻟﻔﺮد و اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ داﺧﻞ و ﺧﺎرج‬

‫إﯾﺮان ‪ ،‬و ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ھﺬه اﻹزدواﺟﯿﺔ ﻓﻲ اﻹﻧﺘﻤﺎء ﻣﻮﺟﻮدة ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ إﯾﺮان دوﻟﺔ "ﻋﻠﻤﺎﻧﯿﺔ" ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮭﺎ‬

‫ﺧﺮﺟﺖ إﻟﻰ اﻟﺴﻄﺢ ﺑﻌﺪ "اﻟﺜﻮرة" و ﻣﺤﺎوﻻت ﺗﺼﺪﯾﺮھﺎ و ﻛﺄﻧﮭﺎ ﺑﻀﺎﻋﺔ ﻣﻌﻠّﺒﺔ‪.‬‬

‫ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﻓﻚ و ﺗﺤﻠﯿﻞ ھﺬه اﻟﺘﻨﺎﻗﻀﺎت و إزاﻟﺔ ﻋﻘﺪة اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﻨﻘﺺ ﻟﺪى "اﻟﺸﯿﻌﻲ" اﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻠﮫ‬

‫ﺻﺎﺣﺐ ردود أﻓﻌﺎل أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻛﻮﻧﮫ "ﻣﺜﺎﻻ و ﻧﻤﻮذﺟﺎ ﯾﺤﺘﺬى ﺑﮫ" ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻧﺠﺪ أن أﻛﺜﺮ ﻣﺎ ﺗﻨﺘﺠﮫ‬

‫اﻟﺤﻮزات ھﻮ ردود أﻓﻌﺎل أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻛﻮﻧﮭﺎ ﻓﮭﻤﺎ ﺷﯿﻌﯿﺎ ﻟﻠﻘﺮآن و اﻹﺳﻼم‪.‬‬

‫اﻹﺳﻼم و اﻹرھﺎب ‪ ..‬إﻟﻰ أﯾﻦ؟!‬

‫ﺗﻌﺘﺒﺮ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻹﺳﻼم "ﻛﺪﯾﻦ" و أﻋﻤﺎل اﻟﻌﻨﻒ ‪ ،‬ﻣﻦ ذﺑﺢ و ﺗﻔﺨﯿﺦ و ﻗﺘﻞ ‪ ،‬أﺣﺪ أھﻢ اﻟﻤﻮاﺿﯿﻊ اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﺤﻈﻰ ﺑﺎھﺘﻤﺎم اﻟﻐﺮب و ﻣﺆﺳﺴﺎﺗﮫ اﻟﺤﻀﺎرﯾﺔ ‪ ،‬اﻟﻤﻌﺎھﺪ و اﻟﺠﺎﻣﻌﺎت و ﻣﺮاﻛﺰ اﻟﺪراﺳﺎت ‪ ،‬و ﻛﻮاﺟﺐ‬

‫أﺧﻼﻗﻲ ﻓﺈن ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻗﺒﻞ ﻏﯿﺮھﻢ اﻻﻟﺘﻔﺎت إﻟﻰ ﺧﻄﻮرة اﻻﺳﺘﻐﻼل اﻟﺬي ﯾﺘﻌﺮض ﻟﮫ اﻟﺪﯾﻦ‬

‫ﻟﻠﻮﺻﻮل إﻟﻰ أھﺪاف ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ أو ﻣﺎدﯾﺔ‪.‬‬

‫و ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻢ ھﺎ ھﻨﺎ اﻻﺳﺘﻔﺎدة ﻣﻦ اﻟﻤﺼﺎدر اﻟﻌﻘﺎﺋﺪﯾﺔ و اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ ﻟﻔﻚ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻹﺳﻼم "ﻛﺪﯾﻦ و‬

‫ﻓﻜﺮة" و ﺑﯿﻦ اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ اﻟﺒﺸﺮي ﻟﻺﺳﻼم ‪ ،‬و ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ اﻵن ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ اﻟﻤﺰﯾﺞ اﻟﻤﻌﻘﺪ‬

‫ﺑﯿﻦ اﻹﺳﻼم "اﻟﺘﻘﻠﯿﺪي اﻟﻌﻨﺼﺮي" و ﻧﻈﺮﯾﺎت اﻟﺴﻠﻔﯿﺔ اﻟﺠﺎھﺰة "ﺳﻨﯿﺔ ﻛﺎﻧﺖ أم ﺷﯿﻌﯿﺔ" و ﺗﺴﺨﯿﺮ اﻟﻨّﺺ‬

‫اﻟﻤﻘﺪس ﻟﺘﻄﺒﯿﻖ ھﺬه اﻟﺮؤﯾﺎ اﻟﺮﺟﻌﯿﺔ ﻋﻠﻰ أرض اﻟﻮاﻗﻊ و ﻣﻦ ﺛﻢ ﺟﺮّ اﻟﻮاﻗﻊ ﺑﺤﯿﺚ ﯾﻼءم اﻟﻔﮭﻢ‬

‫اﻟﻤﻄﺮوح ﺣﻮل اﻟﻨﺺ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﻣﻼﺋﻤﺔ اﻟﻨﺺ ﻟﻠﻮاﻗﻊ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﯾُﻌﺒﺮ اﻟﻜﺎﺗﺐ‬

‫اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ "ﺗﻮﻣﺎس ﻓﺮﯾﺪﻣﺎن" ﻋﻦ اﺳﺘﻐﺮاﺑﮫ ﻣﻦ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﺬي ﺧﺮج ﻓﻲ ﻣﻈﺎھﺮات ﻣﻠﯿﻮﻧﯿﺔ‬

‫"ﻣﻦ أﺟﻞ رﺳﻮﻣﺎت ﻛﺮﺗﻮﻧﯿﺔ" ﻧﺎﻟﺖ ﻣﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﺎﺑﻊ ھﺆﻻء اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن أﻧﻔﺴﮭﻢ ﺟﺮاﺋﻢ اﻹﺑﺎدة‬

‫ـ اﺳﺘﺸﮭﺪ اﻟﻜﺎﺗﺐ ھﻨﺎ ﺑﺎﻟﺴﯿﺎرة اﻟﻤﻔﺨﺨﺔ اﻟﺘﻲ أوﻗﻌﺖ ﻋﺸﺮات اﻟﻄﻼب ﻓﻲ اﻟﺠﺎﻣﻌﺔ‬ ‫اﻟﻄﺎﺋﻔﯿﺔ‬

‫اﻟﻤﺴﺘﻨﺼﺮﯾﺔ و ﺗﻔﺠﯿﺮ اﻧﺘﺤﺎري ﺳﻨّﻲ اﺳﺘﮭﺪف ﻣﺴﺠﺪا ﺷﯿﻌﯿﺎ ـ "و ﻗﺪ ﺳﺒﻖ ﻟﻲ أن ﻗﻤﺖ ﺑﻤﻘﺎرﻧﺔ ﻛﮭﺬه ﻓﻲ‬
‫‪47‬‬

‫ﻣﻘﺎﻟﻲ ﻛﺎرﯾﻜﺎﺗﯿﺮ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ" و ھﺬا ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ أن وزن اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻘﺮن اﻟـ ‪ 21‬ھﻮ‬

‫‪ %0‬و إﻓﻼﺳﺎ ﺣﻀﺎرﯾﺎ‪.‬‬

‫و ﻟﻠﺨﺮوج ﻣﻦ ھﺬه اﻷزﻣﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺴﺒﺒﮭﺎ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻷﻧﻔﺴﮭﻢ و ﻟﻐﯿﺮھﻢ ‪ ،‬و ﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ﻧﻤﻂ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﻘﺎﺑﻊ ﻓﻲ ﻋﺒﺎدة اﻟﺬّات اﻟﺨﺎوﯾﺔ أو اﻟﻌﺪﯾﻤﺔ اﻟﻘﯿﻤﺔ ‪ ،‬ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺗﻮﻓﯿﺮ اﻷدوات اﻟﻼزﻣﺔ ﻟﻤﺮاﺟﻌﺔ‬

‫اﻟﺬاﻛﺮة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ و اﻟﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﺑﻌﯿﻦ اﻟﻨﻘﺪ و اﻟﺘﻤﺤﯿﺺ‪.‬‬

‫ﻓﺈﺣﻘﯿﻘﺔ‪،‬ﯾﺔ ﺗﻔﺴﯿﺮ اﻹﺳﻼم و ﻣﺎھﯿﺘﮫ ھﻲ ﻣﻦ أﺻﻌﺐ اﻟﻤﻮاﺿﯿﻊ اﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﯾﻘﻮم ﺑﮭﺎ أي ﺑﺎﺣﺚ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ‬

‫ﻓﻲ ﻇﻞ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎت و أﻧﻈﻤﺔ ﻻ ﺗﻔﮭﻢ ﺷﯿﺌﺎ ﻣﻦ ﺗﻌﺪد اﻟﺮأي و ﺣﺮﯾﺔ اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻐﺮب ﻧﺠﺢ ﻓﻲ ﻓﺘﺢ ﻛﻞ‬

‫أﺟﻮاء اﻟﺒﺤﺚ و ﻟﻢ ﯾﺘﺮك أي ﻣﺴﺎﺣﺔ ﻓﻜﺮﯾﺔ أو ﻣﻮﺿﻮﻋﺎ ﺧﺎرج اﻟﺒﺤﺚ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ وﻓـّﺮ اﻟﻔﺮﺻﺔ اﻟﻜﺎﻓﯿﺔ‬

‫ﻟﻺﺻﻼح اﻟﺪﯾﻨﻲ ‪ ،‬و ﻛﺎﻧﺖ ﺑﺪاﯾﺔ اﻹﺻﻼح اﻟﺪﯾﻨﻲ ھﻲ ﻧﻔﺴﮭﺎ اﻟﺨﻄﻮة اﻷوﻟﻰ ﻟﺘﻌﺎﯾﺶ اﻟﺪﯾﻦ ﻣﻊ ﺗﻌﺪد‬

‫اﻵراء‪.‬‬

‫و ﺣﻘﯿﻘﺔ ‪ ،‬ﻓﺈن اﻹﺳﻼم ﯾﻌﺎﻧﻲ اﻵن ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺒﮫ اﻟﺘﺸﺮﯾﻌﻲ ‪ ،‬إذ ﻟﯿﺲ ھﻨﺎك ﺟﺎﻧﺐ ﻋﻘﺎﺋﺪي ﻓﻘﻂ ﻣﻦ اﻹﺳﻼم‬

‫‪ ،‬ﻛﻤﺎ ھﻮ ﺣﺎل اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻜﯿﻔﺖ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻣﻊ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺑﻘﻲ اﻟﺴﺆال اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﻤﺤﯿﺮ‬

‫‪ :‬ﻣﺎذا ﻧﻔﻌﻞ ﺑﻜﻞ ھﺬا اﻟﻜﻢ ﻣﻦ اﻟﺘﺸﺮﯾﻌﺎت ‪..‬؟ ﻓﮭﻞ اﻵن ﻣﻦ واﺟﺐ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﺗﻄﺒﯿﻖ أﺣﻜﺎم اﻟﺮﺟﻢ و‬

‫اﻟﺠﻠﺪ و اﻟﻘﻄﻊ‪ ،‬ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﻗﺘﻞ اﻟﻤﺮﺗﺪ ﻛﻤﺎ ھﻮ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم اﻟﺘﻘﻠﯿﺪي ـ ﺧﺼﻮﺻﺎ اﻟﻤﺪرﺳﺔ اﻟﺴﻨﯿﺔ ـ‬

‫اﻷرﺛﻮذﻛﺴﯿﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ؟!‬

‫و ﺣﻘﯿﻘﺔ ﻓﺈن اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﯿﻦ ﺑﺘﻄﺒﯿﻖ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺴﻨﻲ ھﻢ أﺧﻄﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ـ ھﺬا إن وﺟﺪت‬

‫ھﺬه اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ـ ﻣﻦ ذﻟﻚ اﻟﻄﺮف اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬و ﻛﻤﺜﺎل ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ‪ ،‬ﻧﺠﺪ أن ﻣﻮﺟﺔ اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺘﻄﺒﯿﻖ‬

‫اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ـ و ھﻲ ﻟﯿﺴﺖ ﺷﺮﯾﻌﺔ واﺿﺤﺔ ﻓﻘﺪ ﺷﻮھﮭﺎ اﻟﻔﻘﮭﺎء و اﻟﻮاﻋﻈﻮن و ﺻﺤﺎح اﻟﺒﺨﺎري و ﻣﺴﻠﻢ‬

‫ﺗﺤﻮي ﻣﻦ اﻟﺘﻨﺎﻗﻀﺎت ﻣﺎ ﻻ ﯾﺤﺼﻰ ـ اﺑﺘﺪاء ﻣﻦ إﻧﺪوﻧﯿﺴﯿﺎ و ﻣﺮورا ﺑﺎﻟﯿﻤﻦ و ﻣﺼﺮ و اﻟﺴﻮدان و اﻧﺘﮭﺎء‬

‫ﺑﻤﻮرﯾﺘﺎﻧﯿﺎ و ﻧﯿﺠﯿﺮﯾﺎ ‪ ،‬و ھﺬا اﻟﺒﻠﺪ اﻷﺧﯿﺮ ذو ﻏﺎﻟﺒﯿﺔ ﻣﺴﯿﺤﯿﺔ و رﻏﻢ ذﻟﻚ ﯾﻌﺎﻧﺪ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻓﻲ اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ‬

‫ﺑﺘﻄﺒﯿﻖ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ـ ﺣﺴﺐ اﻟﺘﻔﺎﺳﯿﺮ اﻟﺴﻨﯿﺔ ﻃﺒﻌﺎ ـ ﺑﯿﻨﻤﺎ رﻓﻀﮭﺎ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﻮن و رﻓﻀﮭﺎ اﻟﺸﯿﺦ إﺑﺮاھﯿﻢ‬

‫اﻟﺰﻗﺰﻗﻲ اﻟﺬي ﯾﻤﺜﻞ اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻣﻮﺿﺤﺎ ‪" :‬أن اﻹﺳﻼم ﻟﯿﺲ ﻗﺎﻧﻮن ﻋﻘﻮﺑﺎت ﻓﻘﻂ"‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ﺣﻤّﻰ اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺘﻄﺒﯿﻖ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ﺗﻨﺎﻣﺖ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ أي وﻗﺖ ﻣﻀﻰ ﻣﻨﺬ ﻇﮭﻮر ﺣﺮﻛﺔ "اﻹﺧﻮان‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ" ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ‪ ،‬ﺛﻢ اﻧﺘﻘﻠﺖ ھﺬه اﻟﺤﻤّﻰ إﻟﻰ اﻟﺒﻠﺪان اﻷﺧﺮى ‪ ،‬و ﻻﻗﺖ ھﺬه اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺎت ھﻮى ﻓﻲ‬

‫ﻧﻔﺲ اﻟﺤﻜﺎم ﻓﻲ اﻟﺴﻮدان ـ ﺧﺼﻮﺻﺎ أﯾﺎم اﻟﻨﻤﯿﺮي ـ و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ أن ارﺗﻜﺒﺖ أﻓﻈﻊ اﻟﺠﺮاﺋﻢ ‪ ،‬و‬

‫ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﯿﺪ ﻓﺈن ﻣﻦ ﯾﻌﺘﺮض ﯾﻨﺎﻟﮫ اﻟﻘﺘﻞ ﺑﺘﮭﻤﺔ اﻟﺮدة ﻋﻦ اﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬و ھﻮ اﻟﺤﻜﻢ اﻟﺸﺮﻋﻲ اﻟﺬي اﺑﺘﺪﻋﮫ اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ‬

‫اﻷول أﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﻟﺘﺼﻔﯿﺔ اﻟﺨﺼﻮم و اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ ﻋﻠﯿﮭﻢ‪.‬‬

‫و ﻛﺎن إﻋﺪام اﻟﻤﻔﻜﺮ اﻹﺳﻼﻣﻲ "اﻹﺻﻼﺣﻲ" ﻣﺤﻤﻮد ﻣﺤﻤﺪ ﻃﮫ ﻓﻲ اﻟﺴﻮدان و ﺑﺘﮭﻤﺔ اﻟﺮدة أﺣﺪ ھﺬه‬

‫اﻟﺠﺮاﺋﻢ ﯾﻘﻮل اﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﺴﻮداﻧﻲ أﺣﻤﺪ زﻛﻲ ﻋﺜﻤﺎن ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻟﮫ ﺑﻌﻨﻮان "ﻓﻲ ذﻛﺮى إﻋﺪام ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺤﻤﻮد ﻃﮫ‬

‫‪ ،‬اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺑﺪﯾﻞ ﻟﻠﺘﺼﻔﯿﺔ اﻟﺠﺴﺪﯾﺔ ﻟﻠﻤﺨﺘﻠﻒ"‪:‬‬

‫‪ ،‬ﻓﻰ ﺳﺎﺑﻘﺔ ﺗﺎرﯾﺨﯿﺔ ھﻰ اﻷوﻟﻰ ﻣﻦ ﻧﻮﻋﮭﺎ ﻓﻰ اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﻌﺮﺑﻰ اﻟﺤﺪﯾﺚ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﻟﻢ ﯾﺤﺪث أن ارﺗﻘﻰ ﻣﻔﻜﺮ‬

‫ﻋﺮﺑﻰ اﻟﻤﻘﺼﻠﺔ ﺑﺴﺒﺐ "آراﺋﮫ" اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ و اﻟﺘﻰ اﻋﺘﺒﺮﺗﮭﺎ "اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" ارﺗﺪادا ﻋﻦ اﻹﺳﻼم‪ .‬ﻧﻌﻢ ﻟﻘﺪ‬

‫ﺷﮭﺪ اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﻌﺮﺑﻰ ﻗﺒﻞ و ﺑﻌﺪ ‪– 1985‬ﺗﺎرﯾﺦ إﻋﺪام اﻟﻤﻔﻜﺮ ﻣﺤﻤﻮد ﻣﺤﻤﺪ ﻃﮫ ‪-‬ﺣﺎﻻت ﻣﺘﻌﺪدة ﺻﺪرت‬

‫ﻗﺮارت اﻟﺘﺼﻔﯿﺔ اﻟﺠﺴﺪﯾﺔ ﻟﻤﻔﻜﺮﯾﻦ و ﻧﻘﺎد وأﺻﺤﺎب رؤى‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻟﻢ ﺗﻘﻢ "اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ"‬ ‫ﻓﯿﮭﺎ‬

‫ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺑﻨﺰع ﺣﯿﺎة أﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب أو اﻟﻤﻔﻜﺮﯾﻦ أو اﻟﺒﺎﺣﺜﯿﻦ ﺑﺴﺒﺐ آراﺋﮫ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ او اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ و اﻟﺘﻰ‬

‫ﯾﺘﻮھﻢ أﻧﮭﺎ ﺗﺤﻤﻞ ﻓﻰ ﻃﯿﺎﺗﮭﺎ ردة ﻋﻦ اﻹﺳﻼم‪ .‬ﻓﻤﺜﻼ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻢ إﻋﺪام اﻟﻤﻔﻜﺮ اﻹﺳﻼﻣﻰ ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ﻓﻰ‬

‫أﻏﺴﻄﺲ ﻣﻦ ﻋﺎم ‪ 1966‬ﻛﺎن اﻟﺴﺒﺐ ھﻮ ﺧﻠﻔﯿﺔ إﻧﺘﻤﺎﺋﮫ ﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ وإﺗﮭﺎﻣﮫ ﺑﻤﺤﺎوﻟﺔ‬

‫ﻗﻠﺐ ﻧﻈﺎم اﻟﺤﻜﻢ ﻓﻰ ﻣﺼﺮ اﻟﻨﺎﺻﺮﯾﺔ‪ .‬و ﻓﻰ أﺑﺮﯾﻞ ﻣﻦ ﻋﺎم ‪ 1980‬ﻗﺎم ﺻﺪام ﺣﺴﯿﻦ ﺑﺈﻋﺪام اﻟﻤﻔﻜﺮ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﻰ اﻟﺒﺎرز ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺎﻗﺮ اﻟﺼﺪر وﻛﺎن اﻟﺴﺒﺐ ھﻮ ﺧﻠﻔﯿﺔ إﻧﺘﻤﺎﺋﺔ ﻟﺤﺰب اﻟﺪﻋﻮة اﻹﺳﻼﻣﻰ‪ .‬و ﻓﻰ ﯾﻮﻧﯿﻮ‬

‫ﻣﻦ ﻋﺎم ‪ 1992‬ﺗﻢ اﻏﺘﯿﺎل اﻟﻤﻔﻜﺮ اﻟﻤﺼﺮى ﻓﺮج ﻓﻮده‪ ،‬و ﻛﺎن اﻟﺴﺒﺐ ان اﻟﻘﻮى ﺻﺎﺣﺒﺔ اﻟﺘﺨﻄﯿﻂ‬
‫‪48‬‬

‫اﻟﻔﻜﺮى و اﻟﻤﯿﺪاﻧﻰ ﻹﻏﺘﯿﺎﻟﮫ ﻟﻢ ﺗﺮ ﻣﺎﻧﻌﺎ ﻣﻦ إﺳﺘﺨﺪام آداة اﻟﺘﺼﻔﯿﺔ اﻟﺠﺴﺪﯾﺔ ﻛﺂداة ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ‪ ،‬و ھﻮ ﻧﻔﺲ‬

‫اﻟﺴﯿﻨﺎرﯾﻮ اﻟﺬى ﺗﻜﺮر ﻻﺣﻘﺎ ﻣﻊ اﻷدﯾﺐ اﻟﻜﺒﯿﺮ ﻧﺠﯿﺐ ﻣﺤﻔﻮظ ﻓﻰ ﻋﺎم ‪ 1993‬ﻋﻠﻰ ﺧﻠﻔﯿﺔ رواﯾﺘﮫ "أوﻻد‬

‫ﺣﺎرﺗﻨﺎ"‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﻗﺪر اﷲ أﻻ ﯾﺮﺣﻞ اﻟﺮﺟﻞ ﻓﻰ ھﺬه اﻟﻤﺆاﻣﺮة اﻟﺪﻧﯿﺌﺔ ﻟﻜﻨﮫ ﻇﻞ ﻟﻤﺪة اﻟـ ‪ 13‬ﻋﺎﻣﺎ اﻟﻼﺣﻘﺔ‬

‫ﻟﻠﺤﺎدﺛﺔ ﯾﺸﻜﻮ ﻣﻦ اﻟﺘﻮاﺑﻊ اﻟﺼﺤﯿﺔ و اﻟﻨﻔﺴﯿﺔ ﻟﻤﺤﺎوﻟﺔ اﻹﻏﺘﯿﺎل ھﺬه‪ .‬ﻛﺬﻟﻚ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أن ﻧﻨﺴﻰ ﺟﺮاﺋﻢ‬

‫اﻟﺨﻄﻒ و اﻹﺧﺘﻔﺎء واﻟﺘﻰ ﻛﺎﻧﺖ أﺑﺮزھﺎ ﺣﺎدﺛﺔ ﺧﻄﻒ)وﻗﺘﻞ( اﻟﻤﻌﺎرض اﻟﯿﺴﺎرى اﻟﻤﻐﺮﺑﻰ اﻟﻤﮭﺪى ﺑﻦ‬

‫ﺑﺮﻛﺔ و ذﻟﻚ ﻓﻰ اﻟﻌﺎﺻﻤﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﯿﺔ ﺑﺎرﯾﺲ ﻓﻰ ﻋﺎم ‪ .1965‬ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻻﻗﺘﺒﺎس‪.‬‬

‫ﻧﻮد أن ﻧﻀﯿﻒ ﻣﻼﺣﻈﺔ أﺧﺮى إﻟﻰ رأي ھﺬا اﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﻌﺰﯾﺰ ﺑﺄن ﻧﻘﻮل ‪ ،‬أن ﻋﺪم اﺳﺘﻌﻤﺎل ﻓﻜﺮة اﺳﺘﺨﺪام‬

‫ﺗﮭﻤﺔ "ﺣﺪّ اﻟﺮدة ﻓﻲ ﻗﺘﻞ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺎﻗﺮ اﻟﺼﺪر أو ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺈﯾﺠﺎد اﻟﺒﺪاﺋﻞ ﻟﻠﻘﻀﺎء‬

‫ﻋﻠﻰ اﻟﺨﺼﻮم اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺗﻌﻠﻘﺖ آن ذاك ﺑﻨﻈﺎﻣﯿﻦ ﯾﺪﻋﯿﺎن اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ و اﻟﺘﻘﺪﻣﯿﺔ "ﻧﻈﺎم اﻟﻌﺴﻜﺮ‬

‫و ﻋﺒﺪ اﻟﻨﺎﺻــﺮ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ و ﻧﻈﺎم اﻟﺒﻌﺚ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق" ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﯾﺮوق ﻟﮭﻢ ـ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺘﺮة ﻋﻠﻰ‬

‫اﻷﻗﻞ ـ أن ﯾﺴﺘﺨﺪﻣﻮا ﺗﮭﻤﺔ "اﻟﺮدة ـ و ھﻮ ﻣﺼﻄﻠﺢ دﯾﻨﻲ ﯾﺸﺒﮫ ﺗﮭﻤﺔ اﻟﮭﺮﻃﻘﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ اﻟﻘﺪﯾﻢ‬

‫و ﻣﺼﻄﻠﺢ زﻧﺪﻗﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺼﻮر اﻟﻮﺳﻄﻰ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ‪ ،‬ﻓﻘﺪ اﺳﺘﻐﻞ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻓﺮﺻﺔ وﺟﻮد ﻣﺨﺎوف‬

‫اﻟﻐﺮب ﻣﻦ اﻹﺳﻼم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﻟﻠﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ اﻟﺨﺼﻮم ﺑﺤﺠﺔ أﻧﮭﻢ ﺿﺪ اﻟﺘﻄﻮر و اﻟﺘﻘﺪﻣﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ھﺬه‬

‫اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻵن ﺗﺤﺎول اﺳﺘﺨﺪام اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻛـ"ﻓﺰاﻋﺔ" ﻟﻤﻨﻊ اﻟﻐﺮب ﻣﻦ ﻧﺸﺮ و ﻓﺮض اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪،‬‬

‫ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﻇﺮوف ﻋﺒﺪ اﻟﻨﺎﺻﺮ و ﺻﺪام و ﻧﻈﺎﻣﮭﻤﺎ ﻣﻨﻌﺘﮭﻤﺎ ﻣﻦ اﺳﺘﺨﺪام ﺣﺠﺔ "اﻻرﺗﺪاد" و ﻟﯿﺲ‬

‫ﻟﺮﻓﻀﮭﻤﺎ اﻟﻔﻜﺮة ﻣﻦ أﺻﻠﮭﺎ‪.‬‬

‫و اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﺗﺤﺎول اﻵن ﺗﻮﻓﯿﺮ أﺟﻮاء ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ ﻟﺘﻨﺎﻣﻲ ﻇﺎھﺮة "اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺘﻄﺒﯿﻖ‬

‫اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ" و اﻟﺘﻲ ﻟﮭﺎ ﺟﺬور ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﺧﻼل اﻟﺨﻤﺴﯿﻦ ﺳﻨﺔ اﻟﻤﺎﺿﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﺪﯾﻼ ﻋﻦ اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ‬

‫ﺑﺎﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ اﻟﻔﺮدﯾﺔ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ إذ ﻻ ﯾﺸﻜﻞ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﺸﻌﺎﺋﺮ و اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‬

‫ﺧﻄﺮا داھﻤﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت اﻟﺮﺟﻌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻤﺴﻠﻢ ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ھﻲ اﻟﻨﻘﯿﺾ و اﻟﻀّﺪ ﻟﮭﺬه‬

‫اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻘﺮوﺳﻄﯿﺔ و اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﻮاة اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺸﺎﺋﺮي و ﻧﻘﺎء اﻟﺪّم‪.‬‬

‫إن اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﯿﻦ ﺑﺘﻄﺒﯿﻖ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺴﻨﻲ ﯾﻘﻮﻣﻮن ﺑﺬﻟﻚ دون دراﺳﺔ أو ﺑﺤﺚ أو ﺗﺪﻗﯿﻖ ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ‬

‫‪ ،‬و اﻟﻮاﻗﻊ و اﻟﺤﺪاﺛﺔ ﯾﻤﻨﻌﺎن ﻣﻦ ﺗﻄﺒﯿﻖ ﺷﺮﯾﻌﺔ ھﻲ ﻓﻲ اﻟﻐﺎﻟﺐ "ﻧﺘﺎﺟﺎت ﻓﻘﮭﺎء" و ﺑﺪع ﻣﺘﺮاﻛﻤﺔ‬

‫ﺻﺎﻏﮭﺎ اﻟﺰﻣﻦ ﺑﺼﯿﻐﺔ "اﻟﻤﻘﺪس" و ھﻲ أﺻﻼ ﻣﻨﺎﻗﻀﺔ ﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ آﯾﺎت اﻟﻘﺮآن ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﺗﻨﺎﻗﺾ‬

‫اﻵراء ﻓﻲ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﻮاﺣﺪ ‪" ،‬اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﻟﮫ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺴﺄﻟﺔ رأﯾﺎن و ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ أﻧﺲ و أﺗﺒﺎﻋﮫ ﯾﻜﻔﺮون‬

‫اﻟﺤﻨﻔﯿﺔ ـ أﺗﺒﺎع أﺑﻮ ﺣﻨﯿﻔﺔ اﻟﻨﻌﻤﺎن ﺑﻦ ﺛﺎﺑﺖ ـ و أﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ ﻟﮫ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺛﻼث آراء أو أرﺑﻌﺔ ‪،‬‬

‫ﯾﻀﺎف إﻟﻰ ﻛﻞ ھﺬا أن اﻟﻔﻘﮫ اﻟﺴﻨﻲ ﻗﺪ ﺗﻮﻗﻒ ﻋﻦ اﻻﻧﺘﺎج ﻣﻨﺬ ﺗﺴﻌﺔ ﻗﺮون أو أﻛﺜﺮ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﺳﺪ اﻟﻌﺒﺎﺳﯿﻮن‬

‫ﺑﺎب اﻻﺟﺘﮭﺎد و ﻗﺼﺮوا اﻟﻌﻤﻞ ﺑﺎﻟﻤﺬاھﺐ اﻟﺴﻨﯿﺔ اﻷرﺑﻌﺔ ‪ ،‬ھﺬه اﻟﺘﻨﺎﻗﻀﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﻈﮭﺮ ﺑﻮﺿﻮح ﻣﺪى‬

‫ﺗﻨﺎﻗﺾ ھﺬه اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ھﻲ ﺳﺒﺐٌ ﻛﺎفٍ ﻟﺘﻌﻄﯿﻞ ﺗﻄﺒﯿﻘﮭﺎ و اﻟﺘﻮﺟﮫ ﻧﺤﻮ ﻗﺎﻧﻮن ﻣﺪﻧﻲ ﯾﺴﺎوي ﺑﯿﻦ اﻟﻜﻞ‪.‬‬

‫و ﻟﻸﺳﻒ ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺎﺿﻲ ﻛﺎﻧﻮا أﻛﺜﺮ ﺗﻼﺋﻤﺎ ‪ ،‬ﻋﻘﺎﺋﺪﯾﺎ ‪ ،‬ﻣﻊ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ و اﻟﺤﺪاﺛﺔ ‪ ،‬ﺣﯿﻨﻤﺎ‬

‫ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﺴﺎﺋﺪة ھﻲ أﻧﮫ ﻻ ﯾﺠﻮز إﻗﺎﻣﺔ اﻟﺪوﻟﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ "اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" ﻣﺎ دام اﻟﻤﻌﺼﻮم ﻏﺎﺋﺒﺎ ـ ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ‬

‫ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ ﺗﺄﺟﯿﻞ أﻃﺮوﺣﺔ "اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ" إﻟﻰ ﺣﯿﻦ ﻇﮭﻮر اﻹﻣﺎم اﻟﻤﻌﺼﻮم ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻇﮭﻮر ﻧﻈﺮﯾﺔ‬

‫"وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" ﻃﺮح و ﺑﺤﺪة ﺗﻨﺎﻗﺾ اﻹﺳﻼم ﻣﻊ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ و ﻣﻔﮭﻮم اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ‪.‬‬

‫إن إﺷﻜﺎﻟﯿﺔ "اﻟﺪﯾﻦ" و "اﻟﺪوﻟﺔ" ﻻ زاﻟﺖ اﻟﺴﺆال اﻷﻛﺒﺮ اﻟﺬي ﯾُﻄﺮح ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻤﻨﺎ اﻹﺳﻼﻣﻲ دون أن ﯾﻜﻮن‬

‫ھﻨﺎك إﺟﺎﺑﺔ ﻗﻄﻌﯿﺔ أو واﺿﺤﺔ ﻟﮭﺬا اﻹﺷﻜﺎل اﻟﺨﻄﯿﺮ ‪ ،‬ﻃﺒﻌﺎ ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء ـ اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻟﺘﺮﻛﯿﺔ ـ اﻟﺘﻲ أﻟﻐﺖ‬

‫ھﯿﻤﻨﺔ رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ و اﺳﺘﻐﻼﻟﮭﻢ اﻟﻔﺎﺿﺢ ﻟﻘﺪﺳﯿﺔ اﻟﺪﯾﻦ ﺧﺪﻣﺔ ﻟﺮﻏﺒﺎت اﻟﺴﻠﻄﺎن و ﺻﺪره اﻷﻋﻈﻢ‪.‬‬

‫ﻟﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﺧﻄﻮة ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻛﻤﺎل ﻓﻲ ﺗﺮﻛﯿﺎ ‪ ،‬و اﻟﺤﺒﯿﺐ ﺑﺮﻗﯿﺒﺔ ﻓﻲ ﺗﻮﻧﺲ ‪ ،‬ﺧﻄﻮﺗﯿﻦ ھﺎﻣﺘﯿﻦ ﻓﻲ ﺗﺎرﯾﺦ‬

‫اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬إﻧﻄﻠﻖ اﻟﻨﻤﻮذج اﻟﺘﺮﻛﻲ ﻓﻲ ﺧﻄﻮات ﻣﺘﺴﺎرﻋﺔ ﻧﺤﻮ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻣﻨﺬ ‪ ، 1979‬ﺑﯿﻨﻤﺎ‬

‫ﻻ ﺗﺰال اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﺘﻮﻧﺴﯿﺔ ﺗﺮاوح ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻧﮭﺎ ‪ ،‬و ﻻ أﺳﺘﺒﻌﺪ أن ﺗﺘﺨﻠﻰ ﺗﻮﻧﺲ ﻋﻦ ﻣﻨﺠﺰاﺗﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﻌﻼﻗﺔ‬

‫ﺑﯿﻦ اﻟﺪﯾﻦ و اﻟﺪوﻟﺔ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ ﻣﻨﻊ إﻧﻤﺎء اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﺗﻜﻮن ﻧﺘﯿﺠﺔ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ و ﺗﺘﺎﺑﻊ‬
‫‪49‬‬

‫اﻟﻤﺴﺘﺒﺪﯾﻦ ﻓﻲ اﺳﺘﻼم اﻟﺤﻜﻢ ﺳﺒﺒﺎ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ "اﻟﺠﮭﺎدﯾﯿﻦ" اﻟّﺬﯾﻦ ﯾﺴﻌﻮن ﻟﻔﺮض ﺗﻄﺒﯿﻖ‬

‫اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ﺑﺎﻹﻛﺮاه و اﻟﻘﻮة ‪.‬‬

‫إن اﻹﺳﻼم اﻟﺘﻘﻠﯿﺪي ـ و ھﻮ ﺿﺪ اﻹﺳﻼم اﻟﻌﻘﻼﻧﻲ اﻟﻮاﻗﻌﻲ ـ أﺻﺒﺢ أﻛﺒﺮ ﻋﺎﺋﻖ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ ﺗﻨﻤﯿﺔ‬

‫اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت و اﻟﻨﻈﻢ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻧﺸﺄت ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻤﻨﺎ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﺎ ﯾﺸﺒﮫ ‪ ،‬ﻣﺤﺎﻛﻢ ﺗﻔﺘﯿﺶ ﻏﯿﺮ ﻣﻌﻠﻨﺔ‬

‫‪ ،‬و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻧﻔﺴﮫ ﯾﻘﻮم ﺑﮭﺬا اﻟﺪور ‪ ،‬و اﻟﺘﻨﺎﻗﺾ اﻟﻤﻀﺤﻚ ھﻮ أن اﻷﺣﺰاب و اﻟﺘﻨﻈﯿﻤﺎت "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ"‬

‫ﻋﻠﻰ ﻧﻤﻂ "اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ" و "اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻟﺴﻠﻔﯿﺔ" اﻟﺘﻲ ﺗﻌﻠﻦ ﻋﺪاﺋﮭﺎ ﻟﻸﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ‪ ،‬ھﻲ‬

‫ذاﺗﮭﺎ اﻟﺘﻲ ﺗﺒﻘﻲ ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻔﺎﺳﺪة و ﺗﺤﻤﯿﮭﺎ ﻋﺒﺮ ﻣﻨﻊ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻣﻦ ﺗﻔﺠﯿﺮ ﻃﺎﻗﺎﺗﮫ ﺑﺤﺠﺔ اﻟﺘﻜﻔﯿﺮ‬

‫ﺗﺎرة و ﺑﺤﺠﺔ اﺣﺘﺮام اﻟﻤﻘﺪس ﺗﺎرة أﺧﺮى و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﯾﻔﺮض ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت اﻟﺼﻤﺖ و اﻟﺠﻤﻮد‪.‬‬

‫و ھﻨﺎك ﺟﺎﻧﺐ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ اﻻﻟﺘﻔﺎت إﻟﯿﮫ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺨﻼف اﻷول اﻟﺬي ﻇﮭﺮ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم و ﺧﻠﻖ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﻼه ﻣﻦ‬

‫ﺧﻼﻓﺎت ﻣﺬھﺒﯿﺔ و ﻋﻘﺎﺋﺪﯾﺔ ‪ ،‬ﻛﺎن ﻣﺒﺪأه ﺧﻼﻓﺎ ﺳﯿﺎﺳﯿﺎ ‪ ،‬و ﺣﺮوب أﺑﻲ ﺑﻜﺮ اﻟﺘﻲ ﺳﻤﯿّﺖ "ﺣﺮوب اﻟﺮدة"‬

‫ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺳﻮى ﺧﻼﻓﺎ ﺳﯿﺎﺳﯿﺎ "اﺟﺘﮭﺎدﯾﺎ" ‪ ،‬إذ رأى اؤﻟﺌﻚ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن "اﻟﻤﺮﺗﺪون" أن ﺧﻼﻓﺔ أﺑﻲ ﺑﻜﺮ‬

‫ﻟﯿﺴﺖ ﺷﺮﻋﯿﺔ أو ﻏﯿﺮ ﻗﺎﻧﻮﻧﯿﺔ ﺑﺘﻌﺒﯿﺮ ھﺬا اﻟﺰﻣﺎن و ﻟﻮ ﻟﻢ ﯾﻘُﻢ أﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﺑﺸﻦﱢ ﺗﻠﻚ اﻟﺤﺮب ‪ ،‬ﻛﺎن ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﻤﻜﻦ أن ﯾﺘﻐﯿﱠﺮ ﻣﺴﺎر اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻧﺤﻮ إﻧﻤﺎء اﻟﺤﻮار و اﺣﺘﺮام اﻟﺨﻼف ‪ ،‬ﻟﻜﻦ أﺑﻰ ﺑﻜﺮ ﺑﺪأھﺎ‬

‫ﺑﺤﺮب و أﻧﮭﺎھﺎ ﺑﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾّﺔ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﺳﻠّﻢ اﻷﻣﻮر و ﺑﺪون رﺿﻰ اﻟﺸّﻌﺐ إﻟﻰ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎب اﻟّﺬي أﻋﺎد‬

‫اﻟﺤﺲّ اﻟﻘﻮﻣﻲ إﻟﻰ اﻟﻌﺮب ﻟﯿﺘﺤﻮل اﻹﺳﻼم إﻟﻰ دﯾﻦ ﻗﻮﻣﻲ ﺑﺤﺖ و ﯾﺼﺒﺢ أداة ﺑﯿﺪ اﻟﻌﺮب ﻻﺳﺘﻐﻼل‬

‫اﻟﺸﱡﻌﻮب اﻷُﺧﺮى و اﺳﺘﻌﻤﺎرھﺎ ‪.‬‬

‫اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺠﺐ أن ﯾﺘﻮﺧﺎھﺎ اﻟﺒﺎﺣﺚ ھﻨﺎ ‪ ،‬ھﻲ أن ﺷﻌﻮب اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ ـ ﺑﻌﻜﺲ اﻟﻐﺮب اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ‬

‫ـ ﻻ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﺟﺬورا دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺸﺮق اﻟﺬي ﺳﺒﻖ اﻹﺳﻼم ‪ ،‬ﻓﺤﻀﺎرات "ﺳﻮﻣﺮ" و "أﻛﺪ" و "ﺑﺎﺑﻞ"‬

‫و "ﻣﺼﺮ اﻟﻔﺮﻋﻮﻧﯿﺔ" و "ﻣﻤﺎﻟﻚ إﯾﺮان اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ ‪ ،‬إﯾﻼم ‪ ،‬اﻷﺧﻤﯿﻨﯿﻮن ‪ ،‬اﻟﺒﺎرﺛﯿﻮن ‪ ،‬اﻟﺴﺎﺳﺎﻧﯿﻮن" و ﻓﻲ‬

‫ﺗﺮﻛﯿﺎ "اﻟﺤﯿﺜﯿّﻮن" ‪ ،‬ﻛﻞ ھﺬه اﻟﺤﻀﺎرات ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﺣﻜﻢ اﻟﻔﺮد اﻟﻮاﺣﺪ ‪ ،‬ﺑﻌﻜﺲ اﻟﺘﺠﺎرب‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﻲ أﺛﯿﻨﺎ و روﻣﺎ ‪ ،‬و إن ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻠﻚ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺎت ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻛﺜﯿﺮا ﻋﻦ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ‬

‫إﻟﻰ أﻧﮭﺎ أوﺣﺖ و ﻋﺒﺮ اﻟﻘﺮون ﺑﻔﻜﺮة "اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ اﻟﺸﻌﺒﯿّﺔ ﻓﻲ إﺻﺪار اﻟﻘﺮارات" و ﺣﻖ اﻹﺣﺘﺠﺎج ﺿﺪ‬

‫اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ و رﻓﺾ ﻗﺮاراﺗﮭﺎ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﻤﺴﯿﺤﯿّﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ أن ﺗﻨﺘﺰع ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻣﻦ إﺳﺘﻐﻼل اﻟﺴﻠﻄﺔ‬

‫أو إﺳﺘﻐﻼل اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻟﻠﺪﯾﻦ‪.‬‬

‫إن ﺗﺎرﯾﺦ ﺻﺪر اﻹﺳﻼم ‪ ،‬اﺑﺘﺪاءا ﻣﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ و ﻣﺮورا ﺑﺎﻟﺨﻠﻔﺎء اﻷواﺋﻞ ‪ ،‬ﻣﺜﻠﺖ ـ ﻗﯿﺎﺳﺎ إﻟﻰ ذﻟﻚ‬

‫اﻟﺰﻣﻦ ـ ﺣﻜﻮﻣﺔ ﺷﻌﺒﯿﺔ أو ﺳﻠﻄﺔ ﺗﺤﺎول أن ﺗﻌﻜﺲ رﺿﺎ اﻟﻐﺎﻟﺒﯿﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺤﻜﻮﻣﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﺘﺠﺪ ﻣﺤﻤﺪا و ھﻮ‬

‫اﻟﻨﺒﻲ ﯾﺠﻠﺲ ﺑﯿﻦ اﻟﻔﻘﺮاء و ﯾﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﻣﺸﺎﻛﻠﮭﻢ ﺑﻞ و ﻛﺎن ﯾﺘﻌﺮض ﻻﻧﺘﻘﺎدات ﻻذﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﺎﻣّﺔ دون أن‬

‫ﯾﺮد ﻋﻠﯿﮭﻢ ﺑﺄواﻣﺮ اﻹﻋﺘﻘﺎل أو اﻟﺘّﻌﺴﱡﻒ ‪ ،‬و ﻛﺎن اﻵﺧﺮون ‪ ،‬أﺑﻮ ﺑﻜﺮ و ﻋﻤﺮ و ﻋﻠﻲ ـ اﺳﺘﺜﻨﯿﻨﺎ ﻋﺜﻤﺎن‬

‫ﻟﻘﯿﺎﻣﮫ ﺑﺘﺼﺮﻓﺎت ھﻲ أﻗﺮب ﻟﻠﺤﺎﻛﻢ اﻟﻤﻄﻠﻖ ‪ ،‬ﯾﺴﯿﺮون ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻟﻨﮭﺞ ‪ ،‬ﻣﻼﺣﻈﺔ أن ﻋﻠﯿﺎ ھﻮ اﻟﻮﺣﯿﺪ‬

‫اﻟﺬي أﻇﮭﺮ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻷﻛﺜﺮ إﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﻣﻦ اﻹﺳﻼم و ﻛﺎن ﺣﺮﯾﺼﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﺪم اﻟﺘﻔﺮﻗﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ أو اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ‬

‫ﺗﺠﺎه ﻣﻮاﻃﻨﯿﮫ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ أﻟّﺐ ﻋﻠﯿﮫ اﻟﻌﺮب ﻟﻤﺴﺎواﺗﮫ ﺑﯿﻨﮭﻢ و ﺑﯿﻦ اﻟﻤﻮاﻟﻲ "أي ﻏﯿﺮ اﻟﻌﺮب" و أﻟّﺐ ﻋﻠﯿﮫ‬

‫ﻗﺮﯾﺸﺎ ﻟﻤﺴﺎواﺗﮫ ﺑﯿﻨﮭﻢ و ﺑﯿﻦ ﺳﺎﺋﺮ اﻟﻌﺮب ) أﻧﻈﺮ‪ :‬وﻋﺎظ اﻟﺴﻼﻃﯿﻦ ـ ﻟﻠﺪﻛﺘﻮر اﻟﻤﺮﺣﻮم ﻋﻠﻲ اﻟﻮردي(‬

‫‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﻨﺰﻋﺔ اﻻﺳﺘﻌﻼﺋﯿﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﻃﺮﯾﻘﮭﺎ ﻟﻠﺬوﺑﺎن و اﻻﻧﺼﮭﺎر ﻟﻮ ﻻ أن ﻋﻤﺮ "اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ‬

‫اﻟﺜﺎﻧﻲ" أﻧﺸﺄ دﯾﻮان "اﻷﻧﺴﺎب" ﻓﺮاح اﻟﻌﺮب ﯾﺒﺤﺜﻮن و ﯾﺪﻗﻘﻮن ﻓﻲ أﻧﺴﺎﺑﮭﻢ )أﻧﻈﺮ‪ :‬ﺗﺄرﯾﺦ اﻟﻌﺮب ﻗﺒﻞ‬

‫اﻹﺳﻼم ج ‪ 1‬ـ ﺗﺄﻟﯿﻒ اﻟﺪﻛﺘﻮر ﺟﻮاد ﻋﻠﻲ( ﻟﺮﺑﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻨﺰﻋﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ ﺗﻜﺎد أن ﺗﻜﻮن ﺷﯿﺌﺎ ﻣﻦ اﻟﻤﺎﺿﻲ‬

‫ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ‪.‬‬

‫إن اﻟﻨﺼﻮص اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﻤﻘﺪﺳﺔ "اﻟﻘﺮآن ﺗﺤﺪﯾﺪا" ﺷﺒﮫ ﺻﺎﻣﺘﺔ ﻋﻦ إﯾﺠﺎد ﻧﻤﻮذج واﺿﺢ ﻟﻠﺤﻜﻢ ‪ ،‬و‬

‫ﺣﺘﻰ اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻟﺬﯾﻦ ﯾﻘﻮﻟﻮن ﺑﺄن اﻟﻨﺒﻲ ﻋﯿّﻦ ﻋﻠﯿﺎ ﺧﻠﯿﻔﺔ و ﺣﺎﻛﻤﺎ و إﻣﺎﻣﺎ ﻣﻦ ﺑﻌﺪه ‪ ،‬ﯾﺴﺘﻌﯿﻨﻮن ﺑﺄﺣﺎدﯾﺚ‬

‫ﻧﺒﻮﯾﺔ ﻷن اﻟﻘﺮآن ھﺎ ھﻨﺎ ـ ﻛﻤﺎ ﯾﺼﻔﮫ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ ـ ھﻮ "ﺣﻤّـﺎل أوﺟُﮫ"!! ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﯾﺤﺘﻤﻞ أﻛﺜﺮ‬

‫‪explanation .‬ﻣﻦ ﺗﺄوﯾﻞ و ﻣﻌﻨﻰ و ﺗﻔﺴﯿﺮ‬


‫‪50‬‬

‫و ﻟﮭﺬا اﻟﺴﺒﺐ ﻧﺠﺪ أن اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻹﺳﻼﻣﻲ ـ اﻟﺴﻨﻲ ﺗﺤﺪﯾﺪا ـ ﺷﺮع اﻻﻧﻘﻼﺑﺎت اﻟﺪﻣﻮﯾﺔ و أن اﻟﺤﺎﻛﻢ‬

‫اﻟﺸﺮﻋﻲ ھﻮ ﻣﻦ ﻏﻠﺐ ‪ ،‬و ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﺣﻜﻢ ﻓﻲ اﻟﻔﻘﮭﺎء ﺑﻌﺪم ﺟﻮاز اﻟﺘﻤﺮد ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟﻈﺎﻟﻢ ‪ ،‬إﻻ‬

‫أﻧﮫ ﻣﻦ اﻟﻮاﺟﺐ إﻃﺎﻋﺔ اﻟﻤﺘﻐﻠﺐ "أﻧﻈﺮ ‪ :‬ﺷﺮح اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﻄﺤﺎوﯾﺔ ﻹﺑﻦ أﺑﻲ اﻟﻌﺰ و أﯾﻀﺎ اﻟﻌﻮاﺻﻢ ﻣﻦ‬

‫اﻟﻘﻮاﺻﻢ ﻻﺑﻦ اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﻤﺎﻟﻜﻲ" ‪ ،‬و أﻋﺘﻘﺪ أن ھﻨﺎك أﻣﻼ ﺿﺌﯿﻼ ﻓﻲ ﻧﺸﻮء إﺻﻼح ﻓﻜﺮي و‬

‫ﻋﻘﺎﺋﺪي ﻓﻲ داﺧﻞ ھﺬه اﻟﻤﺪرﺳﺔ "اﻟﺴﻨﯿﺔ" ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن اﻟﻨﻤﺎذج اﻟﺴﺎﺋﺪة ﻣﻦ اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‬

‫"اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ـ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ" ‪ ،‬ﻋﻠﯿﻨﺎ أن ﻻ ﻧﻨﺴﻰ أن ﺣﺮﻛﺎت اﻟﺘﻄﺮف اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻛﺘﻨﻈﯿﻢ اﻟﻘﺎﻋﺪة و‬

‫اﻟﮭﺠﺮة و اﻟﺘﻜﻔﯿﺮ وﺟﺪت ﻟﻨﻔﺴﮭﺎ دﻋﻤﺎ و ﺗﺄﯾﯿﺪا ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻗﺎﻋﺪة اﻹﺧﻮان و اﻟﻤﺼﺮﯾﯿﻦ ﻣﻨﮭﻢ ﻋﻠﻰ وﺟﮫ‬

‫اﻟﺨﺼﻮص ‪ ،‬و "ﺣﻤﺎس ـ اﻷراﺿﻲ اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﯿﺔ" و "ﺟﺒﮭﺔ اﻟﻌﻤﻞ اﻹﺳﻼﻣﻲ ـ اﻷردن"‪.‬‬

‫‪............................................................‬‬

‫آﻓﺎق اﻹﺻــﻼح ﻓﻲ اﻹﺳﻼم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ‬


‫ﯾﻌﺎﻧﻲ اﻹﺳﻼم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬ﺣﺎﻟﮫ ﺣﺎل ﻛﻞ ﺣﺮﻛﺔ ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس آﯾﺪﯾﻮﻟﻮﺟﻲ ‪ ،‬ﻣﻦ ﺿﯿﻖ آﻓﺎق‬

‫اﻹﺻﻼح اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬و ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻻﻧﻐﻼق اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻨﺬ اﻟﻘﺮن اﻟﺨﺎﻣﺲ و ﺑﻌﺪ ھﯿﻤﻨﺔ "اﻹﺳﻼم‬

‫اﻷرﺛﻮذﻛﺴﻲ ـ اﻟﺘﻘﻠﯿﺪي" ﻣﻦ ﺗﻔﺎﺳﯿﺮ ﺿﯿﻘﺔ و ﻏﯿﺮ ﻣﺘﺴﺎﻣﺤﺔ ﻣﻊ اﻵﺧﺮ ‪ ،‬و اﻟﻤﻼﺣﻆ أن اﻟﺤﺮﻛﺎت‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪" ،‬اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ـ ﺗﺄﺳﺴﻮا ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ‪ 1928‬ﻋﻠﻰ ﯾﺪ ﺣﺴﻦ اﻟﺒﻨﺎ" ‪" ،‬اﻹﺧﻮان ﻓﻲ‬

‫ﺳﻮرﯾﺎ" ‪" ،‬ﺟﺒﮭﺔ اﻹﻧﻘﺎذ ﻓﻲ اﻟﺠﺰاﺋﺮ" ‪ ،‬ﻛﻠﮭﺎ أﺣﺰاب ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻓﻜﺮة "اﻟﺼﺮاع ﻣﻊ اﻵﺧﺮ" ـ رﻏﻢ أن‬

‫اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ و ﺣﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﺸﯿﻌﻲ ھﺎ ھﻨﺎ ﻟﮭﺎ اﺧﺘﻼﻓﺎﺗﮭﺎ اﻟﺠﺬرﯾﺔ ﻣﻊ اﻟﺤﺮﻛﺎت‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺴﻨﻲ و أﻇﻦ أن ھﻨﺎك ﻛﺜﯿﺮا ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺎﺣﺎت اﻟﻼ ﻣﻜﺘﺸﻔﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬إﻻ أن اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﻟﻢ ﺗﻨﺠﻮ ﻣﻦ ھﺬه اﻟﻨﻤﻄﯿﺔ اﻟﺮﺟﻌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ ‪.‬‬

‫و ﻷن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻗﺪ وأد "ﻣﺪرﺳﺔ اﻟﻌﻘﻞ" ﻓﻲ ﻓﺘﺮة ﻣﺒﻜﺮة ﻣﻦ ﺗﺎرﯾﺦ اﻹﺳﻼم ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﺘﺮاث‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻻ ﯾﺤﻔﻞ ﺑﺎﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﺘﻮازن ﻓﻲ اﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻣﻊ اﻹﯾﻤﺎن و ﻏﯿﺮ اﻹﯾﻤﺎن ‪ ،‬و رﻏﻢ أن اﻟﻮﺳﻂ‬

‫اﻟﺸﯿﻌﻲ ﻛﺎن أﻛﺜﺮ ﺗﺠﺎوﺑﺎ ﻣﻊ ﺗﻨﻮع و ﺗﻌﺪد اﻷﻓﻜﺎر ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻧﻈﺮﯾﺔ "وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ" أدﺧﻠﺖ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺸﯿﻌﻲ‬

‫ﻓﻲ ﻋﻤﻖ اﻷزﻣﺔ اﻟﺴﺎﺋﺪة و ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﺧﻠﻖ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺟﺪﯾﺪة أو ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻓﻲ "إﯾﺮان" ـ و ھﻲ دوﻟﺔ ذات أﻏﻠﺒﯿﺔ‬

‫ﺷﯿﻌﯿﺔ إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﻌﺮاق و اﻟﺒﺤﺮﯾﻦ ـ إﻻ أن ﺛﻮرة إﯾﺮان ‪ 1979‬ﺧﻠﻘﺖ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺗﻄﺮف ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ ﻟﺤﺎﻟﺔ‬

‫اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺴﻨﯿﺔ ‪ ،‬و ﻻ ﻧﻨﺴﻰ ﺗﺄﺛﯿﺮ ﻓﺘﺮة ﻣﺎ ﯾﺴﻤﻰ ﺑﺤﺮﻛﺎت اﻟﺘﺤﺮر ﻣﻦ اﻹﺳﺘﻌﻤﺎر اﻟﻐﺮﺑﻲ ‪،‬‬

‫اﻟﻘﺮن ‪ 19‬و ‪ 20‬و ﻣﺎ ﺗﻼھﺎ ﻣﻦ ﻗﯿﺎم أﻧﻈﻤﺔ ﻗﻮﻣﯿﺔ ھﻲ ﺧﻠﯿﻂ ﻣﻦ اﻵﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺎت "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ـ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ ـ‬

‫اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ ـ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ"‪.‬‬

‫إن ﺗﺮاث اﻟﻔﻜﺮ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻠﻲء ﺑﻔﻜﺮة رﻓﺾ اﻵﺧﺮ ‪ ،‬ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﺟﺎء اﻟﻐﺰاﻟﻲ ﺗﻮﻓﻲ ‪ 505‬ھـ ‪ 1111‬م و‬

‫أﻧﻜﺮ ﻗﯿﻤﺔ اﻟﻌﻘﻞ و أﺣﻜﺎﻣﮫ ﻣﻦ ﺟﮭﺔ رﺑﻂ ﻣﺎ ﯾﻮرده اﻟﺒﺤﺚ اﻟﻤﻨﻄﻘﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "ﺗﮭﺎﻓﺖ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ" ‪ ،‬ﺟﺎء‬

‫إﺑﻦ رﺷﺪ ﺗﻮﻓﻲ ‪ 595‬ھـ ﻟﯿﻔﻨﺪ اﻟﻔﻜﺮة اﻟﻐﺰاﻟﯿﺔ و ﺑﺎﺗﺠﺎه ﻣﻌﺎﻛﺲ ﺗﻤﺎﻣﺎ إذ ﺟﻌﻞ "اﻟﻌﻘﻞ" أﺣﺪ اﻟﻤﻘﺪﺳﺎت‬

‫ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "ﺗﮭﺎﻓﺖ اﻟﺘﮭﺎﻓﺖ" ‪ ،‬و رﻏﻢ ﺗﻄﺮف ﻛﻼ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ ﻓﻲ رأﯾﮫ ‪ ،‬إﻻ أن اﻟﻤﻨﻄﻖ اﻟﺮﺷﺪي "ﻧﺴﺒﺔ‬

‫إﻟﻰ اﺑﻦ رﺷﺪ" ﻛﺎن ﻟﯿﺘﻄﻮر ﻟﻮ ﻗﺪّر ﻟﮫ اﻟﺒﻘﺎء ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻣﻨﮭﺞ اﻟﻐﺰاﻟﻲ ھﻮ اﻟﺪﺧﻮل ﻓﻲ ﻋﺼﺮ‬

‫ھﯿﻤﻨﺔ "اﻟﺪوﻟﺔ" ﻋﻠﻰ اﻟﺪﯾﻦ و اﻟﻌﻘﻞ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬و ھﻜﺬا ﻛﺎن اﻟﻐﺰاﻟﻲ ﺑﺤﻖ ھﻮ ﻓﯿﻠﺴﻮف ﻋﺼﺮ‬

‫اﻟﻈﻠﻤﺎت و اﻻﻧﺤﻄﺎط اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ‪.‬‬

‫و ﻟﻨﻌﺪ إﻟﻰ اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ و اﻟﻔﻜﺮ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬اﻟﺬي اﺧﺘﻠﻂ ﻟﻸﺳﻒ ﺑﺎﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ و ﻟﻢ ﯾﻌﺪ ﻓﻚﱡ‬

‫اﻻرﺗﺒﺎط ﺑﯿﻨﮭﻤﺎ ﻣﻤﻜﻨﺎ ‪ ،‬ﻓﻨﺠﺪ اﻹﺳﻼم إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﻨﻈﺮﯾﺎت اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ "اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" ‪" ،‬اﻟﺘﺮﻛﯿﺔ ـ إﻟﻰ ﺣﯿﻦ‬

‫ﻇﮭﻮر ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻛﻤﺎل و ﻓﺼﻠﮫ ﺑﯿﻦ اﻟﺪﯾﻦ و اﻟﺪوﻟﺔ" ‪ ..‬إﻟﺦ‪.‬‬

‫و ﺣﺘﻰ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻇﮭﺮ ﺟﻤﺎل اﻟﺪﯾﻦ اﻷﻓﻐﺎﻧﻲ اﻟﺬي ﻇﮭﺮ ﺑﺸﺨﺼﯿﺘﮫ اﻟﺒﺮاﻏﻤﺎﺗﯿﺔ ﻛﺪاﻋﯿﺔ ﻟﻺﺻﻼح ‪ ،‬إﻻ أن‬

‫اﻟﺮﺟﻞ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻣﺼﻠﺤﺎ ﺣﻘﯿﻘﯿﺎ ﺑﺴﺒﺐ ﺿﺒﺎﺑﯿﺔ آراﺋﮫ و ﻣﻮاﻗﻔﮫ اﻟﻤﺘﻨﺎﻗﻀﺔ ﻣﻊ اﻟﺤﻜﺎم ‪ ،‬ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ ﻣﻊ‬
‫‪51‬‬

‫اﻟﺴﻠﻄﺎن ﻋﺒﺪ اﻟﺤﻤﯿﺪ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﺣﯿﺚ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻣﻮﻗﻔﮫ واﺿﺤﺎ أو ﻟﻨﻘﻞ ﻋﻠﻰ ﻧﺴﻖ واﺣﺪ ﺗﺠﺎه اﻟﻤﺸﺮوﻃﺔ‬

‫"اﻟﺪﺳﺘﻮر اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻲ" و ﻣﻜﺎﻓﺤﺔ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ‪ ،‬و ﻛﺎن "ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ اﻟﻜﻮاﻛﺒﻲ ـ ﻣﺆﻟﻒ ﻃﺒﺎع اﻻﺳﺘﺒﺪاد"‬

‫ﯾﻨﺸﺪ اﻟﺤﺮﯾﺔ ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﻻ ﯾﺤﻜﻢ "ﺗﺮﻛﻲ أو ﻋﺠﻤﻲ" ﻋﻠﻰ "اﻟﻌﺮب" ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ أن اﻟﺴﻠﻄﺎن اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻲ‬

‫اﻟﺘﺮﻛﻲ ﻟﻮ ﻛﺎن "ﻋﺮﺑﯿﺎ" ﻟﻜﺎن ﻣﻘﺒﻮﻻ‪.‬‬

‫إن ﺗﻠﺒﱡﺲ ﻣﺎ ﯾُﺴﻤّﻰ ﺑﺤﺮﻛﺎت اﻟﺘﺤﺮر ﻓﻲ "اﻟﻌﺮاق" ‪" ،‬ﻣﺼﺮ" ‪" ،‬ﺳﻮرﯾﺎ" ‪" ،‬ﻟﯿﺒﯿﺎ" ‪" ،‬اﻟﻤﻐﺮب" ‪،‬‬

‫"اﻟﺴﻮدان" ‪" ،‬إﯾﺮان" ‪ ،‬إﻧﺪوﻧﯿﺴﯿﺎ ‪ ،‬ﺑﻠﺒﺎس اﻟﺪﯾﻦ و اﺳﺘﺨﺪام اﻟﺪﯾﻦ ﻛﺴﻼح ﺑﻮﺟﮫ ﻣﻦ أﺳﻤﺎھﻢ أھﻞ ھﺬه‬

‫اﻟﺒﻼد ﺑـ"اﻟﻤﺴﺘﻌﻤﺮﯾﻦ اﻟﻜﻔﺎر" ‪ ،‬ھﺬا اﻷﻣﺮ ﺟﻌﻞ اﻟﺒﻨﯿﺔ اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ ﻟﮭﺬه اﻟﺪول اﻟﺘﻲ ﺣﺼﻠﺖ ﻋﻠﻰ اﺳﺘﻘﻼﻟﮭﺎ‬

‫أو ﺳﯿﺎدﺗﮭﺎ اﻟﻮاﺣﺪة ﺗﻠﻮ اﻷُﺧﺮى ‪ ،‬ﺑﻨﯿﺎﻧﺎ ھﺸّﺎ و ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﻏﯿﺮ واﺿﺢ ‪ ،‬ﻓﻼ ھﻲ ﻣﺒﻨﯿﺔ ﻋﻠﻰ أي ﻧﻈﺮﯾﺔ‬

‫إﺳﻼﻣﯿﺔ "دﯾﻨﯿﺔ" واﺿﺤﺔ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻟﮭﻮﯾﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ﻟﻠﺒﻠﺪ ﺿﺒﺎﺑﯿﺔ و ﻣﻄﺎﻃﺔ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﺘﻔﺴﯿﺮ اﻟﺤﺎﻛﻢ‬

‫اﻟﻤﮭﯿﻤﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻠﺪ ‪ ،‬و ﯾﺴﺘﻔﺪ أھﻞ ھﺬه اﻟﺒﻼد ﻣﻦ اؤﻟﺌﻚ اﻟﺬﯾﻦ اﺳﺘﻌﻤﺮوھﻢ أو اﻧﺘﺪﺑﻮھﻢ أو ﻟﻨﻘــُـﻞ أداروا‬

‫ھﺬه اﻟﺒﻼد ‪ ،‬ﻛﺎﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﯿﻦ و اﻟﻔﺮﻧﺴﯿﯿﻦ ﻓﻲ ﺑﻠﺪان اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻌﺮاق ﻣﺜﻼ ﻛﺎن أﻓﻀﻞ ﺣﺎﻻ ﻣﻦ‬

‫ﺣﯿﺚ اﻟﺤﺮﯾﺎت و ﺗﻨﻈﯿﻢ ﺷﺆون اﻟﺪوﻟﺔ ﻓﻲ ﻓﺘﺮة اﻟﮭﯿﻤﻨﺔ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﺪھﻮر اﻟﻌﺮاق ﺣﯿﻨﻤﺎ ﺗﻘﻮى‬

‫اﻟﺤﻜﻢ اﻟﻤﺤﻠﻲ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺪﻛﺘﻮر ﺟﻤﺎل اﻟﺒﻨﺎ ﻓﻲ ﻣﺤﺎﺿﺮة أﻟﻘﺎھﺎ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﺪى "اﻹﺳﻼم و اﻹﺻﻼح ‪ "2005‬و اﻟﺬي أﻗﺎﻣﮫ‬

‫ﻣﺮﻛﺰ اﺑﻦ ﺧﻠﺪون‪:‬‬

‫"وﻗﺪ ﺟﺮﺑﺖ ھﺬه اﻟﺒﻼد اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﺧﻼل اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ اﻟﻠﯿﺒﺮاﻟﯿﺔ ﻣﻦ ﺗﺎرﯾﺦ ﻣﺼﺮ اﻟﺘﻰ ﺑﺪأت ﺑﺪﺳﺘﻮر‬

‫‪ 1923‬ﺣﺘﻰ ﻗﯿﺎم اﻻﻧﻘﻼب اﻟﻌﺴﻜﺮى ﺳﻨﺔ ‪ .52‬وﻛﺎﻧﺖ ھﺬه اﻟﻔﺘﺮة ھﻰ أﻓﻀﻞ ﻓﺘﺮة ﻓﻰ ﺗﺎرﯾﺦ ﻣﺼﺮ‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺚ وﺣﻘﻘﺖ ﻣﺼﺮ ﻓﯿﮭﺎ ﻣﻌﻈﻢ إﻧﺠﺎزاﺗﮭﺎ‪ ،‬وﺗﻘﺒﻠﮭﺎ وﻟﻢ ﺗﻌﺘﺮض ﻋﻠﯿﮭﺎ اﻟﻤﺆﺳﺴﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ " اﻷزھﺮ "‬

‫ﻛﻤﺎ أن اﻹﻣﺎم ﺣﺴﻦ اﻟﺒﻨﺎ اﻟﻤﺮﺷﺪ اﻟﻤﺆﺳﺲ ﻟﻺﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ أﺛﻨﻰ ﻋﻠﻰ دﺳﺘﻮر ‪ 23‬وﻗﺎل ‪ :‬إﻧﮫ ﻻ‬

‫ﯾﻌﺎرض اﻹﺳﻼم‪ .‬وﻟﯿﺲ أدل ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﻣﻦ أﻧﮫ ﻓﻰ ﻇﻞ ھﺬا اﻟﺪﺳﺘﻮر أﻗﺎم اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ دون أى‬

‫ﻣﻌﺎرﺿﺔ أو ﻣﻀﺎﯾﻘﺔ" ـ اﻹﺳﻼم و اﻹﺻﻼح ج ‪ 2‬ص ‪64‬‬

‫ﻛﺬﻟﻚ اﻟﺤﺎل ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻏﺎﯾﺘﮭﺎ "ﺗﺤﻜﯿﻢ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ" ‪ ،‬دون أن ﺗﺠﻌﻞ ﻏﺎﯾﺘﮭﺎ ﺗﺤﺮﯾﺮ‬

‫اﻟﻤﻮاﻃﻦ و اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻦ ﻛﻞ اﺳﺘﻐﻼل ‪ ،‬ﺣﺘﻰ ﻣﻦ ذﻟﻚ اﻟﺬي ﯾﺘﻢ ﺗﺤﺖ ﺳﺘﺎر اﻟﺪﯾﻦ أو اﻟﺸﻌﺎرات اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ ‪،‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ﺗﺮﻛﯿﺰ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻤﺎذج اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ اﻟﻀﺒﺎﺑﯿﺔ و إﻏﺮاق اﻟﻤﺜﻘﻔﯿﻦ ﻓﻲ ﺟﺪال ﺑﯿﺰﻧﻄﻲ ﻓﺎرغ‬

‫ﺣﻮل اﻟﺘﺮاث و اﻟﻨﺼﻮص ‪ ،‬أﻏﺮق اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻲ أزﻣﺔ ﺗﻌﺮﯾﻒ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺪﯾﻦ و اﻟﺪوﻟﺔ و اﻟﻤﻮاﻃﻦ‪.‬‬

‫و ﻣﻦ ھﺬا اﻟﺮﺟﻮع اﻟﻤﺘﺸﺪد إﻟﻰ اﻟﻤﺎﺿﻲ اﻟﻨﺎﺑﻊ أﺻﻼ ﻣﻦ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻣﺎﺿﻮﯾﺔ ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ و‬

‫ﺗﻨﻈﯿﻤﺎﺗﮭﻢ اﻟﺤﺰﺑﯿﺔ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ و اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻻ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﻣﻤﺎرﺳﺎت دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء‬

‫ﻣﻈﺎھﺮ ﻣﺤﺪودة ﻣﻤﺎ اﺻﻄﻠﺤﻮا ﻋﻠﯿﮫ ﺑـ"اﻟﺸﻮرى" ـ و ھﻲ ﻋﻤﻠﯿﺔ ﻟﯿﺲ ﻟﮭﺎ أﺳﺲ و آﻟﯿﺎت واﺿﺤﺔ و ﻻ‬

‫ﺗﺘﻌﺪى أن ﺗﻜﻮن إﻻ ﺻﻮرة أُﺧﺮى ﻟﻤﺠﺎﻟﺲ ﺷﯿﻮخ ﻋﺸﺎﺋﺮ و ﻗﺒﺎﺋﻞ ﻓﻲ اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ـ و ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﺴﺘﻐﺮب أن ﯾﺘّﺨﺬ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن اﻟﺸﯿﻌﺔ ھﺬا اﻟﻨﻤﻂ ﻣﻦ اﻟﺸﻮرى ﺧﺼﻮﺻﺎ و أﻧﮭﻢ ﻋﻘﺎﺋﺪﯾﺎ ﯾﺮﻓﻀﻮن‬

‫اﻟﻨﻈﺎم أو ھﺮﻣﯿﺔ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻤﻄﺒﻖ ﻣﻨﺬ ‪ 1400‬ﻋﺎم ‪ ،‬ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء ﻓﺘﺮة ﺣﻜﻢ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ "اﻹﻣﺎم‬

‫اﻟﻤﻌﺼﻮم اﻷول ﺣﺴﺐ اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ" ‪ ،‬و ﻣﺎ دام اﻹﻣﺎم اﻟﻤﻌﺼﻮم ـ ﺣﺴﺐ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ـ ﻏﺎﺋﺒﺎ و‬

‫اﻟﻔﻘﮭﺎء و اﻟﻤﺮاﺟﻊ ﻏﯿﺮ ﻣﻌﺼﻮﻣﯿﻦ و ﻋﺮﺿﺔ ﻟﻠﻐﻠﻂ ‪ ،‬ﻓﺈن اﻷوﻟﻰ ھﻮ ﺗﻄﻮﯾﺮ ﻣﻔﮭﻮم "اﻟﺸﻮرى" ﻧﺤﻮ‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺸﺎﻣﻠﺔ ‪.‬‬

‫إن اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﺗﻌﯿﺶ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺮض و اﻟﺠﻤﻮد ﻛﺠﺰء ﻣﻤﺎ ﯾﻌﺎﻧﯿﺔ اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻦ‬

‫ﺗﺨﻠﻒ و ﺟﻤﻮد ‪ ،‬و إﺻﻼح اﻟﺒﻨﯿﺔ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﺳﯿﺆﺛﺮ ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﯿﺪ ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻟﺤﺮﻛﺎت ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن‬

‫اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻻ زال ﯾﺮزح ﺗﺤﺖ ﻧﯿﺮ اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺳﺎدت ﺑﻌﺪ ﻋﺼﺮ اﻟﻤﺄﻣﻮن ‪ ،‬ھﺬه اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﻌﺘﺒﺮ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ و اﻟﻤﻨﻄﻖ و ﻃﺮح أﺳﺌﻠﺔ ﻋﻘﺎﺋﺪﯾﺔ ﺣﻮل ﺣﻘﯿﻘﺔ اﻹﺳﻼم و ﻣﺎھﯿﺘﮫ ﺿﺮﺑﺎ ﻣﻦ اﻟﻜﻔﺮ و‬

‫اﻟﺰﻧﺪﻗﺔ‪.‬‬
‫‪52‬‬

‫اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻵﺧﺮ ﻣﻦ إﺻﻼح اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﯾﺘﻌﻠﻖ ﺑـ"ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن" و "ﺣﻘﻮق اﻟﻤﺮأة" و ﻗﻮاﻧﯿﻦ‬

‫اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت اﻟﻤﻌﻤﻮل ﺑﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﺪول اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬و ﻓﻲ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ ﺗﺤﺪﯾﺪا ‪ ،‬ھﺬه‬

‫اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺘﻲ ﺗُﻌﺘﺒﺮ ﻓﻲ ذﯾﻞ اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﺤﺮﯾﺎت و ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن و ﺣﻘﻮق اﻟﻤﺮأة ﻋﻠﻰ‬

‫وﺟﮫ اﻟﺘﺤﺪﯾﺪ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﺗﻘﺮﯾﺮ ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ﻟﻠﻌﺎم ‪ 2004‬اﻟﺬي أﺻﺪره "ﻣﺮﻛﺰ إﺑﻦ ﺧﻠﺪون ﻟﻠﺪراﺳﺎت‪:‬‬

‫ﺗﻌﮭﺪ وﻟﻲ اﻟﻌﮭﺪ اﻟﺴﻌﻮدي اﻷﻣﯿﺮ ﻋﺒﺪ اﷲ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﯾﺰ ﺑﺎﻟﻤﻀﻲ ﻗﺪﻣًﺎ ﻓﻲ ﺗﺤﺪﯾﺚ اﻟﻨﻈﺎم ﺑﺈﺟﺮاء‬

‫اﻹﺻﻼﺣﺎت اﻟﻼزﻣﺔ وﻗﯿﺎدة اﻟﺒﻼد دون اﻟﺪﺧﻮل ﻓﻲ "ﻣﻐﺎﻣﺮة ﻃﺎﺋﺸﺔ"ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔ أﻟﻘﺎھﺎ اﻷﻣﯿﺮ ﻋﺒﺪ اﷲ‬

‫ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻠﻔﺰﯾﻮن ﺑﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻓﻌﺎﻟﯿﺎت اﻟﻤﻠﺘﻘﻰ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻟﻠﺤﻮار اﻟﻮﻃﻨﻲ اﻟﺬي ﻋﻘﺪ ﺑﻤﻜﺔ اﻟﻤﻜﺮﻣﺔ ﻓﻰ اﻷﺳﺒﻮع‬

‫ﻗﯿﺎم ﻣﺌﺎت اﻟﺸﺨﺼﯿﺎت اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ ﺑﺎﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﻓﻰ‬ ‫اﻷﺧﯿﺮ ﻣﻦ دﯾﺴﻤﺒﺮ ‪ .2003‬وﻗﺪ ﺷﺠﻊ ھﺬا اﻟﺘﺼﺮﯾﺢ‬

‫ﺑﯿﺎن وﺟﮫ اﻟﻰ اﻷﺳﺮة اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ ﺑﻮﺿﻊ "ﺟﺪول زﻣﻨﻲ" ﻟﺘﺴﺮﯾﻊ "اﻹﺻﻼﺣﺎت" ﻓﻲ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ‪ ،‬وﻛﺎن رد‬

‫اﻷﻣﯿﺮ ﻋﺒﺪ اﷲ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﯾﺰ ﻋﻠﯿﮫ ﺑﺄن اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ ﻣﺎﺿﯿﺔ ﻓﻲ ﻃﺮﯾﻖ اﻹﺻﻼح وﻟﻜﻦ "ﺑﺸﻜﻞ‬

‫ﺗﺪرﯾﺠﻲ"‪ .‬ص ‪132‬‬

‫و ﺣﻘﯿﻘﺔ ﻓﺈن ﻋﺒﺎرة "ﺑﺸﻜﻞ ﺗﺪرﯾﺠﻲ" اﻟﺘﻲ وﺿﻌﮭﺎ اﻟﺘﻘﺮﯾﺮ ﺑﯿﻦ ھﻼﻟﯿﻦ ‪ ،‬ﺗﺜﯿﺮ ﻧﻮﻋﺎ ﻣﻦ اﻟﺸﻚ و اﻟﺮﯾﺒﺔ‬

‫ﻓﻲ ﻧﯿﺔ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﺈﺻﻼﺣﺎت ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ‪ ،‬و ھﻨﺎك ﻓﻌﻼ ﺧﺸﯿﺔ ﻣﻦ أن ﯾﻜﻮن "اﻹﺻﻼح‬

‫اﻟﺘﺪرﯾﺠﻲ" ھﻮ ﻓﻘﻂ ﻟﻼﺳﺘﮭﻼك اﻹﻋﻼﻣﻲ ﻟﯿﺲ إﻻ‪.‬‬

‫و ھﻜﺬا ﻓﺈن اﻟﺘﻘﺮﯾﺮ ﻧﻔﺴﮫ ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫وﻓﻰ ﺧﻄﻮة ﻣﻨﺎﻗﻀﺔ ﻟﻺﺷﺎرات اﻻﯾﺠﺎﺑﯿﺔ اﻟﺘﻰ ﺣﺎوﻟﺖ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ارﺳﺎﻟﮭﺎ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﻌﺎم ﻓﻘﺪ اﻋﺘﻘﻠﺖ اﻟﺴﻠﻄﺎت‬

‫اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ ﻓﻰ ‪ 2004/3/16‬ﺧﻤﺲ ﺷﺨﺼﯿﺎت ﻣﻦ اﻷﻛﺎدﯾﻤﯿﯿﻦ ﻣﻌﺘﺒﺮة أن دﻋﻮﺗﮭﻢ ﻓﻰ ﻋﺮﯾﻀﺔ‬

‫اﻻﺻﻼح اﻟﺘﻰ ﻃﺎﻟﺒﻮا ﻓﯿﮭﺎ ﺑﺘﺤﻮل اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ إﻟﻰ اﻟﻤﻠﻜﯿﺔ اﻟﺪﺳﺘﻮرﯾﺔ "ﻣﺲ ﺑﻮﺣﺪة اﻟﺒﻼد"‪.‬وﻗﺪ أﻓﺮج ﻋﻦ‬

‫اﺛﻨﯿﻦ ﻣﻨﮭﻤﺎ ﺑﻌﺪ ﯾﻮﻣﯿﻦ إﺛﺮ ﺗﻌﮭﺪھﻢ اﻟﻜﻒ ﻋﻦ اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺟﮭﺮًا ﺑﺈﺻﻼﺣﺎت‪.‬وﺑﻘﻰ اﻟﺜﻼﺛﺔ اﻵﺧﺮون رھﻦ‬

‫اﻟﻤﺤﺎﻛﻤﺔ ﺣﺘﻰ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﻌﺎم ‪ .‬ﻛﻤﺎ ﺗﻮﻋﺪت اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ ﻓﻰ ‪2004/10/4‬ﺑﻤﻌﺎﻗﺒﺔ أي ﻣﻮﻇﻒ ﻓﻲ‬

‫ﻣﺆﺳﺴﺎﺗﮭﺎ اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ واﻟﻌﺴﻜﺮﯾﺔ ﯾﻨﺎھﺾ ﺳﯿﺎﺳﺎت اﻟﺪوﻟﺔ أو ﺑﺮاﻣﺠﮭﺎ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ أو ﻏﯿﺮ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﺳﻮاء‬

‫ﻛﺎن ذﻟﻚ ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ إﻋﺪاد أي ﺑﯿﺎن أو ﻣﺬﻛﺮة أو ﺧﻄﺎب أو اﻟﺘﻮﻗﯿﻊ ﻋﻠﻰ أي ﻣﻦ ذﻟﻚ أو اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ ﻓﻲ‬

‫أي ﺣﻮار ﻋﺒﺮ وﺳﺎﺋﻞ اﻹﻋﻼم واﻻﺗﺼﺎل اﻟﺪاﺧﻠﯿﺔ أو اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ ﺑﺪﻋﻮى أن ھﺬا ﯾﻌﺘﺒﺮ "إﺧﻼﻻ ﺑﻮاﺟﺐ‬

‫اﻟﺤﯿﺎد واﻟﻮﻻء ﻟﻠﻮﻇﯿﻔﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ"‪ .‬ص ‪ 131‬و ‪. 132‬‬

‫و ھﻮ ﻣﺎ ﯾﻮﺿﺢ أن اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ و اﻟﺘﻲ ﺗﺴﺒﺒﺖ ﺑﻜﻞ ﻣﻮﺟﺎت اﻹرھﺎب و اﻟﻤﻔﺨﺨﺎت ﻓﻲ اﻟﺸﺮق‬

‫اﻷوﺳﻂ و اﻟﻌﺎﻟﻢ ‪ ،‬ﻻ ﺗﺼﻨـّﻒ ﻣﻌﺎرﺿﯿﮭﺎ أﺑﺪا ﺑﯿﻦ "ﻣﻌﺘﺪل" و "ﻣﺘﻄﺮف" ‪ ،‬ﺑﻞ ﺗﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﺠﻤﯿﻊ‬

‫ﺑﻤﻨﻄﻖ اﻟﮭﯿﻤﻨﺔ و اﻹرادة اﻷﺑﻮﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻘﺒﻞ أي ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﻤﻌﺎرﺿﺔ ‪ ،‬و ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴﻌﻮدي اﻟﺬي‬

‫ﺗﺼﻔﮫ ﺑﻌﺾ اﻷوﺳﺎط اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ ﺑـ"اﻟﺤﻠﯿﻒ اﻟﺨﺒﯿﺚ"!! ﻓﺈن اﻟﻨﻈﺎم ﻓﻲ ﺷﻌﺎره "اﻟﺤﺮب ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻄﺮف و‬

‫اﻟﻤﺘﻄﺮﻓﯿﻦ" ﻻ ﯾﻘﺼﺪ ﺑﮫ إﻻ أؤﻟﺌﻚ اﻟﺬﯾﻦ ﯾﮭﺪدون اﻟﻌﺮش اﻟﺴﻌﻮدي و ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻷﺳﺮة اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ‪.‬‬

‫ﻓﻔﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﯾﺘﻤﺘﻊ ﻓﯿﮫ اﻷﻣﯿﺮ اﻟﺴﻌﻮدي اﻟﻤﻠﯿﺎردﯾﺮ "اﻟﻮﻟﯿﺪ ﺑﻦ ﻃﻼل" ﺑﻜﻞ ﻣﻠﺬات اﻟﺤﺮﯾﺔ و ﻣﻦ‬

‫ﺧﻼل ﺛﺮوة ﺟﻨﺎھﺎ ﻣﻦ ﺷﻌﺐ "اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ" ‪ ،‬ﯾﻌﺎﻧﻲ اﻟﻤﻮاﻃﻨﻮن اﻟﺴﻌﻮدﯾﻮن ﻟﯿﺲ ﻣﻦ اﻟﻔﻘﺮ و‬

‫اﻟﺤﺮﻣﺎن ﻓﻘﻂ ‪ ،‬ﺑﻞ ﻣﻦ اﻣﺘﮭﺎن ﻛﺮاﻣﺘﮭﻢ ﻛﺒﺸﺮ و ﻣﻮاﻃﻨﯿﻦ ‪ ،‬و اﻟﻤﻮاﻃﻨﻮن ﻣﻦ اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻹﺛﻨﻲ ﻋﺸﺮﯾﺔ و‬

‫اﻟﺸﯿﻌﺔ اﻹﺳﻤﺎﻋﯿﻠﯿﯿﻦ ﯾﻌﺎﻧﻮن ﯾﻮﻣﯿﺎ ﺣﺮﺑﺎ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺒﻘﺎء ‪.‬‬

‫اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤـــﻮن "اﻹرھﺎﺑﯿﻮن و اﻟﻀﻌﻔــــــــﺎء"‬


‫ﺗﺄﺳﺴﺖ ﺣﺮﻛﺔ اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻋﺎم ‪ 1928‬ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﯾﺪ "ﺣﺴﻦ اﻟﺒﻨﺎ" ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟﺪﻛﺘﻮر ﺳﻌﺪ‬

‫اﻟﺪﯾﻦ إﺑﺮاھﯿﻢ ﻣﺪﯾﺮ ﻣﺆﺳﺴﺔ اﺑﻦ ﺧﻠﺪون ﻟﻠﺪراﺳﺎت ﻓﻲ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﻛﺘﺎب "اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﺴﺮي ﻟﻺﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‬

‫‪ :‬ﻣﺬﻛﺮات ﻋﻠﻲ اﻟﻌﺸﻤﺎوي آﺧﺮ أﻋﻀﺎء اﻟﺘﻨﻈﯿﻢ اﻟﺴﺮي اﻟﺨﺎص‪:‬‬


‫‪53‬‬

‫اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ھﻢ أھﻢ ﺣﺮﻛﺔ إﺳﻼﻣﯿﺔ ـ ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻘﺮﻧﯿﻦ اﻷﺧﯿﺮﯾﻦ‪ .‬ﻓﻤﻨﺬ اﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ‬ ‫"‬

‫اﻟﺘﻲ ﻇﮭﺮت ﻓﻲ اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﺼﻒ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ‪ ،‬ﻋﻠﻰ ﯾﺪ اﻟﺪاﻋﯿﺔ اﻟﻤﺘﺸﺪد ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ‬

‫ﻋﺒﺪ اﻟﻮھﺎب‪ ،‬ﻟﻢ ﺗﻈﮭﺮ ﺣﺮﻛﺔ دﯾﻨﯿﺔ ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﺗﺪاﻧﯿﮭﺎ ﺗﻨﻈﯿﻤﯿﺎً وﻗﻮة وﺗﺄﺛﯿﺮا ًـ ﻻ ﻓﻲ اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ‪ ،‬وﻻ‬

‫ﺧﺎرﺟﮭﺎ ـ إﻟﻰ أن ﻇﮭﺮت ﺣﺮﻛﺔ اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ‪ ،‬ﻋﻠﻰ ﯾﺪ اﻟﺪاﻋﯿﺔ ﺣﺴﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ‬

‫اﻟﺒﻨﺎ‪ ،‬ﻋﺎم ‪ .1928‬ﺻﺤﯿﺢ‪ ،‬ﻇﮭﺮت ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ وﺣﺮﻛﺔ اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﺣﺮﻛﺎت إﺳﻼﻣﯿﺔ‬

‫أﺧﺮى ـ ﻣﺜﻞ اﻟﻤﮭﺪﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﺴﻮدان‪ ،‬واﻟﺴﻨﻮﺳﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺮب اﻟﻌﺮﺑﻲ ـ وﻟﻜﻨﮭﺎ ﻇﻠﺖ ﻣﺤﺼﻮرة اﻟﻨﻄﺎق‬

‫ﺟﻐﺮاﻓﯿﺎً‪ ،‬وﻣﺤﺪودة اﻟﺘﺄﺛﯿﺮ ﺳﯿﺎﺳﯿﺎً وزﻣﺎﻧﯿﺎً‪ .‬ﻛﺬﻟﻚ ﻇﮭﺮت ﺣﺮﻛﺎت أﺧﺮى ﻋﺪﯾﺪة ﺗﺤﻤﻞ ﺷﻌﺎرات‬

‫إﺳﻼﻣﯿﺔ ﺧﻼل اﻟﻘﺮﻧﯿﻦ اﻷﺧﯿﺮﯾﻦ‪ ،‬ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﮭﺎ ﻣﺜﯿﻞ ﺑﯿﻦ أيً ﻣﻦ اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻟﻤﺬﻛﻮرة ﻓﻲ ﺗﺄﺛﯿﺮھﺎ‬

‫اﻟﻤﺴﺘﻤﺮ‪.‬‬

‫اﻟﻮھﺎﺑﯿﻮن واﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ـ إذن ﻣﻦ ھﻤﺎ اﻷھﻢ واﻷﻛﺜﺮ ﺗﺄﺛﯿﺮاً واﺳﺘﻤﺮاراً‪ .‬وﻛﻤﺎ ﺿُﺮﺑﺖ‬

‫اﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻣﺮة وﺳﻘﻄﺖ‪ ،‬وأﻓﺎﻗﺖ وﻧﮭﻀﺖ ﻣﻦ ﺟﺪﯾﺪ‪ ،‬ﻛﺬﻟﻚ ﺣﺪث ﻟﺤﺮﻛﺔ اﻹﺧﻮان‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‪ .‬وﻟﻢ ﺗﻈﮭﺮ ﺑﻌﺪ‪ ،‬ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﻋﻠﻢ ھﺬا اﻟﻜﺎﺗﺐ‪ ،‬دراﺳﺎت ﻋﻠﻤﯿﺔ ﻣﻮﺛﻘﺔ ﻋﻦ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺮﻛﺘﯿﻦ‬

‫ﻓﻲ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ‪ .‬وﻟﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﺜﺎﺑﺖ أﻧﮫ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﺿُﺮﺑﺖ ﺣﺮﻛﺔ اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﺑﻮاﺳﻄﺔ اﻟﺮﺋﯿﺲ‬

‫اﻟﻤﺼﺮي ﺟﻤـﺎل ﻋﺒﺪ اﻟﻨﺎﺻﺮ ﻓﻲ اﻟﺨﻤﺴﯿﻨﯿﺎت وﻓﻲ اﻟﺴﺘﯿﻨﯿﺎت‪ ،‬ﻓﺮّ ﻋﺪد ﻛﺒﯿﺮ ﻣﻦ اﻹﺧﻮان إﻟﻰ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ‬

‫اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ‪ ،‬اﻟﻤﻌﻘﻞ اﻟﺤﺼﯿﻦ ﻟﻠﻮھﺎﺑﯿﺔ‪ ،‬ﺣﯿﺚ أﺣﺴﻨﺖ وﻓﺎدﺗﮭﻢ وﺣﻤﺎﯾﺘﮭﻢ‪ .‬ﻛﻤﺎ أن ﻋﺪداً ﻛﺒﯿﺮاً ﻣﻨﮭﻢ‬

‫ﻗﺪ ﺷﺎرﻛﻮا ﻓﻲ ﺑﻨﺎء اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ‪ ،‬واﺳﺘﻔﺎدوا أﯾﻀﺎً ﺑﻘﺪر ﻣﺎ أﻓﺎدوا أدﺑﯿﺎً وﻣﺎدﯾﺎً‪ ،‬ودﺧﻠﻮا ﻓﻲ‬

‫ﺷﺮﻛﺎت ﻣﺘﻌﺪدة وﻣﺘﺸﻌﺒﺔ ﻣﻌﺎً‪ ،‬ﻇﻞ ﺗﺄﺛﯿﺮھﺎ ﻗﺎﺋﻤﺎً إﻟﻰ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺤﺎﺿﺮ " ص ‪. 3 – 2‬‬

‫و ﻓﻌﻼ ‪ ،‬ﻓﺈن ھﺬه اﻟﺤﺮﻛﺔ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﺟﻤﮭﻮرا ﻋﺮﯾﻀﺎ ﻓﻲ أوﺳﺎط اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻔﻘﯿﺮ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ‬

‫ﺗﺒﻘﻰ ﻛﻮﻧﮭﻢ ﻣﺘﻄﺮﻓﯿﻦ ﻧﺤﻮ أﺣﺪ اﻟﺠﺎﻧﺒﯿﻦ ‪ ،‬إﻣﺎ أن ﺗﻨﻜﻔﻲء ﻧﺤﻮ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺴﻠﻤﻲ "إﻟﻰ ﺣﺪ اﻟﺘﺒﻌﯿﺔ" ﻹﺣﺰاب‬

‫اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬أو ﺗﻨﺤﻮ ﻧﺤﻮ اﻟﻌﻨﻒ و اﻹرھﺎب و ﺧﻠﻖ ﺗﻨﻈﯿﻤﺎت ﺗﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ و اﻟﻮﺻﻮل إﻟﻰ اﻟﮭﺪف ﻋﺒﺮ‬

‫اﺳﺘﻌﻤﺎل اﻟﻘﻮة‪.‬‬

‫و ﻟﺤﺪ اﻵن ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ ھﺬه اﻟﺤﺮﻛﺔ أن ﺗﺘﺠﮫ إﻟﻰ اﻟﻤﻮاﺟﮭﺔ اﻟﺴﻠﻤﯿﺔ و ﻣﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﺣﻘﯿﻘﻲ‬

‫‪ ،‬ﺑﻞ إن ﺛﻘﺎﻓﺔ ھﺬه اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ ﻻ ﺗﺘﺴﻢ ﺑﺄي ﻃﺎﺑﻊ ﺣﻮاري ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ ﺣﻘﺎ أﻧﮭﻢ ﻻ ﯾﺘﻼﺋﻤﻮن ـ ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ‬

‫ﻟﺤﺪ اﻵن ـ ﻣﻊ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺘﻌﺪدي اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ ‪ ،‬و ﻣﻨﺬ ﻧﺸﺄة ھﺬا اﻟﺤﺰب أو اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ‪ ،‬ﺗﻈﮭﺮ‬

‫أدﺑﯿﺎﺗﮫ أﻧﮫ ﻻ ﯾﺮدد إﻻ ﺧﻄﺎب "اﻟﻤﻘﺎوﻣﺔ ـ ﻣﺼﺮ و اﻷراﺿﻲ اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﯿﺔ و اﻟﻌﺮاق" و اﻟﻤﻮاﺟﮭﺔ ﻣﻊ‬

‫اﻟﻐﯿﺮ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﻋﻠﻲ اﻟﻌﺸﻤﺎوي ﻓﻲ ﻣﺬﻛﺮاﺗﮫ‪:‬‬

‫" ھﻞ ھﻢ ـ ﯾﻌﻨﻲ ﺟﻤﺎﻋﺔ اﻹﺧﻮان ـ ﻣﺴﺘﻌﺪون ﻟﻠﻘﺒﻮل ﺑﺎﻟﺪﺳﺘﻮر اﻟﻤﺪﻧﻰ واﺣﺘﺮام ﺑﻨﻮده أم أن ﻧﺒﺬ اﻟﻌﻨﻒ‬

‫ﺑﺄﺷﻜﺎﻟﮫ وﺻﻮره ﻣﺠﺮد ﺷﻌﺎرات ﻟﻠﻤﺮﺣﻠﺔ اﻟﺤﺎﻟﯿﺔ‪ ،‬ﺛﻢ ﺗﻌﻮد اﻷﻣﻮر إﻟﻰ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻠﯿﮫ‪ ،‬ھﻞ ﯾﺪرﻛﻮن أن‬

‫ﻓﻰ ﻣﺼﺮ ﻋﺪداً ﻟﯿﺲ ﺑﻘﻠﯿﻞ ﻣﻦ اﻷﻗﺒﺎط‪ ،‬أﻧﮫ ﯾﻨﺒﻐﻰ ﻃﻤﺄﻧﺘﮭﻢ ﻋﻠﻰ أﺣﻮاﻟﮭﻢ ﺧﺎﺻﺔ ان أﺣﺪ ﻗﺎدة اﻹﺧﻮان‬

‫اﻟﺴﺎﺑﻘﯿﻦ ﻛﺎن ﻗﺪ أﻟﻌﻦ ﻛﻼﻣﺎً ﺿﺪ اﻷﻗﺒﺎط‪ ،‬ﺛﻢ اﺿﻄﺮ أن ﯾﻌﺘﺬر ﻋﻨﮫ وھﻮ اﻟﻤﺮﺷﺪ اﻷﺳﺒﻖ ﻣﺼﻄﻔﻰ‬

‫ﻣﺸﮭﻮر‪ ،‬ﻛﻞ ھﺬه اﻷﻣﻮر ﯾﻨﺒﻐﻰ أن ﺗﺪرس ﺑﺠﺪﯾﺔ وأن ﯾﺘﻀﺢ اﻟﻤﻮﻗﻒ ﻣﻦ ﻛﻞ أﻣﺮ ﺑﻮﺿﻮح‪ ،‬وﻟﻌﻠﮭﻢ‬

‫ﯾﺪرﻛﻮن اﻵن أﻧﮭﻢ ﯾﺘﺤﺮﻛﻮن وﺣﺪھﻢ ﺑﻌﯿﺪاً ﻋﻦ ﺑﺎﻗﺔ اﻟﻘﻮى اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ اﻟﺘﻰ اﺑﺘﻌﺪت ﻋﻨﮭﻢ اﻟﻮاﺣﺪة ﺗﻠﻮ‬

‫اﻷﺧﺮى ﻷن اﻷﺳﻠﻮب اﻟﻤﺘﺒﻊ ﻏﯿﺮ ﻣﻘﻨﻊ واﻟﻤﻮﻗﻒ ﻻ ﯾﺤﺘﻤﻞ اﻟﻤﻐﺎﻣﺮات" ص ‪. 12 – 11‬‬

‫إن ھﺬا اﻟﺴﺆال أو ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ اﻷﺳﺌﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻄﺮﺣﮭﺎ اﻟﻌﺸﻤﺎوي ﻻ ﺗﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ـ رﻏﻢ أﻧﮫ ﻻ ﯾﻮﺟﺪ ﻧﻈﺎم دﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻋﺮﺑﻲ أو إﺳﻼﻣﻲ ﯾﺎﺳﺘﺜﻨﺎء اﻟﻌﺮاق ﻣﺎ ﺑﻌﺪ ‪ 2003‬و‬

‫ﻟﺒﻨﺎن ﺣﯿﺚ ﯾﻌﻮد اﻟﻔﻀﻞ ﻟﻠﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ ھﺬه اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ـ ﻓﮭﺬا اﻟﺴﺆال اﻟﻤﮭﻢ ‪ :‬ھﻞ ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ أن‬

‫ﯾُﺸﺎرك إﺳﻼﻣﯿﻮن ﻓﻲ اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ و ﺗﺤﺪﯾﺪا اﻹﺧﻮان "؟ ﯾﻄﺮح و ﺑﺸﻜﻞ أﻛﺜﺮ إﻟﺤﺎﺣﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ‬
‫‪54‬‬

‫اﻟﻤﺆﺳﺴﺎت و اﻟﺨﺒﺮاء اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن ﻃﯿﻔﺎ إﺳﻼﻣﯿﺎ ﻛﺒﯿﺮا ﻃﺮأ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق "ﺑﻌﺪ أن أﻃﺎح‬

‫اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﻮن ﺑﻨﻈﺎﻣﮫ اﻟﺒﻌﺜﻲ" و اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت اﻷراﺿﻲ اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﯿﺔ ﺣﯿﺚ ﻓﺎزت ﺣﻤﺎس و اﻛﺘﺴﺤﺖ اﻟﺴﺎﺣﺔ‬

‫اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﺟﯿﺮﻣﻲ ﺷﺎرب اﻟﻤﺤﻠﻞ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﺑﺎﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ ﻗﺴﻢ اﻟﺸﺌﻮن اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ واﻟﺪﻓﺎع واﻟﺘﺠﺎرة ﻓﻲ‬

‫ﺑﺤﺜﮫ " ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ ﻟﺘﻌﺰﯾﺰ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ‬

‫اﻟﻤﻌﻀﻠﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ـ و ھﻮ ﺑﺤﺚ ﻗﺪﻣﮫ إﻟﻰ اﻟﻜﻮﻧﻐﺮس اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ ﻓﻲ ‪ 15‬ﯾﻮﻧﯿﻮ ‪:2005‬‬

‫وردا ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻟﻤﻌﻀﻠﺔ ‪ :‬ﺗﺴﺎﺋﻞ ﺑﻌﺾ اﻟﺒﺎﺣﺜﯿﻦ ھﻞ ﺳﻮف ﺗﻘﻮم اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ ﺑﺎﻟﺤﺪ‬ ‫"‬
‫ﻣﻦ ﺿﻐﻮﻃﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ﺣﺘﻰ ﺗﻔﺘﺢ ﻣﺠﺎﻻ ﻷﻧﻈﻤﺘﮭﺎ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ واﺣﺘﺮام ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻊ‬

‫اﻟﻌﻠﻢ ﺑﺄن ﻣﺜﻞ ھﺬه اﻟﺨﻄﻮات‪ -‬ﻓﻲ ﺣﺎل ﻧﺠﺎﺣﮭﺎ ‪ -‬ﻗﺪ ﺗﺼﺒﺢ ذا ﻓﺎﺋﺪة ﻛﺒﯿﺮة ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪ .‬إن ﺗﻘﺪﯾﻢ‬

‫ﻗﻮة ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﺷﻌﺒﯿﺔ وﻣﺤﺒﻮﺑﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻟﯿﻮم‪ ,‬إن اﻟﻌﺪﯾﺪ ﻣﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺎت واﻟﻤﺆﺳﺴﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‬

‫اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﺨﻄﺎب ﻣﻌﺎرﺿﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﯿﺮ ﻛﺎﻓﺔ ﻣﻈﺎھﺮ اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ‬

‫ﻟﻠﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ وﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ اﻟﻤﺜﺎل دﻋﻤﮭﺎ ﻹﺳﺮاﺋﯿﻞ واﺣﺘﻼل اﻟﻌﺮاق‬

‫وﺣﺸﺪ اﻟﻮﺟﻮد اﻟﻌﺴﻜﺮي ﻓﻲ اﻟﺨﻠﯿﺞ اﻟﻌﺮﺑﻲ‪ .‬واﻟﺤﻖ أن اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﻤﺖ ﺑﺘﺄﯾﯿﺪ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة‬

‫اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻦ اﻟﻌﺮاق وﻣﺼﺮ واﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﯿﺔ ﻗﺪ ﻋﻤﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﻮﯾﺔ اﻟﻮﺿﻊ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ‬

‫ﻟﻠﻤﺆﺳﺴﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ ﻣﺎ ﯾﺘﻌﻠﻖ ﺑﺤﺮﻛﺔ ﺣﻤﺎس وھﻲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺴﻠﺤﺔ اﻟﺘﻲ رﻓﻀﺖ ﻧﺒﺬ‬

‫اﻟﺴﻼح‪ ".‬ص ‪2 – 1‬‬

‫إن اﻟﻨﻘﻄﺔ اﻷﺧﺮى اﻟﺘﻲ ﯾﻨﺒﻐﻲ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﺎﺣﺚ اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ ﺟﯿﺮﻣﻲ ﺷﺎرب اﻹﻟﺘﻔﺎت إﻟﯿﮭﺎ ھﺎ ھﻨﺎ ‪ ،‬ھﻮ أن‬

‫أﻛﺜﺮ ‪ ،‬ھﺬا إن ﻟﻢ ﻧﻘﻞ ﺟﻤﯿﻊ ‪ ،‬اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ و ﺗﻨﻈﯿﻤﺎﺗﮭﻢ ﻻ ﯾﻘﺘﺼﺮ ﻋﺪاءھﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻮﻻﯾﺎت‬

‫اﻟﻤﺘﺤﺪة ‪ ،‬ﺑﻞ ھﻢ ﯾﻌﯿﺸﻮن ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﻛﺮاھﯿﺔ "اﻟﺤﺪاﺛﺔ" و ﯾﻜﺮھﻮن اﻟﻨﻤﻂ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻓﻲ اﻟﺤﻜﻢ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ‬

‫ھﺬا اﻟﻌﺪاء ﯾﻈﮭﺮ ﺟﻠﯿﺎ ﺗﺠﺎه أﻣﺮﯾﻜﺎ ﻛﻮﻧﮭﺎ أﺑﺮز و أﻗﻮى ﻣﺪاﻓﻊ ﻋﻦ اﻟﻨﻤﻂ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻓﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ‪.‬‬

‫ھﺬا اﻟﺘﺮدد ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺪوﻟﻲ ﺣﻮل إﺷﺮاك اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺘﻌﺪدي اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪ ،‬اﻟﺬي‬

‫ﯾُﺮاد ﺧﻠﻘﮫ ﻓﻲ اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ و ﺷﻤﺎل أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ ‪ ،‬ﻓﻲ ﺟﺰء ﻣﻨﮫ ﯾﻌﻮد إﻟﻰ اﻟﺴﻠﻄﺎت ﻓﻲ اﻟﺒﻠﺪان اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬ھﺬه اﻷﻧﻈﻤﺔ ﺗﺴﺘﺨﺪم ﻣﺨﺎوف اﻟﻐﺮب ﻣﻦ ﺗﻜﺮار اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ اﻟﻤﺸﺆوﻣﺔ و ﺗﻤﻨﻊ‬

‫ﺣﺼﻮل أي ﺗﻄﻮر ﻋﻠﻰ أرض اﻟﻮاﻗﻊ ﺑﻔﻀﻞ ھﺬه اﻹﺷﻜﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ أﯾﻀﺎ ﺗﺒﻘﻰ ﺛﻘﺎﻓﺔ "اﻟﺤﺮب" و ﻟﻐﺔ‬

‫اﻻﻧﺘﻘﺎم و اﻟﻤﺆاﻣﺮة و اﻟﻤﻌﺎرك ‪ ،‬ﻛﺠﺰء أﺳﺎس ﻣﻦ ﺛﻘﺎﻓﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ـ ﺣﺘﻰ اؤﻟﺌﻚ اﻟﻤﻨﺸﻘﯿﻦ ﻋﻨﮭﻢ ـ و‬

‫اﻟﺘﻲ ﻋﺰزت ﺑﺪورھﺎ ﻣﺨﺎوف اﻟﻐﺮﺑﯿﯿﻦ ﻣﻦ اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ﻣﻊ رﻏﺒﺘﮭﻢ ﻓﯿﮫ‪.‬‬

‫ﻘﯿَﻢ ﻛﻜُﻞ و ﺗﺼﻨﯿﻔﮭﺎ إﻟﻰ ﻣﻘﺒﻮل و ﻏﯿﺮ‬


‫ﻣﻊ ﻣﻼﺣﻈﺔ أن ھﺬه اﻟﺤﺮﻛﺎت ﺗﺘﻔﺎوت ﻓﻲ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ھﺬه اﻟ ِ‬

‫ﻣﻘﺒﻮل ‪ ،‬ﻓﻤﺜﻼ ﯾﻮاﻓﻖ أﻏﻠﺐ أو ﻛُﻞ اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ "اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ" اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎت ﻛﻮﺳﯿﻠﺔ ﻹدارة اﻟﺤﻜﻢ ‪،‬‬

‫ﺑﯿﻨﻤﺎ ھﻨﺎك ﻗﻄﺎع إﺳﻼﻣﻲ "اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ اﻟﺴﻠﻔﯿﺔ" و ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ "ﻋﻠﻤﺎء اﻷزھﺮ" ﯾﻌﺘﺒﺮون اﻻﻧﺘﺨﺎب‬

‫"ﻛﻔﺮا ﻣﺤﻀﺎ" و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ "ﺑﺪﻋﺔ ﻣﺴﯿﺤﯿﺔ" ‪ ،‬و ھﺬه اﻟﺤﺮﻛﺎت ﻟﯿﺴﺖ ﺑﺤﺎﺟﺔ إﻟﻰ ﺗﺒﺮﯾﺮات‬

‫ﻟﻌﺪاﺋﮭﺎ ﻟﻠﻐﺮب و ﻣﻈﺎھﺮ اﻟﺤﺪاﺛﺔ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺘﺎرﯾﺦ ﻣﻠﻲء ﺑﺎﻟﺘﺒﺮﯾﺮات ﻟﻠﺪﻓﻊ ﺑﺎﺗﺠﺎه "اﻟﻌﻨﻒ" أو "اﻟﻤﻮاﺟﮭﺔ‬

‫اﻟﻤﺴﻠﺤﺔ" ﻣﻊ اﻵﺧﺮ‪.‬‬

‫و اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻛﻮﻧﮭﻢ اﻣﺘﺪادا ﻟﻠﺤﺮﻛﺔ اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ "رﻏﻢ ﺗﻤﻈﮭﺮھﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﺪاﯾﺔ ﺑﻤﻈﮭﺮ اﻟﺼﻮﻓﯿﺔ"‬

‫ﻓﮭﻲ ﻗﺎﺑﻠﺔ أن ﺗﻜﻮن ﺟﺰءا ﻣﻦ ﺣﺮﻛﺎت اﻟﻌﻨﻒ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ اؤﻟﺌﻚ اﻟﻤﻨﺸﻘـّﻮن ﻋﻨﮭﻢ ﯾﺘﻌﺎﻃﻔﻮن ﻣﻌﮭﻢ ‪ ،‬ھﻢ‬

‫ﻣﺘﺄﺛﺮون ﺑﺎﻟﻤﻨﮭﺞ اﻟﻮھﺎﺑﻲ و اﺑﻦ ﺗﯿﻤﯿﺔ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل ﻋﻠﻲ اﻟﻌﺸﻤﺎوي ﻓﻲ ﻣﺬﻛﺮاﺗﮫ ص ‪: 21‬‬

‫"‪ ،‬وﻟﻜﻨﮭﺎ ﻟﻢ ﺗﻮﺟﺐ ﺗﻜﻔﯿﺮ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‪ ،‬وﻻ ﺗﻜﻔﯿﺮ اﻟﺤﺎﻛﻢ أو اﻟﺨﺮوج ﻋﻠﯿﮫ‪ ،‬واﻟﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟﺠﺎﺋﺮ‬

‫أوﻟﻰ ﻣﻦ اﻟﺨﺮوج ﻋﻠﯿﮫ‪ ،‬اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮوف واﻟﻨﮭﻰ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ ﻣﻦ واﺟﺒﺎت اﻟﺤﺎﻛﻢ ﺣﺴﺐ ﻧﺺ ﻓﺘﻮى‬

‫اﺑﻦ ﺗﯿﻤﯿﺔ‪ ،‬واﻟﺬى ﺑﻠﺒﻞ اﻟﻔﺮق اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ واﻟﺘﻰ ﺗﻨﺠﻮ ﻣﻨﺤﻰ اﻟﺨﻮارج ﻓﻰ ﻓﻘﮫ اﺑﻦ ﺗﯿﻤﯿﺔ" ا ه ‪.‬‬
‫‪55‬‬

‫و اﻟﻤﻼﺣﻆ أن اﻹﺧﻮان رﻏﻢ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﻌﺮﺿﻮا ﻟﮫ ﻣﻦ ﺗﻀﯿﯿﻖ و ﻣﻨﻊ و إﯾﺬاء ‪ ،‬إﻻ أن ﺛﻘﺎﻓﺘﮭﻢ و اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﺘﻤﺤﻮر ﺣﻮل "اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" أو ﻛﻤﺎ ﯾﺼﻔﮭﺎ اﻟﺮﺋﯿﺲ اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ ﺟﻮرج ﺑﻮش ﺑـ"اﻟﻔﺎﺷﯿﺔ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ‪ ،‬ھﺬه اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻧﻔﺴﮭﺎ ھﻲ اﻟﺘﻲ ﺗُﺒﻘﻲ ﻋﻠﻰ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ و ﺗﻤﻨﻊ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻣﻦ اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ‪،‬‬

‫ﻓﮭﺬه اﻟﺤﺮﻛﺎت و ﻣﻦ ﺿﻤﻨﮭﺎ اﻹﺧﻮان ‪ ،‬ﻻ ﺗﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﺪﯾﻦ ﻛﻮﺳﯿﻠﺔ ﺛﻘﺎﻓﯿﺔ ﻟﻠﺘﻐﯿﯿﺮ ﻧﺤﻮ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﯾﻨﻌﻢ‬

‫ﺑﺎﻟﺘﺴﺎﻣﺢ و اﻟﻌﺪل و اﻟﻤﺴﺎواة ‪ ،‬ﺑﻞ ﺗﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﺪﯾﻦ ﻛﻐﺎﯾﺔ و ﻃﻘﻮس اﻟﺪﯾﻦ ﺗﻜﻮن ھﻲ اﻟﮭﺪف ‪ ،‬ﻓﺄي‬

‫ﻣﺠﺘﻤﻊ "ﯾﺮﺟﻢ اﻟﺰاﻧﯿﺔ" و "ﯾﻘﻄﻊ ﯾﺪ اﻟﺴﺎرق" و "ﯾﻔﺮض اﻟﺤﺠﺎب" ‪ ،‬ھﻮ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺳﻌﯿﺪ أو ﻣﺜﺎﻟﻲ ‪ ،‬ﺣﺘﻰ‬

‫ﻟﻮ ﻛﺎن ھﺬا اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﯾﻌﯿﺶ ﻛﺎرﺛﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﺘﻄﺒﯿﻖ اﻟﺤﺪود و اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻤﺴﺤﻮﻗﺔ ﻓﻘﻂ ‪ ،‬و‬

‫ﻛﻤﺎ ﻗﻠﻨﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻹﺧﻮان ﯾﺘﺄرﺟﺤﻮن ﺑﯿﻦ "اﻻﺳﺘﺴﻼم اﻟﺠﺒﺎن ﻟﻠﺤﺎﻛﻢ أو اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮر" أو اﻟﺨﯿﺎر اﻵﺧﺮ "اﻟﻌﻨﻒ‬

‫و اﻟﺘﻔﺨﯿﺦ و اﻟﺬﺑﺢ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ"‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﻋﻠﻲ اﻟﻌﺸﻤﺎوي ﻓﻲ ﻣﺬﻛّﺮاﺗﮫ ص ‪: 22‬‬

‫ﻟﻢ ﯾﻘﻮﻣﻮا ﺑﻌﻘﺎب أﺣﺪ ﯾﻔﻌﻞ‬ ‫" وﯾﻨﺒﻐﻰ أن ﻧﺬﻛﺮ ھﻨﺎ أن أﺗﺒﺎع اﻟﺸﯿﺦ ـ ﯾﻌﻨﻲ اﺑﻦ ﺗﯿﻤﯿﺔ اﻟﺤﻨﺒﻠﻲ اﻟﻜﺮدي ـ‬

‫اﻟﻤﻌﺼﯿﺔ‪ ،‬وﻟﻜﻨﮭﻢ ﻛﺎﻧﻮا ﯾﻘﺒﻀﻮن ﻋﻠﯿﮫ وﯾﺴﻠﻤﻮﻧﮫ ﻟﻠﺸﺮﻃﺔ أو ﻟﻠﻘﺎﺿﻰ‪ ،‬وھﻮ اﻟﺬى ﯾﻘﯿﻢ ﯾﺤﻖ ﻟﮫ ﻋﻘﺎب‬

‫أھﻞ اﻟﺠﻨﺎﯾﺎت وﻗﮭﺮ اﻟﻨﺎس ﻋﻠﻰ إﻟﺰام اﻟﺠﺎدة‪ ،‬إﺗﺒﺎع ﺣﻜﻢ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ وأن اﷲ أوﺟﺐ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮوف‬

‫واﻟﻨﮭﻰ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ‪ ،‬وﻻ ﯾﺘﻢ ذﻟﻚ إﻻ ﺑﻘﻮة وإﻣﺎرة‪ ،‬وﻛﺬﻟﻚ ﺳﺎﺋﺮ ﻣﺎ أوﺟﺒﮫ اﷲ ﻣﻦ اﻟﺠﮭﺎد واﻟﻌﺪل‪ ،‬وإﻗﺎﻣﺔ‬

‫اﻟﺤﺞ واﻟﺠﻤﻊ واﻷﻋﯿﺎد وﻧﺼﺮ اﻟﻤﻈﻠﻮم وإﻗﺎﻣﺔ اﻟﺤﺪود‪ ،‬ﻻ ﺗﺘﻢ إﻻ ﺑﺎﻟﻘﻮة واﻹﻣﺎرة‪ ،‬ﻟﮭﺬا روى "أن‬

‫اﻟﺴﻠﻄﺎن ﻇﻞ اﷲ ﻓﻰ أرض" وﯾﻘﺎل "ﺳﺘﻮن ﺳﻨﺔ ﻣﻦ إﻣﺎم ﺟﺎﺋﺮ أﺻﻠﺢ ﻣﻦ ﻟﯿﻠﺔ واﺣﺪة ﺑﻼ ﺳﻠﻄﺎن" وھﺬا‬

‫ﻛﺎن اﻟﺴﻠﻒ ﻛﺎﻟﻔﻀﯿﻞ ﺑﻦ ﻋﯿﺎض وأﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ وﻏﯿﺮھﻤﺎ ﯾﻘﻮﻟﻮن ‪" :‬ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻨﺎ دﻋﻮة ﻣﺠﺎﺑﺔ ﻟﺪﻋﻮﻧﺎ‬

‫ﺑﮭﺎ ﻟﻠﺴﻠﻄﺎن "وھﻮ ﯾﻌﻨﻰ اﻟﺴﻠﻄﺎن ﺑﺮأ ﻛﺎن أو ﻓﺎﺟﺮاً"‪.‬‬

‫اﻟﻤﻼﺣﻆ ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرات أﻧﮭﺎ ﺗﻌﻜﺲ ﺛﻘﺎﻓﺔ أو "ﻋﻘﻠﯿﺔ" ﻣﺮﯾﻀﺔ ﺑﺤﻖ ‪ ،‬و ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ھﺬه اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ‬

‫ﺣﯿﻨﻤﺎ ﺗﺼﻞ إﻟﻰ أﻋﻠﻰ ھﺮم اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻓﺈﻧﮭﺎ ﺗﺘﺤﻮل إﻟﻰ "اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟﻮاﺟﺐ ﻃﺎﻋﺘﮫ" و أي ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﻟﮫ ﺗﻌﻨﻲ‬

‫اﻻﺻﻄﺪام ﻣﻊ "ﻇﻞّ اﷲ ﻓﻲ اﻷرض" ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻻ أﺟﺪ ﻧﻔﺴﻲ ﻣﺘﻔﺎﺋﻼ ﻓﻲ أن ﯾﻜﻮن ﻟﮭﺆﻻء اﻹﺧﻮان دور‬

‫إﯾﺠﺎﺑﻲ ﻓﻲ اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ اﻟﻘﺎدم ‪ ،‬إن ﻛﺎن ھﻨﺎك ﺗﻐﯿﯿﺮ أﺻﻼ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﻌﺸﻤﺎوي أﯾﻀﺎ ﻓﻲ ﻣﺬﻛّﺮاﺗﮫ ص ‪: 22‬‬

‫" وﻛﺬﻟﻚ ﻗﺮر اﺑﻦ ﺗﯿﻤﯿﺔ أن اﻟﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﻃﺎﻋﺔ اﻟﺠﺎﺋﺮ أوﻟﻰ ﻣﻦ اﻟﺨﺮوج ﻋﻠﯿﮫ‪ ،‬ﻟﻤﺎ ﻓﻰ ذﻟﻚ ﻣﻦ ﻣﻨﻊ‬

‫ﻟﻠﻔﺘﻨﺔ اﻟﺘﻰ ﺗﻨﺘﺞ ﻣﻦ اﻟﺨﺮوج ﻋﻠﯿﮫ‪ ،‬وﺗﻠﻚ ﻟﻸﺑﺮﯾﺎء وﻛﻼ اﻷﻣﺮﯾﻦ ﻣﻜﺮوه‪ ،‬وﻟﻜﻦ أﻗﻮى اﻟﻤﻜﺮوھﯿﻦ ـ أى‬

‫اﻟﻔﺘﻨﺔ واﻟﻘﺘﻞ ـ أوﻟﻰ ﺑﺎﻟﺘﺮك‪ ،‬وﻗﺪ ﻛﺎن اﻟﺸﯿﺦ ﺣﺮﯾﺼﺎً ﻋﻠﻰ ﻋﻼﻗﺎت ﺟﯿﺪة ﻣﻊ أوﻟﻰ اﻷﻣﺮ ﻣﻊ ﻋﺪم‬

‫اﻟﺘﻔﺮﯾﻂ ﻓﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﷲ أو ﺣﻘﻮق اﻟﻨﺎس‪ ،‬وﻗﺪ أﻓﺎدﺗﮫ ﻛﺜﯿﺮاً ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﻄﯿﺒﺔ ﻣﻊ أوﻟﻰ اﻷﻣﺮ ﻓﻰ‬

‫إﺳﺪاء اﻟﻨﺼﺢ ﻟﮭﻢ ﻓﮭﺬا أﻣﺮ ﺷﺮﻋﻲ"‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﺠﺪ أن ﻣﻦ اﻟﺼّﻌﺐ ـ ھﺬا إن ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﺤﯿﻞ ـ أن ﯾﻨﻀﻢ ﻋﻘﻞ ﺑﮭﺬه اﻟﻀﺤﺎﻟﺔ و اﻟﺘﺒﻌﯿﺔ ﻓﻲ‬

‫اﻟﻤﻨﻄﻖ و اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ إﻟﻰ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪ ،‬و ﻛﺄﻧﮫ ﻻ ﯾﻮﺟﺪ ﺧﯿﺎر ﺛﺎﻟﺚ ‪ ،‬ﻓﺈﻣﺎ اﻟﻄﺎﻋﺔ اﻟﻌﻤﯿﺎء‬

‫ﻟﻠﺤﺎﻛﻢ أو ﺗﻜﻔﯿﺮ اﻟﺤﺎﻛﻢ و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻋﻠﻰ ﺣﺪّ ﺳﻮاء‪.‬‬

‫و ﻻ أﻋﺮف ﺣﻘﯿﻘﺔ ﻟﻤﺎذا ﻟﻢ ﯾﺘﺠﮫ ھﺆﻻء إﻟﻰ ﺧﯿﺎر ﺛﺎﻟﺚ )و ھﺬا اﻟﺨﯿﺎر ﯾﺘﻨﺎﻗﺾ ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﯿﺪ ﻣﻊ اﻟﻔﺎﺷﯿﺔ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ( و ھﻮ أن اﻟﺪﯾﻦ ﺷﺄن ﺷﺨﺼﻲ ﻟﻠﺤﺎﻛﻢ و أن إﺳﻼم اﻟﺤﺎﻛﻢ أو ﻣﻦ ھﻮ ﻋﻠﻰ رأس اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻻ‬

‫ﯾﺰﯾﺪ أو ﯾﻨﻘﺺ ﻓﻲ "ﻋﺪاﻟﺘﮫ" و أھﻠﯿﺘﮫ ﻹدارة اﻟﺤﻜﻢ ‪ ،‬و ﯾﻜﻔﻲ دﻟﯿﻼ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ أن اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﻣﺪح‬

‫"اﻟﻨﺠﺎﺷﻲ" ﻣﻠﻚ اﻟﺤﺒﺸﺔ و ﻗﺎل ﻋﻨﮫ‪ :‬إﻧﮫ ﻣﻠﻚ ﻻ ﯾُﻈﻠﻢ ﻋﻨﺪه أﺣﺪ ‪ !!"..‬و ھﻲ ﻋﺒﺎرة ﻗﻄﻌﯿﺔ ﻋﻠﻰ أن‬

‫اﻟﺪﯾﻦ ھﻮ "أﻣﺮ ﺷﺨﺼﻲ"‪.‬‬

‫إن ﺣﺮﻛﺔ اﻹﺧﻮان ﻛﺎﻧﺖ أﻗﺮب إﻟﻰ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺴﻠﻤﻲ ﻓﻲ ﺑﺪاﯾﺎت إﻧﺸﺎءھﺎ ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺄﺛﯿﺮات اﻷزھﺮ آﻧﺬاك ـ‬

‫ﺣﯿﻦ ﻛﺎن ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺘﺼﻮف ﯾﮭﯿﻤﻦ ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻟﺠﺎﻣﻌﺔ اﻟﻌﺮﯾﻘﺔ ـ ﻟﻜﻦ ﺑﻤﺮور اﻟﺰﻣﻦ و ﻋﺒﺮ ﺗﻐﻠﻐﻞ اﻟﻔﻜﺮ‬

‫اﻟﻮھﺎﺑﻲ ﻓﻲ ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﺘﻨﻈﯿﻢ و إﻟﻰ اﻷزھﺮ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬ﺗﻮﺟﮫ اﻹﺧﻮان ﻧﺤﻮ اﻟﻌﻨﻒ و ھﻲ إﺣﺪى أﻋﺮاض‬

‫اﻹﺻﺎﺑﺔ ﺑﺎﻟﻔﯿﺮوس اﻟﻮھﺎﺑﻲ ـ و ﻻ زاﻟﺖ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ ﺗﻔﺘﺨﺮ ﺑﺼﻮرة اﻟﺴﯿﻒ ﻋﻠﻰ ﻋﻠﻤﮭﺎ‬
‫‪56‬‬

‫ـ ﻣﻤﺎ أﺑﻌﺪھﺎ ﺷﯿﺌﺎ ﻓﺸﯿﺌﺎ ﻋﻦ اﻟﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﻮاﻗﻌﯿﺔ ﻟﻠﺴﯿﺎﺳﯿﺔ و ﺟﻌﻠﮭﺎ ذات ﺗﺒﻌﯿﺔ ﻏﯿﺮ وﻃﻨﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮭﺎ‬

‫أﺻﺒﺤﺖ ﺣﺮﻛﺔ ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﺪوﻟﺔ إﻗﻠﯿﻤﯿﺔ ﻟﮭﺎ ﻣﺼﺎﻟﺤﮭﺎ اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ و اﻟﻤﺘﻨﺎﻗﻀﺔ أﺣﯿﺎﻧﺎ أﺧﺮى ﻣﻊ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻣﺼﺮ‬

‫ﻛﺪوﻟﺔ‪.‬‬

‫إن اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ـ ﺣﺎﻟﮫ ﺣﺎل أﻏﻠﺐ اﻟﺘﻨﻈﯿﻤﺎت اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ و اﻟﺴﻨّﻲ ﻣﻨﮭﺎ ﺧﺼﻮﺻﺎ ـ ﻻ‬

‫ﺗﺴﺘﻄﯿﻊ اﻟﻌﯿﺶ ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ و اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻃﻠﻌﺖ رﺿﻮان و ھﻮ أﺣﺪ‬

‫اﻟﻤﺸﺎرﻛﯿﻦ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﺪى "اﻹﺳﻼم و اﻹﺻﻼح" اﻟﻤﺼﺪر اﻟﺴﺎﺑﻖ ج‪ 2‬ص ‪76‬‬

‫" أﻣﺎ أ‪ .‬ﻣﺤﻤﺪ ﺣﺒﯿﺐ ﻧﺎﺋﺐ اﻟﻤﺮﺷﺪ اﻟﺤﺎﻟﻲ ـ ﯾﻌﻨﻲ اﻹﺧﻮان ـ ﻓﻘﺎل "ﻧﺤﻦ ﺟﻤﺎﻋﺔ اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن‬

‫ﻧﺮﻓﺾ أي دﺳﺘﻮر ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ ‪ ،‬وﻋﻠﯿﮫ ﻓﺈﻧﮫ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻸﻗﺒﺎط )ﯾﻘﺼﺪ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ‬

‫ﻷن ﻛﻞ اﻟﻤﺼﺮﯾﯿﻦ أﻗﺒﺎط( أن ﯾُﺸﻜﻠﻮا ﻛﯿﺎﻧﺎً ﺳﯿﺎﺳﯿﺎً ﻓﻲ ھﺬه اﻟﺒﻼد‪ .‬وﺣﯿﻦ ﺗﺘﺴﻠﻢ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻣﻘﺎﻟﯿﺪ اﻟﺴﻠﻄﺔ‬

‫واﻟﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻓﺈﻧﮭﺎ ﺳﻮف ﺗُﺒﺪل اﻟﺪﺳﺘﻮر اﻟﺤﺎﻟﻲ ﺑﺪﺳﺘﻮر إﺳﻼﻣﻲ ﯾﺤﺮم ﺑﻤﻮﺟﺒﮫ ﻛﺎﻓﺔ ﻏﯿﺮ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‬

‫ﻣﻦ ﺗﻘﻠﺪ أي ﻣﻨﺎﺻﺐ ﻋﻠﯿﺎ ﻓﻲ اﻟﺪوﻟﺔ أو ﻓﻲ اﻟﻘﻮات اﻟﻤﺴﻠﺤﺔ‪ ،‬وأﻧﮫ ﻣﻦ اﻟﻀﺮوري أن ﻧﻮﺿﺢ أن ھﺬه‬

‫اﻟﺤﻘﻮق إﻧﻤﺎ ﺳﺘﻜﻮن ﻗﺎﺻﺮة ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ وﺣﺪھﻢ دون ﺳﻮاھﻢ" وﻣﺎ ذﻛﺮه أ‪ .‬ﻣﺤﻤﺪ ﺣﺒﯿﺐ ھﻮ ﺗﺮدﯾﺪ‬

‫واﻟﺘﺰام ﺑﻤﺎ ورد ﻓﻲ ﻛﺘﯿﺐ ﺑﺎﺳﻢ )ﻧﻤﻮذج اﻟﺪﺳﺘﻮر اﻹﺳﻼﻣﻲ(‪ ،‬ﺻﺪر ﻓﻲ ﻟﻨﺪن ﻋﺎم ‪ 1984‬ﻧﺺ ﻓﯿﮫ ﻋﻠﻰ‬

‫أن "ﻣﻮاﻃﻨﺔ اﻟﺪوﻟﺔ ﺣﻖ ﻟﻜﻞ ﻣﺴﻠﻢ ﻓﻘﻂ" ﺑﻞ إن اﻟﺸﻄﻂ اﻷﺻﻮﻟﻲ وﺻﻞ إﻟﻰ درﺟﺔ أن ﯾﻌﻠﻦ أ‪ .‬ﻣﺤﻤﺪ‬

‫ﻣﮭﺪي ﻋﺎﻛﻒ ﻣﺮﺷﺪ اﻹﺧﻮان اﻟﺤﺎﻟﻲ أن "اﻟﺤﻜﻢ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻲ ﻟﻤﺼﺮ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ اﺣﺘﻼﻻً‪ ،‬وﻟﻮ أن ﺧﻠﯿﻔﺔ ﻣﻦ‬

‫ﻣﺎﻟﯿﺰﯾﺎ ﺣﻜﻢ ﻣﺼﺮ ﻻ ﯾﻜﻮن ﻣﺤﺘﻼً"‪.‬‬

‫ُﺸﻜﻚ ﻓﻲ ﻣﺼﺪاﻗﯿﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ـ اﻹﺧﻮان ﺗﺤﺪﯾﺪا ـ ﺗﺠﺎه اﻟﻤﻤﺎرﺳﺔ‬


‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﺈن ﻣﻦ ﺣﻖ اﻟﺠﻤﯿﻊ أن ﯾ‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و اﻟﻌﯿﺶ ﻣﻊ ﻣﻔﮭﻮم اﻟﻤﻮاﻃﻨﺔ ﺑﺎﻟﻤﺼﻄﻠﺢ اﻟﺤﺪﯾﺚ ‪ ،‬و أن اﻟﻤﺴﺎواة اﻟﺘﻲ ﯾﺤﺪﺛﻨﺎ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن‬

‫ﻋﻨﮭﺎ ‪ ،‬ﻻ ﺗﻌﺪوا أن ﺗﻜﻮن ﻣﺴﺎواة ﺷﻜﻠﯿﺔ و ﻏﯿﺮ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﺗﻌﺮﯾﻔﮭﻢ و ﻣﺼﻄﻠﺤﮭﻢ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ‬

‫ﺿﺒﺎﺑﻲ ﻋﻠﻰ اﻷﻏﻠﺐ‪.‬‬

‫إن اﻹﺧﻮان ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ ﯾﻤﺰﺟﻮن ﺑﯿﻦ ﻧﻘﯿﻀﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﺘﺎرة ﯾﺘﻘﺮﺑﻮن ﻣﻦ اﻟﺤﺪاﺛﺔ و إن ﻛﺎن ﺑﺤﺬر ‪ ،‬و ﺗﺎرة‬

‫أُﺧﺮى ﯾﺤﻠﻘﻮن ﻓﻲ ﻓﻀﺎء اﻟﺘﻨﻈﯿﺮ اﻟﻤﺜﺎﻟﻲ ﻟﺪوﻟﺔ "اﻟﺨﻼﻓﺔ" اﻟﻤﺰﻋﻮﻣﺔ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ ﺗﻨﻈﯿﺮا ﺷﺒﯿﮭﺎ‬

‫ﻷﻃﺮوﺣﺔ ﻃﺎﻟﺒﺎن و ﺗﻨﻈﯿﻢ اﻟﻘﺎﻋﺪة ‪ ،‬و ھﺬا اﻟﻤﺰج ھﻮ أﻣﺮ ﻏﯿﺮ ﻣﻘﺒﻮل ﻓﻲ اﻟﻌﺮف اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ و ھﻮ أﺷﺒﮫ‬

‫ﺑﻘﺒﻮل اﻻﺣﺘﻜﺎم إﻟﻰ اﻟﻘﺎﻧﻮن و رﻓﻀﮫ ﻓﻲ آن واﺣﺪ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﺗﻌﺎﻃﻒ اﻟﺤﺮﻛﺔ ﻣﻊ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻹﺳﺘﺒﺪادﯾﺔ‬

‫"ﺗﻌﺎﻃﻔﻮا ﻣﻊ ﺻﺪام ﺣﺴﯿﻦ و اﻋﺘﺒﺮوه رﻣﺰا ﻟﻤﺎ ﯾُﺴﻤﻰ ﺑﺎﻟﻤﻘﺎوﻣﺔ ﻛﻤﺎ ھﻮ واﺿﺢ ﻣﻤﺎ ھﻮ ﻣﻨﺸﻮر ﻋﻠﻰ‬

‫" ﯾﺠﻌﻠﻨﺎ ﻧﺸﻜّﻚ ﻣﻊ اﻟﻤﺸﻜﻜﯿﻦ ‪www.ikhwanonline.org‬ﻣﻮﻗﻊ اﻹﺧﻮان ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻋﻠﻰ اﻹﻧﺘﺮﻧﺖ‬

‫ﻓﻲ ﻧﻮاﯾﺎھﻢ اﻟﺤﻘﯿﻘﯿﺔ ‪.‬‬

‫و ﻟﻜﻦ ھﺬا ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أﯾﻀﺎ أن اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ﻏﯿﺮ ﻣﻤﻜﻦ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈن اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة و ﻣﻌﮭﺎ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﻮن و‬

‫اﻷورﺑﯿﻮن ﯾﺤﺎوﻟﻮن دﻓﻊ اﻹﺧﻮان ﻧﺤﻮ ھﺬا اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ اﻟﺤﻮار ﻣﻌﮭﻢ و ﻣﻊ ﺣﺰب اﷲ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ ‪،‬‬

‫ﻟﻜﻦ ﻣﻮﻗﻊ اﻹﺧﻮان ﻋﻠﻰ اﻟﺸﺒﻜﺔ اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ ﯾﻨﻔﻲ و ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺘﻜﺮر أﻧﮫ أﻗﺎم أي ﺣﻮار ﻣﻊ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة‬

‫أو أي ﺟﮭﺔ ﺣﻜﻮﻣﯿﺔ ﻏﺮﺑﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﻤﻘﺎﺑﻞ ﯾُﺼﺮّ "ﻋﻠﻲ اﻟﻌﺸﻤﺎوي" ﻓﻲ ﻣﺬﻛﺮاﺗﮫ ﻋﻠﻰ أن اﻹﺧﻮان ھﻢ‬

‫"ﻋﻤﻼء أﻣﺮﯾﻜﺎ و اﻟﻐﺮب" ‪ ،‬و ھﻲ ﻣﺤﺎوﻟﺔ واﺿﺤﺔ ﻟﻜﺴﺐ رأي اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﺸﻌﺒﯿﺔ ﻟﻺﺧﻮان اﻟّﺘﻲ ﺗﺆﻣﻦ‬

‫ﺑﻨﻈﺮﯾﺔ "اﻟﻤﺆاﻣﺮة" ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟﻌﺸﻤﺎوي‪:‬‬

‫"وﻟﻘﺪ ورد ﻋﻠﻰ ﻟﺴﺎن أﺣﻤﺪ ﻣﻨﺼﻮر ﻓﻰ ﻣﻘﺎل اﻷﺳﺒﻮع اﻟﻤﺎﺿﻰ اﻟﺨﺒﺮ اﻵﺗﻲ )ﻧﺠﺢ اﻟﯿﺴﺘﺮ ﻛﺮوك ﻓﻰ‬

‫ﻋﻘﺪ ﻟﻘﺎء ﻏﯿﺮ ﻣﺴﺒﻮق ﻓﻰ ﺑﯿﺮوت ﯾﻮﻣﻰ ‪ 22 ،21‬ﻣﺎرس اﻟﻤﺎﺿﻰ ﺑﯿﻦ ﺷﺨﺼﯿﺎت أﻣﺮﯾﻜﯿﺔ ﻣﻘﺮﺑﺔ ﻣﻦ‬

‫دواﺋﺮ ﺻﻨﻊ اﻟﻘﺮار ﻓﻰ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة‪ ،‬وﻗﺎدة أو ﻣﻤﺜﻠﯿﻦ ﻟﺒﻌﺾ اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻰ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ‪،‬‬

‫وﻛﺎن ﻣﻦ أﺑﺮز اﻟﺸﺨﺼﯿﺎت ﻣﻦ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻷﻣﺮﯾﻜﻰ ﻣﻠﯿﻚ ﺑﯿﺮن ﻣﺪﯾﺮ ﻋﻤﻠﯿﺎت وﻛﺎﻟﺔ اﻻﺳﺘﺨﺒﺎرات‬

‫اﻟﻤﺮﻛﺰﯾﺔ اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ اﻟﺴﺎﺑﻖ ﻓﻰ أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن‪ ،‬وﺟﺮاھﺎم ﻓﻮﻟﺮ ھﻮ ﻣﺴﺌﻮل ﺳﺎﺑﻖ ﻋﻦ ﻣﺮﻛﺰ دراﺳﺎت‬

‫اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ ﻓﻰ اﻟـ )ﺳﻰ أي أﯾﮫ( واﻟﻔﺮﯾﺪ وھﻮف ﻣﺴﺎﻋﺪ وزﯾﺮ اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ اﻷﺳﺒﻖ وﻣﺪﯾﺮ‬

‫ھﯿﺌﺔ ﻣﯿﺘﺸﻞ اﻟﺘﻰ ﻗﺎدت اﻟﻤﻔﺎوﺿﺎت ﻓﻰ أﯾﺮﻟﻨﺪا‪ ،‬وﺟﻮرج ﻛﺮاﯾﻞ اﻟﻤﻨﺘﺞ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬي ﻟﺒﺮﻧﺎﻣﺞ "ﺳﺘﻮن دﻗﯿﻘﺔ"‬
‫‪57‬‬

‫أﺷﮭﺮ ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ ﻟﻠﺘﺤﻘﯿﻖ اﻟﻮﺛﺎﺋﻘﻲ اﻟﺘﻠﯿﻔﺰﯾﻮﻧﻲ ﻓﻰ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة‪ ،‬وﺑﻮﺑﻰ ﻣﻮﻟﺮ رﺋﯿﺲ ﺟﻤﻌﯿﺔ‬

‫اﻟﻤﺤﺎرﺑﯿﻦ اﻟﻘﺪاﻣﻰ ﻓﻰ ﻓﯿﺘﻨﺎم وأﺣﺪ اﻟﺸﺨﺼﯿﺎت اﻟﺒﺎرزة ﻓﻰ اﻟﺤﺰب اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻰ اﻷﻣﺮﯾﻜﻰ وھﻮ ﺻﺪﯾﻖ‬

‫ﻣﻘﺮب ﻣﻦ ﻣﺮﺷﺢ اﻟﺮﯾﺎﺳﺔ اﻟﺴﺎﺑﻖ ﺟﻮن ﻛﯿﺮى واﻟﺴﯿﺪة ھﯿﻼري ﻛﻠﯿﻨﺘﻮن‪ ،‬أﻣﺎ ﻋﻦ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﻲ‬

‫ﺑﺨﻼف ﻛﺮوك ﻓﻘﺪ ﺣﻀﺮ ﺳﻔﯿﺮ ﺑﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺎ اﻟﺴﺎﺑﻖ ﻋﻦ ﺳﻮرﯾﺎ واﻟﺪﻛﺘﻮرة ﺑﯿﻔﺮﻟﻰ ﻣﻠﯿﺘﻮن إدوارز‬

‫اﻟﻤﺤﺎﺿﺮة ﺑﺠﺎﻣﻌﺔ ﻛﻮﯾﻨﺰ ﻓﻰ ﺑﯿﻠﻔﺎﺳﺖ ﺑﺄﯾﺮﻟﻨﺪا‪ ،‬وﺣﻀﺮ ﻣﻨﺪوﺑﻮن ﻣﻦ ﻣﺤﻄﺘﻰ اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻔﻀﺎﺋﯿﺔ‬

‫واﻟﺒﻰ ﺑﻰ ﺳﻰ ﻣﻤﺜﻠﺔ اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﺣﻀﺮ ﻣﻤﺜﻠﻮن ﻷرﺑﻌﺔ ﺗﻨﻈﯿﻤﺎت إﺳﻼﻣﯿﺔ ھﻰ ﺣﺰب اﷲ‬

‫اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻰ وﻣﺜﻠﮫ ﻧﻮاف اﻟﻤﻮﺳﻮى اﻟﻤﺴﺌﻮل اﻟﺴﯿﺎﺳﻰ ﻓﻰ اﻟﺤﺰب‪ ،‬وﻣﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻰ ﻟﺒﻨﺎن‬

‫وﻣﺜﻠﮭﺎ إﺑﺮاھﯿﻢ اﻟﻤﺼﺮى وأﺣﻤﺪ ھﺮﻣﻮش‪ ،‬وﺣﺮﻛﺔ اﻟﻤﻘﺎوﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ "ﺣﻤﺎس" وﻣﺜﻠﮭﺎ ﻣﻮﺳﻰ أﺑﻮ‬

‫ﺣﻤﺪان وﺗﺮددت ﺣﺮﻛﺔ اﻹﺧﻮان ﻓﻰ ﻣﺼﺮ ﻋﻦ اﻟﺤﻀﻮر وﻟﻜﻦ ﺣﻀﺮ ﻣﻨﺪوب اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻰ‬

‫ﻟﺒﻨﺎن اﻟﺬى ﯾﻌﺘﺒﺮ اﻣﺘﺪاداً ﻃﺒﯿﻌﯿﺎً ﻟﻺﺧﻮان‪ ،‬وﻗﺒﻠﮭﺎ ﻋﺒﺪاﻟﻐﻔﺎر ﻋﺰﯾﺰ وﻣﺤﻤﺪ إﺑﺮاھﯿﻢ ﺧﺎﻟﺪ وﻋﺎﻃﻒ ﻟﻘﻤﺎن‬

‫ﻗﺎﺿﻰ" – اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﺴﺮي ﻟﻺﺧﻮان ص ‪ 28‬ـ ‪29‬‬

‫إﻧﻨﻲ ھﺎ ھﻨﺎ ﻟﺴﺖ ﻓﻲ ﻣﻮﻗﻊ اﻟﻤﺪاﻓﻊ ﻋﻦ اﻹﺧﻮان ‪ ،‬ﻓﻌﺪم ﻋﻤﺎﻟﺘﮭﻢ ﻟﻠﻐﺮب ﻟﯿﺲ ﺗﻨﺰﯾﮭﺎ ﻟﮭﺬا اﻟﺘﯿﺎر‬

‫اﻟﻤﺘﻄﺮف و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺄﻧﺎ ﻻ أﻧﻈﺮ إﻟﯿﮫ ﻋﻠﻰ أﻧﮫ ﺗﯿﺎر وﻃﻨﻲ ‪ ،‬اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻛﺎﻧﻮا دوﻣﺎ ﺳﺒﺒﺎ ﻓﻲ‬

‫اﺳﺘﻤﺮار اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ و ﺗﺠﻤﯿﺪ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ و ﻧﺸﺮ ﺛﻘﺎﻓﺔ اﻹرھﺎب ‪ ،‬ﺑﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻜﺲ ‪ ،‬أﻋﺘﻘﺪ أن اﻹﺧﻮان‬

‫ﯾﺨﺪﻣﻮن اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻌﺮﺑﻲ و اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻦ ﺧﻼل وﻗﻮﻓﮭﻢ ﺑﻮﺟﮫ اﻟﺘﺤﺪﯾﺚ ‪ ،‬و‬

‫اﻟﻌﺸﻤﺎوي ﻧﻔﺴﮫ ﻓﻲ ﻣﺬﻛﺮاﺗﮫ ﯾﻈﮭﺮ ھﺬا اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻘﻮل‪:‬‬

‫" اﻟﮭﺠﻮم ﻋﻠﻰ ﻣﺮﻛﺰ اﻟﺘﺠﺎرة اﻟﻌﺎﻟﻤﻰ ﺑﻨﯿﻮﯾﻮرك وﻣﻌﮫ ﻣﺒﻨﻰ اﻟﺒﻨﺘﺎﺟﻮن ﺑﻮاﺷﻨﻄﻦ ﺛﻢ اﻟﮭﺠﻮم اﻟﻜﺒﯿﺮ‬

‫اﻟﺬى ﺣﺪث ﻓﻰ ﻣﺪرﯾﺪ‪ ،‬واﻧﺘﮭﻰ اﻷﻣﺮ ﺑﺘﻔﺠﯿﺮ ﻗﻄﺎرات ﻟﻨﺪن‪ ،‬وﯾﻌﻠﻢ اﷲ ھﻞ ھﺬا ﺳﺘﻜﻮن اﻟﻨﮭﺎﯾﺔ‪ ،‬أم أن‬

‫ھﻨﺎك ﻋﻤﻠﯿﺎت أﺧﺮى ﻓﻰ اﻟﻐﯿﺐ؟ ﻋﻤﻠﯿﺎً ﺟﻌﻠﺖ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ واﻹﺳﻼم أﻣﺮاً ﻣﺨﯿﻔﺎً ﻣﺮﻋﺒﺎً ﻟﻠﻨﺎس ﻓﻰ‬

‫ﺟﻤﯿﻊ أﻧﺤﺎء اﻟﻌﺎﻟﻢ‪ ،‬ووﺿﻌﺖ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻓﻰ ﻣﻮﺿﻊ اﻟﺪﻓﺎع واﻟﺘﺮاﺟﻊ اﻟﻤﺴﺘﻤﺮ‪ ،‬ﺧﺴﺎرة ﻛﻞ ﯾﻮم‪ ،‬وھﺠﻮم‬

‫ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﯾﻮﻣﯿﺎً ﺣﺘﻰ ﺻﺎر اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن إرھﺎﺑﯿﯿﻦ وﻗﺘﻠﺔ وﺳﻔﺎﻛﻰ دﻣﺎء‪ ،‬ھﺬه ﺻﻮرة اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ اﻵن‪،‬‬

‫ﺣﺘﻰ اﻟﮭﺠﻮم ﻋﻠﻰ اﻹﺳﻼم ﻣﻮﺿﺔ ﺷﺎﺋﻌﺔ ﻓﻰ اﻟﻐﺮب‪ .‬ﻗﺪ أﻋﻠﻨﺖ ﺑﺎﻛﺴﺘﺎن أﻧﮭﺎ ﺳﻮف ﺗﺮاﻗﺐ اﻟﻤﺪارس‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪ ،‬وﺳﻮف ﺗﻐﻠﻖ أﯾﺔ ﻣﺪرﺳﺔ ﺗﺪرس اﻟﺠﮭﺎد‪ ،‬أﯾﻦ اﻹﺧﻮان ﻣﻦ ﻛﻞ ذﻟﻚ‪ ،‬ﻓﻠﻢ أﺳﻤﻊ ﻣﻨﮭﻢ أى دﻓﺎع‬

‫ﻋﻦ اﻹﺳﻼم أو ﺗﺒﺮﯾﺮ وﺷﺮح ﻟﻠﺠﮭﺎد اﻟﺬى ھﻮ أﺣﺪ اﻷرﻛﺎن اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ ﻓﻰ ﺳﯿﺎﺳﺔ اﻹﺧﻮان اﻟﻤﻌﻠﻨﺔ‪،‬‬

‫واﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أن اﻟﺪﻓﺎع اﻟﺬى أرﻗﺄه ﻣﻨﮭﻢ ﻛﻞ ﯾﻮم أن ﺳﯿﺎﺳﺔ أﻣﺮﯾﻜﺎ وﺑﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺎ ھﻰ اﻟﺘﻰ ﺗﺪﻓﻊ اﻟﻨﺎس إﻟﻰ ھﺬه‬

‫اﻷﻓﻌﺎل ﻗﻮل ﻣﺮدود‪ ،‬ﻓﻼ ﯾﻨﺒﻐﻰ أن ﯾﻜﻮن ھﺬا ھﻮ اﺳﺘﻌﻤﺎل اﻟﺪﯾﻦ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﺴﻜﻮت ﻋﻠﻰ اﻟﺨﻄﺄ أورث اﻷﻣﺔ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﺘﺮاﺟﻊ واﻻﻧﺤﺴﺎر" اﻟﻤﺼﺪر اﻟﺴﺎﺑﻖ ص ‪.31‬‬

‫ﻓﻠﻮ ﻛﺎن اﻹﺧﻮان ﻋﻤﻼء ﻟﻠﻐﺮب ﻛﻤﺎ ﯾﺰﻋﻢ اﻟﺒﻌﺾ و اﻟﻌﺸﻤﺎوي أﺣﺪھﻢ ‪ ،‬ﻓﻠﻤﺎذا ﯾﻘﻮم اﻹﺧﻮان‬

‫ﺑﺎﻟﺘﺒﺮﯾﺮ و اﻟﺪﻓﺎع ﻋﻦ اﻹرھﺎﺑﯿﯿﻦ و اﻹﻧﺘﺤﺎرﯾﯿﻦ و إﻃﻼق ﺻﻔﺔ "اﻟﻤﻘﺎوﻣﺔ" ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻟﺠﺮاﺋﻢ ؟! ﻟﻜﻲ‬

‫ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﻧﺤﻠﻞ أي ﻇﺎھﺮة أو ﻣﻨﮭﺞ ﺳﯿﺎﺳﻲ ﯾﺘﻮﺟﺐ ﻋﻠﯿﻨﺎ أن ﻧﺤﻠﻠﮭﺎ ﺑﺪون ﻧﻈﺮﯾﺎت ﺧﯿﺎﻟﯿﺔ أو ﻏﯿﺮ‬

‫واﻗﻌﯿﺔ و ﻣﻦ ﺿﻤﻨﮭﺎ "ﻧﻈﺮﯾﺔ اﻟﻤﺆاﻣﺮة" اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ و ﻻ زال اﻟﺴﺒﺐ ﻓﻲ ھﯿﻤﻨﺔ أﻧﻈﻤﺔ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ‬

‫ﻣﺴﺘﺒﺪة‪.‬‬

‫ﻓﺄﯾﻦ ﻛﺎﻧﺖ ھﺬه اﻷﻣﺔ ﯾﺎ ﺗﺮى؟! ھﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺎﺋﻤﺔ ﻓﻲ ﻗﻤﻘﻢ "ﻋﻼء اﻟﺪﯾﻦ" و ﺗﻈﻦ ھﺬه اﻷﻣﺔ أﻧﮭﺎ ﻻ‬

‫ﺗﺰال ﻓﻲ اﻟﻌﺼﺮ اﻟﻌﺒﺎﺳﻲ ؟! إن اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﻛﻤﺎ ﯾﻔﺴﺮھﺎ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﯾﺘﻌﻠﻖ ﺣﻘﯿﻘﺔ ﺑﺎﻟﺼﺮاع‬

‫ﺑﯿﻦ أُﻣﺔ إﺳﻼﻣﯿﺔ ﺗﻘﻒ ﻣﻊ اﻟﺮﺟﻌﯿﺔ و اﻟﺘﺨﻠﻒ و اﻷﻧﻤﺎط اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ ﻟﻠﺤﻜﻢ أو اﻻﻧﻀﻤﺎم إﻟﻰ اﻟﻤﻌﺴﻜﺮ‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺤﺮ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﻨﻲ أﻋﺘﻘﺪ أﯾﻀﺎ أن ﺑﻘﺎء اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ھﻮ أﺣﺪ أھﻢ أﺳﺒﺎب ﺗﺮﺳﱡﺦ ﻧﻈﺮﯾﺎت‬

‫اﻟﻤﺆاﻣﺮة اﻟﺨﺎرﺟﯿﺔ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﻋﻠﻲ اﻟﻌﺸﻤﺎوي ﻓﻲ ﻣﺬﻛﺮاﺗﮫ ص ‪: 41‬‬

‫" وﻓﻰ اﻟﻨﮭﺎﯾﺔ ﻓﻰ ﻣﺮﺣﻠﺘﻨﺎ ھﺬه ﻓﺈن ﺗﻠﻚ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺘﻰ ﯾﺘﻜﻠﻤﻮن ﻋﻨﮭﺎ اﻵن ھﻰ واﻓﺪة ﻣﻦ‬

‫أﻣﺮﯾﻜﺎ‪ ،‬ﺑﻞ أن ﯾﻜﻮن ﻟﮭﻢ ﻓﯿﮭﺎ ﻣﺄرب ﻛﺜﯿﺮة وﻣﻨﺎﻓﻊ ﺷﺘﻰ وإﻻ ﻣﺎ ﺣﺎوﻟﻮا ﻓﺮﺿﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺎﻟﻢ‪ ،‬ﻟﻘﺪ وﺻﻞ‬
‫‪58‬‬

‫ﺑﻨﺎ اﻟﺸﻚ ﻓﻰ ﻛﻞ ﻣﺎ ﯾﺄﺗﻰ ﻣﻦ ھﻨﺎك إﻟﻰ ھﺬا اﻟﻤﺪى ﻷن اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﻣﺮﯾﺮة ﻓﯿﻤﺎ ﯾﺤﺎوﻟﻮن ﻓﺮﺿﮫ ﻋﻠﻰ اﻟﺪول‬

‫اﻟﻨﺎﻣﯿﺔ ﻣﻨﺬ زﻣﻦ ﺑﻌﯿﺪ‪ .‬واﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ھﻨﺎ ﻓﻰ ﻛﻞ اﻷﺣﻮال ﻧﺴﯿﺮ ﺧﻠﻔﺎً ﯾﻄﻠﺐ ﻣﻨﺎ ﻣﻔﻘﻮدى اﻹرادة‪ ،‬ﻣﺴﻠﻮﺑﻰ‬

‫اﻟﻔﻜﺮ واﻟﻌﺰم‪ ،‬ﺣﺘﻰ وﻟﻮ أدى ﺑﻨﺎ ھﺬا إﻟﻰ اﻟﻮﻗﻮع ﻓﻰ اﻟﻤﮭﺎﻟﻚ‪ ،‬ﻧﮭﻢ ﯾﺨﻄﻄﻮن وﻧﺤﻦ ﻧﻨﻔﺬ‪ ،‬واﻟﻐﺮﯾﺐ أن‬

‫اﻟﺒﻌﺾ ﯾﺘﺼﻮر أﻧﮫ ﯾﻨﺎﻗﺶ وﯾﻀﻐﻂ وأﻧﮫ ﯾﻐﯿﺮ ﻣﺎ ھﻮ ﻣﻮﺿﻮع ‪ ..‬وﻟﻜﻦ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أﻧﮭﺎ ﻟﻌﺒﺔ وﻧﺤﻦ أدواﺗﮭﺎ‬

‫وﻟﺴﻨﺎ ﻻﻋﺒﯿﻦ أﺻﻠﯿﯿﻦ ﻓﯿﮭﺎ‪ ،‬ﺑﻞ وﻻ ﻧﻤﻠﻚ أدوات اﻟﺪﺧﻮل ﻓﻰ اﻟﻤﻠﻌﺐ ﻛﻼﻋﺒﯿﻦ‪ ،‬ھﻞ أدرك اﻹﺧﻮان ذﻟﻚ‬

‫ﺣﯿﻦ ﯾﻨﺘﻘﻠﻮن ﻣﻦ ﻣﻄﺐ وﯾﻘﻌﻮن ﻓﻰ ﺣﻔﺮة أﻋﻤﻖ وھﻜﺬا‪ ،‬ﻓﺎﻟﻤﺴﯿﺮة ﻟﯿﺲ ﻓﯿﮭﺎ ﻣﻨﮭﺎج إﺳﻼﻣﻰ وﻟﻜﻦ ﻛﻠﮭﺎ‬

‫أﻓﻜﺎر ﻣﺴﺘﻮردة وﻧﺤﻦ ﻧﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻌﮭﺎ ﺑﻨﻔﺲ اﻷﺳﻠﻮب اﻟﺬى ﻧﺠﯿﺪه ‪ ..‬وھﻜﺬا ﻓﻘﺪ ﻓﻘﺪﻧﺎ اﻟﺮؤﯾﺔ وﺿﻠﻨﺎ‬

‫اﻟﻄﺮﯾﻖ ﺣﯿﺚ اﻟﻮﺳﯿﻠﺔ ﻏﯿﺮ إﺳﻼﻣﯿﺔ وﺳﻮف ﺗﺆدى إﻟﻰ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻏﯿﺮ إﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﺎﻟﻤﻨﺎھﺞ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻻﺑﺪ أن‬

‫ﯾﺆدى ﺑﺎﻟﻀﺮورة إﻟﻰ ﻧﺘﺎﺋﺞ إﺳﻼﻣﯿﺔ واﻟﻌﻜﺲ ﺻﺤﯿﺢ"‪.‬‬

‫إن اﻟﻌﺸﻤﺎوي و إن ﻛﺘﺐ ﺿﺪ اﻹﺧﻮان ﻓﮭﻮ إﺑﻦ اﻟﺒﯿﺌﺔ اﻹﺧﻮاﻧﯿﺔ اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻓﻜﺮة اﻟﺼﺮاع و‬

‫اﻟﻜﺮاھﯿﺔ و اﻟﺘﺸﻜﯿﻚ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮار ﺑﺎﻵﺧﺮ و ﻧﯿﺘﮫ ‪ ،‬و ھﻮ ﯾﺸﺒﮫ إﻟﻰ ﺣﺪّ ﻣﺎ ﻋﻘﻠﯿﺔ و ﻣﻨﻄﻖ "ﺻﺒﺤﻲ اﻟﻄﻔﯿﻠﻲ‬

‫ـ اﻷﻣﯿﻦ اﻟﻌﺎم اﻟﺴﺎﺑﻖ ﻟﺤﺰب اﷲ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ" ‪ ،‬ﻓﻜﻼھﻤﺎ اﺗﺨﺬ ﻣﻮﻗﻒ اﻟﻤﻌﺎرﺿﺔ ﺑﺤﺠﺔ أن "اﻹﺧﻮان" و‬

‫"ﺣﺰب اﷲ" ﻟﻢ ﯾﺪﺧﻼ ﻓﻲ ﻣﻮاﺟﮭﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ﻣﻊ إﺳﺮاﺋﯿﻞ و اﻟﻐﺮب ‪ ،‬و ھﺬه ﺣﻘﺎ ﻇﺎھﺮة ﺧﻄﯿﺮة أن ﯾﺤﺪث‬

‫اﻧﺸﻘﺎق داﺧﻞ ھﺬه اﻟﺘﯿﺎرات ‪ ،‬ﻟﯿﺲ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻹﺻﻼح و اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ‪ ،‬ﺑﻞ ﻣﻦ أﺟﻞ اﺗﺨﺎذ اﻟﻤﺰﯾﺪ ﻣﻦ ﻣﻮاﻗﻒ‬

‫اﻟﺘﻄﺮف و ﺳﺒﻞ اﻟﻌﻨﻒ و اﻹرھﺎب ‪ ،‬ﺑﻞ إن ھﺆﻻء ر ﯾﻌﺮﻓﻮن ﺣﺘﻰ أﺑﺴﻂ أﺳﺎﻟﯿﺐ "اﻟﻤﻮاﺟﮭﺔ اﻟﺴﻠﻤﯿﺔ"‬

‫ﻣﻊ اﻷﻧﻈﻤﺔ و ﻣﻊ اﻟﻐﺮب‪.‬‬

‫ﻟﻘﺪ ﻛﺎن "ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ" ھﻮ اﻟﺨﻄﻮة اﻟﻮاﺿﺤﺔ اﻷوﻟﻰ ﻓﻲ اﻟﻌﺼﺮ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﺑﺎﺗﺠﺎه دﻓﻊ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻧﺤﻮ‬

‫"اﻟﺘﻄﺮف" و "اﻹرھﺎب" و ﻗﻤﻊ اﻵﺧﺮ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻛﺎن ﺿﺤﯿﺔ اﻟﻘﻤﻊ "ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ" ھﻮ ﺻﺎﻧﻊ اﻟﻘﻤﻊ و‬

‫اﻟﻌﻨﻒ ‪ ،‬و ھﻮ أﯾﻀﺎ اﻷب اﻟﺮوﺣﻲ ﻹرھﺎﺑﯿﻲ اﻟﻘﺎﻋﺪة و ﯾﻘﻮم ﻓﻜﺮه اﻟﻌﻨﻔﻲ ﻋﻠﻰ ﻧﻘﻄﺘﯿﻦ أﺳﺎﺳﯿﺘﯿﻦ‪:‬‬

‫" أوﻻً ‪ :‬إن اﻟﺤﺎﻛﯿﻤﺔ ﷲ‪ ،‬وھﻮ ﺑﮭﺬا ﯾﻠﻐﻰ أى وﻻء آﺧﺮ ﻟﺤﻜﺎم اﻷرض‪.‬‬

‫ﺛﺎﻧﯿﺎً ‪ :‬إن اﻟﺸﻌﻮب اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺤﺎﻟﯿﺔ ﺗﻌﯿﺶ ﻓﻰ ﺟﺎھﻠﯿﺔ ﯾﻨﺒﻐﻰ دﻋﻮﺗﮭﻢ ﻣﺮة أﺧﺮى ﻟﯿﺠﺪوا إﺳﻼﻣﮭﻢ‬

‫وﯾﺘﺒﻌﻮا اﻹﺧﻮان اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‪ ،‬وﻣﻦ ھﻨﺎ ﺟﺎء اﺳﺘﺤﻼل أرواح اﻟﻨﺎس وأﻣﻮاﻟﮭﻢ" اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﺴﺮي‬

‫ﻟﻠﻺﺧﻮان ص ‪45‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﺠﺪ أن اﻹﺧﻮان و ﻓﻲ ﺻﺮاﻋﮭﻢ اﻟﻔﻜﺮي ﻣﻊ اﻟﻮاﻗﻊ و اﻟﻤﺤﯿﻂ اﻟﺒﯿﺌﻲ اﻧﺘﮭﻮا إﻟﻰ اﻹﻓﻼس ﻓﻜﺎن‬

‫أن اﺗﮭﻤﻮا اﻵﺧﺮ ﺑﺎﻹﻓﻼس ‪ ،‬ﯾﻘﻮل ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ ﻣﻌﺎﻟﻢ ﻓﻲ اﻟﻄﺮﯾﻖ‪:‬‬

‫"‬ ‫اﻟﯿﻮم ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻓﺔ اﻟﮭﺎوﯾﺔ ‪ ..‬ﻻ ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺘﮭﺪﯾﺪ ﺑﺎﻟﻔﻨﺎء اﻟﻤﻌﻠﻖ ﺗﻘﻒ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ‬

‫ض ﻟﻠﻤﺮض وﻟﯿﺲ ھﻮ اﻟﻤﺮض ‪ ..‬وﻟﻜﻦ ﺳﺒﺐ إﻓﻼﺳﮭﺎ ﻋﻠﻰ رأﺳﮭﺎ ‪ ..‬ﻓﮭﺬا‬


‫ٌ‬ ‫ﺮ‬
‫ﻋَ َ‬

‫ﺗﻨﻤﻮ اﻟﺤﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﻓﻲ ﻇﻼﻟﮭﺎ ﻧﻤﻮًا ﺳﻠﯿﻤًﺎ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ " اﻟﻘﯿﻢ " اﻟﺘﻲ ﯾﻤﻜﻦ أن‬

‫اﻟﻮﺿﻮح ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻐﺮﺑﻲ ‪ ،‬اﻟﺬي ﻟﻢ وﺗﺘﺮﻗﻰ ﺗﺮﻗﯿًﺎ ﺻﺤﯿﺤًﺎ ‪ .‬وھﺬا واﺿﺢ ﻛﻞ‬

‫اﻟﺬي ﻟﻢ ﯾﻌﺪ ﻟﺪﯾﮫ ﻣﺎ ﯾُﻘﻨﻊ ﯾﻌﺪ ﻟﺪﯾﮫ ﻣﺎ ﯾﻌﻄﯿﮫ ﻟﻠﺒﺸﺮﯾﺔ ﻣﻦ " اﻟﻘﯿﻢ " ‪ ،‬ﺑﻞ‬

‫إﻟﻰ ﻣﺎ ﯾﺸﺒﮫ ﺿﻤﯿﺮه ﺑﺎﺳﺘﺤﻘﺎﻗﮫ ﻟﻠﻮﺟﻮد ‪ ،‬ﺑﻌﺪﻣﺎ اﻧﺘﮭﺖ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﯿﮫ‬

‫اﻹﻓﻼس ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﺑﺪأت ﺗﺴﺘﻌﯿﺮ‪ -‬ﺑﺒﻂء ‪ -‬وﺗﻘﺘﺒﺲ ﻣﻦ أﻧﻈﻤﺔ اﻟﻤﻌﺴﻜﺮ اﻟﺸﺮﻗﻲ‬

‫‪ ! 1‬وﺑﺨﺎﺻﺔ ﻓﻲ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ! ﺗﺤﺖ إﺳﻢ اﻻﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ‬ ‫" ص‬

‫إن ھﺬا اﻟﻤﻨﻄﻖ اﻟﻤﺘﻜﻠﻢ ﺑﻀﻤﯿﺮ "اﻷﻧﺎ" اﻟﻤﺤﺘﻜﺮ ﻟﻜﻞ ﻣﻌﺎﯾﯿﺮ اﻟﺬات اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ و اﻟﻤﮭﯿﻤﻨﺔ و اﻟﺘﻲ ﺗﺤﺘﻜﺮ‬

‫اﺳﻢ اﷲ و اﻟﺤﻖ و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ‪ ،‬ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﺗﻨﺘﺞ ﻟﻨﺎ ﻓﻜﺮا ﯾﺮﯾﺪ "ھﺪاﯾﺔ اﻟﻌﺎﻟﻢ" ﻋﺒﺮ اﻻﻧﺘﺤﺎر و اﻟﺘﻔﺨﯿﺦ‬

‫! و ذﻟﻚ ﻟﯿﺲ ﺑﻐﺮﯾﺐ أن ﯾﺼﺪر ﻋﻦ ﻣﻔﻜّﺮ "ھﺬا إن ﺟﺎز أن ﻧﺴﻤّﯿﮫ ﺑﺎﻟﻤﻔﻜّﺮ" ھﻮ وﻟﯿﺪ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺴﻨﻲ‬
‫‪59‬‬

‫اﻟﺬي ﻋﺮف ﻋﻨﮫ أﻧﮫ ﻗﺎم ﻋﻠﻰ أﻛﺘﺎف اﻟﺴﻠﻄﺎن "اﻟﻄﺎﻏﯿﺔ" و إرھﺎب اﻟﺨﻮارج ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﻓﻜﺮ ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ‬

‫ھﻮ ﻧﺘﺎج ﻧﻈﺮﯾﺎت ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺎﻟﻮاﻗﻊ أو ﻟﻨﻘﻞ أن ﻓﻜﺮه "ﻣﺜﺎﻟﻲ" أﻗﺮب إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺎل و ھﻮ ﻻ ﯾﻤﺜﻞ ﺣﻼ‬

‫إﻻ ﻟﺠﻨﻮﻧﮫ اﻟﺸﺨﺼﻲ و ﻧﻔﺴﮫ اﻟﻤﺮﯾﻀﺔ‪.‬‬

‫ﻓﻤﻦ ﺟﮭﺔ ﻧﺮى أﻧﮫ ﯾﻘﻮل ﻋﻦ اﻹﺗﺤﺎد اﻟﺴﻮﻓﯿﺘﻲ أﻧﮫ ﻗﺪ ﻓﺸﻞ ‪ ،‬و ھﺬا ﻣﺎ ﻻ ﻧﺨﺘﻠﻒ ﻣﻌﮫ ﺑﺸﺄﻧﮫ ‪ ،‬و ﻟﻜﻨﮫ‬

‫ﯾﺘﺤﺪث ﻋﻦ اﻟﻐﺮب ﺑﺎﻟﻘﻮل أﻧﮫ ﻟﻢ ﯾﻌﺪ ﯾﺼﻠُﺢ ﻟﻘﯿﺎدة اﻟﻌﺎﻟﻢ ‪ ،‬و ﺗﺒﺮﯾﺮه ھﺎ ھﻨﺎ ﯾﺜﯿﺮ اﻻﺳﺘﻐﺮاب ﺣﻘﺎ إذ‬

‫ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫" إن ﻗﯿﺎدة اﻟﺮﺟﻞ اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻟﻠﺒﺸﺮﯾﺔ ﻗﺪ أوﺷﻜﺖ ﻋﻠﻰ اﻟﺰوال ‪ ..‬ﻻ ﻷن اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ﻗﺪ‬

‫أﻓﻠﺴﺖ ﻣﺎدﯾًﺎ أو ﺿﻌﻔﺖ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔ اﻟﻘﻮة اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ واﻟﻌﺴﻜﺮﯾﺔ ‪ ..‬وﻟﻜﻦ ﻷن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻗﺪ اﻧﺘﮭﻰ‬

‫دوره ﻷﻧﮫ ﻟﻢ ﯾﻌﺪ ﯾﻤﻠﻚ رﺻﯿﺪاً ﻣﻦ " اﻟﻘﯿﻢ " ﯾﺴﻤﺢ ﻟﮫ ﺑﺎﻟﻘﯿﺎدة ‪.‬‬

‫ﻻﺑﺪ ﻣﻦ ﻗﯿﺎدة ﺗﻤﻠﻚ إﺑﻘﺎء وﺗﻨﻤﯿﺔ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻤﺎدﯾﺔ اﻟﺘﻲ وﺻﻠﺖ إﻟﯿﮭﺎ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ‪ ،‬ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ‬

‫اﻟﻌﺒﻘﺮﯾﺔ اﻷوروﺑﯿﺔ ﻓﻲ اﻹﺑﺪاع اﻟﻤﺎدي ‪ ،‬وﺗﺰود اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﺑﻘﯿﻢ ﺟﺪﯾﺪة ﺟﺪﱠة ﻛﺎﻣﻠﺔ ‪ -‬ﺑﺎﻟﻘﯿﺎس إﻟﻰ ﻣﺎ‬

‫ﻋﺮﻓﺘﮫ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ – وﺑﻤﻨﮭﺞ أﺻﯿﻞ وإﯾﺠﺎﺑﻲ وواﻗﻌﻲ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ذاﺗﮫ"‪ .‬ﻣﻌﺎﻟﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻄﺮﯾﻖ ص ‪.2‬‬

‫إن ھﺬا اﻟﻜﻼم ﯾُﻨﺎﻗﺾ ﻧﻔﺴﮫ ﺑﻨﻔﺴﮫ ‪ ،‬ﻓـ"ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ" ﻛﺸﺨﺺ ﯾﻜﻔﻲ وﺣﺪه ﻛﻲ ﯾﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ‬

‫"اﻟﻐﺮب" ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ ‪ ،‬و ھﻮ ﻛﻤﺎ ﺗﺮى ﻣﻨﻄﻖ ﯾﻨﺎﻗﺾ و ﯾﻨﮭﺶ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬إن أي ﻓﻜﺮة ﻟﻜﻲ ﺗﻄﺮح ﻧﻔﺴﮭﺎ‬

‫ﻛﺒﺪﯾﻞ ﻋﻦ ﻓﻜﺮة أُﺧﺮى ‪ ،‬ﻋﻠﯿﮭﺎ أن ﺗﻤﻠﻚ رﺻﯿﺪا واﻗﻌﯿﺎ ﻣﻦ ﺣﺮﯾﺎت و ﻛﺮاﻣﺔ إﻧﺴﺎﻧﯿﺔ و إﻧﺠﺎزات ‪،‬‬

‫ﻓﺎﻟـ"اﻟﺒﺪﯾﻞ اﻹﺳﻼﻣﻲ" اﻟﻤﺰﻋﻮم ﻟﯿﺲ ﻟﺪﯾﮫ أي إﻧﺠﺎز ﻣﻠﻤﻮس ﻋﻠﻰ أرض اﻟﻮاﻗﻊ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن "اﻟﻌﺎﻟﻢ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ"! ھﻮ ﻣﻦ أﻓﻘﺮ و أﺳﻮأ اﻟﺪول ﺳﺠﻼ ﻓﻲ ﻛﺎﻓﺔ ﻣﻨﺎﺣﻲ اﻟﺤﯿﺎة ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن زﻋﻤﮫ ﺑﺄن اﻟﻐﺮب ﻟﻢ ﯾﻌﺪ‬

‫ﯾﻤﻠﻚ "اﻟﻘﯿﻢ" ﻏﺮﯾﺐ ﺟﺪا ‪ ،‬ﻓﺄﻛﺒﺮ ﻗﯿﻤﺔ ﯾﻤﻠﻜﮭﺎ اﻟﻐﺮب و ﻣﻨﺬ اﻟﻘﺮون اﻟﺜﻼث اﻷﺧﯿﺮة ھﻲ "اﻟﺤﺮﯾﺔ" و‬

‫"ﻛﺮاﻣﺔ اﻹﻧﺴﺎن" ‪ ،‬و أﺛﺒﺖ اﻟﻐﺮﺑﯿّﻮن ‪ ،‬و ﻻ زاﻟﻮا ‪ ،‬أﻧﮭﻢ ﺣﻘﻘﻮا ﻣﺎ ﻛﺎن ﯾﻮﻣﺎ ﻣﻦ اﻷﯾﺎم ﯾُﻌﺘﺒﺮ ﺣﻠﻤﺎ أو‬

‫ﻗﺼﺔ ﺧﺮاﻓﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﻤﻦ اﻹﺗﺼﺎﻻت ‪ ،‬اﻹﻧﺘﺮﻧﺖ ‪ ،‬اﻟﺘﻠﻔﺰﯾﻮن ‪ ،‬اﻟﺴﯿﺎرات ‪ ،‬اﻟﻤﺮﻛﺒﺎت اﻟﻔﻀﺎﺋﯿﺔ ‪ ،‬إﺧﺘﺮاﻋﺎت‬

‫ﻗﯿَﻢ" ﻻ أﻋﺘﻘﺪ‬
‫اﻟﻄﺐ اﻟﺤﺪﯾﺚ ‪ ،‬إﺧﺘﺼﺎر اﻟﺰﻣﻦ و اﻧﺘﮭﺎءا ﺑﺎﻟﺘﺴﺎﻣﺢ اﻟﺪﯾﻨﻲ و ﻧﻈﻢ اﻟﺤﻜﻢ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ‪ ،‬ﻛﻠﮭﺎ " ِ‬

‫ﻘﯿَﻢ اﻟﻌﻈﯿﻤﺔ"! اﻟﺘﻲ‬


‫أن ﻓﺎﺋﺪﺗﮭﺎ ﺳﺘﻨﻔﺬ ﻣﺎ دام اﻹﻧﺴﺎن ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻷرض ‪ ،‬ﺑﻞ ﻣﺎ دام ﻣﻮﺟﻮدا ‪ ،‬ﺗﺮى ﻣﺎ "اﻟ ِ‬
‫‪60‬‬

‫ﯾﺤﺪﺛﻨﺎ ﻋﻨﮭﺎ ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ؟! أﻋﺘﻘﺪ أﻧﮭﺎ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺘﺐ ﻋﻨﮭﺎ أﻓﻼﻃﻮن و اﻟﻔﺎراﺑﻲ ؟! و ھﻮ ﺣﻠﻢ‬

‫ﯾﺮاود اﻟﺠﻤﯿﻊ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ‪:‬‬

‫" وﻟﻘﺪ ﺟﺎء دور " اﻹﺳﻼم " ودور " اﻷﻣﺔ " ﻓﻲ أﺷﺪ اﻟﺴﺎﻋﺎت ﺣﺮﺟﺎً وﺣﯿﺮة واﺿﻄﺮاﺑًﺎ ‪..‬‬

‫ﺟﺎء دور اﻹﺳﻼم اﻟﺬي ﻻ ﯾﺘﻨﻜﱠﺮ ﻟﻺﺑﺪاع اﻟﻤﺎدي ﻓﻲ اﻷرض ‪ ،‬ﻷﻧﮫ ﯾﻌﺪﱡه ﻣﻦ وﻇﯿﻔﺔ اﻹﻧﺴﺎن اﻷوﻟﻰ ﻣﻨﺬ‬

‫أن ﻋﮭﺪ اﷲ إﻟﯿﮫ ﺑﺎﻟﺨﻼﻓﺔ ﻓﻲ اﻷرض ‪ ،‬وﯾﻌﺘﺒﺮه ‪ -‬ﺗﺤﺖ ﺷﺮوط ﺧﺎﺻﺔ ‪ -‬ﻋﺒﺎدة ﷲ ‪ ،‬وﺗﺤﻘﯿﻘًﺎ ﻟﻐﺎﯾﺔ‬

‫اﻟﻮﺟﻮد اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.3‬‬

‫ھﺬه "اﻟﺸﺮوط اﻟﺨﺎﺻﺔ" ﻟﮭﺎ ﺗﻔﺼﯿﻞ و ﯾﺤﺘﺎج ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ إﻟﻰ أن ﯾﺆﻟﻒ ﻣﺠﻠﺪات ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻋﻨﮭﺎ ‪،‬‬

‫ﻓﺄول ﻣﺎ ﺳﯿﻄﺒّﻖ ﻣﻦ ھﺬه اﻟﺸﺮوط ھﻮ "ﻣﻤﻨﻮع اﻟﺘّﺒﺴﱡﻢ" ‪" ،‬اﻟﺴﻌﺎدة ﻣﻤﻨﻮﻋﺔ" ‪" ،‬ﺗﻜﺴﯿﺮ ﻗﻨﺎﻧﻲ اﻟﺨﻤﺮ و‬

‫ﻣﺼﺎﻧﻌﮭﺎ" ‪" ،‬ﻛﺴﺮ آﻻت اﻟﻄﺮب و اﻟﻤﻮﺳﯿﻘﻰ" ‪" ،‬إﺗﻼف ﺟﻤﯿﻊ اﻟﻠﻮﺣﺎت اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ ﻷﻧﮭﺎ ﻛﻔﺮ ﺑﺎﷲ و‬

‫ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ ﻟﮫ ﻋﻠﻰ اﻟﺨﻠﻖ" ‪" ،‬إﺳﻘﺎط ﺟﻤﯿﻊ اﻷﻗﻤﺎر اﻟﺼﻨﺎﻋﯿﺔ ﻟﻜﻲ ﻻ ﺗﺒﺚ اﻟﺨﻼﻋﺔ و اﻟﻤﺠﻮن" ‪" ،‬ﻗﺘﻞ ﻛﻞ‬

‫ﻣﻦ ﯾﺘﺤﺪث ﺿﺪ اﻷﻧﺒﯿﺎء و اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺣﺘﻰ أؤﻟﺌﻚ اﻷﻧﺬال ﻣﻨﮭﻢ" ‪ ،‬و أﺧﯿﺮا ﯾُﺨﯿّﺮ اﻟﻐﺮﺑﯿﻮن ﺑﯿﻦ‬

‫"اﻹﺳﻼم" أو "اﻟﺠﺰﯾﺔ ـ اﻟﻀﺮﯾﺒﺔ" أو "ﻧﮭﺐ و ﺳﻠﺐ و إﺑﺎدة"‪.‬‬

‫ﻗﯿَﻢ اﻟﺸﯿﺦ ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ‪ ،‬و ھﻲ ﻗﯿﻢ ﻻ ﺗﺠﺴﺪ إﻻ ﻋﻘﻠﯿﺔ اﻟﻘﺮون اﻟﻮﺳﻄﻰ و اﻟﻤﻈﻠﻤﺔ و‬
‫ھﺬه ھﻲ ِ‬

‫ﺗﺠﺴﯿﺪ ﻟﻠﻌﻘﻞ اﻟﻮھﺎﺑﻲ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻋﻠﻰ اﻟﻐﺮﺑﯿﯿﻦ ﻣﻨﺬ ﻋﻘﻮد أن ﯾﺘﻮﻗﻌﻮا ﻣﻦ "اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ ـ اﻟﺪاﻋﻢ اﻷول‬

‫ﻟﻠﻮھﺎﺑﯿﺔ" أن ﺗﺘﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﻣﻮﺟﺎت إرھﺎﺑﯿﺔ ﺗﻄﺎل اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻛﻠﮫ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﻨﻲ أﻋﺘﻘﺪ أن اﻟﻐﺮب أﯾﻀﺎ ﻛﺎن ﻏﺎﻓﻼ أو‬

‫ﯾﺘﻐﺎﻓﻞ ﻋﻦ اﻟﻤﺪ اﻟﻮھﺎﺑﻲ ﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺟﯿﻮ ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ و ﻛﺎن ﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺎ ﺣﯿﻨﮭﺎ دور ﺳﻠﺒﻲ ﻓﻲ ﻇﮭﻮر‬

‫اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ و ﻓﻲ ھﯿﻤﻨﺔ آل ﺳﻌﻮد ﻋﻠﻰ ﺷﺒﮫ اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و اﻧﺘﺸﺎر ﻣﺬھﺐ اﻟﺬّﺑﺢ ‪ ،‬و ﺳﯿّﺪ ﻗﻄﺐ ﯾﻌﻄﻲ‬

‫ﻟﻨﻔﺴﮫ ـ و ﻟﻤﻦ ھُﻢ ﻋﻠﻰ ﺷﺎﻛﻠﺘﮫ ـ اﻟﺸﺮﻋﯿّﺔ اﻟﻼزﻣﺔ ﻋﺒﺮ اﻹﺳﺘﺸﮭﺎد ﺑﺒﻌﺾ اﻵﯾﺎت اﻟﻘﺮآﻧﯿّﺔ ‪ ،‬و اﻟّﺘﻲ‬

‫ّﯾﻨﻲ اﻟﻘﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﺄوﯾﻞ ﻣﻦ‬


‫ﯾﻤﻜﻦ ﻷي ﻃﺮف أن ﯾﺴﺘﺸﮭﺪ ﺑﮭﺎ و ﻛﺄﻧﮭﺎ ﻧﺰﻟﺖ ﻓﯿﮫ ‪ ،‬و ﻃﺒﻌﺎ ﻓﺈن اﻟﻨّﺺ اﻟﺪ‬
‫‪61‬‬

‫اﻟﺴّﮭﻞ أن ﯾُﺴﺘﺨﺪم ﻹﻗﻨﺎع اﻟﺒﻌﺾ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ ﻣﻦ ذوي اﻟﺜّﻘﺎﻓﺔ اﻟﺒﺴﯿﻄﺔ أو ﻣﻦ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﺠﺎھﻠﺔ ‪ ،‬ﻓﮭﺬه‬

‫اﻟﻄﺒﻘﺔ أو اﻟﻌﯿﱢﻨﺔ ﻣﻦ اﻟﻨّﺎس ﻻ ﺗﻄﺮح اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻷﺳﺌﻠﺔ ‪ ،‬و ﻟﮭﺬا اﻟﺴﺒﺐ ﻧﺠﺪ أن اﻟﻤﻘﺘﻨﻌﯿﻦ ﺑﻨﻈﺮﯾﺔ‬

‫"اﻟﻮھّﺎﺑﯿّﺔ اﻟﻘُﻄﺒﯿﺔ" ﯾﻨﺘﺸﺮون ﺑﯿﻦ اﻟﺸﻌﻮب اﻟﺠﺎھﻠﺔ اﻟﻤﺴﺤﻮﻗﺔ ‪ ،‬أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن ‪ ،‬اﻟﺼّﻮﻣﺎل ‪ ،‬اﻟﯿﻤﻦ ‪ ،‬ﺷﻤﺎل‬

‫ﺑﺎﻛﺴﺘﺎن ‪ ،‬ﻏﺮب اﻟﮭﻨﺪ ‪ ،‬ﻣﻨﺎﻃﻖ اﻟﺼﺤﺎرى اﻟﺴﻌﻮدﯾّﺔ ‪ ،‬ﺻﻌﯿﺪ ﻣﺼﺮ ‪ ،‬و ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻏﺮب اﻟﻌﺮاق ﺣﯿﺚ‬

‫ﺮﺣﱠﻞ ‪.‬‬
‫اﻟﺒﺪو اﻟ ﱡ‬

‫ﯾﻘﻮل ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ‪:‬‬

‫" وﻟﻜﻦ اﻹﺳﻼم ﻻ ﯾﻤﻠﻚ أن ﯾﺆدي دوره إﻻ أن ﯾﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬أي أن ﯾﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ أﻣﺔ ‪..‬‬

‫ﻓﺎﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﻻ ﺗﺴﺘﻤﻊ ‪ -‬وﺑﺨﺎﺻﺔ ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺰﻣﺎن ‪ -‬إﻟﻰ ﻋﻘﯿﺪة ﻣﺠﺮدة ‪ ،‬ﻻ ﺗﺮى ﻣﺼﺪاﻗﮭﺎ اﻟﻮاﻗﻌﻲ ﻓﻲ‬

‫ﺣﯿﺎة ﻣﺸﮭﻮدة ‪ ..‬و " وﺟﻮد " اﻷﻣﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ﯾﻌﺘﺒﺮ ﻗﺪ اﻧﻘﻄﻊ ﻣﻨﺬ ﻗﺮون ﻛﺜﯿﺮة ‪ ..‬ﻓﺎﻷﻣﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ‬

‫ﻟﯿﺴﺖ " أرﺿًﺎ " ﻛـﺎن ﯾﻌـﯿﺶ ﻓﯿﮭﺎ اﻹﺳـﻼم ‪ .‬وﻟﯿﺴﺖ " ﻗﻮﻣًﺎ " ﻛﺎن أﺟﺪادھﻢ ﻓﻲ ﻋﺼﺮ ﻣﻦ ﻋﺼﻮر‬

‫اﻟﺘﺎرﯾﺦ ﯾﻌﯿﺸﻮن ﺑﺎﻟﻨﻈﺎم اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ..‬إﻧﻤﺎ " اﻷﻣﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ " ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﺒﺸﺮ ﺗﻨﺒﺜﻖ ﺣﯿﺎﺗﮭﻢ‬

‫وﺗﺼﻮراﺗﮭﻢ وأوﺿﺎﻋﮭﻢ وأﻧﻈﻤﺘﮭﻢ وﻗﯿﻤﮭﻢ وﻣﻮازﯾﻨﮭﻢ ﻛﻠﮭﺎ ﻣﻦ اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ...‬وھﺬه اﻷﻣﺔ ‪-‬‬

‫ﺑﮭﺬه اﻟﻤﻮاﺻﻔﺎت ! ﻗﺪ اﻧﻘﻄﻊ وﺟﻮدھﺎ ﻣﻨﺬ اﻧﻘﻄﺎع اﻟﺤﻜﻢ ﺑﺸﺮﯾﻌﺔ اﷲ ﻣﻦ ﻓﻮق ﻇﮭﺮ اﻷرض ﺟﻤﯿﻌًﺎ"‬

‫ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.4 – 3‬‬

‫إﻧّﮫ ﯾﻄﺮح ﻛﻤﻘﺪﻣﺔ ﻟﻠﺤﺮب اﻟﺸّﺎﻣﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﺳﯿﺸﻨّﮭﺎ "ﺧﻠﻔﺎء اﷲ ﻋﻠﻰ اﻷرض" ﺿﺪ "اﻟﺒﺸﺮﯾّﺔ‬

‫اﻟﻀّﺎﻟﺔ" ‪ ،‬أن ھﻨﺎك واﺟﺐ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ "ُأﻣّﺔ"! ﺗﻜﻮن ﻣﺜﺎﻻ ﻟﻠﺸﻌﻮب اﻵﺧﺮى ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﻧﺠﻌﻞ ﺷﻌﺐ‬

‫"أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن" ‪ ،‬ﻣﺜﻼ ‪ ،‬أﻓﻀﻞ ﻣﻦ اﻟﻨﺮوﺟﯿﯿﻦ أو اﻟﺪﻧﻤﺎرﻛﯿﯿﻦ! و ﯾﺒﺪو أن اﻟﺨﻄﻮة اﻷوﻟﻰ ﻟﺠﻌﻞ أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن‬

‫أﺟﻤﻞ ﻣﻦ اﻟﻨﺮوج ھﻮ "ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ"! و ھﻮ اﻟﺤﻞّ اﻟﺴﺤﺮي ﻓﻲ ﻧﻈﺮ "ﺳﯿﱢﺪ ﻗﻄﺐ" ﻟﺨﻠﻖ دوﻟﺔ أﻓﻀﻞ‬

‫ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻷﻣﺜﻠﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ اﻟّﺘﻲ ﻃﺮﺣﻨﺎھﺎ ‪ ،‬ﻟﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ﻣﻄﺒﱠﻘﺔ أﯾّﺎم اﻟﺨﻠﯿﻔﺔ اﻟﺜّﺎﻟﺚ ﻋﺜﻤﺎن ﺑﻦ ﻋﻔّﺎن ‪،‬‬

‫و ھﻲ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻛﺘﻄﺒﯿﻖ ﻟﻢ ﺗﻤﻨﻊ اﻟﻨّﺎس "اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ" ﻣﻦ رﻓﺾ ﺧﻼﻓﺘﮫ ‪ ،‬و رﻓﺾ ھﻮ ﺑﺪوره أن ﯾﺘﻨﺤّﻰ ﻋﻦ‬

‫اﻟﺤُﻜﻢ ‪ ،‬ﻓﺎﻧﺘﮭﻰ اﻷﻣﺮ إﻟﻰ ﻗﺘﻠﮫ و دﻓﻨﮫ ﻓﻲ ﻣﻘﺒﺮة اﻟﯿﮭﻮد "أُﻧﻈﺮ ـ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻐﺎﺋﺒﺔ ﻟﻠﻜﺎﺗﺐ ﻓﺮج ﻓﻮدة و‬
‫‪62‬‬

‫ّﻰ ﺑﺎﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ﻟﯿﺲ ﺳﺒﺒﺎ ﻛﺎﻓﯿﺎ ﻓﻲ دﻓﻊ أيﱢ ُأﻣّﺔ إﻟﻰ‬


‫ﻓﺴﺌﻠﻮا أھﻞ اﻟﺬﱢﻛﺮ ﻟﻤﺤﻤّﺪ اﻟﺘﯿﺠﺎﻧﻲ" ‪ ،‬ﻓﺘﻄﺒﯿﻖ ﻣﺎ ﯾُﺴﻤ‬

‫اﻷﻣﺎم ‪ ،‬ھﺬا إن ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﺳﺒﺒﺎ ﻓﻲ ﺗﺨﱡﻠﻔِﮭﺎ أﺻﻼ ‪ ،‬ﻓﻤﺎ ﯾُﺴﻤّﻰ ﺑﺎﻟﺸﺮﯾﻌﺔ ﻟﯿﺲ إﻻ "آراء" و "ﻗﻨﺎﻋﺎت"‬

‫ﻷُﻧﺎسٍ ﻋﺎﺷﻮا ﻗﺒﻞ أﻟﻒ ﻋﺎم ﻣﻦ اﻵن‪.‬‬

‫إن اﻟﺸّﻌﻮب ﻻ ﺗﺘﻄﻮر ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟّﺬي ﺗﺘﻌﺼﱠﺐ ﻓﯿﮫ ﻟﻌﻘﺎﺋﺪھﺎ اﻟﻤﻮروﺛﺔ ‪ ،‬ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﺗﺘﻄﻮر ﻋﺒﺮ‬

‫"اﻟﺘّﺴﺎﻣﺢ" ﻣﻊ اﻵﺧﺮ و ﺗﻮﻓﯿﺮ "ﺣُﺮﯾّﺔ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ" ﻟﻠﺠﻤﯿﻊ ‪ ،‬ﻓﮭﻞ ﺳﯿﻜﻮن "ﻗﻄﻊ ﯾﺪ اﻟﺴﺎرق" ‪" ،‬رﺟﻢ‬

‫ﻷﻣّﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿّﺔ"! ﻋﻦ ﺑﺎﻗﻲ اﻷُﻣﻢ و اﻷدﯾﺎن؟! و إذا ﻛﺎن‬


‫اﻟﺰاﻧﻲ" ‪" ،‬ﻓﺮض اﻟﺤﺠﺎب" ھﻮ ﻣﺎ ﺳﯿُﻤﯿﱢﺰ "ا ُ‬

‫ّﻮاب ھﻮ ﻧﻌﻢ ﻓﺈن اﻟﻜﺎرﺛﺔ ﺳﺘﻜﻮن ﻓﻌﻼ ﻗﺪ ﺣﻠّﺖ ‪ ،‬ﻷﻧّﮫ ﺳﯿﻜﻮن ﻣﻦ اﻷﻓﻀﻞ "ﺣﺴﺐ ھﺆﻻء‬
‫اﻟﺠ‬

‫ّﻰ ﯾﺴﺘﻮﻋﺐ "ﻣﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ اﻟﻤﺰﻋﻮﻣﺔ"! ﻣﻦ أﻓﻮاه اﻟﻮﻋﺎظ‬


‫ﻣﯿّﺎ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﺣﺘ‬
‫اﻟﻤﺘﻄﺮﻓﯿﻦ" أن ﯾﻜﻮن اﻟﺸّﻌﺐ ُأ ّ‬

‫و اﻟﻤﺘﻔﯿﻘﮭﯿﻦ دون ﺗﺸﻮﯾﺶ ﻣﻦ أﺣﺪ‪.‬‬

‫و ھﺬه اﻷﻃﺮوﺣﺔ "اﻟﻘﻄﺒﯿﺔ" ﻻ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻗﻂ ﻋﻦ أُﻃﺮوﺣﺔ "اﻟﺒﻌﺚ اﻟﻘﻮﻣﻲ" ﺣﯿﺚ ﯾﻘﻮل ﺳﯿﱢﺪ ﻗﻄﺐ‪:‬‬

‫" ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ " ﺑﻌﺚ " ﻟﺘﻠﻚ اﻷﻣﺔ اﻟﺘﻲ واراھﺎ رﻛﺎم اﻷﺟﯿﺎل ورﻛﺎم اﻟﺘﺼﻮرات ‪ ،‬ورﻛﺎم‬

‫اﻷوﺿﺎع ‪ ،‬ورﻛﺎم اﻷﻧﻈﻤـﺔ ‪ ،‬اﻟﺘﻲ ﻻ ﺻﻠﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺎﻹﺳﻼم ‪ ،‬وﻻ ﺑﺎﻟﻤﻨﮭﺞ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ..‬وإن ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺎ ﺗﺰال‬

‫ﺗﺰﻋﻢ أﻧﮭﺎ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻓﯿﻤﺎ ﯾﺴﻤﻰ " اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ " !!!" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.4‬‬

‫ﺳﻨّﻲ‬
‫ﺗﺬﻛﺮت و أﻧﺎ أﻗﺮأ ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرات ‪ ،‬اﻟﻨﺼﯿﺤﺔ اﻟّﺘﻲ ﻗﺪﻣﮭﺎ "ﻓﺘﺤﻲ ﯾﻜﻦ ـ و ھﻮ زﻋﯿﻢ إﺳﻼﻣﻲ ُ‬

‫ﻟﺒﻨﺎﻧﻲ" ـ و ھﻮ أﺣﺪ اﻟﻤﻌﺠﺒﯿﻦ ﺑﻘﻄﺐ" إﻟﻰ اﻟﻘﻮﻣﯿﯿﻦ اﻟﺒﻌﺜﯿﯿﻦ و اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ أن ﯾﺰاوﺟﻮا ﺑﯿﻦ‬

‫اﻷﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺘﯿﻦ "اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" و "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻟﻜﻲ ﯾُﻨﺸﺌﻮا ﺣﺰﺑﺎ ﺟﺪﯾﺪا ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮان "ﺣﺰب اﻟﺒﻌﺚ اﻟﻌﺮﺑﻲ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ" ‪ ،‬و ھﻲ ﻓﻜﺮة و ﻧﺼﯿﺤﺔ ﺗﻮﺿﺢ ﻣﺪى أواﺻِﺮ اﻟﺸّﺒﮫ ﺑﯿﻦ ﻓﻜﺮﯾﻦ إرھﺎﺑﯿﯿّﻦ‪.‬‬

‫إن ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ﯾُﺪرِك ﺗﻤﺎﻣﺎ أﻧﮫ ﯾﺮﯾﺪ اﻟﺒﺪء ﻣﻦ اﻟﺼﻔﺮ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﻛُﻞّ ﻣﺎ ھﻮ ﻣﻮﺟﻮد ﻋﻠﻰ أرض‬

‫ﻛّﻠﯿّﺎ ﻋﻦ ذﻟﻚ اﻟﻤﻮﺟﻮد ﻓﻲ ذھﻦ ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻹﺷﻜﺎل اﻟّﺬي ﯾﺒﻘﻰ ﻣﻄﺮوﺣﺎ ﻋﻠﻰ‬
‫اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﯾﺨﺘﻠﻒ ُ‬

‫ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ‪ ،‬و ھﻮ إﺷﻜﺎل ﺳﻠﺒﻲ ‪ ،‬ھﻮ اﻋﺘﺒﺎره أن ﻛُﻞّ ﻣﺎ ھﻮ ﻣﻮﺟﻮد ﻋﻠﻰ اﻷرض ھﻮ إﻧﺠﺎز "ﻏﯿﺮ‬
‫‪63‬‬

‫إﺳﻼﻣﻲ" ‪ ،‬و ﻛﺄن اﻟﻔﻜﺮة ھﻲ أﺻﻼ "ﻧﺰﯾﮭﺔ"! ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ و اﻟﻔﮭﻢ ھﻤﺎ اﻟﺨﺎﻃﺌﺎن ‪ ،‬و ﻛﺄن أي إﻧﺠﺎز‬

‫ﻛﺎن ‪ ،‬ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺧﺪم اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ‪ ،‬ھﻮ إﻣّﺎ أن ﯾﻜﻮن "إﺳﻼﻣﯿﺎ" أو "ﻛﺎﻓﺮا" ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ اﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ‬

‫ھﺬه اﻟﻨّﻈﺮﯾّﺔ ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ "ﻧﻈﺮﯾّﺔ ﺻﺮاع" ﻻ ﻣﺠﺎل ﻓﯿﮭﺎ ﻟﻠﺘﺴﻮﯾﺎت أو اﻟﺤﻠﻮل اﻟﻮﺳﻄﻰ ‪ ،‬ﺑﻞ ھﻮ ﺣﻞّ‬

‫ﺳﯿﻔﺮض ﻋﻠﻰ اﻟﺒﺸﺮﯾّﺔ ﻗﺴﺮا و ﺑﺎﻹرھﺎب ‪.‬‬

‫ﻗﻄُﺐ ﻧﻔﺴﮫ ﯾُﺪرك أن ﻻ ﻣﺠﺎل ﻟﻤﺎ ﯾﺴﻤّﯿﮫ ﺑﺎﻷﻣّﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿّﺔ‬


‫و اﻟﻤُﺜﯿﺮ ﻟﻺھﺘﻤﺎم ھﻨﺎ ‪ ،‬ھﻮ أن ﺳﯿﱢﺪ ُ‬

‫ي ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺘﻔﻮق‬
‫دﯾّﺎ" ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﯿّﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ‪ ،‬إذاً ﻋﻦ أ ﱢ‬
‫ّﺘﻲ ﯾﻨﺘﻈﺮ ﺑﻌﺜﮭﺎ ‪ ،‬ﻷن ﺗﺘﻔﻮق "ﻣﺎ ّ‬
‫اﻟ‬

‫ن ﻟﻠﻤﺎدّة دورا ﻣﮭﻤّﺎ ﻓﻲ إﻧﺸﺎء اﻟﺤﻀﺎرات و ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﺠﺪه‬


‫ﯾﺘﺤﺪث ﺳﯿﱢﺪ ﻗﻄﺐ؟! إﻧّﮫ ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﯾُﻨﻜﺮ أ ّ‬

‫ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫" إن ھﺬا ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أن ﻧﮭﻤﻞ اﻹﺑﺪاع اﻟﻤﺎدي ‪ .‬ﻓﻤﻦ واﺟﺒﻨﺎ أن ﻧﺤﺎول ﻓﯿﮫ ﺟﮭﺪﻧﺎ ‪ .‬وﻟﻜﻦ ﻻ‬

‫ﺑﻮﺻﻔﮫ " اﻟﻤﺆھﻞ " اﻟﺬي ﻧﺘﻘﺪم ﺑﮫ ﻟﻘﯿﺎدة اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ اﻟﺮاھﻨﺔ ‪ .‬إﻧﻤﺎ ﺑﻮﺻﻔﮫ ﺿﺮورة ذاﺗﯿﺔ‬

‫ﻟﻮﺟﻮدﻧﺎ ‪ .‬ﻛﺬﻟﻚ ﺑﻮﺻﻔﮫ واﺟﺒﺎً ﯾﻔﺮﺿﮫ ﻋﻠﯿﻨﺎ " اﻟﺘﺼﻮر اﻹﺳﻼﻣﻲ " اﻟﺬي ﯾﻨﻮط ﺑﺎﻹﻧﺴﺎن ﺧﻼﻓﺔ‬

‫اﻷرض ‪ ،‬وﯾﺠﻌﻠﮭﺎ ‪ -‬ﺗﺤﺖ ﺷﺮوط ﺧﺎﺻﺔ ‪ -‬ﻋﺒﺎدة ﷲ ‪ ،‬وﺗﺤﻘﯿﻘًﺎ ﻟﻐﺎﯾﺔ اﻟﻮﺟﻮد اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص‬

‫‪.5‬‬

‫إن اﻟﻤﺆھﱢﻞ اﻟﺤﻀﺎري اﻟّﺬي ﯾﺤﺪﺛﻨﺎ ﻋﻨﮫ ھﻨﺎ و اﻟّﺬي ﯾﺴﻤّﯿﮫ "ﻋﺒﺎدة اﷲ" ﻻ ﯾﻌﻨﻲ إﻻ "ﻧﻈﺮﯾﺔ ھﺬه‬

‫اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ و ﻓﮭﻤﮭﺎ اﻟﺨﺎص ﻟﻺﺳﻼم"! إن ﻗﻄﺐ ﯾُﺬﻛﱢﺮُﻧﺎ ﺑﺸﺨﺼﯿّﺔ ﻣﺤﻤّﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻮھﺎب "ﻣﺆﺳﱢﺲ‬

‫اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﻮھﺎﺑﻲ" اﻟّﺬي رآى آن ذاك أن اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ اﻧﻘﻄﻌﺖ ﺻﻠﺘﮭﻢ ﺑﺎﻹﺳﻼم ﻛﺪﯾﻦ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﯾﻌﻨﻲ و ﺑﻜُﻞ‬

‫ﻛﻔّﺎر ﻣﺸﺮﻛﻮن ﯾﻌﺒﺪون اﻷﺻﻨﺎم و ھﻢ ﯾﺴﺘﺤﻘﻮن اﻟﻘﺘﻞ" ‪ ،‬ﻟﻘﺪ أﻛﻤﻞ ﻗﻄﺐ و‬


‫ﻣﻌﻨﻰ اﻟﻜﻠﻤﺔ أن اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ " ُ‬

‫رﺳﱠﺦَ ھﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻹرھﺎﺑﯿﺔ و ﺻﺎﻏﮭﺎ ﻓﻲ ﻗﺎﻟﺐ ﻣﻨﻄﻘﻲ ﺷﺎﻋﺮي ﻛﺌﯿﺐ ‪ ،‬ﻧﺠﺪه ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫" ﻻ ﺑﺪ إذن ﻣﻦ ﻣﺆھﻞ آﺧﺮ ﻟﻘﯿﺎدة اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ‪ -‬ﻏﯿﺮ اﻹﺑﺪاع اﻟﻤﺎدي ‪ -‬وﻟﻦ ﯾﻜﻮن ھﺬا اﻟﻤﺆھﻞ‬

‫ﺳﻮى " اﻟﻌﻘﯿﺪة " و " اﻟﻤﻨﮭﺞ " اﻟﺬي ﯾﺴﻤﺢ ﻟﻠﺒﺸﺮﯾﺔ أن ﺗﺤﺘﻔﻆ ﺑﻨﺘﺎج اﻟﻌﺒﻘﺮﯾﺔ اﻟﻤﺎدﯾﺔ ‪ ،‬ﺗﺤﺖ‬
‫‪64‬‬

‫إﺷﺮاف ﺗﺼﻮر آﺧﺮ ﯾﻠﺒﱢﻲ ﺣﺎﺟﺔ اﻟﻔﻄﺮة ﻛﻤﺎ ﯾﻠﺒﯿﱢﮭﺎ اﻹﺑﺪاع اﻟﻤﺎدي ‪ ،‬وأن ﺗﺘﻤﺜﻞ اﻟﻌﻘﯿﺪة واﻟﻤﻨﮭﺞ ﻓﻲ‬

‫ﺗﺠﻤﻊ إﻧﺴﺎﻧﻲ ‪ .‬أي ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻣﺴﻠﻢ" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.5‬‬

‫إنّ ﻣﺤﺎوﻟﺔ إﻟﻐﺎء اﻟﻮاﻗﻊ ﺑﻔﻌﻞ "ﺗﺼﻮﱡر" ﯾُﺸﯿﺮ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ إﻟﻰ أنّ ھﺬا اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟّﺬي ﯾُﺰﻣﻊ ﻗﻄﺐ و‬

‫ﻣﻨﻈﱢﺮوا اﻟﻘﺎﻋﺪة ـ ﻓﺘﺤﻲ ﯾﻜﻦ ـ أُﺳﺎﻣﺔ ﺑﻦ ﻻدن ـ أﯾﻤَﻦ اﻟﻈﻮاھﺮي ـ ﺗﺤﻘﯿﻘﮫُ ﻋﻠﻰ اﻷرض ﻟﯿﺲ ﺳﻮى ﻓﮭﻤﺎ‬

‫ﺧﺎﺻّﺎ ﺑﮭﻢ ﻻ ﯾﻤﺖﱡ ﻷي ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺑﺄي ﺻﻠﺔ ‪ ،‬و اﻟﻤﺜﯿﺮ ﻟﻺھﺘﻤﺎم أﯾﻀﺎ ھﻨﺎ ھﻮ أن ھﺆﻻء ﻧﺼﱠﺒﻮا أﻧﻔُﺴﮭﻢ‬

‫وﻛﻼء ﻋﻦ اﻷﻧﺒﯿﺎء و اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﻟﯿﻘﺮﱢروا ﻣﺎ ھﻮ اﻟﻄﺮﯾﻖ اﻷﻧﺴﺐ ﻟﮭﺬه اﻟﺒﺸﺮﯾّﺔ ‪ ،‬و اﻷﺧﻄﺮ ﻓﻲ اﻷﻣﺮ ھﻮ‬

‫ﻛﻠّﮫ‬
‫أن ھﺬا اﻟﺘﯿﺎر اﻟﻮھّﺎﺑﻲ ﯾﺒﺪو و ﻛﺄﻧّﮫ ﺟﺎء ﻓﻘﻂ ﻟﯿﮭﺪم اﻟﺤﻀﺎرة و اﻟﺤﺪاﺛﺔ و اﻟﺘﻄﻮر ‪ ،‬و أن اﻟﻌﺎﻟﻢ ُ‬

‫ﻣُﺴﺨﱠﺮ ﻓﻘﻂ ﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ ﺻﻐﯿﺮة ﺗﺤﺘﻜﺮ ﻓﮭﻢ اﻹﺳﻼم و اﻷدﯾﺎن و اﻟﻌﺎﻟﻢ‪:‬‬

‫" ھﺬه اﻟﺠﺎھﻠﯿﺔ ﺗﻘﻮم ﻋﻠﻰ أﺳﺎس اﻻﻋﺘﺪاء ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻄﺎن اﷲ ﻓﻲ اﻷرض وﻋﻠﻰ أﺧﺺ‬

‫ﺧﺼﺎﺋﺺ اﻷﻟﻮھﯿﺔ ‪ ..‬وھﻲ اﻟﺤﺎﻛﻤﯿﺔ ‪ ..‬إﻧﮭﺎ ﺗﺴﻨﺪ اﻟﺤﺎﻛﻤﯿﺔ إﻟﻰ اﻟﺒﺸﺮ ‪ ،‬ﻓﺘﺠﻌﻞ ﺑﻌﻀﮭﻢ ﻟﺒﻌﺾ أرﺑﺎﺑﺎً‬

‫‪ ،‬ﻻ ﻓﻲ اﻟﺼﻮرة اﻟﺒﺪاﺋﯿﺔ اﻟﺴﺎذﺟﺔ اﻟﺘﻲ ﻋﺮﻓﺘﮭﺎ اﻟﺠﺎھﻠﯿﺔ اﻷوﻟﻰ ‪ ،‬وﻟﻜﻦ ﻓﻲ ﺻﻮرة ادﻋﺎء ﺣﻖ وﺿﻊ‬

‫اﻟﺘﺼﻮرات واﻟﻘﯿﻢ ‪ ،‬واﻟﺸﺮاﺋﻊ واﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ ‪ ،‬واﻷﻧﻈﻤﺔ واﻷوﺿﺎع ‪ ،‬ﺑﻤﻌﺰل ﻋﻦ ﻣﻨﮭﺞ اﷲ ﻟﻠﺤﯿﺎة ‪،‬‬

‫وﻓﯿﻤﺎ ﻟﻢ ﯾﺄذن ﺑﮫ اﷲ ‪ ..‬ﻓﯿﻨﺸﺄ ﻋﻦ ھﺬا اﻻﻋﺘﺪاء ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻄﺎن اﷲ اﻋﺘﺪاء ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺎده ‪ ..‬وﻣﺎ ﻣﮭﺎﻧﺔ "‬

‫اﻹﻧﺴﺎن " ﻋﺎﻣﺔ ﻓﻲ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺠﻤﺎﻋﯿﺔ ‪ ،‬وﻣﺎ ﻇﻠﻢ " اﻷﻓﺮاد " واﻟﺸﻌﻮب ﺑﺴﯿﻄﺮة رأس اﻟﻤﺎل‬

‫واﻻﺳﺘﻌﻤﺎر ﻓﻲ اﻟﻨﻈﻢ " اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ " إﻻ أﺛﺮًا ﻣﻦ آﺛﺎر اﻻﻋﺘﺪاء ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻄﺎن اﷲ ‪ ،‬وإﻧﻜﺎر اﻟﻜﺮاﻣﺔ‬

‫اﻟﺘﻲ ﻗﺮرھﺎ اﷲ ﻟﻺﻧﺴﺎن !" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.6 – 5‬‬

‫إن اﻟﺤﺎﻛﻤﯿﺔ اﻹﻟﮭﯿﺔ و ﺣﺴﺐ ﺗﻌﺒﯿﺮ ﻗﻄﺐ ﺗﻨﺤﺼﺮ ﻓﻲ ﻓﮭﻢ ﻓﺌﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻟﻤﺼﻄﻠﺢ‬

‫"اﻟﺤﺎﻛﻤﯿﺔ" ‪ ،‬و ھﻲ ﺑﺎﻷﺣﺮى ﻣﺴﺘﻮﺣﺎة ﻣﻦ ﻋﻘﻠﯿﺔ "اﻟﺨﻮارج" اﻟّﺬﯾﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﯾﺮﻓﻌﻮن ﺷﻌﺎر "ﻻ ﺣُﻜﻢ إﻻّ‬

‫ﷲ" و ﻻ ﯾﻌﺘﻘﺪون إﻻ ﺑﺈﺳﻘﺎط اﻟﺪوﻟﺔ و اﻟﺤﺎﻛﻢ و أن ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ ﺧﻠﻖ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺟﺪﯾﺪ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻹرھﺎب‬

‫أوّﻻ و اﻟﻔﻮﺿﻰ ﺛﺎﻧﯿﺎ ‪ ،‬و ﻓﺮض ھﺬا اﻟﻔﮭﻢ ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮ "اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ اﻟّﺬﯾﻦ ﻻ ﯾﺆﻣﻨﻮن ﺑﮭﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ –‬

‫اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ – اﻟﯿﮭﻮدي – اﻟﻤﻠﺤﺪ" ھﻮ ﺑﺤﺪﱢ ذاﺗﮫ ﻣﺆﺷﱢﺮ ﻋﻠﻰ اﻷﻓﻼس اﻷﺧﻼﻗﻲ و اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ و ﺣﺘﻰ اﻟﻌﻘﻠﻲ ‪،‬‬
‫‪65‬‬

‫ﻓﻌﻦ أي ﻛﺮاﻣﺔ إﻧﺴﺎﻧﯿّﺔ ﯾﺘﺤﺪث ﻗﻄﺐ و ھﻮ ﯾﻨﻮي و ﻣﻨﺬ اﻟﺼﻔﺤﺎت اﻷوﻟﻰ ﻟﻨﻈﺮﯾﱢﺘﮫ اﻟﺴﻮداوﯾّﺔ أن ﯾُﺪﻣﱢﺮ‬

‫ﻛﻞ ﻣُﻨﺠَﺰات اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ و ﻣﺎذا ﺳﯿﻜﻮن ﺑﻘﻲ ﻟﻺﻧﺴﺎن إذا دﻣﱠﺮ آﻻف اﻷﻋﻮام ﻣﻦ اﻟﺘّﻘﺪم و اﻟﻌﻘﻞ و اﻟﺤﻜﻤﺔ‬

‫ن ھﺆﻻء و ﺑﻘﺪر ﻣﺎ‬


‫ﻣﻘﺎﺑِﻞ ﺣﯿﺎة ﯾﻘﻀﯿﮭﺎ ﻓﻲ ﻃﻘﻮس و ﺣﺮﻛﺎت ﺑﻠﮭﺎء وﺳﻂ أﻛﻮام اﻵﻻم و اﻟﺪﱡﻣﻮع ‪ ،‬إ ّ‬

‫دﯾّﺎ ‪ ،‬إن ﺷﻌﺎر "اﻟﻜﺮاﻣﺔ‬


‫دﯾّﺔ ـ ﯾﻜﺮھﻮن اﷲ ﻷﻧّﮫ ﺧﻠﻖ اﻹﻧﺴﺎن ﺷﮭﻮاﻧﯿّﺎ ﻣﺎ ّ‬
‫ﯾﻜﺮھﻮن اﻟﺤﻀﺎرة ـ ﻛﻮﻧﮭﺎ ﻣﺎ ّ‬

‫اﻹﻧﺴﺎﻧﯿّﺔ" اﻟﺬي ﯾﻠﻮﱢح ﺑﮫ ﻗﻄﺐ ھﻨﺎ ﻟﯿﺲ إﻻ ﻛﻠﻤﺎت ﺟﻮﻓﺎء ﻻ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﮭﺎ و ﻻ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺷﻌﺎر "اﻟﺤﺮﯾّﺔ"‬

‫اﻟّﺬي رﻓﻌﮫ اﻟﺒﻌﺜﯿّﻮن ـ و ﻛﺬﻟﻚ ﯾﻔﻌﻞ ﻛﻞ اﻟﻘﻮﻣﯿﱢﯿﻦ ـ و ﻛﺎن ﻧﺘﯿﺠﺘﮫ أﻧﮭﻢ ﻗﺘﻠﻮا اﻟﺤﺮﯾّﺔ و أﻋﻄﻮا اﻟﻄﺎﻏﯿﺔ‬

‫اﻟﺤﺮﯾّﺔ اﻟﻜﺎﻣِﻠﺔ ﻓﻲ ﺗﺼﺮﯾﻒ اﻷﻣﻮر ‪ ،‬و ﻻ أﻋﺘﻘﺪ أنّ ھﺬا اﻟﺘّﻔﺴﯿﺮ و اﻟﻔﮭﻢ اﻟﻘﺒﯿﺢ ﻟﻺﺳﻼم ﺳﯿﺴﺘﻤﺮ‬

‫ﻃﻮﯾﻼ‪.‬‬

‫إن ﻣﺎ أﺳﻤﺎه ﻗﻄﺐ ﺑـ"ﺣﻖ وﺿﻊ اﻟﺘﺼﻮرات و اﻟﻘﯿﻢ" اﻟّﺘﻲ ﯾﺴﻨﺪھﺎ إﻟﻰ اﷲ وﺣﺪه ‪ ،‬ھﻮ ﻓﮭﻢ ﻣﺒﺴﻂ‬

‫ﻟﻸﻣﻮر و اﻷﻛﺜﺮ ﺳﺬاﺟﺔ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻨّﺺ اﻟﺪّﯾﻨﻲ ﻧﻔﺴﮫ "اﻟﻘﺮآن و اﻟﺤﺪﯾﺚ" ﯾﺤﻤﻼن ﻣﻌﺎﻧﻲ ﻣﺘﻌﺪدة و ﻣﺘﻨﺎﻗﻀﺔ‬

‫ﻌﻨّﺎ ﻓﻲ ھﺬا ﻓﻤﻦ ﺳﯿﻜﻮن "اﻟﺸﺨﺺ أو اﻟﺠﮭﺔ" اﻟّﺘﻲ ﺳﺘﻘﺮر أن ھﺬا‬


‫و ﺣﺘﻰ ﻣﺘﻀﺎرﺑﺔ ‪ ،‬و إذا ﻣﺎ ﺗﻤ ّ‬

‫اﻟﻤﻌﻨﻰ أو ذاك ھﻮ اﻟﻤﻘﺼﻮد ﻓﻲ اﻟﻜﻠﻤﺎت اﻹﻟﮭﯿّﺔ! و ﺑﻤﺠﺮد أن ﯾﻔﻌﻠﻮا ذﻟﻚ ‪ ،‬ﻛﺄن ﯾﺤﺼﺮ ﺣﻖﱡ اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ و‬

‫اﻟﺸﺮح ﻓﻲ "آل ﺳﻌﻮد" أو "آل ﻻدن" أو "آل اﻟﻈﻮاھﺮي"! ﻓﺈﻧﻨﺎ ﺳﻨﻌﻮد إﻟﻰ اﻟﻤﺮﺑﻊ اﻷول ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ‬

‫ﻗﺒَﻞ ﺟﮭﺔ ﺑﺸﺮﯾﺔ ‪ ،‬و إذا ﻛﺎن اﻟﻨّﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ إﺳﺘﻄﺎع أن ﻻ ﯾَﻈﻠﻢ‬
‫إﺳﻨﺎد إﺳﻘﺎط اﻟﻜﻠﻤﺎت ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ِ‬

‫أﺣﺪا ﺑﻔﻀﻞ اﻟﻮﺣﻲ! ﻓﻤﻦ أﯾﻦ ﻟﮭﻢ ﺑﻮﺣﻲ ﻣﻤﺎﺛﻞ؟! و ﻻ أﺳﺘﺒﻌﺪ أن ﯾﻔﻌﻠﻮا ﺷﯿﺌﺎ ﻣﻤﺎﺛﻼ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻘﺒﻞ اﻷﯾﺎم‬

‫ﻟﺘﺠﺎوز ھﺬا اﻹﺷﻜﺎل ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﻗﻄﺐ‪:‬‬

‫" وﻓﻲ ھﺬا ﯾﺘﻔﺮد اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ..‬ﻓﺎﻟﻨﺎس ﻓﻲ ﻛﻞ ﻧﻈﺎم ﻏﯿﺮ اﻟﻨﻈﺎم اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬ﯾﻌﺒﺪ‬

‫ﺑﻌﻀﮭﻢ ﺑﻌﻀًﺎ – ﻓﻲ ﺻﻮرة ﻣﻦ اﻟﺼﻮر ‪ -‬وﻓﻲ اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻹﺳﻼﻣﻲ وﺣﺪه ﯾﺘﺤﺮر اﻟﻨﺎس ﺟﻤﯿﻌًﺎ ﻣﻦ‬

‫ﻋﺒﺎدة ﺑﻌﻀﮭﻢ ﻟﺒﻌﺾ ‪ ،‬ﺑﻌﺒﺎدة اﷲ وﺣﺪه ‪ ،‬واﻟﺘﻠﻘﻲ ﻣﻦ اﷲ وﺣﺪه ‪ ،‬واﻟﺨﻀﻮع ﷲ وﺣﺪه ‪.‬‬
‫‪66‬‬

‫وھﺬا ھﻮ ﻣﻔﺘﺮق اﻟﻄﺮﯾﻖ ‪ ..‬وھﺬا ﻛﺬﻟﻚ ھﻮ اﻟﺘﺼﻮر اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟﺬي ﻧﻤﻠﻚ إﻋﻄﺎءه ﻟﻠﺒﺸﺮﯾﺔ ‪ -‬ھﻮ‬

‫وﺳﺎﺋﺮ ﻣﺎ ﯾﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﯿﮫ ﻣﻦ آﺛﺎر ﻋﻤﯿﻘﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ اﻟﻮاﻗﻌﯿﺔ ‪ -‬وھﺬا ھﻮ اﻟﺮﺻﯿﺪ اﻟﺬي ﻻ ﺗﻤﻠﻜﮫ‬

‫اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ‪ ،‬ﻷﻧﮫ ﻟﯿﺲ ﻣﻦ " ﻣﻨﺘﺠﺎت " اﻟﺤﻀـﺎرة اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ‪ ،‬وﻟﯿﺲ ﻣﻦ ﻣﻨﺘﺠﺎت اﻟﻌﺒﻘﺮﯾﺔ اﻷوروﺑﯿﺔ !‬

‫ﺷﺮﻗﯿﺔ ﻛﺎﻧﺖ أو ﻏﺮﺑﯿﺔ" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص‪.6‬‬

‫إنّ ھﺬا اﻟﺘﺒﺴﯿﻂ ﻟﻨﻈﺮﯾﺔ "ﺳﺘﺤﻜﻢ اﻟﺒﺸﺮﯾّﺔ"!! ﺣﺴﺐ ھﺬا اﻟﻌﻘﻞ اﻟﻤﺮﯾﺾ ‪ ،‬ھﻮ ﺧﻠﻖ ﻋﺒﻮدﯾﺔ‬

‫ﺑﺸﻌﺔ ﺗﺤﺖ ﺷﻌﺎر "اﻟﻌﺒﻮدﯾﺔ ﷲ" ‪ ،‬و ﻛﻤﺎ أﺳﻠﻔﻨﺎ ‪ ،‬ﻓﺈن ﺣﯿﺎة اﻟﻐﺮﺑﯿﯿﻦ و ﻣﻮاﻃﻨﻲ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ‬

‫ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺤﺼﻮرة ﻓﻲ ﺷﮭﻮات اﻟﺠﻨﺲ و اﻟﻄﻌﺎم ﻛﻤﺎ ﯾﻈﻦ ﻗﻄﺐ و أﻣﺜﺎﻟﮫ ‪ ،‬و ﻗﺪ ﻓﻌﻠﻮا ذﻟﻚ و ﺑﻔﻌﻞ ﺣﯿﺎة‬

‫اﻟﻜﺒﺖ و اﻟﻤﻤﻨﻮﻋﺎت اﻟّﺘﻲ ﻋﺎﺷﻮھﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻐﺮﺑﯿﻮن ـ اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﻮن ﺧﺼﻮﺻﺎ ـ ﯾﮭﺘﻤﻮن ﺑﺎﻟﺤﯿﺎة اﻟﺮﱡوﺣﯿﺔ و‬

‫ﻗﯿَﻢ ﺑﺪﯾﻠﺔ ﻟﺘﻠﻚ اﻟﺴﺎﺋﺪة ﻓﻲ‬


‫اﻟﺨﺪﻣﺔ اﻟﺪّﯾﻨﯿّﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ھﺬا ﯾﺘﻢّ ﻃﺒﻌﺎ ﻓﻲ إﯾﻄﺎر اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ‪ ،‬إن اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ِ‬

‫اﻟﻐﺮب ھﻮ ﺑﺤﺚ ﻓﻲ اﻟﻔﺮاغ و اﻟﻌﺪم ‪ ،‬و ﻣﺤﻜﻮم ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻟﻤﺤﺎوﻟﺔ ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ اﻟﺬّرﯾﻊ ‪ ،‬إن رﻓﻊ ﺷﻌﺎر‬

‫"اﻟﺤﺮﯾّﺔ" اﻟّﺬي ﯾﺮوﱢج ﻟﮫ ﻗﻄﺐ و أﻣﺜﺎﻟﮫ ﻛﺒﺪﯾﻞ ﻟﻤﻔﮭﻮم اﻟﺤﺮﯾّﺔ اﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ اﻟﻐﺮب و ﺟﻨﻮب ﺷﺮق آﺳﯿﺎ ‪،‬‬

‫ﻟﯿﺲ ﺳﻮى ﺷﻌﺎر ﻓﺎرغ ﯾﺨﻔﻲ ﺗﺤﺘﮫ ذﻟﻚ اﻟﻜُﻔﺮ اﻟﺤﻘﯿﻘﻲ ـ إﺣﺘﻜﺎر ﺗﻔﺴﯿﺮ اﻟﻨّﺺ ـ و ھﻮ اﻷﻣﺮ اﻟّﺬي‬

‫ﺳﯿﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﻗﻄﺐ ‪ ،‬ﺑﻦ ﻻدن ‪ ،‬اﻟﻈﻮاھﺮي و اﻟﻘﺮﺿﺎوي ﻛﺒﺪﻻء ﻋﻦ اﷲ ‪ ،‬ﻓﻤﺎ دام اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ ﺟﺎھﺰا‬

‫ﺰﺗِﮫ و ﺟﻼﻟﮫ ﻻ ﯾﻌﺪو ﻛﻮﻧﮫ‬


‫ﻟﺘﻮﺟﯿﮫ اﻟﻨّﺺ اﻟﻤﻘﺪس ﻓﺬﻟﻚ ﯾﻌﻨﻲ ـ ﺣﺴﺐ ﻧﻈﺮﯾﺔ ﻗﻄﺐ و اﻟﻘﺎﻋﺪة ـ أن اﷲ ﺑﻌ ّ‬

‫ﺟﻨﺪﯾّﺎ ﻓﻲ ﺻﻔﻮف اﻹﻧﺘﺤﺎرﯾﯿﻦ و اﻟﻤﻔﺠّﺮﯾﻦ‪.‬‬

‫و ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ھﺎ ھﻨﺎ أن ﻗﻄﺐ و ﺟﻤﺎﻋﺘﮫ ﻟﻦ ﯾﺠﺪوا "ﻧﻤﻮذﺟﺎ" واﻗﻌﯿﺎ ﻟﻤﺎ ﯾﺴﻤّﻮﻧﮫ اﻟﻤﺜﺎل أو‬

‫اﻟﻨﻤﻮذج إﻻ ﻓﻲ اﻟﻌﻮدة إﻟﻰ ﺳﯿﺮة "اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ" ‪ ،‬و ھﻲ ﻛﻤﺎ ﺗﺮى ﻋﺰﯾﺰي اﻟﻘﺎريء ﻣﺠﺮد إﻋﺎدة ﺗﻘﻠﯿﺪ‬

‫ﻣﺮّة أُﺧﺮى ﻟﻤﺎ ﯾﻌﯿﺸﮫ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻦ إﺳﺘﻐﺮاق ﻓﻲ اﻟﻤﺎﺿﻮﯾّﺔ ‪ ،‬إن ﺟﯿﻞ اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ھﻮ أﻛﺜﺮ‬

‫اﻷﺟﯿﺎل إﻧﺤﻄﺎﻃﺎ و إﺛﺎرة ﻟﻠﺠﺪل ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﻣﺎذا ﻧﻔﻌﻞ ﻣﻊ ﻣﻦ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻷﺷﯿﺎء ﺑﻌﯿﻦ واﺣﺪة !! ﻓﺎﻟﺼﺤﺎﺑﺔ‬

‫ﻟﻌﻨﻮا ﺑﻌﻀﮭﻢ اﻟﺒﻌﺾ "ﻓﻘﺪ ﻛﻔّﺮت ﻋﺎﺋﺸﺔُ ﻋﺜﻤﺎﻧﺎ و ﻟﻌﻦ ﻣﻌﺎوﯾﺔُ ﻋﻠﻲَ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻨﺎﺑﺮ ـ أﻧﻈﺮ‪:‬‬

‫ﻋﺎﺋﺸﺔ أم اﻟﻤﺆﻣﻨﯿﻦ ﻟﻤﺮﺗﻀﻰ اﻟﻌﺴﻜﺮي و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻐﺎﺋﺒﺔ ﻟﻔﺮج ﻓﻮدة" ﺛﻢ ﻗﺘﻠﻮا ﺑﻌﻀﮭﻢ ﺑﻌﻀﺎ ـ ﻗُﺘﻞ‬
‫‪67‬‬

‫ﻗﺒَﻞ‬
‫ﻋﺜﻤﺎن ﺛﻢ ﺣﺮب اﻟﺠﻤﻞ و ﺻﻔّﯿﻦ و ﻗﺘﻞ اﻟﺤﺴﯿﻦ و آﻟﮫ ذﺑﺤﺎ و ﺣﺮق اﻟﻜﻌﺒﺔ و اﺳﺘﺒﺎﺣﺔ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ ﻣﻦ ِ‬

‫ﺟﯿﺶ ﯾﺰﯾﺪ و اﻋﺘﺪاءه و اﻏﺘﺼﺎب ﺟﻨﻮده ﻟﺒﻨﺎت اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ ـ و ھﺬا اﺧﺘﺼﺎر ﺳﺮﯾﻊ ﺟﺪا ﻷﺧﻼق ﺟﯿﻞ‬

‫اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ اﻟﺬي ﯾﺴﺘﺸﮭﺪون ﺑﮫ دوﻣﺎ‪.‬‬

‫أﻧﻈﺮ إﻟﻰ ﻧﻤﻂ ھﺬا اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل ﻗﻄﺐ‪:‬‬

‫" ﻛﺎن اﻟﻘﺮآن وﺣﺪه إذن ھﻮ اﻟﻨﺒﻊ اﻟﺬي ﯾﺴﺘﻘﻮن ﻣﻨﮫ ‪ ،‬وﯾﺘﻜﯿﻔﻮن ﺑﮫ ‪ ،‬وﯾﺘﺨﺮﺟﻮن ﻋﻠﯿﮫ ‪ ،‬وﻟﻢ‬

‫ﯾﻜﻦ ذﻟﻚ ﻛﺬﻟﻚ ﻷﻧﮫ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﻠﺒﺸﺮﯾﺔ ﯾﻮﻣﮭﺎ ﺣﻀﺎرة ‪ ،‬وﻻ ﺛﻘﺎﻓﺔ ‪ ،‬وﻻ ﻋﻠﻢ ‪ ،‬وﻻ ﻣﺆﻟﻔﺎت ‪ ،‬وﻻ دراﺳﺎت‬

‫‪ ..‬ﻛﻼ ! ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ھﻨﺎك ﺣﻀﺎرة اﻟﺮوﻣﺎن وﺛﻘﺎﻓﺘﮭﺎ وﻛﺘﺒﮭﺎ وﻗﺎﻧﻮﻧﮭﺎ اﻟﺬي ﻣﺎ ﺗﺰال أوروﺑﺎ ﺗﻌﯿﺶ ﻋﻠﯿﮫ‬

‫‪ ،‬أو ﻋﻠﻰ اﻣﺘﺪاده ‪ .‬وﻛﺎﻧﺖ ھﻨﺎك ﻣﺨﻠﻔﺎت اﻟﺤﻀﺎرة اﻹﻏﺮﯾﻘﯿﺔ وﻣﻨﻄﻘﮭﺎ وﻓﻠﺴﻔﺘﮭﺎ وﻓﻨﮭﺎ ‪ ،‬وھﻮ ﻣﺎ‬

‫ﯾﺰال ﯾﻨﺒﻮع اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ اﻟﻐﺮﺑﻲ ﺣﺘﻰ اﻟﯿﻮم ‪ .‬وﻛﺎﻧﺖ ھﻨﺎك ﺣﻀﺎرة اﻟﻔﺮس وﻓﻨﮭﺎ وﺷﻌﺮھﺎ وأﺳﺎﻃﯿﺮھﺎ‬

‫وﻋﻘﺎﺋﺪھﺎ وﻧﻈﻢ ﺣﻜﻤﮭﺎ ﻛﺬﻟﻚ ‪ .‬وﺣﻀﺎرات أﺧـﺮى ﻗﺎﺻﯿﺔ وداﻧﯿﺔ ‪ :‬ﺣﻀﺎرة اﻟﮭﻨﺪ وﺣﻀﺎرة اﻟﺼﯿﻦ‬

‫إﻟﺦ‪ "..‬ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.10‬‬

‫إن ﺣﺼﺮ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﺒﺸﺮي ﻓﻲ ﻣﻨﮭﺞ ﻣﻌﯿّﻦ ھﻮ أول اﻟﺨﻄﻮات ﻧﺤﻮ ﻋﺒﻮدﯾﺔ اﻟﻨّﺎس ﻟﻐﯿﺮ اﷲ ‪ ،‬و‬

‫اﺳﺘﺨﻔﺎف اﻟﺮّﺟﻞ ـ أي ﻗﻄﺐ ـ ﺑﻤﻨﺠﺰات اﻟﺤﻀﺎرات ھﻮ إﺷﺎرات واﺿﺤﺔ إﻟﻰ أن ھﺬا اﻟﻤﻨﮭﺞ أو‬

‫اﻟﻤﻨﻄﻖ ﯾﺮﯾﺪ اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ أيّ ﺗﻌﺎﯾﺶ ﺑﺸﺮي ﻗﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻷرض ‪ ،‬و أﻧﮭﻢ ﯾﻌﺎدون "اﻟﺤﻀﺎرة" ﻣﺎ داﻣﺖ‬

‫ﻟﯿﺴﺖ ﻓﻲ ﺻﺎﻟﺤﮭﻢ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻹﻃﺎﻋﺔ اﻟﻌﻤﯿﺎء ھﻮ اﻷﺳﺎس ﻟﮭﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﺠﺪﯾﺪة اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ ـ ﻓﮭﻲ ﺗﺴﺘﻤﺪ‬

‫ﻛﻞ دﻋﺎﺋﻤﮭﺎ ﻣﻦ اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ ـ ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮭﺎ ﻻ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺘﮭﺎ ﻋﻦ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ ‪ ،‬و أﻋﺘﻘﺪ أن ﻋﺒﺪ‬

‫اﻟﻨﺎﺻﺮ ﻟﻮ ﻟﻢ ﯾُﻌﺪم ﺳﯿﱢﺪ ﻗﻄﺐ ﻟﺮأﯾﻨﺎ ﻗﻄﺐ ﯾﻌﺪم اﻵﺧﺮﯾﻦ ﺑﺘﮭﻤﺔ "اﻟﺮّدّة" أو "اﻟﻜُﻔﺮ" أو "اﻟﮭﺮﻃﻘﺔ" ‪،‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﻗﻄﺐ‪:‬‬
‫‪68‬‬

‫‪ .‬وﻣﻨﮭﺞ‬ ‫" إن ﻣﻨﮭﺞ اﻟﺘﻠﻘﻲ ﻟﻠﺘﻨﻔﯿﺬ واﻟﻌﻤﻞ ھﻮ اﻟﺬي ﺻﻨﻊ اﻟﺠﯿﻞ اﻷول ـ ﯾﻘﺼِﺪ اﻟﺼّﺤﺎﺑﺔ ـ‬

‫اﻟﺘﻠﻘﻲ ﻟﻠﺪراﺳﺔ واﻟﻤﺘﺎع ھﻮ اﻟﺬي ﺧﺮﱠج اﻷﺟﯿﺎل اﻟﺘﻲ ﺗﻠﯿﮫ ‪ .‬وﻣﺎ ﻣﻦ ﺷﻚ أن ھﺬا اﻟﻌﺎﻣﻞ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻛﺎن‬

‫ﻋﺎﻣﻼً أﺳﺎﺳﯿًﺎ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ اﺧﺘﻼف اﻷﺟﯿﺎل ﻛﻠﮭﺎ ﻋﻦ ذﻟﻚ اﻟﺠﯿﻞ اﻟﻤﻤﯿﺰ اﻟﻔﺮﯾﺪ" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.13‬‬

‫ﻓﺎﻟﻄﺎﻋﺔ اﻟﻌﻤﯿﺎء و اﻟﺘّﻘﻠﯿﺪ و اﻟﻌﺰﻟﺔ ھﻲ اﻟّﺘﻲ ﺗﺨﻠﻖ "اﻟﺠﯿﻞ اﻟﻤﺜﺎﻟﻲ" ﺣﺴﺐ ﻣﺎ ﯾﺮاه ﻗﻄﺐ ‪ ،‬و أن‬

‫ﻋﺼﻮر اﻟﺘﺮﺟﻤﺔ و ﻣﺪارس اﻟﻌﻘﻞ ﻣﻦ ﺷﯿﻌﺔ و ﻣﻌﺘﺰﻟﺔ و ﺣﺘﻰ ﺳﻨّﺔ ‪ ،‬ﻻ ﺗﺴﺎوي ﻓﻲ ﻧﻈﺮه ﯾﻮﻣﺎ ﻣﻦ أﯾﺎم‬

‫"اﻟﻔﺘﻮﺣﺎت" و اﻹﺳﺘﻌﻤﺎر اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﻠﺒﻠﺪان ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ھﻨﺎ ﯾﺠﺪر ﺑﻨﺎ أﯾﻀﺎ ﻣﻼﺣﻈﺔ ھﺆﻻء ﺑﺸﻜﻞ ﺳﺎذج‬

‫ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﻊ أﻃﺮوﺣﺔ اﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺪﯾﻦ ھﻮ أﺣﺪ ﻣﻜﻮﱢﻧﺎت اﻟﺸﺨﺼﯿّﺔ و ﻟﯿﺲ اﻟﻤﻜﻮﱢن اﻟﻮﺣﯿﺪ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أنّ ﻟﻠﺪّﯾﻦ‬

‫ﺣﺪودا ﯾﻘﻒ ﻋﻨﺪھﺎ ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺿﻤﻨﮭﺎ ﻣﺠﺎﻻت اﻹﺑﺪاع اﻟﻌﻠﻤﻲ و اﻟﻔﻨّﻲ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺪّﯾﻦ ﻟﺪﯾﮫ ﺣﺪود ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أن‬

‫ﯾﺘﺨﻄّﺎھﺎ ‪ ،‬ﺑﻞ إن ﻗﻄﺐ ﯾﺠﻌﻞ ﻣﻦ اﻹﺳﻼم أﻗﺮب إﻟﻰ اﻟﺴﱢﺤﺮ ﺣﯿﺚ ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫" ﻟﻘـﺪ ﻛﺎن اﻟﺮﺟﻞ ﺣﯿﻦ ﯾﺪﺧﻞ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ﯾﺨﻠﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺘﺒﺘﮫ ﻛﻞ ﻣﺎﺿﯿﮫ ﻓﻲ اﻟﺠﺎھﻠﯿﺔ ‪ .‬ﻛﺎن‬

‫ﯾﺸﻌﺮ ﻓﻲ اﻟﻠﺤﻈﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺠﻲء ﻓﯿﮭﺎ إﻟﻰ اﻹﺳﻼم أﻧﮫ ﯾﺒﺪأ ﻋﮭﺪاً ﺟﺪﯾﺪًا ‪ ،‬ﻣﻨﻔﺼﻼً ﻛﻞ اﻻﻧﻔﺼﺎل ﻋﻦ ﺣﯿﺎﺗﮫ‬

‫اﻟﺘﻲ ﻋﺎﺷﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﺠﺎھﻠﯿﺔ ‪ .‬وﻛﺎن ﯾﻘﻒ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻋﮭﺪه ﻓﻲ ﺟﺎھﻠﯿﺘﮫ ﻣﻮﻗﻒ اﻟﻤﺴﺘﺮﯾﺐ اﻟﺸﺎك اﻟﺤﺬر‬

‫اﻟﻤﺘﺨﻮف ‪ ،‬اﻟﺬي ﯾﺤﺲ أن ﻛﻞ ھﺬا رﺟﺲ ﻻ ﯾﺼﻠﺢ ﻟﻺﺳﻼم ! وﺑﮭﺬا اﻹﺣﺴﺎس ﻛﺎن ﯾﺘﻠﻘﻰ ھَﺪْي‬

‫اﻹﺳﻼم اﻟﺠﺪﯾﺪ ‪ ،‬ﻓﺈذا ﻏﻠﺒﺘﮫ ﻧﻔﺴﮫ ﻣﺮة ‪ ،‬وإذا اﺟﺘﺬﺑﺘﮫ ﻋﺎداﺗﮫ ﻣﺮة ‪ ،‬وإذا ﺿﻌﻒ ﻋﻦ ﺗﻜﺎﻟﯿﻒ اﻹﺳﻼم‬

‫ﻣﺮة ‪ ..‬ﺷﻌﺮ ﻓﻲ اﻟﺤﺎل ﺑﺎﻹﺛﻢ واﻟﺨﻄﯿﺌﺔ ‪ ،‬وأدرك ﻓﻲ ﻗﺮارة ﻧﻔﺴﮫ أﻧﮫ ﻓﻲ ﺣﺎﺟﺔ إﻟﻰ اﻟﺘﻄﮭﺮ ﻣﻤﺎ وﻗﻊ‬

‫ﻓﯿﮫ ‪ ،‬وﻋﺎد ﯾﺤﺎول ﻣﻦ ﺟﺪﯾﺪ أن ﯾﻜﻮن ﻋﻠﻰ وﻓﻖ اﻟﮭَﺪْي اﻟﻘﺮآﻧﻲ" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.14‬‬

‫و ھﺬا ﯾُﻨﺎﻗﺾ اﻷﺣﺎدﯾﺚ و اﻟﻮاﻗﻊ ‪ ،‬ﻓﻜﻢ ﻣﻦ أُﻧﺎس ﻛﺎﻧﻮا ﺟﯿﺪﯾﻦ و ﻣﺜﺎﻟﯿﯿﻦ ﻣﻊ اﻹﺳﻼم أو ﺑﺪوﻧﮫ ‪،‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ‪ :‬ﺧﯿﺎرﻛﻢ ﻓﻲ اﻟﺠّﺎھﻠﯿّﺔ ﺧﯿﺎرﻛﻢ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم"! إﻣﺎ اﻟﻔﻜﺮة اﻟﺘﻲ ﯾُﺤﺪﱢﺛﻨﺎ ﻋﻨﮭﺎ ﻗﻄﺐ ﻓﮭﻲ‬

‫ﺗﺬﻛﱢﺮﻧﺎ ﺑﺎﻟﺪراﻣﺎ اﻟﻤﺼﺮﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺼﻮر اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ أﻧّﮭﻢ "ﻣﻼﺋﻜﺔ"!‪ .‬و ﻣﻌﻠﻮم أن اﻹﻧﺴﺎن ھﻮ ﻣﺮﻛﱠﺐ‬

‫ﻣُﻌﻘّﺪ ﻣﻦ اﻟﺮﻏﺒﺎت و اﻟﻨﺰوات و اﻟﺪّواﻓﻊ ‪ ،‬و أيّ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻮﻗﯿﺔ ﻟﺘﺤﻮﯾﻠﮫ إﻟﻰ "ﻣﻼك" ھﻲ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﺎﺷﻠﺔ‬

‫و ﻏﯿﺮ ﻣﺠﺪﯾﺔ ‪ ،‬اﻹﻧﺴﺎن ﯾﺘﻜﺎﻣﻞ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﺷﺮوط اﻟﺘﻜﺎﻣﻞ ‪ ،‬راﺗﺐ ﺟﯿﱢﺪ ‪ ،‬ﺳﻜﻦ ﻣﻀﻤﻮن ‪،‬‬
‫‪69‬‬

‫زوﺟﺔ أو زوج ﻣﻨﺎﺳﺐ ‪ ،‬ﺣﺮﯾّﺔ ‪ ،‬و إﺣﺘﺮام ﻛﺮاﻣﺘﮫ ﻛﺈﻧﺴﺎن ‪ ،‬إن اﻹﺳﻼم ﯾﻌﯿﺶ اﻵن ﻓﻲ أزﻣﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ‪،‬‬

‫ﻓﻘﺪ أﺻﺒﺢ أداة ﻗﻤﻊ و ﻏﯿﺮ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺤﻮار ‪ ،‬ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺗﺤﻮﯾﻠﮫ إﻟﻰ "ﻋﻘﯿﺪة ﻏﺰو و ﺣﺮب" ﻻ ﺗﻨﺘﮭﻲ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ‬

‫ﺴﻨّﻲ ﻻ ﯾﻤﻠﻚ ﻣﺆﺳﺴﺔ ﺷﺒﯿﮭﺔ ﺑﺎﻟﻔﺎﺗﯿﻜﺎن أو اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ اﻟّﺘﻲ ﺗﺘﻌﺎﻃﻰ ﺑﺎﻟﺸﺄن اﻟﻌﺎمّ ‪،‬‬
‫أن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟ ّ‬

‫ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺴﻨّﻲ ﯾﺘﺮﻧﺢ اﻵن ﺑﺴﺒﺐ ﻓﻮﺿﻰ "اﻟﻔﺘﺎوى" ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﺴﻨّﻲ ﻋﺮف ﻋﻨﮫ ﺗﺄرﯾﺨﯿﺎ‬

‫أﻧﮫ "ﻓﻘﯿﮫ اﻟﺴﻠﻄﺎن" أو اﻟﺤﺎﻛﻢ ‪ ،‬ﺣﺘّﻰ أن اﻟﻔﻘﯿﮫ اﻟﺴﻨّﻲ ﻛﺎن ﯾﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺣﻞّ ﻓﻘﮭﻲ ﻟﻜﻲ ﯾﺠﺎﻣﻊ "أﻣﯿﺮ‬

‫اﻟﻤﺆﻣﻨﯿﻦ"! ﻏﻼﻣﮫ و ھﻮ ﻣﺮﺗﺎح اﻟﻀّﻤﯿﺮ ‪ ،‬ﺑﻞ إن ﻣﺤﺎوﻻت اﻟﻘﺎﻋﺪة ‪ ،‬و ﻗﻄﺐ واﺣﺪ ﻣﻦ ھﺆﻻء ‪،‬‬

‫ﻟﺘﺨﻄّﻲ ھﺬه اﻟﺼﻮرة اﻟﻨﻤﻄﯿﺔ ﺑﺎءت ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ ‪ ،‬و اﻟﻘﺎﻋﺪة ھﻲ اﻟﺘّﺎﺑﻊ اﻟﻤﺸﺎﻏﺐ ﻵل ﺳﻌﻮد ‪ ،‬ﻓﻔﻲ اﻟﻮﻗﺖ‬

‫ّﻌﻮدﯾﻮن ﯾﺪﻋﻤﻮن ﻧﻈﺎم ﻃﺎﻟﺒﺎن‬


‫اﻟّﺬي ﻛﺎن ﻓﯿﮫ ﺑﻦ ﻻدن ﯾُﺼﺪِر ﻓﺘﺎوى "اﻟﺘﻜﻔﯿﺮ" ﺑﺤﻖ آل ﺳﻌﻮد ‪ ،‬ﻛﺎن اﻟﺴ‬

‫دﺑﻠﻮﻣﺎﺳﯿﺎ و ﺳﯿﺎﺳﯿﺎ و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ إﺣﺪى ﺛﻼث دول إﻋﺘﺮﻓﺖ ﺑﻨﻈﺎم ﻃﺎﻟِﺒﺎن اﻟﺘﺎﺑﻊ‬

‫ﻹﺑﻦ ﻻدن‪.‬‬

‫إن ﻗﻄﺐ ﯾﻨﺘﻘﺪ ﻛﺜﯿﺮا ﻣﺎ ﯾﺴﻤّﯿﮫ "ﺗﻘﺎﻟﯿﺪ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺠﺎھﻠﻲ" ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﻈﮭِﺮ ﻟﻐﺘﮫ ھﺬه ﺑﺄﻧّﮫ ﯾﺮﻓﺾ ﻛﻞ‬

‫"ﺗﻘﻠﯿﺪ ﻏﯿﺮ إﺳﻼﻣﻲ"! أﻣﺎ اﻟﺘﻘﻠﯿﺪ اﻹﺳﻼﻣﻲ و اﻟﻐﺒﺎء اﻹﺳﻼﻣﻲ و اﻟﻈﻠﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬ﻓﻜﻠﮫ ﻣﻘﺒﻮل ﻷﻧﮫ‬

‫ﻣﺤﺼﻮر ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔ "إﺳﻼم ـ ﺣﺴﺐ اﻟﻔﮭﻢ اﻟﻮھّﺎﺑﻲ ﻃﺒﻌﺎ" ‪ ،‬إن ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ﯾﺆﻣﻦ ﻓﻘﻂ ﺑﺴﯿﺪ ﻗﻄﺐ و ﻛﺄن‬

‫ھﻨﺎك ﻋﺎﻟﻤﺎ ﺧﺎﺻّﺎ ﺑﺴﯿﺪ ﻗﻄﺐ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل ﻗﻄﺐ‪:‬‬

‫" ﻧﺤﻦ اﻟﯿﻮم ﻓﻲ ﺟﺎھﻠﯿﺔ ﻛﺎﻟﺠﺎھﻠﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻋﺎﺻﺮھﺎ اﻹﺳﻼم أو أﻇﻠﻢ ‪ .‬ﻛﻞ ﻣﺎ ﺣﻮﻟﻨﺎ ﺟﺎھﻠﯿﺔ ‪..‬‬

‫ﺗﺼﻮرات اﻟﻨﺎس وﻋﻘﺎﺋﺪھﻢ ‪ ،‬ﻋﺎداﺗﮭﻢ وﺗﻘﺎﻟﯿﺪھﻢ ‪ ،‬ﻣﻮارد ﺛﻘﺎﻓﺘﮭﻢ ‪ ،‬ﻓﻨﻮﻧﮭﻢ وآداﺑﮭﻢ ‪ ،‬ﺷﺮاﺋﻌﮭﻢ‬

‫وﻗﻮاﻧﯿﻨﮭﻢ ‪ .‬ﺣﺘﻰ اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻤﺎ ﻧﺤﺴﺒﮫ ﺛﻘﺎﻓﺔ إﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬وﻣﺮاﺟﻊ إﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬وﻓﻠﺴﻔﺔ إﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬وﺗﻔﻜﯿﺮًا‬

‫إﺳﻼﻣﯿًﺎ ‪ ..‬ھﻮ ﻛﺬﻟﻚ ﻣﻦ ﺻﻨﻊ ھﺬه اﻟﺠﺎھﻠﯿﺔ !!" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.15‬‬

‫أو ﺑﺎﻷﺣﺮى ﯾﺎ ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ﻓﺈن "اﻟﺤﯿﺎة" ﻛﻠﮭﺎ "ﺟﺎھﻠﯿﺔ" ‪ ،‬و اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ ﻟﮭﺬا اﻟﻔﻜﺮ اﻟﻤﺮﯾﺾ‬

‫ھﻮ "اﻹﻧﺘﺤﺎر ﺑﺎﻟﻘﻨﺎﺑﻞ" و ﺗﻮزﯾﻊ اﻟﻤﻮت ‪ ،‬إن اﻷب اﻟﺮوﺣﻲ ﻟﻄﺎﻟﺒﺎن و اﻟﻘﺎﻋﺪة ﻟﯿﺲ "أُﺳﺎﻣﺔ ﺑﻦ ﻻدن" ‪،‬‬

‫ي ﻧﻮع ﻣﻦ‬
‫ﺑﻞ ھﻮ ﻗﻄﺐ اﻟﻤﺮﯾﺾ ﺑﮭﻮس ﺧﻠﻖ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﯾﻨﺎﺳﺐ ذوﻗﮫ اﻟﻤﺮﯾﺾ ‪ ،‬إﻧﮫ ﺑﺼﺮاﺣﺔ ﯾﺮﻓﺾ أ ّ‬
‫‪70‬‬

‫إن ﻓﻜﺮﺗﮫ اﻟّﺘﻲ اﺳﺘﻤﺪّھﺎ‬


‫اﻟﺘّﺴﻮﯾﺔ أو اﻟﺤﻠﻮل اﻟﻮﺳﻄﻰ ‪ ،‬ﺑﻞ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ اﻟﮭﯿﻤﻨﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت و إﻟﻐﺎﺋﮭﺎ ‪ّ ،‬‬

‫ھﻨﺎ ﻣﻦ ﻗﺮاءاﺗﮫ اﻟﺪّﯾﻨﯿﺔ ﺟﯿﺪة ﻓﻲ أﺻﻞ ﻓﻜﺮﺗﮫ اﻟﻘﺎﺋﻠﺔ ‪" :‬ﺑﺄنّ ﻻ ﻓﺮق ﺑﯿﻦ ﻃﺎﻏﻮت ﻓﺎرﺳﻲ أو روﻣﺎﻧﻲ أو‬

‫ﻋﺮﺑﻲ"! ﻟﻜﻦ اﻹﺷﻜﺎل ﯾﻌﻮد ﺛﺎﻧﯿﺔ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻧﺴﺄل ‪ :‬ﻣﺎ ھﻮ "اﻟﻄﺎﻏﻮت"!! و ﻃﺒﻌﺎ ﺗﻜﻮن اﻹﺟﺎﺑﺔ اﻟﺪّاﺋﻤﺔ ‪:‬‬

‫أﻧّﮫ ﻛُﻞ ﻗﺎﻧﻮن ﻻ ﯾﻜﻮن ﻣﺼﺪره اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ"! ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﻜﻠﻤﺔ "ﻃﺎﻏﻮت" ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺎﻟﻄﻐﺎة أو اﻟﻤﺴﺘﺒﺪّﯾﻦ‬

‫‪ ،‬ﺑﻞ إﻧﮭﻢ ـ أي اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ و اﻷﺻﻮﻟﯿﻮن اﻟﻤﺘﻄﺮّﻓﻮن ـ ﯾﻔﺴﱢﺮوﻧﮭﺎ ﺑﺄﻧّﮭﺎ‪ :‬ﻛُﻞ ﻗﺎﻧﻮن ﻻ ﯾُﺴﺘﻤَﺪّ ﻣﻦ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ"!‬

‫ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻟﺤﺎﻛﻢ ﻣﮭﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﺴﺘﺒﺪا ﻏﺸﻮﻣﺎ ھﻮ "ﺣﺎﻛﻢ ﺷﺮﻋﻲ" ﻣﺎ دام ﯾُﻄﺒﻖ ﻣﻈﺎھِﺮ اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ و‬

‫ﺣﺪودھﺎ ‪ ،‬ﺳﻮاء ﻛﺎن ھﺬا اﻟﺤﺎﻛِﻢ ھﻮ "ﺑﻦ ﺳﻌﻮد" ‪" ،‬ﺑﻦ ﻻدن" أو "ﺑﻦ اﻟﻌﺎھﺮة" ـ ﻣﻊ إﺣﺘﺮاﻣﻨﺎ و‬

‫ﺗﻘﺪﯾﺮﻧﺎ ﻟﻜﻞ اﻟﻌﺎھﺮات ﻓﮭُﻦّ أﺷﺮف ﻣﻦ ھﺆﻻء اﻟﻄﻐﺎة ـ ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ اﻹﺳﺘﻔﺎدة ﻣﻦ أﻣﺜﺎل ھﺬه اﻵﯾﺎت‬

‫‪ ،‬ﺗﺤﻮل اﻟﻨّﺺ اﻟﺪّﯾﻨﻲ إﻟﻰ ﻋﺎﺋﻖ ﺣﻘﯿﻘﻲ أﻣﺎم ﺗﺤﺪﯾﺚ اﻟﻌﺎﻟﻢ‬ ‫ﻓﻲ دﻓﻊ اﻟﻈﻠﻢ و ﺗﺤﻘﯿﻖ اﻟﻌﺪاﻟﺔ و اﻟﻤﺴﺎواة‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﻼﺣﻆ ﻣﺪى اﻟﺪور اﻟﺴﻠﺒﻲ اﻟّﺬي ﯾﻠﻌﺒﮫ ﻗﻄﺐ و أﻣﺜﺎﻟﮫ ﻓﻲ ﻧﺸﺮ اﻟﺠﻤﻮد اﻟﻔﻜﺮي و اﻟﻌﻘﻠﻲ ‪،‬‬

‫ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻟﻨّﺺ اﻟّﺬي ھﻮ ﻣﻦ اﻟﻤُﻔﺘﺮض أﻧّﮫ ﯾﺼﻠُﺢ ﻟﻜُﻞ زﻣﺎن و ﻣﻜﺎن ‪ ،‬ﻟﻢ ﯾﻌُﺪ ﯾﺼﻠﺢ إﻻ ﻟﺤﯿﺎة اﻟﻘﺮن‬

‫اﻟﺴّﺎﺑﻊ اﻟﻤﯿﻼدي ‪ ،‬دون ﻣﺤﺎوﻟﺔ إﯾﺠﺎد ﻣﻌﺎﻧﻲ ﺟﺪﯾﺪة ﻛﺎﻣﻨﺔ ﻓﻲ ﻣﺎ وراء اﻟﻨّﺺ‪.‬‬

‫ﯾﺤﺎول ﻗﻄﺐ ﻓﻲ أن ﯾﺼﻒ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ ﺑﻌﺾ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﺠﻨﺴﯿﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺮﺟﻞ و اﻟﻤﺮأة ﻓﻲ اﻟﻌﺼﺮ‬

‫اﻟﺠﺎھﻠﻲ ﻓﻲ ﺣﺪﯾﺚ ﻧﻘﻠﮫ ﻋﻦ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﺑﻨﺖ أﺑﻲ ﺑﻜﺮ ‪ ،‬ﻟﯿُﻈﮭﺮ ﻟﻨﺎ ﻣﺜﻼ ﻋﻠﻰ ﻣﺪى اﻹﻧﺤﻄﺎط اﻟﺨﻠﻘﻲ اﻟّﺬي‬

‫ﻛﺎن ﺳﺎﺋﺪا آﻧﺬاك "ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪ ."24 – 23‬ﻟﻜﻦ ھﺬه اﻟﻤﺤﺎوﻟﺔ ﺑﺎءت ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ ‪ ،‬ﻷن ﺣﻘﯿﻘﺔ اﻟﺰواج ﻟﻢ‬

‫ﺗﺘﺤﻘﻖ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬و اﻟﺰواج ﻛﻤﺎ ﯾﺸﺘﺮﻃﮫ اﻟﻔﻘﮭﺎء ھﻮ "رﺿﺎ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ" ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ‬

‫ﯾُﻨﺎﺳﺐ اﻟﺰواج اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻟﺤﺪﯾﺚ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﺰواج "اﻹﺳﻼﻣﻲ" اﻟﺮاﺋﺞ اﻵن ھﻮ اﻏﺘﺼﺎب ﻣُﻐﻠّﻒ ﺑﺸﺮﻋﯿّﺔ‬

‫ﻛﺎذﺑﺔ ‪ ،‬ﻓﻐﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﺗﺮﺿﺦ اﻟﻤﺮأة ﻟﺰوﺟﮭﺎ ﺑﺤﻜﻢ اﻷﻣﺮ اﻟﻮاﻗﻊ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﻗﻄﺐ ﻋﻦ زﻣﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ‪:‬‬


‫‪71‬‬

‫" وﺗﻄﮭﺮت اﻟﻨﻔﻮس واﻷﺧﻼق ‪ ،‬وزﻛﺖ اﻟﻘﻠﻮب واﻷرواح ‪ ،‬دون أن ﯾﺤﺘﺎج اﻷﻣﺮ ﺣﺘﻰ ﻟﻠﺤﺪود‬

‫واﻟﺘﻌﺎزﯾﺮ اﻟﺘﻲ ﺷﺮﻋﮭﺎ اﷲ ‪ -‬إﻻ ﻓﻲ اﻟﻨﺪرة اﻟﻨﺎدرة ‪ -‬ﻷن اﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﻗﺎﻣﺖ ھﻨﺎك ﻓﻲ اﻟﻀﻤﺎﺋﺮ ‪ ،‬وﻷن‬

‫اﻟﻄﻤﻊ ﻓﻲ رﺿﻰ اﷲ وﺛﻮاﺑﮫ ‪ ،‬واﻟﺤﯿﺎء واﻟﺨﻮف ﻣﻦ ﻏﻀﺒﮫ وﻋﻘﺎﺑﮫ ‪ ،‬ﻗﺪ ﻗﺎﻣﺎ ﻣﻘﺎم اﻟﺮﻗﺎﺑﺔ وﻣﻜﺎن‬

‫اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.25‬‬

‫أﻟَﻢ أﻗﻞ ﻟﻜﻢ أن اﻟﺮﺟﻞ ﯾﺤﻠُﻢ! إن ﻛﻞ ﻓﺘﺮة اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﻤﺜﺎﻟﻲ ﻻ ﺗﺰﯾﺪ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﻣﯿﻦ ‪ ،‬ھﺬا ﻟﻮ‬

‫أﺧﺬﻧﺎ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺑﺪءا ﺑﺤﻜﻢ اﻟﻨّﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ و إﻟﻰ ﺣﯿﻦ وﻓﺎﺗﮫ ‪ ،‬ﻓﻄﻮال ﺣﻜﻤﮫ أو إدارﺗﮫ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﮫ ﺷﻲء ﻣﻦ‬

‫اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺪﻧﯿﻮﯾﺔ ‪ ،‬ﻛﺎﻟﺸﺮﻃﺔ و اﻟﺴﺠﻮن و ﺟﻨﻲ اﻟﻀﺮاﺋﺐ ‪ ،‬ﺑﻞ إن ﺣﻜﻢ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﻛﺎن أﻗﺮب إﻟﻰ‬

‫"اﻟﻄﺮﯾﻘﺔ اﻟﺴﻮﯾﺴﺮﯾﺔ" ﻣﻨﮫ ﺑﺨﻠﻔﺎءه ‪ ،‬ﺣﺘﻰ أن ﻗﻄﺐ ﻧﻔﺴﮫ ﺷﻚّ ﻓﻲ أﻧﮫ أﻗﺎم أﯾّﺎ ﻣﻦ ھﺬه اﻟﺤﺪود اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ‬

‫ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻗﺎل ‪ ، ":‬دون أن ﯾﺤﺘﺎج اﻷﻣﺮ ﺣﺘﻰ ﻟﻠﺤﺪود واﻟﺘﻌﺎزﯾﺮ اﻟﺘﻲ ﺷﺮﻋﮭﺎ اﷲ ‪ -‬إﻻ ﻓﻲ اﻟﻨﺪرة اﻟﻨﺎدرة"‬

‫و ھﺬه اﻟﻨﺪرة اﻟﻨﺎدرة رﺑّﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻦ اﻷﺣﺎدﯾﺚ اﻟّﺘﻲ ﯾُﺸﻚ ﺑﮭﺎ ‪ ،‬و ﻷنّ اﻹﺳﻼم أﺻﺒﺢ ﯾﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﻛُﻞ‬

‫ﺻﻐﯿﺮة و ﻛﺒﯿﺮة ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻟﻨﺎس "ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪ "27‬ﻓﺈﻧّﮫ ﺗﺤﻮل إﻟﻰ ﺛِﻘﻞ ﺣﻘﯿﻘﻲ ﻋﻠﻰ ﻛﺎھﻞ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت‬

‫اﻟّﺘﻲ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﮫ‪.‬‬

‫ﯾﺘﮭﻜﻢ ﻗﻄﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة ﻷﻧﮭﺎ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ ﻣﻨﻊ اﻟﺨﻤﺮ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻧﺠﺢ اﻹﺳﻼم ﻓﻲ ﻣﻨﻌﮭﺎ‬

‫ّﺘﻲ ﯾﻄﺮﺣﮭﺎ ﻓﻲ‬


‫ﺑﻌﺪ أن ﻧﺰﻟﺖ ﻓﯿﮭﺎ ﺛﻼث آﯾﺎت ﻣﺘﺘﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬إﻧﮭﺎ واﺣﺪة أُﺧﺮى ﻣﻦ اﻟﻤﺤﺎوﻻت اﻟﺒﺎﺋﺴﺔ اﻟ‬

‫ﻛﺘﺎﺑﮫ ‪ ،‬ﻓﻤﻘﺎرﻧﺔ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻣﺘﻌﺪد اﻷدﯾﺎن و اﻷﺣﺰاب و اﻹﻧﺘﻤﺎءات ﻓﻲ ﻣﻨﺘﺼﻒ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ ﺑﻤﺠﺘﻤﻊ‬

‫آﺧﺮ ﯾﺴﺒﻘﮫ ﺑـ ‪ 14‬ﻗﺮﻧﺎ و ﯾﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ اﻟﺠﮭﻞ و اﻟﻌﺰﻟﺔ ‪ ،‬ھﻲ ﺣﻘّﺎ ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﻏﯿﺮ ﻧﺎﺟﺤﺔ أو ﻣﻮﻓـّﻘﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أﻧﻨﺎ‬

‫ﻻ ﻧﻤﻠﻚ ﺗﻌﺪادا أو إﺣﺼﺎءات ﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻨﺒﻲ ﺣﺘﻰ ﻧﻌﺮف أنّ ھﺬا اﻷﻣﺮ ﺗﺤﻘﻖ أم ﻻ !! ﺑﻞ إن ﻋﻤﺮ ﺑﻦ‬

‫اﻟﺨﻄﺎب ﻛﺎن ﯾﺬھﺐ إﻟﻰ اﻟﺼﻼة و ھﻮ ﺳﻜﺮان‪.‬‬

‫إذا ﻛﺎن ﻗﻄﺐ ﯾﺮﯾﺪ ﺣﻘﺎ أن ﯾﺤﻜﻢ اﻷرض "ﺷﺮع اﷲ"!! و ﻣﻦ دون أن ﯾﺘﺤﻜﻢ إﻧﺴﺎن ﻓﻲ اﻟﺒﺸﺮ ‪،‬‬

‫ﻓﻌﻠﯿﮫ و ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺆﻣﻨﯿﻦ ﺑﻤﻨﮭﺠﮫ أن ﯾﺒﺤﺜﻮا ﻋﻦ ﻧﺒﻲﱟ ﯾُﻔﺴﱢﺮ ﻟﮭﻢ ﻣﺎ ﯾﺸﻜﻞ ﻣﻦ ﻧﺼﻮص ‪ ،‬و ﺑﺪون ذﻟﻚ ﻧﻌﻮد‬

‫إﻟﻰ اﻹﺷﻜﺎل اﻷول و ھﻮ "ﺗﺤﻜﱡﻢ اﻟﺒﺸﺮ ﺑﺎﻟﺒﺸﺮ" ‪ ،‬إذ ﺳﻨﻌﻮد إﻟﻰ ﺣﯿﺚ ﺑﺪأﻧﺎ و ھﻮ ‪ :‬ﻣﻦ ﯾﻤِﻠﻚ ﺻﻼﺣﯿﺔ‬

‫اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ و اﻟﻔﺘﻮى"! و ﻗﺮاءة ﺑﺴﯿﻄﺔ و ﻣﺘﺄﻧﯿّﺔ ﻟﻤﺪوﻧﺎت ﻗﻄﺐ و ﺟﻤﺎﻋﺔ اﻟﻘﺎﻋﺪة ﺗﻈﮭﺮ ﺑﻮﺿﻮح أن اﻟﻨﺒﻮة‬
‫‪72‬‬

‫و اﻟﻌﺼﻤﺔ ﻟﺪى ھﺆﻻء ﺗﺨﺘﺺ ﺑﻘﻄﺐ و ﺑﻦ ﻻدن و ﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﮭﺠﮭﻢ اﻹرھﺎﺑﻲ و اﻹﺟﺮاﻣﻲ ‪ ،‬و أنّ‬

‫ﻣﺠﺘﻤﻌﮭﻢ "اﻟﻤﺜﺎﻟﻲ"! اﻟﻤﺰﻋﻮم ﻛﺎن ﻣﻨﮭﺞ "ﻃﺎﻟﺒﺎن" اﻟّﺬي ﯾﻜﺮه اﻟﺤﯿﺎة و اﻟﺒﺸﺮ‪.‬‬

‫إن ﻗﻄﺐ ﯾُﻠﻐﻲ دور اﻟﻌﻘﻞ ﺗﻤﺎﻣﺎ ‪ ،‬و ﯾﻠﻐﻲ اﻟﺠﻤﺎل أﯾﻀﺎ ‪ ،‬ﻓﻌﻠﻰ اﻟﺠﻤﯿﻊ أن ﯾﻄﯿﻊ اﻹﯾﻤﺎن ﻣﮭﻤﺎ‬

‫ﻛﺎن ھﺬا اﻹﯾﻤﺎن ﻗﺒﯿﺤﺎ أو ﻗﺎﺳﯿﺎ و ﻏﯿﺮ واﻗﻌﻲ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل ﻗﻄﺐ‪:‬‬

‫" إن ﻧﻈﺎم اﷲ ﺧﯿﺮ ﻓﻲ ذاﺗﮫ ‪ ،‬ﻷﻧﮫ ﻣﻦ ﺷﺮع اﷲ ‪ ..‬وﻟﻦ ﯾﻜﻮن ﺷﺮع اﻟﻌﺒﯿﺪ ﯾﻮﻣﺎً ﻛﺸﺮع اﷲ ‪..‬‬

‫وﻟﻜﻦ ھﺬه ﻟﯿﺴﺖ ﻗﺎﻋﺪة اﻟﺪﻋﻮة ‪ .‬إن ﻗﺎﻋﺪة اﻟﺪﻋﻮة أن ﻗﺒﻮل ﺷﺮع اﷲ وﺣﺪه أﯾّﺎً ﻛﺎن ‪ ،‬ورﻓﺾ ﻛﻞ‬

‫ﺷﺮع ﻏﯿﺮه أﯾّﺎً ﻛﺎن ‪ ،‬ھﻮ ذاﺗﮫ اﻹﺳﻼم ‪ ،‬وﻟﯿﺲ ﻟﻺﺳﻼم ﻣﺪﻟﻮل ﺳﻮاه ‪ ،‬ﻓﻤﻦ رﻏﺐ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم اﺑﺘﺪاء‬

‫ﻓﻘﺪ ﻓﺼﻞ ﻓﻲ اﻟﻘﻀﯿﺔ ‪ ،‬وﻟﻢ ﯾﻌﺪ ﺑﺤﺎﺟﺔ إﻟﻰ ﺗﺮﻏﯿﺒﮫ ﺑﺠﻤﺎل اﻟﻨﻈﺎم وأﻓﻀﻠﯿﺘﮫ ‪ ..‬ﻓﮭﺬه إﺣﺪى ﺑﺪﯾﮭﯿﺎت‬

‫اﻹﯾﻤﺎن !" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.34‬‬

‫ﻓﻼ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﻠﻨﺎس ـ ﺣﺴﺐ ﻋﻘﻠﮫ اﻟﻤﺮﯾﺾ ـ ﻓﻲ ﻧﻈﺎم دﻗﯿﻖ ﯾﺴﺎوي ﺑﯿﻦ ﻣﻮاﻃﻨﯿﮫ و ﯾﻮﻓﺮ ﻟﮭﻢ ﻛﻞ ﻛﻞّ‬

‫اﻟﺤﺎﺟﺎت اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻤﮭﻢ ھﻮ اﻟﺠﻠﺪ و اﻟﻘﻄﻊ و اﻟﺬّﺑﺢ و ﺗﮭﻤﯿﺶ اﻟﻤﺮأة و اﻻﺣﺘﻔﺎظ ﺑﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﯿﺖ‬

‫ﻛﺤﯿﻮان ﻣﻔﯿﺪ ﺟﻨﺴﯿﺎ و ﻃﺒﺦ اﻟﻄﻌﺎم و ﺗﻮﻓﯿﺮ اﻹﺳﺘﻘﺮار ﻟﻠﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ "اﻟﻤﺤﺎرﺑﯿﻦ" اﻟﺬﯾﻦ ﺳﯿﻨﺸﺮون رﻋﺐ‬

‫اﻹﺳﻼم و ﺳﯿﺎراﺗﮫ اﻟﻤﻔﺨﺨﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ أﺟﻤﻊ! اﻷﻛﯿﺪ أﯾﻀﺎ أن ﻗﻄﺐ ھﻮ ﻋﻨﺼﺮي ﻣﻦ اﻟﻄﺮاز اﻷول ‪،‬‬

‫ﻓﮭﻮ ﺟﺎدّ ﻓﻲ اﻟﺘﮭﺠﻢ ﻋﻠﻰ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ﺣﺘﻰ اﻟﺸﻮﻋﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮫ ﺻﺎﻣﺖ ﺻﻤﺖ اﻟﻘﺒﻮر ﻋﻦ اﻧﺘﻘﺎد‬

‫أي ﻧﻈﺎم ﻋﺮﺑﻲ أو إﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ ﻋﻠﻰ وﺟﮫ اﻟﺘﺤﺪﯾﺪ ‪ ،‬و ھﺬا ﯾﻌﻨﻲ أن اﻟﺸﺮﻗﯿﯿﻦ و اﻟﻌﺮب ھﻢ‬

‫ﻣﻼﺋﻜﺔ ﻓﻮق اﻟﻨﻘﺪ ﻣﮭﻤﺎ أﺧﻄﺄوا ‪ ،‬أﻣّﺎ اﻟﻐﺮﺑﯿﻮن ﻓﮭﻢ ـ ﺣﺴﺐ ﻗﻄﺐ ـ أﻋﺪاء ﯾﺠﺐ اﺣﺘﻘﺎرھﻢ و ﺣﺮﺑﮭﻢ‬

‫ﻣﮭﻤﺎ أﺑﺪﻋﻮا‪.‬‬

‫إن ﺻﻼﺣﯿﺔ اﻹﺳﻼم ﻟﻜﻞ زﻣﺎن و ﻣﻜﺎن ـ ﺣﺴﺐ ﻧﻈﺮﯾﺔ ﻗﻄﺐ ـ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ اﻹﺑﻘﺎء ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‬

‫ﺟﺎھﻼ و ﻣﺘﺨﻠﻔﺎ و ﺗﺼﺎغ ھﺬه اﻟﺠﮭﺎﻟﺔ و اﻟﺘﺨﻠﻒ ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮان "اﻟﻔﻄﺮة" ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻻ ﯾﺼﻠﺢ اﻹﺳﻼم‬

‫ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻌﺎت اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ و اﻟﻤﺜﻘﻔﺔ و اﻟّﺘﻲ ﻻ ﺗﺘﺮك ﻣﻮﺿﻮﻋﺎ دون أن ﺗﺸﺒﻌﮫ ﺟﺪﻻ ‪ ،‬إنّ ھﺬا اﻹﺳﻼم‬

‫"اﻟﺒﺪوي" اﻟﻘﺎﺳﻲ ﻟﻢ ﯾﻌﺪ ﯾﺼﻠﺢ ﺣﺘﻰ ﻟﻠﺼﺤﺮاء اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ﻧﻔﺴﮭﺎ ‪ ،‬ﻓﻘﺪ اﻣﺘﻸت اﻟﺼﺤﺮاء ﺑﻌﻼﺋﻢ اﻟﺤﻀﺎرة‬
‫‪73‬‬

‫ﻣﻦ أﺑﻨﯿﺔ و ﺧﺪﻣﺎت و اﺗّﺼﺎﻻت ‪ ،‬و أﻋﺘﻘﺪ أن ﻗﻄﺐ ھﻮ ﻣﻠﮭﻢ أﺑﺸﻊ ﻧﻈﺮﯾﺔ دﯾﻨﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺦ "ﺗﻨﻈﯿﻢ‬

‫اﻟﻘﺎﻋﺪة" ﺣﯿﺚ ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫" وإﻧﮫ ﻟﻤﻦ اﻟﻀﺮوري ﻷﺻﺤﺎب اﻟﺪﻋﻮة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ أن ﯾﺪرﻛﻮا ﻃﺒﯿﻌﺔ ھﺬا اﻟﺪﯾﻦ وﻣﻨﮭﺠﮫ ﻓﻲ‬

‫اﻟﺤﺮﻛﺔ ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻟﻨﺤﻮ اﻟﺬي ﺑﯿﻨﱠﺎه ‪ .‬ذﻟﻚ ﻟﯿﻌﻠﻤﻮا أن ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺑﻨﺎء اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺘﻲ ﻃﺎﻟﺖ ﻓﻲ اﻟﻌﮭﺪ اﻟﻤﻜﻲ‬

‫ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻟﻨﺤﻮ ‪ ،‬ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﻨﻌﺰﻟﺔ ﻋﻦ ﻣﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘﻜﻮﯾﻦ اﻟﻌﻤﻠﻲ ﻟﻠﺤﺮﻛـﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬واﻟﺒﻨﺎء اﻟﻮاﻗﻌﻲ‬

‫ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ‪ .‬ﻟﻢ ﺗﻜـﻦ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺗﻠﻘﱢﻲ " اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ " ودراﺳﺘﮭﺎ ! وﻟﻜﻨﮭﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺮﺣﻠﺔ اﻟﺒﻨﺎء‬

‫اﻟﻘﺎﻋﺪي ﻟﻠﻌﻘﯿﺪة وﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ وﻟﻠﺤﺮﻛﺔ وﻟﻠﻮﺟﻮد اﻟﻔﻌﻠﻲ ﻣﻌﺎً ‪ ..‬وھﻜﺬا ﯾﻨﺒﻐﻲ أن ﺗﻜﻮن ﻛﻠﻤﺎ أرﯾﺪ إﻋﺎدة‬

‫ھﺬا اﻟﺒﻨﺎء ﻣﺮة أﺧﺮى" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.34‬‬

‫ﻓﻤﺎ ﺳﻤّﺎه ھﻨﺎ ﺑـ"اﻟﺒﻨﺎء اﻟﻘﺎﻋﺪي" ھﻮ اﻟّﺬي ﺟﻌﻞ ﺷﺨﺼﺎ ﻛـ"ﺑﻦ ﻻدن" ﯾﺨﺘﺎر اﺳﻢ "اﻟﻘﺎﻋﺪة"‬

‫ﻟﺘﻨﻈﯿﻤﮫ ‪ ،‬إن اﻟﻨﮭﺎﯾﺔ و اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ اﻟّﺘﻲ اﻧﺘﮭﻰ إﻟﯿﮭﺎ ﻗﻄﺐ و ﻣﻦ ﺳﻦّ ﺳﻨّﺘﮫ اﻟﺴّﯿﺌﺔ ‪ ،‬ھﻲ ﻧﮭﺎﯾﺔ أو ﻧﺘﯿﺠﺔ‬

‫ﻣﻐﻠﻮﻃﺔ أو ﻟﻨﻘﻞ ﻏﯿﺮ ﻣﻔﯿﺪة ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ ـ و أﻧﺎ ھﻨﺎ ﻻ أﻧﺎﻗﺶ اﻹﺳﻼم ﻛﻮﻧﮫ ﺣﻘّﺎ أو ﺑﺎﻃﻼ ـ أن ھﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ‬

‫ﺗﺒﺪأ ﻛﻤﻨﮭﺞ دﻋﻮي ﺷﻔﮭﻲ و ﺗﻨﺘﮭﻲ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ و اﻹﻛﺮاه و اﻹﺟﺮام ‪ ،‬و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻻ ﯾﻜﻮن ھﺬا دﯾﻨﺎ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ‬

‫ھﻮ ﻧﻮع آﺧﺮ ﻣﻦ اﻟﻄﻐﯿﺎن و اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ و اﻟﮭﯿﻤﻨﺔ ﺑﺴﻢ اﷲ و اﻟﻤﻘﺪﺳﺎت ‪ ،‬ﺑﻞ ﯾﺒﺪو ﻟﻨﺎ ﻗﻄﺐ و ھﻮ ﯾﻨﻈﱢﺮ‬

‫ھﺎ ھﻨﺎ و ﻛﺄﻧﮫ ﺑﺼﺪد ﺑﻨﺎء ﻋﺼﺎﺑﺔ إﺟﺮاﻣﯿﺔ و ﻟﯿﺲ "ﺟﻤﺎﻋﺔ دﯾﻨﯿﺔ"! و ﻛﺄن اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﻛﺎن ﯾﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ‬

‫اﻟﺴﻼم ﻛـ"ﺗﻜﺘﯿﻚ" ﻣﺮﺣﻠﻲ ﻟﻜﻲ ﯾﻘﻮم ﺑﻌﺪھﺎ ـ ﺣﯿﻦ ﯾﺼﺒﺢ ﻗﻮﯾﺎ ـ ﺑﺎﻹﻧﻘﻼب ﻋﻠﻰ اﻟﻮاﻗﻊ و ﺑﺎﻟﻘﻮة ‪ ،‬و‬

‫ﻣﺤﻤﺪ اﻟﻨﺒﻲ ـ ﺣﺴﺐ ﻧﻈﺮﯾﺔ ﻗﻄﺐ ـ ﯾﺸﺒﮫ ھﻨﺎ أدوﻟﻒ ھﺘﻠﺮ اﻟّﺬي اﺳﺘﻐﻞ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪّﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻟﯿُﮭﻲّء‬

‫ﻟﻺﻧﻘﻼب اﻟﻨﺎزي أو اﻟﻘﻮﻣﯿﯿﻦ اﻟّﺬﯾﻦ ﯾﻘﻮﻣﻮن ﺑﺎﻧﻘﻼﺑﺎت ﻋﺴﻜﺮﯾﺔ ھﻨﺎ و ھﻨﺎك ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ھﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ ھﻲ‬

‫اﻟّﺘﻲ ﺟﻌﻠﺖ ﺧﺒﺮاء اﻟﻐﺮب و اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة ﯾﺘﺮدّدون ﻓﻲ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﺄيّ ﺗﻐﯿﯿﺮ ﺟﺬري ﻓﻲ‬

‫اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ‪ ،‬إذ ﯾﺒﺪو ﻗﺒﻮل اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻟﻶﻟﯿّﺎت اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ﻛﺄﻧﮫ ﻣﺠﺮّد "ﺗﻜﺘﯿﻚ" ﻣﺮﺣﻠﻲ و‬

‫ﺑﻤﺠﺮد أن ﺗﺼﺒﺢ ﻟﺪﯾﮭﻢ اﻟﻘﻮة ﻓﺈﻧﮭﻢ ﺳﯿﻄﯿﺤﻮن ﺑﺎﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ "اﻟﻜﺎﻓﺮة ـ ﺣﺴﺐ ﺗﻌﺒﯿﺮھﻢ"! و ﯾﺤﻮﻟﻮن‬

‫ھﺬه اﻟﺒﻠﺪان إﻟﻰ ﻗﻮاﻋﺪ "ﻟﮭﺪاﯾﺔ اﻟﺒﺸﺮ إﻟﻰ اﻟﺬﺑﺢ و ﺳﯿﺎرات اﻟﺘﻔﺨﯿﺦ"‪.‬‬
‫‪74‬‬

‫إن أﺑﻐﺾ ﺷﻲء إﻟﻰ ﻗﻄﺐ و اﻟﻘﺎﻋﺪة ھﻮ "اﻟﻌﻘﻞ" و اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻤﻨﻄﻖ و إﻋﻤﺎل اﻟﺬّھﻦ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل‬

‫ﻗﻄﺐ‪:‬‬

‫" وﺧﻄﺄ أي ﺧﻄﺄ ‪ -‬ﺑﺎﻟﻘﯿﺎس إﻟﻰ اﻹﺳﻼم ‪ -‬أن ﺗﺘﺒﻠﻮر اﻟﻌﻘﯿﺪة ﻓﻲ ﺻﻮرة " ﻧﻈﺮﯾﺔ " ﻣﺠﺮدة‬

‫ﻟﻠﺪراﺳﺔ اﻟﺬھﻨﯿﺔ ‪ ..‬اﻟﻤﻌﺮﻓﯿﺔ اﻟﺜﻘﺎﻓﯿﺔ ‪ ..‬ﺑﻞ ﺧﻄﺮ أي ﺧﻄﺮ ﻛﺬﻟﻚ ‪.‬‬

‫إن اﻟﻘﺮآن ﻟﻢ ﯾﻘﺾ ﺛﻼﺛﺔ ﻋﺸﺮ ﻋﺎﻣﺎً ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻓﻲ ﺑﻨﺎء اﻟﻌﻘﯿﺪة ﺑﺴﺒﺐ أﻧﮫ ﻛﺎن ﯾﺘﻨﺰل ﻟﻠﻤﺮة اﻷوﻟﻰ‬

‫‪ ..‬ﻛﻼ ! ﻓﻠﻮ أراد اﷲ ﻷﻧﺰل ھﺬا اﻟﻘﺮآن ﺟﻤﻠﺔ واﺣﺪة ‪ ،‬ﺛﻢ ﺗﺮك أﺻﺤﺎﺑﮫ ﯾﺪرﺳﻮﻧﮫ ﺛﻼﺛﺔ ﻋﺸﺮ ﻋﺎﻣﺎً ‪،‬‬

‫أو أﻛﺜﺮ أو أﻗﻞ ‪ ،‬ﺣﺘﻰ ﯾﺴﺘﻮﻋﺒﻮا " اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ " ‪.‬‬

‫وﻟﻜﻦ اﷲ ‪ -‬ﺳﺒﺤﺎﻧﮫ ‪ -‬ﻛﺎن ﯾﺮﯾﺪ أﻣﺮاً آﺧﺮ ‪ ،‬ﻛﺎن ﯾﺮﯾﺪ ﻣﻨﮭﺠﺎً ﻣﻌﯿﻨﺎً ﻣﺘﻔﺮداً ‪ .‬ﻛﺎن ﯾﺮﯾﺪ ﺑﻨﺎء‬

‫ﺟﻤﺎﻋﺔ وﺑﻨﺎء ﺣﺮﻛﺔ وﺑﻨﺎء ﻋﻘﯿﺪة ﻓﻲ وﻗﺖ واﺣﺪ" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.34‬‬

‫و ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أنّ ﻗﻄﺐ ﯾﻌﺘﺒﺮ ﺣﺪﯾﺚ اﻟﻘﺮآن و اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﻦ "اﻟﻌﻘﻞ" و "أوﻟﻲ اﻷﻟﺒﺎب ـ‬

‫اﻟﻌﻘﻮل" ھﻮ ﻣﺤﺾ ھﺮاء و أﻛﺎذﯾﺐ ﻻ ﺻﻠﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺎﻟﻮاﻗﻊ ‪ ،‬و ﺗﺬﻛّﺮت و أﻧﺎ أﻗﺮأ ﻋﺒﺎرات ﻗﻄﺐ ﺷﻌﺎرا‬

‫ﻣﻦ ﺷﻌﺎرات "ﺣﺰب اﻟﺒﻌﺚ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮري" اﻟّﺬي ﻛﺎن ﯾُﺮدّد‪ :‬ﻧﻔﱢﺬ و ﻻ ﺗﻨﺎﻗﺶ"! ﻓﺎﻟﻄﺎﻋﺔ اﻟﻌﻤﯿﺎء ھﻲ‬

‫اﻷﺳﺎس اﻷول ﻟﮭﺬا اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻟﺘﻔﺠﯿﺮي ‪ ،‬و ﻧﺤﻦ ﻧﻄﺮح ھﻨﺎ ﺳﺆاﻻ‪ :‬إذا ﻟﻢ ﯾﻜﻦ اﻹﺳﻼم ﺧﺎﺿﻌﺎ ﻟﻠﺬھﻦ و‬

‫اﻟﻌﻘﻞ و اﻟﻤﻨﻄﻖ ؟! ﻓﻜﯿﻒ ﺗﺴﻨّﻰ ﻟﺠﯿﻞ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ و ﻟﻘﻄﺐ و ﺟﻤﺎﻋﺘﮫ أن ﯾﻌﺮﻓﻮا أنّ اﻹﺳﻼم ﺣﻖّ أو‬

‫ﺑﺎﻃﻞ ؟! اﻷﻛﯿﺪ أﻧﮭﻢ ﻻ ﯾﻤﻠﻜﻮن ھﺬا اﻟﺠﻮاب ﻷﻧﮭﻢ ﺑﻤﺠﺮد أن ﯾﻌﺘﺮﻓﻮا و ﻟﻮ ﺑﺪور ﺑﺴﯿﻂ ﻟﻠﻌﻘﻞ ﻓﺈن‬

‫ﻧﻈﺮﯾّﺘﮭﻢ ﺗﻨﮭﺎر ﻓﻲ اﻟﺤﺎل ‪ ،‬و ﻷﻧﮭﻢ ﯾﺆﻣﻨﻮن ﻓﻘﻂ ﺑـ"اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﻤﮭﯿﻤﻨﺔ" ﻓﻤﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﯾﺮﻓﻀﻮا أي‬

‫دور ﻟﻠﻌﻘﻞ أو اﻟﺤﻮار ‪ ،‬ﺣﺘﻰ ﻣﻊ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺸﯿﻌﺔ و اﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ و اﻟﺨﻮارج و اﻷﺣﻤﺪﯾﺔ اﻟﻘﺎدﯾﺎﻧﯿﺔ ھﻢ‬

‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ "ﻛﻔّﺎر"! ﯾﻨﺘﻈﺮون ﻓﻲ ﻃﺎﺑﻮر اﻻﺧﺘﯿﺎر ﺑﯿﻦ "اﻟﺬّﺑﺢ أو اﻹﺳﻼم"! ھﺬا ﻓﻀﻼ ﻋﻦ اﻟﯿﮭﻮد و‬

‫اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ و اﻟﺒﻮذﯾﯿﻦ و ‪ ..‬إﻟﺦ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﺑﻀﻌﺔ ﻣﻼﯾﯿﻦ ﻓﻘﻂ ﻣﻦ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﺳﺘﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﺤﯿﺎة ﻓﻲ ﻇﻞ‬

‫اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﯾُﺮﺳﻞ ‪ 6‬ﻣﻠﯿﺎر إﻧﺴﺎن إﻟﻰ اﻟﻤﻮت!‪.‬‬


‫‪75‬‬

‫إن ﻛﻠﻤﺎت "اﻟﻮاﻗﻌﯿﺔ" ‪" ،‬اﻟﺤﯿﺎة" ‪" ،‬اﻟﺤﺮﻛﺔ" و "اﻟﺤﺮاك اﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻲ" اﻟّﺘﻲ ﯾﺮددھﺎ ﻗﻄﺐ ‪،‬‬

‫ﻟﯿﺴﺖ إﻻ ﻛﻠﻤﺎت ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺎﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ‪ ،‬ﻓﺒﻤﺠﺮد أن رﻓﺾ "اﻟﺬھﻦ" و "اﻟﻌﻘﻞ" أﻟﻐﻰ أي ﻓﺎرق ﺣﻘﯿﻘﻲ‬

‫ﺑﯿﻦ دﯾﻨﮫ و أدﯾﺎن اﻵﺧﺮﯾﻦ ‪ ،‬و ﺗﻜﻮن اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ أن اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﺳﺘﻔﻨﻰ ﻟﻮ ﻓﻜﺮ اﻟﯿﮭﻮد و اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﻮن و‬

‫اﻟﺒﻮذﯾﻮن ﻓﻲ ﺻﯿﺎﻏﺔ أدﯾﺎﻧﮭﻢ ﻋﻠﻰ ﻧﻤﻂ ھﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟّﺘﻲ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﺪون اﻟﺮّﺟﻮع إﻟﻰ أي أُﺳﺲ ﻋﻘﻼﻧﯿﺔ و‬

‫ﻓﺮض ﻗﻨﺎﻋﺎﺗﮭﺎ ﺑﺎﻟﻘﻮة ﻻ ﺑﺎﻟﻌﻘﻞ و اﻟﺤﻜﻤﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ ﺳﺘﺤﻞ اﻟﻤﺼﯿﺒﺔ ﺑﺎﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻷن اﻟﺸﺮق و اﻟﻐﺮب ﯾﻤﻠﻜﺎن‬

‫ﻣﺌﺎت اﻟﻘﻨﺎﺑﻞ اﻟﻨﻮوﯾﺔ اﻟّﺘﻲ ﺳﺘﻤﺤﻮ ھﺬه اﻟﺸﻌﻮب ﻓﻲ ﻏﻀﻮن ﺳﺎﻋﺎت ‪ ،‬ﯾﻘﻮل ﻗﻄﺐ‪:‬‬

‫" إن اﻟﺘﺼﻮر اﻹٍﺳﻼﻣﻲ ﻟﻸﻟﻮھﯿﺔ ‪ ،‬وﻟﻠﻮﺟﻮد اﻟﻜﻮﻧﻲ ‪ ،‬وﻟﻠﺤﯿﺎة ‪ ،‬وﻟﻺﻧﺴﺎن ‪ ..‬ﺗﺼﻮر ﺷﺎﻣﻞ‬

‫ﻛﺎﻣﻞ ‪ .‬وﻟﻜﻨﮫ ﻛﺬﻟﻚ ﺗﺼﻮر واﻗﻌﻲ إﯾﺠﺎﺑﻲ ‪ .‬وھﻮ ﯾﻜﺮه ‪ -‬ﺑﻄﺒﯿﻌﺘﮫ ‪ -‬أن ﯾﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﻣﺠﺮد ﺗﺼﻮر ذھﻨﻲ‬

‫ﻣﻌﺮﻓﻲ ‪ ،‬ﻷن ھﺬا ﯾﺨﺎﻟﻒ ﻃﺒﯿﻌﺘﮫ وﻏﺎﯾﺘﮫ ‪ .‬وﯾﺠﺐ أن ﯾﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ أﻧﺎﺳﻰ ‪ ،‬وﻓﻲ ﺗﻨﻈﯿﻢ ﺣﻲ ‪ ،‬وﻓﻲ ﺣﺮﻛﺔ‬

‫واﻗﻌﯿﺔ ‪ ..‬وﻃﺮﯾﻘﺘﮫ ﻓﻲ اﻟﺘﻜﻮن أن ﯾﻨﻤﻮ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻷﻧﺎﺳﻰ واﻟﺘﻨﻈﯿﻢ اﻟﺤﻲ واﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﻮاﻗﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﺣﺘﻰ‬

‫ﯾﻜﺘﻤﻞ ﻧﻈﺮﯾﺎً ﻓﻲ ﻧﻔﺲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﯾﻜﺘﻤﻞ ﻓﯿﮫ واﻗﻌﯿﺎً ‪ -‬وﻻ ﯾﻨﻔﺼﻞ ﻓﻲ ﺻﻮرة " اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ " ﺑﻞ ﯾﻈﻞ‬

‫ﻣﻤﺜﻼً ﻓﻲ ﺻﻮرة " اﻟﻮاﻗﻊ " اﻟﺤﺮﻛﻲ ‪ "..‬ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.36‬‬

‫ھﺮب ﻗﻄﺐ ﻣﻦ "اﻟﻌﻘﻞ" و "اﻟﻤﻨﻄﻖ" إﻟﻰ "ﻋﻘﻞ و ﻣﻨﻄﻖ" آﺧﺮ ھﻮ ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻧﻘﯿﺾ اﻟﻨﻘﯿﺾ ‪ ،‬إذ‬

‫وﺟﺪ أن اﻟﻼ ﻋﻘﻠﯿﺔ ﺳﺘﻌﻨﻲ أﻧﮫ ﻻ ﻓﺎرق ﺑﯿﻨﮫ و ﺑﯿﻦ أيّ ﺣﯿﻮان ‪ ،‬ﻓﻠﺠﺄ ﻣﺮة أُﺧﺮى إﻟﻰ "ﺗﺼﻮّر" ‪ ،‬و ﻃﺒﻌﺎ‬

‫ﻟﻢ ﯾﺴﺘﺨﺪم ﻛﻠﻤﺔ "ﻣﻨﻄﻖ" اﻟّﺘﻲ ﯾﻜﺮھﮭﺎ ‪ ،‬و ھﺬا اﻟﺘﺼﻮر ﻻ ﯾُﻔﮭَﻢ إﻻ ﻋﻠﻰ أﻧﮫ "ﺿﺪ اﻟﻌﻘﻞ" أو "ﻣﻨﻄﻖ‬

‫اﻟﻼ ﻣﻨﻄﻖ" ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن إﺳﻼﻣﮫ ھﻮ ﺿﺪ ﻛﻞ ﻣﺎ ﯾﺤﺘﺮم "اﻵﺧﺮ" ‪ ،‬و ﻛﺄن ﻗﻄﺐ و أﺗﺒﺎﻋﮫ أرادوا أن ﯾﻘﻮﻣﻮا‬

‫ﺑﺪور "اﷲ" ﻓﯿﺰﯾﻠﻮا اﻵﺧﺮﯾﻦ ـ ﻣﻊ أن اﷲ ﺗﺤﺎور ﻣﻊ اﻟﺸﯿﻄﺎن ﺣﺴﺐ اﻟﻘﺮآن و أﻋﻄﺎه ﻣﮭﻠﺔ ﻵﻻف‬

‫ُﻟﻮھﯿﺔ" ﻋﻠﻰ "ﺗﻮﺣﯿﺪ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ و اﻟﻌﻘﯿﺪة" ‪ ،‬و ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن‬


‫اﻟﺴﻨﯿﻦ ـ و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﯾﻨﻌﻜﺲ "ﺗﻮﺣﯿﺪ اﻷ‬

‫ﺗﻨﻘﺴﻢ ھﺬه اﻟﺘﻨﻈﯿﻤﺎت اﻹﺳﻼﻣﻮﯾﺔ و ﺗﻘﺘﻞ ﺑﻌﻀﮭﺎ اﻟﺒﻌﺾ ـ أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن ﻣﺜﺎﻻ ـ ﻷن ﻛﻞ أﺣﺪ ﻣﻨﮭﻢ ﯾﻌﺘﺒﺮ‬

‫ﻧﻔﺴﮫ وﻛﯿﻼ ﷲ و ﻣﺤﯿﻄﺎ ﺑﺎﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ‪.‬‬


‫‪76‬‬

‫ﻟﻜﻦ ﻟﻐﺔ ﻗﻄﺐ ﻟﻢ ﺗﻨﺠﻮ ﻣﻦ ﺻﯿﻐﺔ اﻟﺘّﺸﻜﯿﻚ ‪ ،‬و ھﻮ ﻟﻢ ﯾﺸﻌﺮ ﺑﮭﺎ ‪ ،‬ﻓﻜﻠﻤﺔ "ﺗﺼﻮﱡر" ھﻲ أﺿﻌﻒ‬

‫ﱡر ھﻮ ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﻈﻦ ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ "ﺟﺰﺋﻲ" ‪ ،‬و ﯾﺤﺪث‬


‫ﻣﺪﻟﻮﻻ ﻣﻦ ﻛﻠﻤﺔ "ﻧﻈﺮﯾﺔ" أو "ﻣﻨﻄﻖ" ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺘّﺼﻮ‬

‫اﻟﺘّﻨﺎﻗﺾ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺼﻒ ﻗﻄﺐ ھﺬا "اﻟﺘّﺼﻮﱡر اﻹﺳﻼﻣﻲ"! ﺑﺄﻧﮫ‪ :‬ﺷﺎﻣﻞ ﻛﺎﻣﻞ‪ "..‬و ھﺬا ﯾُﻨﺎﻗﺾ ﻣﻔﮭﻮم و‬

‫ﻣﺪﻟﻮل ﻛﻠﻤﺔ "ﺗﺼﻮﱡر" ‪ ،‬إﻧﮭﺎ و ﺑﺸﻜﻞ أوﺿﺢ ﻛﻠﻤﺎت "ﺷﺎﻋﺮ" ﺧﯿﺎﻟﻲ ‪ ،‬ﯾﺮﯾﺪ أن ﯾﺤﻮّل أوھﺎﻣﮫ إﻟﻰ واﻗﻊ‬

‫ﺮﺑّﺎﻧﯿّﺔ" اﻟّﺘﻲ ﺗﻔﻜﺮ ﺑﺎﻟﻤﻨﮭﺞ اﻹﻟﮭﻲ اﻟﺸّﺎﻣﻞ و اﻟﻜﺎﻣﻞ ‪،‬‬


‫‪ ،‬و ﻗﻄﺐ ﯾﻀﻊ ﻧﻔﺴﮫ ﻓﻲ ﺿﻤﻦ ھﺬه "اﻟﻨﺨﺒﺔ اﻟ ّ‬

‫ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫" إن وﻇﯿﻔﺔ اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻟﺮﺑﺎﻧﻲ أن ﯾﻌﻄﯿﻨﺎ ‪ -‬ﻧﺤﻦ أﺻﺤﺎب اﻟﺪﻋﻮة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ -‬ﻣﻨﮭﺠﺎً ﺧﺎﺻﺎً‬

‫ﻟﻠﺘﻔﻜﯿﺮ ‪ ،‬ﻧﺒﺮأ ﺑﮫ ﻣﻦ رواﺳﺐ ﻣﻨﺎھﺞ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ اﻟﺠﺎھﻠﯿﺔ اﻟﺴﺎﺋﺪة ﻓﻲ اﻷرض ‪ ،‬واﻟﺘﻲ ﺗﻀﻐﻂ ﻋﻠﻰ‬

‫ﻋﻘﻮﻟﻨﺎ ‪ ،‬وﺗﺘﺮﺳﺐ ﻓﻲ ﺛﻘﺎﻓﺘﻨﺎ ‪ ..‬ﻓﺈذا ﻧﺤﻦ أردﻧﺎ أن ﻧﺘﻨﺎول ھﺬا اﻟﺪﯾﻦ ﺑﻤﻨﮭﺞ ﺗﻔﻜﯿﺮ ﻏﺮﯾﺐ ﻋﻦ ﻃﺒﯿﻌﺘﮫ‬

‫‪ ،‬ﻣﻦ ﻣﻨﺎھﺞ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ اﻟﺠﺎھﻠﯿﺔ اﻟﻐﺎﻟﺒﺔ ‪ ،‬ﻛﻨﺎ ﻗﺪ أﺑﻄﻠﻨﺎ وﻇﯿﻔﺘﮫ اﻟﺘﻲ ﺟﺎء ﻟﯿﺆدﯾﮭﺎ ﻟﻠﺒﺸﺮﯾﺔ ‪ ،‬وﺣﺮﻣﻨﺎ‬

‫أﻧﻔﺴﻨﺎ ﻓﺮﺻﺔ اﻟﺨﻼص ﻣﻦ ﺿﻐﻂ اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻟﺠﺎھﻠﻲ اﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﻋﺼﺮﻧﺎ ‪ ،‬وﻓﺮﺻﺔ اﻟﺨﻼص ﻣﻦ رواﺳﺒﮫ‬

‫ﻓﻲ ﻋﻘﻮﻟﻨﺎ وﺗﻜﻮﯾﻨﻨﺎ" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪.38‬‬

‫ﻓﻘﻄﺐ و ﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﺷﺎﻛﻠﺘﮫ ‪ ،‬ھﻢ وﺣﺪھﻢ اﻟﻤﮭﯿﻤﻨﻮن و اﻟﻮﻛﻼء و اﻟﻤﻔﺴﱢﺮون ﻟﺪﯾﻦ اﷲ و ﻟﻠﻨﺒﻲ و ﻻ‬

‫ﯾﺤﻖ ﻷﺣﺪٍ أن ﯾﻌﺘﺮض ﺣﯿﻨﮭﺎ ‪ ،‬ﻷنّ ﻛﻞ ﻣﺎ ھﻮ ﻏﯿﺮ ھﺬا اﻟﻤﻨﮭﺞ ھﻮ ﺑﺎﻃﻞ و واﺟﺐ اﻟﻘﺘﻞ و اﻹﺑﺎدة و‬

‫اﻟﺴﺤﻖ ‪ ،‬إنّ ﻓﻜﺮ اﻟﮭﯿﻤﻨﺔ و اﻟﺴﱠﯿﻄﺮة ھﻮ ﻟُﺐﱡ و ﺧُﻼﺻﺔ ھﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾّﺔ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﻼ ﻣﺠﺎل أﺑﺪا ﻟﻠﺤﻮار أو‬

‫اﻟﺘّﻔﺎھُﻢ ﻣﻊ ھﺬا اﻟﺨﻂ اﻟّﺬي ﻻ ﯾﻔﮭﻢ إﻻ أﻣﺮا واﺣﺪا و أُﺳﻠﻮﺑﺎ واﺣﺪا ھﻮ "اﻟﻌﻨﻒ و اﻟﺼﺮاع" إﻟﻰ أن ﯾُﺪﻣﱢﺮ‬

‫ﺪﻣﱢﺮهُ اﻟﻌﺎﻟﻢ ‪ ،‬و ﻗُﻄﺐ ﯾﺮﯾﺪ ﻣﻦ اﻟﻨّﺎس أن ﯾُﺠﺴﱢﺪوا "اﻟﻌﻘﯿﺪة" ﺣﺘّﻰ ﻗﺒﻞ أن ﯾﻌﺮﻓﻮھﺎ ‪ ،‬و ھﺬا‬
‫اﻟﻌﺎﻟﻢ أو ﯾُ َ‬

‫ﻧﻘﯿﺾ اﻟﻮاﻗﻊ و اﻟﻤﻨﻄﻖ و ﻛُﻞّ اﻟﻨﻈﺮﯾﺎت اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ إن إﺳﺘﺪﻻﻟﮫ ﺑﻨﺰول اﻟﻘﺮآن ﻋﻠﻰ ﻓﺘﺮات ﯾﻨﻔﻲ‬

‫ﻧﻈﺮﯾّﺘﮫ و ﻻ ﯾُﺜﺒﺘﮭﺎ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ھﺬا اﻟﻘﺮآن اﻟّﺬي ﻧﺰل ﻋﻠﻰ ﻓﺘﺮات‪:‬‬

‫ﺗﻨْﺰِﯾﻼً { ] اﻹﺳﺮاء ‪[ 106 :‬‬


‫ﻧﺰﱠ ْﻟﻨَﺎهُ َ‬
‫وَ‬‫ﻣﻜْﺚٍ َ‬
‫ﻘﺮََأهُ ﻋَﻠَﻰ اﻟﻨﱠﺎسِ ﻋَﻠَﻰ ُ‬
‫ﺘْ‬‫ﻗﻨَﺎهُ ِﻟ َ‬
‫ﻓﺮَ ْ‬
‫ﻗﺮْآﻧًﺎ َ‬
‫} وَ ُ‬
‫‪77‬‬

‫‪And (it is) a Quran which We have divided (into parts), in order that you‬‬

‫‪might recite it to men at intervals. And We have revealed it by stages. sorah‬‬

‫‪of Israe 106.‬‬

‫ھﻮ ﻟﻐﺮض "اﻹﺳﺘﯿﻌﺎب اﻟﻌﻘﻠﻲ" و ﻟﯿﺲ اﻟﻌﻜﺲ‪.‬‬

‫إن أول ﻛﻠﻤﺎت ﺗﺮاﺛﯿّﺔ ﯾﺴﺘﺸﮭﺪ ﺑﮭﺎ ﻗﻄﺐ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ ‪ ،‬ھﻲ ﻛﻠﻤﺎت "إﺑﻦ ﻗﯿﱢﻢ اﻟﺠﻮزﯾّﺔ" أﺣﺪ ﻣﺆﺳﺴﻲ‬

‫اﻟﻔﻜﺮ اﻹرھﺎﺑﻲ اﻟﺴﻠﻔﻲ ‪ ،‬و ذﻟﻚ ﻓﻲ ﻓﺼﻞ ﻛﺘﺒﮫ ﻋﻦ "اﻟﺠِﮭﺎد" ﻣﻌﺎﻟﻢ ص ‪ 50‬و ﻣﻦ ﺧﻼل ھﺬا اﻟﻔﺼﻞ‬

‫ﯾﺘﻀﺢ أنّ ﻏﺎﯾﺔ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ و ﻧﮭﺎﯾﺘﮭﺎ ﺗﺘﻠﺨﺺ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺘﯿﻦ "اﻹﺳﻼم أو اﻟﻘﺘﺎل"! ﺑﺎﻟﺘّﺎﻟﻲ و ﻛﻤﺎ ﻗﻠﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎ أن‬

‫ﻻ ﻓﺎﺋﺪة ﻣﻦ اﻟﺤﻮار ﻣﻊ ھﺆﻻء ‪ ،‬ﺑﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻤﺘﺤﻀﺮ ﺣﺮﺑﮭﻢ ﺑﺎﻟﻔﻜﺮ و اﻟﺴّﻼح إﻟﻰ أن ﯾﺘﻢ اﻟﻘﻀﺎء‬

‫ﻋﻠﯿﮭﻢ‪.‬‬

‫ﻧﻌﻮد إﻟﻰ ﻣﺴﺄﻟﺔ إﯾﺠﺎد إﺻﻼح داﺧﻞ ھﺬه اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﮭﻨﺎك ﺟﻤﻠﺔ ﺷﺮوط ﻻ ﺑُﺪ و أن ﺗﺘﻮﻓﺮ‬

‫ﻟﻜﻲ ﯾﻨﻀﻤﻮا إﻟﻰ اﻟﺤﺮاك اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬و اﻻﻗﺘﺒﺎس ھﻨﺎ ﯾﺘﻌﻠﻖ ﺑﺈﺧﻮان ﻣﺼﺮ ‪ ،‬و ﻗﺪ ﻃﺮﺣﮭﺎ اﻹﺧﻮاﻧﯿﻮن‬

‫أﻧﻔﺴﮭﻢ‪:‬‬

‫"‪-1 :‬إﻋﻼن اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ أن اﻟﺪﺳﺘﻮر ھﻮ اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺔ اﻟﻌﻠﯿﺎ ﻟﻠﻨﻈﺎم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ‪ -2 ،‬أن ﻧﻌﻠﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻋﻦ‬

‫رﻏﺒﺘﮭﺎ أن ﺗﻜﻮن ﺣﺰﺑﺎً ﺳﯿﺎﺳﯿﺎً ﺷﺮﻋﯿًﺎ وﻟﯿﺲ ﺟﻤﺎﻋﺔ دﯾﻨﯿﺔ‪ -3 ،‬أن اﻟﺒﺮﻟﻤﺎن ھﻮ اﻟﺠﮭﺔ اﻟﻮﺣﯿﺪة ﻟﻠﺘﺸﺮﯾﻊ‬

‫ﻓﻰ اﻟﺒﻼد‪ -4 ،‬أﻧﮭﺎ ﻣﺜﻞ أى ﺣﺰب ﺷﺮﻋﻲ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﺄن اﻟﻮﺻﻮل إﻟﻰ اﻟﺴﻠﻄﺔ واﻟﺤﻜﻢ ﯾﺘﻢ ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ‬

‫اﻟﺼﻨﺪوق اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﻰ وﻟﯿﺲ ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ أى أﺳﻠﻮب آﺧﺮ‪ -5 ،‬أﻧﮭﺎ ﻟﻮ ﻓﺮﺿﻨﺎ و وﺻﻠﺖ ﻟﻠﺤﻜﻢ ﻓﺈﻧﮭﺎ ﺗﻠﺘﺰم‬

‫ﺑﻌﺪم اﻹﺧﻼل ﺑﻘﻮاﻋﺪ اﻟﺤﻜﻢ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻰ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ ﺗﺪاول اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻟﻤﻦ ﯾﻤﻠﻚ اﻷﻏﻠﺒﯿﺔ و اﺳﺘﺤﻘﮭﺎ ﻣﻦ‬

‫ﺧﻼل اﻟﺼﻨﺪوق اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﻰ و ﻛﺎﻓﺔ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﻤﺘﻌﺎرف ﻋﻠﯿﮭﺎ‪ - 6 .‬أﻧﮭﺎ ﺗﻠﺘﺰم ﺑﻜﺎﻓﺔ اﻟﻤﻮاﺛﯿﻖ‬

‫و اﻟﻤﻌﺎھﺪات و اﻻﺗﻔﺎﻗﺎت اﻹﻗﻠﯿﻤﯿﺔ و اﻟﺪوﻟﯿﺔ اﻟﺘﻰ وﻗﻌﺘﮭﺎ اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت اﻟﻤﺼﺮﯾﺔ ﻣﺘﻌﺎﻗﺒﺔ" اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻟﺴﺮي‬

‫ص ‪50‬‬

‫ھﺬه اﻟﻨﻘﺎط ﺳﺘﺸﻜﻞ ﻓﻌﻼ ـ ﻟﻮ ﺣﺪث ذﻟﻚ ﻃﺒﻌﺎ ـ ﺧﻄﻮة أﺳﺎﺳﯿﺔ أوﻟﻰ ﺗﻔﺘﺢ اﻷﺑﻮاب ﻧﺤﻮ اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ﻓﻲ أﻧﻤﺎط‬

‫اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺴﺎﺋﺪ و اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﮭﯿﻤﻨﺔ و رﻓﺾ اﻵﺧﺮ ‪ ،‬إذ ﻟﯿﺲ ھﻨﺎك ﻣﻦ ھﻮ ﻓﻲ ﺣﺎﺟﺔ إﻟﻰ اﻟﺤﺮﯾﺔ ﻛﻤﺎ ھﻢ‬

‫"أي اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن" ﻓﻲ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﻣﺮة أﺧﺮى ھﻮ ﻓﻲ ﺳﯿﺎدة اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻹﺳﻼﻣﻲ‬

‫اﻟﺘﻘﻠﯿﺪي اﻟﻤﺘﻄﺮف و اﻟﺬي ﯾﻌﺘﺒﺮ اﻟﺤﺮب و اﻟﻤﻮاﺟﮭﺔ أﺳﺎﺳﺎ و اﻟﺴﻼم و اﻟﺘﻔﺎھﻢ اﺳﺘﺜﻨﺎءا ‪ ،‬و اﻋﺘﻨﺎق‬

‫ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ﻟﻠﻤﺬھﺐ اﻟﻮھﺎﺑﻲ ھﻮ اﻟﺬي رﺳﺦ ﻋﻘﯿﺪة اﻟﺘﻜﻔﯿﺮ و اﻟﻜﺮاھﯿﺔ ﻟﺪى اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ و ﺟﻌﻠﮭﻢ ﻓﻲ‬

‫ﺣﺮب داﺋﻤﺔ ﺿﺪ اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ و ﺿﺪ اﻟﺪاﺧﻞ و اﻟﺨﺎرج ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن إﻋﺪام ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ ﻧﻈﺎم ﻋﺒﺪ اﻟﻨﺎﺻﺮ‬

‫‪ ،‬ﺟﻌﻠﮫ ﺷﮭﯿﺪا ﻓﻲ أﻋﯿﻦ أﻧﺼﺎره ﻣﻦ اﻹرھﺎﺑﯿﯿﻦ و اﻟﻤﺘﻄﺮﻓﯿﻦ ‪ ،‬و ﻟﻮ ﻟﻢ ﯾُﻌﺪم ﻟﻤﺎت ﻛﺄي ﻣﺠﻨﻮن أو‬

‫ﻣﻌﺘﻮه ﻣﺘﻄﺮف ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﻤﻔﻜﺮ ﻣﺨﺘﺎر ﻗﺎﺳﻢ و ھﻮ أﺣﺪ اﻟﻤﺸﺎرﻛﯿﻦ ﻓﻲ ﻣﻨﺘﺪى )اﻹﺳﻼم و اﻹﺻﻼح ‪: (2005‬‬

‫ﺴﺨَﺖ أو ﺣﺘﻰ‬
‫" وﺣﺘﻰ ھﺬه اﻟﻠﺤﻈﺔ ﻟﻢ ﯾُﻌﻠﻦ اﻹﺧﻮان ﺻﺮاﺣﺔ‪ ،‬ﻣﺎ إذا ﻛﺎﻧﺖ ﻓﺘﻮى ﻣﻔﺘﻲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻗﺪ ُﻧ ِ‬

‫ﻘﺤَﺖ أم ﻣﺎزاﻟﺖ ﺳﺎرﯾﺔ اﻟﻤﻔﻌﻮل‪ ،‬ﻋﻼوة أن اﻟﺤﺠﺞ اﻟﺘﻲ ﯾﺬﻛﺮھﺎ أﻧﺼﺎر اﻟﺘﯿﺎر اﻟﺪﯾﻨﻲ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﻣﻦ‬
‫ُﻧ ﱢ‬
‫‪78‬‬

‫واﻗﻊ اﻟﻨﺼﻮص‪ .‬ﺗﺘﺠﺎھﻞ ﺣﻘﯿﻘﺔ أن اﻟﺒﺸﺮ ھﻢ اﻟﺬﯾﻦ ﯾﻄﺒﻘﻮن اﻟﻨﺼﻮص وﯾﻔﺴﺮوﻧﮭﺎ ﺣﺴﺐ ﻣﻘﺘﻀﯿﺎت‬

‫اﻷﺣﻮال وأن ﻣﻜﺘﺐ اﻹرﺷﺎد )أﻋﻠﻰ ﺳﻠﻄﺔ ﻓﻲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ( ﻟﻢ ﯾﻌﺘﻤﺪ ھﺬه اﻟﺮؤى اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ ﻛﻤﻮﻗﻒ‬

‫اﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﻲ ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ‪ ،‬ﻓﮭﻨﺎك ﻧﺼﻮص ﻣﻐﺎﯾﺮة ﯾﻘﻮل ﺑﮭﺎ ﺑﻌﺾ ﻣﻨﺎﻇﺮﯾﮭﻢ وﺗﺜﯿﺮ اﻟﺒﻠﺒﻠﺔ ﺣﻮل وﺟﮭﺎت‬

‫ﻧﻈﺮھﻢ اﻟﺤﻘﯿﻘﯿﺔ ﻣﻊ اﻹﺳﻼم‪ ،‬ﻓﻼ ﻧﻌﺘﻘﺪ أن أﺣﺪاً ﻟﺪﯾﮫ ﻣﺸﻜﻠﺔ وإﻧﻤﺎً اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﻣﻊ ﺑﻌﺾ اﺟﺘﮭﺎدات‬

‫وﻗﻨﺎﻋﺎت ﻣﻤﺜﻠﻲ اﻟﺤﻞ اﻹﺳﻼﻣﻲ‪ .‬ﻓﺎﻹﺷﻜﺎﻟﯿﺔ ﻛﯿﻒ ﻧﺆﺻﻞ ﺣﻘﻮق اﻷﻗﺒﺎط ﻋﻠﻰ أرﺿﯿﺔ اﻟﻤﻮاﻃﻨﺔ ﺗﺎرﯾﺨﯿﺎً‬

‫وﻗﺎﻧﻮﻧﯿﺎً؟ إن ھﺬه ﻋﻤﻠﯿﺔ ﻣﻌﻘﺪة ﺗﺤﺘﺎج إﻟﻰ ﻣﺒﺎدرات ﺧﻼﻗﺔ ﻣﻦ ﻛﻞ اﻷﻃﺮاف‪ .‬وإﻋﺎدة ھﻨﺪﺳﺔ اﻟﺒﻨﯿﺔ‬

‫اﻟﺘﺸﺮﯾﻌﯿﺔ واﻟﻘﺎﻧﻮﻧﯿﺔ ﻟﺘﺨﻠﯿﻖ اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﺗﺠﻌﻞ اﻻﻗﺘﺮاع اﻟﻌﺎم ﻋﻠﻰ أﺳﺲ اﻟﻜﻔﺎءة واﻟﻤﻮھﺒﺔ‬

‫واﻟﺒﺮاﻣﺞ‪ .‬وﺳﺎﻋﺘﮭﺎ ﯾﻤﻜﻦ أن ﯾﻌﺰز اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ واﻟﻤﺪﻧﻲ ﻗﯿﺎدات ﺟﺪﯾﺪة ﺑﻌﯿﺪة ﻋﻦ ﺳﯿﻄﺮة‬

‫اﻟﻤﺆﺳﺴﺎت اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ورﺟﺎل اﻟﻜﮭﻨﻮت‪ .‬أﻣﺎ اﻟﻨﻜﺘﺔ اﻟﺘﻲ أﺿﺤﻜﺘﻨﺎ ﻓﮭﻲ أن اﻟﺴﯿﺪ ﻣﺤﻤﻮد ﻏﺰﻻن رﺑﻤﺎ ﻻ‬

‫ﯾﺪري أن اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ ﺗﺤﺮم ﺷﺮب اﻟﺨﻤﺮ وأﻛﻞ اﻟﺨﻨﺰﯾﺮ‪ ،‬وﻋﻠﻰ ھﺬا ﻓﺈن ﺗﻨﺎزﻻﺗﮫ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻸﻗﺒﺎط ﻓﻲ ھﺬا‬

‫اﻟﻤﺠﺎل ﺳﺘﺬھﺐ أدراج اﻟﺮﯾﺎح‪ .‬ﻋﻠﻰ ﻣﺤﻤﻮد ﻏﺰﻻن أن ﯾﻘﺮأ ﻗﻠﯿﻼً ﻓﻲ اﻟﻌﮭﺪ اﻟﻘﺪﯾﻢ‪ .‬إذا أراد أن ﯾﺘﺤﺪث‬

‫ﻋﻦ ﺣﻘﻮق اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﯿﻦ‪ ،‬أو ﯾﺠﯿﺐ ﻋﻦ اﻟﻤﻌﻀﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻨﺎﻗﺾ ﻣﻊ رؤﯾﺘﮫ اﻟﻤﺴﺘﻨﯿﺮة‪ .‬ﻟﻤﺎذا ﻟﻢ ﯾﺮﺷﺢ‬

‫اﻹﺧﻮان ﻋﺪد ﻣﻦ اﻷﻗﺒﺎط ﻋﻠﻰ ﻗﻮاﺋﻤﮭﻢ ﻓﻲ اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت ‪2005‬؟ أو ﯾﺪﻋﻤﻮا ﻋﺪد ﻣﻦ اﻟﺸﺨﺼﯿﺎت اﻟﻘﺒﻄﯿﺔ‬

‫اﻟﺒﺎرزة ﻛﻤﻨﻰ ﻣﻜﺮم ﻋﺒﯿﺪ أو ﻣﻨﯿﺮ ﻓﺨﺮي ﻋﺒﺪ اﻟﻨﻮر؟ ﻣﺠﺮد ﺳﺆال ﻧﻄﺮﺣﮫ ﻗﺒﻞ اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت ‪ 2010‬أو‬

‫رﺑﻤﺎ ﻗﺒﻠﮭﺎ ﺑﻜﺜﯿﺮ"‪ .‬ص ‪ 97‬و ‪98‬‬

‫إن ﺗﻌﺎﻣﻞ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻣﻊ اﻷﻗﻠﯿﺎت ﻏﯿﺮ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻻ زال ﯾﻨﻢّ ﻋﻦ "ﺗﺴﺎﻣﺢ ﻣﺼﻄﻨﻊ" أو ﺑﻌﺒﺎرة أوﺿﺢ‬

‫ﯾﺒﺪو ﻟﻨﺎ أن ھﺬا اﻟﺘﺴﺎﻣﺢ "و ھﻮ ﻟﺤﺪّ اﻵن ﺗﺴﺎﻣﺢ إﻋﻼﻣﻲ ﻓﻘﻂ" ﯾُﻘﺪّم و ﻛﺄﻧﮫ ھﺒﺔ أو ﻣﻨّﺔ ﯾﻤﻨّﮭﺎ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن‬

‫ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮﯾﻦ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﺻﯿﻐﺔ اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑـ"ﺣﺎﻛﻢ ﻣﺴﻠﻢ"!! ھﻮ أﺣﺪ أﺧﻄﺮ ﻣﻈﺎھﺮ اﻟﻔﺎﺷﯿﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬و‬

‫ﻣﺆﺧﺮا ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق و ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻋﺒﺮ اﻟﻤﺮﺟﻊ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻷﻋﻠﻰ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺴﯿﺴﺘﺎﻧﻲ ﻋﻦ ﻗﺒﻮﻟﮫ ﺑﺮﺋﯿﺲ "ﻣﺴﯿﺤﻲ"‬

‫ﻟﻠﻌﺮاق ‪ ،‬ﺧﺮﺟﺖ ﺗﻈﺎھﺮات ﺳﻨﯿﺔ ﻣﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺈدراج "أن اﻟﺤﺎﻛﻢ ﯾﺠﺐ أن ﯾﻜﻮن ﻣﺴﻠﻤﺎ"‪.‬‬

‫ﻟﺮﺑﻤﺎ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﻐﺮﯾﺐ ‪ ،‬ﻗﺒﻞ ﺧﻤﺴﺔ ﻗﺮون ﻣﻦ اﻵن ‪ ،‬أن ﺗﺪﻓﻊ أﻗﻠﯿﺔ أو ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ دﯾﻨﯿﺔ أو ﻋﺮﻗﯿﺔ‬

‫ﺟﺰﯾﺔ أو ﺿﺮﯾﺒﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ أو اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻓﻲ ﻋﺼﺮ ﻟﻢ ﯾﻌﺪ ﻓﯿﮫ أﺣﺪ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ اﻟﻌﯿﺶ ﻣﻨﻌﺰﻻ دون اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ‬

‫ﻣﻊ اﻟﻐﯿﺮ و ﺧﻠﻖ ﻣﺴﺎواة ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ ﻟﺘﻄﻮﯾﺮ ﻣﻔﮭﻮم اﻟﺪوﻟﺔ و أن ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﺠﻨﺔ و اﻟﻨﺎر و ﯾﻮم‬

‫اﻟﺤﺴﺎب ھﻲ ﻣﻦ ﺣﻖ اﷲ وﺣﺪه و ﻟﯿﺲ ﻷﺣﺪ أن ﯾﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﮫ وﻛﯿﻼ ﷲ ‪ ،‬ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺗﻐﯿﯿﺮ ھﺬه اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ ‪،‬‬

‫ﻓﻤﻦ ﺟﮭﺔ ﯾُﺼﺮﱡ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﯾُﺴﻤّﻰ ﺑﺎﻟﺤﻜﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺑﺤﺠﺔ "أن اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ أﻛﺜﺮﯾﺔ" دون‬

‫اﻹﻟﺘﻔﺎت إﻟﻰ أن اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ھﻢ أﻗﻠﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻜﺎﺛﻮﻟﯿﻚ وﺣﺪھﻢ ﯾﻌﺎدﻟﻮن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬ھﺬا ﻓﻀﻼ‬

‫ﻋﻦ اﻟﺒﺮوﺗﺴﺘﺎﻧﺖ و اﻷرﺛﻮدوﻛﺲ و اﻷدﯾﺎن اﻷﺧﺮي ﻛﺎﻟﺒﻮذﯾﯿﻦ و اﻟﮭﻨﺪوس و اﻟﯿﮭﻮد ‪ ،‬ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ‬

‫اﻟﻼ دﯾﻨﯿﯿﻦ و اﻟﻤﻠﺤﺪﯾﻦ‪.‬‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق‬
‫ﯾﺸﻜﻞ اﻟﻌﺮاق أﺣﺪ أھﻢ دول اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ اﻟﺸﺮق أوﺳﻄﯿﺔ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﻄﻨﺖ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة إﻟﻰ أھﻤﯿﺔ ﺑﺪأ‬

‫اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬و ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻋﺮاق ﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﺻﺪام ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ ھﯿﻤﻨﺔ ﺗﯿﺎرﯾﻦ إﺳﻼﻣﯿﯿﻦ‬

‫ﻣﺘﻌﺎدﯾﯿﻦ "اﻟﺸﯿﻌﻲ ـ اﻟﺴﻨﻲ" و ﻇﮭﻮر ﻣﻌﺎدﻟﺔ أﺧﺮى ﻓﻲ اﻟﺴﺎﺣﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ ‪ ،‬و أﻋﺘﻘﺪ أن اﻟﺴﺎﺣﺔ اﻟﻜﺮدﯾﺔ‬

‫أﯾﻀﺎ ﺳﺘﺸﮭﺪ اﻧﺤﺴﺎرا ﻟﻠﺘﯿﺎر اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ ـ أو اﻟﺬي ﯾﺪّﻋﻲ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ ـ و ﻃﻐﯿﺎن اﻟﺘﻄﺮف اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺑﺴﺒﺐ‬

‫إﺧﻔﺎق اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ و اﻟﻠﺒﺮاﻟﯿﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﯿﻖ رﻓﺎھﯿﺔ ﻟﻠﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﻛﻞّ اﻟﺘﺠﺎرب اﻻﺳﺘﺒﺪادﯾﺔ اﻟﻔﺎﺷﯿﺔ‬

‫اﻟﻄﺎﺋﻔﯿﺔ ﻗﺎﻣﺖ ﺗﺤﺖ ﺷﻌﺎر "اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ" أو اﻟﻤﻔﮭﻮم اﻟﻮﻃﻨﻲ ﻟﻠﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ و ھﺬا ﻣﺎ ﺷﻮّه ﻛﻠﻤﺔ‬

‫ُﻨﻈﺮ ﺑﻌﯿﻦ اﻟﺮّﯾﺒﺔ و اﻟﺸّﻚ إﻟﻰ ﻛﻞّ ﻣﻦ ﯾﺪﻋﻮا إﻟﻰ ﻓﺼﻞ اﻟﺪّﯾﻦ ﻋﻦ‬
‫"ﻋﻠﻤﺎﻧﯿﺔ" ﻓﻲ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﻌﺮاﻗﻲ و ﺟﻌﻠﮫ ﯾ‬

‫اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴّﯿﺎﺳﻲ ‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن ردّ اﻟﻔﻌﻞ اﻟﺸﻌﺒﻲ ﺑﺎﺗﺠﺎه اﺣﺘﻀﺎن اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ "اﻟﺸﯿﻌﺔ ﻣﻨﮭﻢ ﺧﺼﻮﺻﺎ" ‪ ،‬ﻟﻜﻨﻨﻲ أﻋﺘﻘﺪ أن‬

‫اﻟﺘﯿﺎر اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﺸﯿﻌﻲ "ﺣﺰب اﻟﺪﻋﻮة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﺗﺤﺪﯾﺪا ‪ ،‬ﻗﺪ ﺧﻄﻰ ﺧﻄﻮات ﺟﺒﺎرة ﺑﺎﺗﺠﺎه‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﺻﺤﯿﺢ أن ھﺬا اﻟﺘﯿﺎر اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﺸﯿﻌﻲ ﯾﺤﻮي ﻣﺘﻄﺮﻓﯿﻦ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﺨﻂ اﻟﻌﺎم‬
‫‪79‬‬

‫ﻣﻨﺴﺠﻢ ﻣﻊ ﻣﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ "اﻻﻧﺘﺨﺎب" ‪" ،‬ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﻘﯿﺪة و اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ" ‪" ،‬ﺣﺮﯾﺔ اﻟﺘﻈﺎھﺮ‬

‫اﻟﺴﻠﻤﻲ" و أﯾﻀﺎ "ﺣﺮﯾﺔ اﻟﺘﺠﺎرة" ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻋﺘﺮاف "اﻟﻤﺠﻠﺲ اﻷﻋﻠﻰ ﻟﻠﺜﻮرة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق"‬

‫اﻟّﺬي ﺗﺤﻮل إﻟﻰ "اﻟﻤﺠﻠﺲ اﻷﻋﻠﻰ اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﻌﺮاﻗﻲ" ﺑﺘﺪاول اﻟﺴّﻠﻄﺔ ﺳﻠﻤﯿﺎ و ﻋﺒﺮ اﻟﺪّﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و‬

‫ﺣﺬف ﻛﻠﻤﺔ "ﺛﻮرة" ﻣﻦ ﺷﻌﺎر اﻟﺤﺰب و اﺗّﺨﺎذه اﻟﻤﺮﺟﻌﯿﺔ اﻟﻨﺠﻔﯿّﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿّﺔ ﻛﻘﺪوة ‪ ،‬ﻛﻞ ھﺬا ﻛﺎن‬

‫ﺧﻄﻮات ﺟﯿّﺪة ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ أﻧّﻲ ﻛﻨﺖ أُﻓﻀﱢﻞ ﻟﻮ ﻛﺎن ﺗﻢّ ﺗﻐﯿﯿﺮ ﻓﻲ ﻗﻤّﺔ اﻟﮭﺮم ﻟﻠﻤﺠﻠﺲ أﺳﻮة ﺑﺤﺰب اﻟﺪّﻋﻮة‬

‫اﻟّﺬي اﻧﺘﺨﺐ ﻧﻮري اﻟﻤﺎﻟﻜﻲ أﻣﯿﻨﺎ ﻋﺎﻣﺎ ﻟﻠﺤﺰب ﺧﻠﻔﺎ ﻹﺑﺮاھﯿﻢ اﻟﺠﻌﻔﺮي ﺗﺮﺳﯿﺨﺎ ﻟﻠﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ‬

‫اﻟﺘﯿﺎر اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﺴﻨﻲ "اﻟﻌﺮﺑﻲ و اﻟﻜﺮدي" ﯾﻌﺘﺒﺮ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻧﻮﻋﺎ ﻣﻦ اﻟﻜﻔﺮ و اﻟﺨﺮوج ﻋﻦ اﻹﺳﻼم‬

‫‪ ،‬ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء ﺗﺤﻮل ﻃﻔﯿﻒ ﻓﻲ اﻟﺤﺰب اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﻌﺮاﻗﻲ ﺑﺎﺗﺠﺎه اﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪.‬‬

‫اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻌﯿﺸﮭﺎ اﻟﻌﺮاق اﻵن ھﻮ ﻛﯿﻒ ﻧﻔﺾ اﻻﺷﺘﺒﺎك اﻟﺪﯾﻨﻲ و اﻟﻘﻮﻣﻲ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺼﺮاع ﻟﯿﺲ ﺣﺼﺮا‬

‫ﺑﯿﻦ ﺳﻨﺔ و ﺷﯿﻌﺔ ﻛﻤﺎ ﯾﻈﻦ ﻛﺜﯿﺮون ‪ ،‬ﻓﺤﺘﻰ اﻟﺼﺮاع اﻟﻘﻮﻣﻲ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ﯾﺮﺗﺪي زﯾّﺎ دﯾﻨﯿﺎ و ﯾﺴﺨّﺮ‬

‫"اﻟﺪﯾﻦ" ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻟﻌﺼﺎﺑﺎت اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ و اﻟﻤﻠﯿﺸﯿﺎت اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺮﯾﺪ "اﺳﺘﻌﺎدة"!! ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻣﺤﺘﻠﺔ ﻣﻦ‬

‫ﻗﺒﻞ ﻗﻮﻣﯿﺔ أﺧﺮى ﻛﺎﻧﺖ ﻧﻈﺮﯾﺘﮭﺎ اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ ﺗﺤﻜﻢ اﻟﻌﺮاق ذات ﯾﻮم ‪ ،‬ﻟﻘﺪ أﺧﻄﺄ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺪوﻟﻲ ﺧﻄﺄ‬

‫ﻛﺒﯿﺮا ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻣﻨﻊ "ﺷﯿﻌﺔ اﻟﻌﺮاق" ﻣﻦ ﺗﺸﻜﯿﻞ ﺣﻜﻮﻣﺔ ـ ﻓﮭﻢ اﻷﻏﻠﺒﯿﺔ و اﻷﻏﻠﺒﯿﺔ ھﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻢ ﻣﻊ‬

‫ﻣﺮاﻋﺎة ﺣﻘﻮق اﻷﻗﻠﯿﺎت ـ ﻟﻜﻦ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺣُﺸﺮ اﻵﺧﺮون ﺣﺸﺮا ﻓﻲ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺗﺤﺖ ﺷﻌﺎر "ﺣﻜﻮﻣﺔ اﻟﻮﺣﺪة‬

‫اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ" ‪ ،‬ﺷﺎع ﻣﻔﮭﻮم ﺧﺎﻃﻲء ﻟﺪى اﻷﻃﺮاف اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ‪ ،‬و ھﻮ أن اﻟﻌﺮاق "ﻛﻌﻜﺔ" ﯾﺠﺐ أن ﯾﻘﺘﺴﻤﮭﺎ‬

‫اﻟﺠﻤﯿﻊ ‪ ،‬و ﻛﺎن ھﺬا ﻧﻘﻄﺔ ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻟﻘﺎﻋﺪة و ﺣﺮﻛﺎت اﻹرھﺎب اﻷﺧﺮى ‪ ،‬إذ أوﺟﺪ ھﺬا ﺷﺮﺧﺎ ﻛﺒﯿﺮا ﻓﻲ‬

‫ﻛﯿﺎن اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ و ﻛﺄن اﻟﺸﯿﻌﺔ "ﻣﺸﻜﻮك ﻓﻲ وﻻﺋﮭﻢ اﻟﻮﻃﻨﻲ"!! ﺣﺴﺐ اﻟﻤﻔﮭﻮم اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟﺴﺎﺋﺪ‪.‬‬

‫ﺗﺘﺴﻢ اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﺑﻤﯿﻮﻟﮭﺎ اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮭﺎ ﺗﺘﻔﺎوت ﻓﻲ ذﻟﻚ ﺑﺴﺒﺐ ﻗﻮّة اﻟﺤِﺲ اﻟﺪّﯾﻨﻲ )و‬

‫إﻟﻰ ھﺬه اﻟﻨﻘﻄﺔ ﻋﺒﺮ ﺗﻘﺮﯾﺮ ﺧﺎص أﺻﺪرﺗﮫ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﻣﻌﮭﺪ اﻟﺴﻼم ‪Phebe Marr‬ﻗﺪ أﺷﺎرت اﻟﺴﯿﺪة‬

‫‪ ،‬ﻓﺤﺰب اﻟﺪﻋﻮة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻣﻌﺮوف ‪www.usip.org‬اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ و اﻟﺘﻘﺮﯾﺮ ﻣﺘﻮﻓﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻮﻗﻊ‬ ‫(‬

‫ﻋﻨﮫ أﻧﮫ أﻛﺜﺮ ﺗﺮﻛﯿﺰا ﻋﻠﻰ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻟﻮﻃﻨﻲ "اﻹﻧﺘﻤﺎء إﻟﻰ اﻟﻌﺮاق" ﻣﻦ ﺳﺎﺋﺮ اﻟﺤﺮﻛﺎت ﻛـ"اﻟﻤﺠﻠﺲ‬

‫‪ ،‬ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ وﺟﻮد ﺑﻘﺎﯾﺎ ﻷﻓﻜﺎر اﻟﻤﺎﺿﻲ اﻷﻣﻤﯿﺔ و رﻏﻢ أن ﺣﺰب‬ ‫اﻷﻋﻠﻰ" و "اﻟﺘﯿﺎر اﻟﺼﺪري"‬

‫اﻟﺪﻋﻮة ﺧﻄﻰ ﺧﻄﻮات ﻣﮭﻤﺔ ﻓﻲ اﻻﻧﺴﺠﺎم ﻣﻊ آﻟﯿﺎت اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﻲ ﻋﺮاق ﻣﺎ ﺑﻌﺪ اﻹﻃﺎﺣﺔ ﺑﺼﺪام ‪،‬‬

‫ﻟﻜﻦ ھﺬا اﻟﺤﺰب ﯾﺤﺘﺎج إﻟﻰ اﻟﻤﺰﯾﺪ ﻣﻦ اﻟﺘﻄﻮﯾﺮ و أﻋﺘﻘﺪ أن ھﺬا ﻣﺎ ﺳﯿﺤﺪث ﺗﺮاﻛﻤﯿﺎ ﻋﺒﺮ اﻟﻤﻤﺎرﺳﺔ‬

‫اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ‪.‬‬

‫و ﻣﺎ ﯾُﮭﻤﻨﻲ ھﻨﺎ اﻵن ھﻮ ﻣﺮاﺟﻌﺔ ﺳﺮﯾﻌﺔ ﻷﻃﺮوﺣﺎت اﻟﺼﺪر اﻷول ‪ ،‬و أﻧﺎ ﻟﻦ أﻧﻄﻠﻖ ﻓﻲ اﻟﻨﻘﺪ إﻻ و أﻧﺎ‬

‫أﻋﻠﻢ اﻟﯿﻘﯿﻦ أن اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼﺪر اﻷول ﻟﻮ ﻛﺎن ﺣﯿﺎ ﻟﺮﺣﺐ ﺑﻜﻞ ﻧﻘﺪ ‪ ،‬إﻧﻄﻼﻗﺎ ﻣﻦ ﻓﮭﻢ اﻟﺨﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ‬

‫اﻟﻌﺎم ﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺗﻄﻮﯾﺮ اﻷﻓﻜﺎر ﻛﻨﻮع ﻣﻦ ﻣﻤﺎرﺳﺔ اﻻﺟﺘﮭﺎد اﻟﻌﻘﻠﻲ و ﺣﺮﺻﺎ ﻣﻨّﻲ ﻋﻠﻰ أن أُﻓﯿﺪ اﻹﺧﻮة ﻓﻲ‬

‫"ﺣﺰب اﻟﺪﻋﻮة اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﺑﺎﺗﺠﺎه ﺗﻨﺸﯿﻂ اﻟﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﻲ داﺧﻠﮫ و دﻓﻌﺎ ﻟﺴﯿﺎدة "اﻟﺘﻘﻠﯿﺪ" و‬

‫اﻟﻤﻄﮭﺮ )ت‪ 726‬ﻗﺎم ﺑﻨﻘﺪ أﻓﻜﺎر و اﻟﺤﺴﻦ ﺑﻦ ﯾﻮﺳﻒ اﻟﺠﻤﻮد ‪ ،‬و ﻧﺤﻦ ﻧﻌﻠﻢ أن اﻟﻌﻼﻣﺔ اﻟﺤﻠّﻲ "‬

‫اﺟﺘﮭﺎدات اﻟﻌﻼﻣﺔ ﻧﺼﯿﺮ اﻟﺪﯾﻦ اﻟﻄﻮﺳﻲ رﻏﻢ ﻋﻈﻤﺘﮫ اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ ﻟﻜﻲ ﻻ ﯾﺴﻮد "اﻟﺘﻘﻠﯿﺪ" و ﺑﻔﻀﻞ ﻋﻤﻠﮫ ھﺬا‬

‫اﺳﺘﻤﺮت ﻇﺎھﺮة اﻻﺟﺘﮭﺎد ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬ﻓﻲ ﺣﯿﻦ ﺗﻮﻗﻒ اﻟﺴﻨﯿﻮن ﻓﻲ إﻋﻤﺎل ﻋﻘﻮﻟﮭﻢ و ﻓﻀّﻠﻮا‬

‫‪ ،‬ﻓﻔﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ اﻟﻘﯿّﻢ "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" ﯾﻄﺮح اﻟﺼﺪر ﻧﻘﺪا ﺳﺮﯾﻌﺎ ﻟﻠﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻧﻘﺪه ﯾﻜﺎد‬ ‫اﻟﺘﻘﻠﯿﺪ‬

‫ﯾﻜﻮن ﻣﻔﺼّﻼ ﻟﻠﻨﻈﺎﻣﯿﻦ "اﻹﺷﺘﺮاﻛﻲ" و "اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ" ‪ ،‬و ھﻲ إﺷﺎرة واﺿﺤﺔ إﻟﻰ أن ﺳﻠﺒﯿﺎت "اﻟﻨﻈﻢ‬

‫اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ" ﻻ ﺗﻜﺎد ﺗُﻘﺎرن ﺑﺎﻟﻨﻈﻢ "اﻹﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ" ‪ ،‬و اﻧﺤﺼﺮ‬

‫ﻧﻘﺪ اﻟﺼﺪر اﻷول ﻟﻠﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ﻓﻲ ﺟﺰﺋﯿﺔ ھﻲ "دور اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ اﻟﺪوﻟﺔ"!! ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﯾﺒﺪو ﻟﻲ أﻧﮫ ھﻮ‬

‫ﻧﻔﺴﮫ ـ أي اﻟﺼﺪر اﻷول ـ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻣﻘﺘﻨﻌﺎ ﺑﻨﻘﺪه ﻟﻠﻐﺮب‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺎﻗﺮ اﻟﺼﺪر ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" ﻋﻦ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪:‬‬

‫" ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺬي أﻃﺎح ﺑﻠﻮن ﻣﻦ‬

‫اﻟﻈﻠﻢ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ‪ ,‬وﺑﺎﻟﺤﻜﻢ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮري ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ‪ .‬وﺑﺠﻤﻮد اﻟﻜﻨﯿﺴﺔ وﻣﺎ إﻟﯿﮭﺎ‬
‫‪80‬‬

‫ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ‪ ,‬وھﯿﺄ ﻣﻘﺎﻟﯿﺪ اﻟﺤﻜﻢ واﻟﻨﻔﻮذ ﻟﻔﺌﺔ ﺣﺎﻛﻤﺔ‬

‫ﺟﺪﯾﺪة ﺣﻠﺖ ﻣﺤﻞ اﻟﺴﺎﺑﻘﯿﻦ‪ ,‬وﻗﺎﻣﺖ ﺑﻨﻔﺲ دورھﻢ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ أﺳﻠﻮب‬

‫ﺟﺪﯾﺪ‪.‬‬

‫وﻗﺪ ﻗﺎﻣﺖ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻋﻠﻰ اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﻟﻔﺮد إﯾﻤﺎﻧﺎ ﻻ ﺣﺪ ﻟﮫ‪ .‬وﺑﺎن ﻣﺼﺎﻟﺤﮫ اﻟﺨﺎﺻﺔ‬

‫ﺑﻨﻔﺴﮭﺎ ﺗﻜﻔﻞ ـ ﺑﺼﻮرة ﻃﺒﯿﻌﯿﺔ ـ ﻣﺼﻠﺤﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻲ ﻣﺨﺘﻠﻒ‬

‫اﻟﻤﯿﺎدﯾﻦ" ص ‪.13‬‬

‫ﻓﺎﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ھﺎ ھﻨﺎ ﯾﻜﺎد ﯾﺠﺰم أن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻐﺮﺑﻲ ﯾﻜﺎد ﯾﻜﻮن اﻷﻗﺮب إﻟﻰ ذات اﻹﻧﺴﺎن ﺑﻔﻀﻞ ﺗﻮﻓﯿﺮه‬

‫ﻟﻠﺤﺮﯾﺎت اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ و اﻟﺘﻲ ﺗﻜﺎد ﺗﺘﺤﺮك ﻓﻲ إﻃﺎرھﺎ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ "اﻟﻔِﻄﺮي" و اﻟﺬي ﯾﻤﻨﻊ اﺣﺘﻜﺎر ﻓﺌﺔ ﻣﻌﯿﻨﺔ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻨﺎس أن ﺗﺤﺘﻜﺮ اﷲ و اﻟﺪﯾﻦ و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ﻟﻨﻔﺴﮭﺎ ‪ ،‬و أن ﻣﻔﮭﻮم "اﻟﻈﻠﻢ" و "اﻟﻌﺪل" ﯾﺒﻘﻰ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻧﺴﺒﯿﺔ‬

‫ـ ﻣﺎ ﻟﻢ ﺗﺨﺮج ﻋﻦ اﻟﺤﺪ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ـ ﻓﺎﻹﻋﺪام ﻟﺒﻌﺾ ﻣﺮﺗﻜﺒﻲ اﻟﺠﺮاﺋﻢ اﻟﻜﺒﺮى ‪ ،‬ھﻮ أﻣﺮ ﻃﺒﯿﻌﻲ و ﻻ‬

‫ﻏﺒﺎر ﻋﻠﯿﮫ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎت أُﺧﺮى أن اﻹﻋﺪام ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺟﺪﯾﺮة ﺑﺎﻹﻟﻐﺎء و أن‬

‫إﻟﻐﺎء اﻟﺤﯿﺎة أﻓﻈﻊ ﻣﻦ اﻟﺠﺮﯾﻤﺔ اﻟﻤﺮﺗﻜﺒﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﺗﺘﻔﺎوت ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺸﺄن ‪،‬‬

‫ﻓﻔﻲ ﺑﻌﺾ اﻟﺒﻠﺪان ﻧﺠﺪ أن "اﻟﺰواج اﻟﻤﺆﻗﺖ" أو "اﻟﻤﺘﻌﺔ" ﻣﻘﺒﻮﻟﺔ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺎ و ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺣﻼ ﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﺸﺎﻛﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻧﺠﺪ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎ إﺳﻼﻣﯿﺎ آﺧﺮ ﯾﻌﺘﺒﺮھﺎ أﻣﺮا ﻣﺸﯿﻨﺎ و ﻇﺎﻟﻤﺎ ‪ ،‬و ﻟﺴﺖ ھﻨﺎ ﺑﺼﺪد‬

‫ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ اﻟﻤﻮﺿﻮع ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻷدﻟﺔ اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﻨﺎ ﻧﻨﺎﻗﺶ اﻟﻤﻮﺿﻮع ﻣﻦ ﺣﯿﺚ ﻧﺴﺒﯿﺔ اﻷﺧﻼق‪.‬‬

‫و ﯾﻠﺨﺺ اﻟﺼﺪر أھﺪاف اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻓﻲ ﺣﻤﺎﯾﺔ اﻷُﺳﺲ اﻷرﺑﻌﺔ " اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ‪ ,‬واﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ‪,‬‬

‫واﻟﻔﻜﺮﯾﺔ‪ ,‬واﻟﺸﺨﺼﯿﺔ" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ص ‪. 14‬‬

‫و ھﻲ ﻛﻤﺎ ﺗﺮى ﻣﻦ أﺳﺎﺳﯿﺎت أو اﻟﺜﻮاﺑﺖ اﻟﻤﻨﻄﻘﯿﺔ و اﻟﻮاﻗﻌﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻘﻮم ﻋﻠﯿﮭﺎ أي ﻣﺠﺘﻤﻊ ‪،‬‬

‫ﻓﺎﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﺗﻜﻔﻞ ﺣﻖ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ و اﻟﺤﺰﺑﻲ ﻟﻠﺠﻤﯿﻊ ‪ ،‬و اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﺗﻤﻨﻊ أي ﻃﺮف‬

‫ﻣﻦ اﺣﺘﻜﺎر اﻟﺴﻮق و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺗﺘﺤﻜﻢ اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻷﺧﺮى ﺑﺎﻟﺴﻮق ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻮﺿﻮح و ﻛﺸﻒ اﻟﻔﺴﺎد أو‬

‫ﺟﻮاﻧﺐ اﻟﻘﺼﻮر ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﻘﻮم اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس أن ﻣﻦ ﺣﻖ ﻛﻞ اﻷﻓﻜﺎر أن ﺗﺘﻨﺎﻓﺲ ﻣﺎ ﻟﻢ ﺗﻠﺠﺄ‬

‫إﻟﻰ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻏﯿﺮ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ ﻛـ"اﻟﻌﻨﻒ" أو "اﻹﻛﺮاه" أو أي ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺘﮭﺪﯾﺪ ‪ ،‬و ھﻮ اﻷﻣﺮ اﻟﺬي ﻟﻢ‬

‫ﺗﺴﺘﻄﻊ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﮫ أي دوﻟﺔ دﯾﻨﯿﺔ "إﺳﻼﻣﯿﺔ أو ﻣﺴﯿﺤﯿﺔ أو أي دﯾﻦ آﺧﺮ" ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﺤﺘﻤﻲ أن‬

‫ﺗﻜﻮن اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ـ رﻏﻢ ﻋﯿﻮﺑﮭﺎ ـ أﻓﻀﻞ ﻧﻈﺎم ﻋﺮﻓﮫ اﻟﺘﺎرﯾﺦ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺼﺪر ـ اﻟﻤﺼﺪر اﻟﺴﺎﺑﻖ ص ‪:14‬‬

‫ﺗﺠﻌﻞ ﻟﻜﻞ ﻓﺮد ﻛﻼﻣﺎً ﻣﺴﻤﻮﻋًﺎ ورأﯾﺎً‬ ‫" ﻓﺎﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ـ ﯾﻌﻨﻲ ﻓﻲ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ـ‬

‫ﻣﺤﺘﺮﻣﺎً ﻓﻲ ﺗﻘﺮﯾﺮ‬

‫اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻸﻣﺔ‪ :‬وﺿﻊ ﺧﻄﻄﮭﺎ‪ ,‬ورﺳﻢ ﻗﻮاﻧﯿﻨﮭﺎ‪ ,‬وﺗﻌﯿﯿﻦ اﻟﺴﻠﻄﺎت اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻟﺤﻤﺎﯾﺘﮭﺎ‪ .‬وذﻟﻚ ﻷن‬

‫اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻸﻣﺔ‪ ,‬واﻟﺠﮭﺎز اﻟﺤﺎﻛﻢ ﻓﯿﮭﺎ‪ ,‬ﻣﺴﺄﻟﺔ‬

‫ﺗﺘﺼﻞ اﺗﺼﺎﻻً ﻣﺒﺎﺷﺮاً ﺑﺤﯿﺎة ﻛﻞ ﻓﺮد ﻣﻦ أﻓﺮادھﺎ‪ ,‬وﺗﺆﺛﺮ ﺗﺄﺛﯿﺮاً ﺣﺎﺳﻤﺎً ﻓﻲ ﺳﻌﺎدﺗﮫ‬

‫أو ﺷﻘﺎﺋﮫ‪ ,‬ﻓﻤﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ﺣﯿﻨﺌﺬ أن ﯾﻜﻮن ﻟﻜﻞ ﻓﺮد ﺣﻖ اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ ﻓﻲ ﺑﻨﺎء اﻟﻨﻈﺎم‬

‫واﻟﺤﻜﻢ‪.‬‬

‫وإذا ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ـ ﻛﻤﺎ ﻗﻠﻨﺎ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺣﯿﺎة أو ﻣﻮت‪ ,‬وﻣﺴﺄﻟﺔ‬

‫ﺳﻌﺎدة أو ﺷﻘﺎء ﻟﻠﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ‪ ,‬اﻟﺬﯾﻦ ﺗﺴﺮي ﻋﻠﯿﮭﻢ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ واﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ‪...‬‬

‫ﻓﻤﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ‪ ,‬أﯾﻀﺎً أن ﻻ ﯾﺒﺎح اﻻﺿﻄﻼع ﺑﻤﺴﺆوﻟﯿﺘﮭﺎ ﻟﻔﺮد‪ ,‬أو ﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ‬

‫ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻦ اﻷﻓﺮاد ـ ﻣﮭﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻈﺮوف ـ ﻣﺎ دام ﻟﻢ ﯾﻮﺟﺪ اﻟﻔﺮد اﻟﺬي ﯾﺮﺗﻔﻊ ﻓﻲ‬

‫ﻧﺰاھﺔ ﻗﺼﺪه ورﺟﺎﺣﺔ ﻋﻘﻠﮫ‪ ,‬ﻋﻠﻰ اﻷھﻮاء واﻷﺧﻄﺎء ‪.‬‬

‫ﻓﻼ ﺑﺪ إذن ﻣﻦ إﻋﻼن اﻟﻤﺴﺎواة اﻟﺘﺎﻣﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﻘﻮق اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ‬

‫ﻛﺎﻓﺔ‪ ,‬ﻷﻧﮭﻢ ﯾﺘﺴﺎوون ﻓﻲ ﺗﺤﻤﻞ ﻧﺘﺎﺋﺞ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ‪ ,‬واﻟﺨﻀﻮع ﻟﻤﻘﺘﻀﯿﺎت اﻟﺴﻠﻄﺎت‬

‫اﻟﺘﺸﺮﯾﻌﯿﺔ واﻟﺘﻨﻔﯿﺬﯾﺔ‪ .‬وﻋﻠﻰ ھﺬا اﻷﺳﺎس ﻗﺎم ﺣﻖ اﻟﺘﺼﻮﯾﺖ وﻣﺒﺪأ‬


‫‪81‬‬

‫اﻻﻧﺘﺨﺎب اﻟﻌﺎم‪ ,‬اﻟﺬي ﯾﻀﻤﻦ اﻧﺒﺜﺎق اﻟﺠﮭﺎز اﻟﺤﺎﻛﻢ ـ ﺑﻜﻞ ﺳﻠﻄﺎﺗﮫ وﺷﻌﺒﮫ ـ ﻋﻦ‬

‫أﻛﺜﺮﯾﺔ اﻟﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ‪".‬‬

‫إذا ﻛﻨﺎ ﻧﺒﺤﺚ ھﺎ ھﻨﺎ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ‪ ،‬ﻋﻦ اﻟﻔﺮد اﻟﺬي ﯾﺮﺗﻔﻊ "ﻓﻲ ﻧﺰاھﺘﮫ" ﻓﻮق اﻷھﻮاء و‬

‫اﻷﺧﻄﺎء ؟!! ﻓﺈن ھﺬا اﻟﺸﺨﺺ أو اﻟﻨﻮع ﻣﻦ اﻟﻔﺮد ﻻ ﯾﻮﺟﺪ إﻻ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻊ "اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ" اﻟﻤﺜﺎﻟﯿﺔ‬

‫اﻟﺘﻲ ﺧﻠﻘﮭﺎ أﻓﻼﻃﻮن و اﻟﻔﺎراﺑﻲ و أرﺑﺎﺑﮭﻤﺎ ﻣﻦ اﻟﻔﻼﺳﻔﺔ اﻟﺤﺎﻟﻤﯿﻦ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻮاﻗﻌﻲ ﯾﺒﻘﻰ‬

‫ﺻﺎﺣﺐ ھﻮى و ﺷﮭﻮة و رﻏﺒﺎت ‪ ،‬ﺑﻞ إن اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻧﻔﺴﮫ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ﯾﻮﺿﺢ أن ﻣﺮﻛﺰ‬

‫ﺣﺮﻛﺔ اﻟﺘﺎرﯾﺦ ھﻮ "ﺣُﺐّ اﻟﺬّات" ﻗﺒﻞ أن ﯾﻜﻮن اﻟﺠﻨﺲ ـ ﺣﺴﺐ ﻧﻈﺮﯾﺔ ﻓﺮوﯾﺪ ـ أو اﻻﻗﺘﺼﺎد ـ ﺣﺴﺐ‬

‫ﻛﺎرل ﻣﺎرﻛﺲ ـ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈن أﻓﻀﻞ ﻣﺎ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎن أن ﯾﻘﻮم ﺑﮫ ھﻨﺎ ھﻮ إﯾﺠﺎد آﻟﯿﺎت ﻟﺘﻨﻈﯿﻢ اﻟﻌﻼﻗﺔ‬

‫ﺑﯿﻦ "اﻷﻓﺮاد" و إﯾﺠﺎد ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺮﻗﺎﺑﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ و اﻟﺸﻌﺒﯿﺔ ﻋﻠﻰ اﻷﻓﺮاد اﻟﻤﺘﻨﻔﺬﯾﻦ ﻓﻲ اﻟﻘﺮار و ﻣﻦ‬

‫ھﻨﺎ ﻧﺠﺪ أن اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻛﻢ و اﻟﻤﺤﻜﻮم ﻓﻲ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻻ ﺗﻌﺪو ﻛﻮﻧﮭﺎ ﻋﻼﻗﺔ أﺧﺮى ﺑﯿﻦ‬

‫ﻓﺮدﯾﻦ ‪ ،‬ﺑﻞ إن اﻟﻔﺮد اﻟﻤﺴﺌﻮل أﻛﺜﺮ ﻋﺮﺿﺔ ﻟﻺھﺎﻧﺔ و اﻟﻨﻘﺪ ﻣﻦ اﻟﻤﻮاﻃﻦ اﻟﻌﺎدي ‪ ،‬ﻛﻮن اﻟﻤﺴﺌﻮﻟﯿﺔ ﺗﻌﻨﻲ‬

‫إﻟﻐﺎء أي ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺤﺼﺎﻧﺔ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺼﺪر "اﻟﻤﺼﺪر اﻟﺴﺎﺑﻖ ص ‪:"15 – 14‬‬

‫" واﻟﺤﺮﯾﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﺗﺮﺗﻜﺰ ﻋﻠﻰ اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺤﺮ‪ ,‬وﺗﻘﺮر ﻓﺘﺢ ﺟﻤﯿﻊ اﻷﺑﻮاب‪ ,‬وﺗﮭﯿﺌﺔ‬

‫ﻛﻞ اﻟﻤﯿﺎدﯾﻦ ‪ ...‬أﻣﺎم اﻟﻤﻮاﻃﻦ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺎل اﻻﻗﺘﺼﺎدي‪ .‬ﻓﯿﺒﺎح‬

‫اﻟﺘﻤﻠﻚ ﻟﻼﺳﺘﮭﻼك وﻟﻺﻧﺘﺎج ﻣﻌﺎً‪ ,‬وﺗﺒﺎح ھﺬه اﻟﻤﻠﻜﯿﺔ اﻹﻧﺘﺎﺟﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺘﻜﻮن ﻣﻨﮭﺎ‬

‫رأس اﻟﻤﺎل ﻣﻦ ﻏﯿﺮ ﺣﺪ وﺗﻘﯿﯿﺪ‪ ,‬وﻟﻠﺠﻤﯿﻊ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮاء‪ .‬ﻓﻠﻜﻞ ﻓﺮد ﻣﻄﻠﻖ‬

‫اﻟﺤﺮﯾﺔ ﻓﻲ إﻧﺘﺎج أي أﺳﻠﻮب وﺳﻠﻮك أي ﻃﺮﯾﻖ‪ ,‬ﻟﻜﺴﺐ اﻟﺜﺮوة وﺗﻀﺨﯿﻤﮭﺎ‪,‬‬

‫وﻣﻀﺎﻋﻔﺎﺗﮭﺎ‪ ,‬ﻋﻠﻰ ﺿﻮء ﻣﺼﺎﻟﺤﮫ وﻣﻨﺎﻓﻌﮫ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ‪.‬‬

‫وﻓﻲ زﻋﻢ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺪاﻓﻌﯿﻦ ﻋﻦ ھﺬه اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ أن ﻗﻮاﻧﯿﻦ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ‪ ,‬اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﺠﺮي ﻋﻠﻰ أﺻﻮل ﻋﺎﻣﺔ ﺑﺼﻮرة ﻃﺒﯿﻌﯿﺔ‪ ,‬ﻛﻔﯿﻠﺔ ﺑﺴﻌﺎدة اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‬

‫وﺣﻔﻆ اﻟﺘﻮازن اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﻓﯿﮫ‪ ...‬وإن اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ‪ ,‬اﻟﺘﻲ ھﻲ اﻟﺤﺎﻓﺰ‬

‫اﻟﻘﻮي واﻟﮭﺪف اﻟﺤﻘﯿﻘﻲ ﻟﻠﻔﺮد ﻓﻲ ﻋﻤﻠﮫ وﻧﺸﺎﻃﮫ‪ ,‬ھﻲ ﺧﯿﺮ ﺿﻤﺎن ﻟﻠﻤﺼﻠﺤﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ‬

‫وإن اﻟﺘﻨﺎﻓﺲ اﻟﺬي ﯾﻘﻮم ﻓﻲ اﻟﺴﻮق اﻟﺤﺮة‪ ,‬ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻟﺘﺴﺎوي‬

‫اﻟﻤﻨﺘﺠﯿﻦ واﻟﻤﺘﺠﺮﯾﻦ ﻓﻲ ﺣﻘﮭﻢ ﻣﻦ اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ‪ ,‬ﯾﻜﻔﻲ وﺣﺪه ﻟﺘﺤﻘﯿﻖ روح‬

‫اﻟﻌﺪل واﻹﻧﺼﺎف‪ ,‬ﻓﻲ ﺷﺘﻰ اﻻﺗﻔﺎﻗﺎت واﻟﻤﻌﺎﻣﻼت‪ .‬ﻓﺎﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ ﻟﻼﻗﺘﺼﺎد‬

‫ﺗﺘﺪﺧﻞ ـ ﻣﺜﻼً ـ ﻓﻲ ﺣﻔﻆ اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ﻟﻠﺜﻤﻦ‪ ,‬ﺑﺼﻮرة ﺗﻜﺎد أن ﺗﻜﻮن آﻟﯿﺔ‪,‬‬

‫وذﻟﻚ أن اﻟﺜﻤﻦ إذا ارﺗﻔﻊ ﻋﻦ ﺣﺪوده اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ اﻟﻌﺎدﻟﺔ‪ ,‬اﻧﺨﻔﺾ اﻟﻄﻠﺐ‬

‫ﺑﺤﻜﻢ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ اﻟﺬي ﯾﺤﻜﻢ ﺑﺄن ارﺗﻔﺎع اﻟﺜﻤﻦ ﯾﺆﺛﺮ ﻓﻲ اﻧﺨﻔﺎض‬

‫اﻟﻄﻠﺐ‪ ,‬واﻧﺨﻔﺎض اﻟﻄﺐ ﺑﺪوره ﯾﻘﻮم ﺑﺘﺨﻔﯿﺾ اﻟﺜﻤﻦ‪ ,‬ﺗﺤﻘﯿﻘﺎً ﻟﻘﺎﻧﻮن ﻃﺒﯿﻌﻲ‬

‫آﺧﺮ‪ ,‬وﻻ ﯾﺘﺮﻛﮫ ﺣﺘﻰ ﯾﻨﺨﻔﺾ ﺑﮫ إﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮاه اﻟﺴﺎﺑﻖ وﯾﺰول اﻟﺸﺬوذ ﺑﺬﻟﻚ"‪.‬‬

‫ﻧﻮد ھﺎ ھﻨﺎ أن ﻧﻌﻘّـﺐ ﻋﻠﻰ ﻛﻼم اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼﺪر اﻷول ﺑﺎﻟﻘﻮل أن ھﺬا اﻟﻨﻘﺪ اﻟﻨﻈﺮي ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ‬

‫اﻓﺘﺮاض ھﻮ ﻧﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﺧﺎﻃﺌﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ ﻛـ"آﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺎ" ﺗﺪﻋﻲ و ﺗﺰﻋﻢ اﻟﻜﻤﺎل اﻟﻤﻄﻠﻖ و‬

‫ﺗﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﻮاﻗﻊ و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺑﺸﻤﻮﻟﯿﺔ ﻻ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻛﺜﯿﺮا ﻋﻦ اﻟﻨﻈﻢ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ و اﻹﯾﻤﺎﻧﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻨﻈﺮ إﻟﻰ‬

‫اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ و ﻋﻼﻗﺎﺗﮫ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ و اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﺑﻔﻮﻗﯿﺔ واﺿﺤﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻛﻨﻈﺎم دﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻻ‬

‫ﺗﺪّﻋﻲ أن اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ و اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ و ﻻ ﻋﯿﺐ ﻓﯿﮭﺎ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﻐﺮﺑﻲ اﻟﺬي‬

‫ﯾﺮﺗﻜﺰ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺮﯾﺔ و ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ‪ ،‬ﯾﻘﻮم ﺑﺈزاﻟﺔ ﻛﻞ ﻣﺎ ھﻮ ﻗﺒﯿﺢ و ﺷﺎﺋﻦ ﻓﻲ اﻟﻌﻼﻗﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻣﻦ‬

‫ﺧﻼل ﺣﻤﺎﯾﺔ اﻟﻤﺴﺘﮭﻠﻚ و اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻔﻘﯿﺮة ﻋﺒﺮ ﻓﺮض ﺿﺮاﺋﺐ ﻛﺒﯿﺮة ﻋﻠﻰ اﻟﺮﺳﺎﻣﯿﻞ اﻟﻀﺨﻤﺔ ﻟﺘﺘﺤﻮل‬

‫إﻟﻰ ﻧﻔﻘﺎت ﻟﻠﺮﻋﺎﯾﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ و اﻟﻀﻤﺎﻧﺎت اﻟﻤﺘﻌﺪدة "ﻛﻀﻤﺎن اﻟﺴﻜﻦ و اﻟﺼﺤﺔ و ﺗﻮﻓﯿﺮ ﻣﻘﻮﻣﺎت‬

‫اﻟﺤﯿﺎة اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ" ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﻤﺘﻄﺮﻓﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﻣﻮﺟﻮدة ﻓﻲ ﻣﺎ ھﻮ ﻣﻄﺒﻖ ﻓﻲ اﻷﻧﻈﻤﺔ‬


‫‪82‬‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﺪول اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﺎﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﻤﺘﺤﺪة اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺔ و اﻟﺴﻮﯾﺪ و اﻟﻨﺮوج و ﻏﯿﺮھﺎ‬

‫‪ ،‬أﺿﺎﻓﺖ إﻟﻰ ﻗﻮاﻧﯿﻨﮭﺎ ﺗﻌﺪﯾﻼت ﻋﺪة ﻟﺨﻠﻖ ﺗﻮازن ﺑﯿﻦ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﺘﺠﺎرة و اﻟﺘﺒﺎدل اﻻﻗﺘﺼﺎدي و ﺑﯿﻦ ﺣﻘﻮق‬

‫اﻷﻓﺮاد و ﻣﻜﻮﻧﺎت اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬ﻣﻊ ﻣﻼﺣﻈﺔ أن اﻟﻄﺒﻘﯿﺔ ـ ﺧﺼﻮﺻﺎ ﻓﻲ ﻣﻈﺎھﺮھﺎ اﻟﺒﺸﻌﺔ ـ ﺗﻜﺎد أو أﻧﮭﺎ‬

‫ﻓﻌﻼ اﺧﺘﻔﺖ ﻓﻲ اﻟﺪول اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﻄﺒﻘﯿﺔ ﻣﻮﺟﻮدة و ﺑﺸﻜﻞ ﺳﺎﻓﺮ ﻓﻲ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻔﻮﺿﻮﯾﺔ و اﻟﺸﺮﻗﯿﺔ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ و اﻹﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ‪.‬‬

‫و ﯾﻀﯿﻒ اﻟﺼﺪر ﻗﺎﺋﻼ‪:‬‬

‫" واﻟﺘﻨﺎﻓﺲ ﯾﻘﺘﻀﻲ ـ ﺑﺼﻮرة ﻃﺒﯿﻌﯿﺔ ـ ﺗﺤﺪﯾﺪ أﺛﻤﺎن اﻟﺒﻀﺎﺋﻊ وأﺟﻮر اﻟﻌﻤﺎل واﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﯿﻦ ﺑﺸﻜﻞ‬

‫ﻋﺎدل‪ ,‬ﻻ ﻇﻠﻢ ﻓﯿﮫ وﻻ إﺟﺤﺎف‪ .‬ﻷن ﻛﻞ ﺑﺎﺋﻊ أو ﻣﻨﺘﺞ‬

‫ﯾﺨﺸﻰ ﻣﻦ رﻓﻊ أﺛﻤﺎن ﺑﻀﺎﺋﻌﮫ‪ ,‬أو ﺗﺨﻔﯿﺾ أﺟﻮر ﻋﻤﺎﻟﮫ‪ ,‬ﺑﺴﺒﺐ ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ‬

‫اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻟﮫ ﻣﻦ اﻟﺒﺎﺋﻌﯿﻦ واﻟﻤﻨﺘﺠﯿﻦ‪ ".‬اﻟﻤﺼﺪر اﻟﺴﺎﺑﻖ ص ‪.15‬‬

‫إن اﻟﺘﻨﺎﻓﺲ اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﻻ ﯾﺠﺮي ھﻜﺬا ﻓﻲ اﻟﺪول اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ‪ ،‬إذ ﻻ ﯾﻜﻔﻲ أن ﻧﻄﻠﻊ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻈﺮﯾﺎت‬

‫اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ اﻟﻤﻜﺘﻮﺑﺔ و اﻟﻤﺴﻄﺮة ﻓﻲ ﻛﺘﺐ ‪ ،‬و ﻧﺤﻜﻢ ﻋﻠﯿﮭﺎ ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ اﻟﻔﻼﺳﻔﺔ اﻟﻘﺪﻣﺎء اﻟﺬﯾﻦ ﻛﺎﻧﻮا‬

‫ﯾﺴﺘﻌﻤﻠﻮن "اﻟﻨﻈﺮ و اﻻﺳﺘﻨﺘﺎج اﻟﻌﻘﻠﻲ" دون ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ اﻟﻔﻜﺮة ﻓﻲ أﺟﻮاء ﺗﻄﺒﯿﻘﮭﺎ ﻋﻠﻰ أرض اﻟﻮاﻗﻊ و ﻓﻲ‬

‫ﻇﻞ اﻟﻤﺤﯿﻂ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻟﻠﺘﻄﺒﯿﻖ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﺠﺪ أن ھﻨﺎك اﺳﻨﺘﺎﺟﺎ ﻣﺨﺘﻠﻔﺎ ﻋﻦ أي ﻗﻀﯿﺔ إذا ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻋﻦ‬

‫ﻧﻈﺮ ﻣﺤﺾ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﻜﻮن ﻧﺘﯿﺠﺔ اﻻﺳﺘﻨﺘﺎج ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ و اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ اﻟﻮاﻗﻌﻲ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﺗﺨﺘﻠﻒ‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻋﻦ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت و اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺸﻤﻮﻟﯿﺔ ﻓﻲ ﻛﻮﻧﮭﺎ ﺗﻄﺮح ﻛﻞ اﻟﻤﻮاﺿﯿﻊ و اﻟﻤﺸﺎﻛﻞ‬

‫ﻋﻠﻰ ﺑﺴﺎط اﻟﺒﺤﺚ و اﻟﻨﻘﺪ و ﻋﺒﺮ ﻛﺎﻓﺔ وﺳﺎﺋﻞ اﻹﻋﻼم اﻟﺤﺮة ‪ ،‬و ﻣﮭﻤﺎ ﻗﯿﻞ ﻋﻦ ﺗﺒﻌﯿﺔ وﺳﺎﺋﻞ اﻹﻋﻼم‬

‫ھﺬه ﻟﺠﮭﺎت رأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬ﯾﺒﻘﻰ ھﻨﺎك إﻋﻼم آﺧﺮ ﺗﺎﺑﻊ ﻟﻠﺪوﻟﺔ و ﻟﻤﺼﺎﻟﺢ أﺧﺮى ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ ﺗﻌﻄﻲ اﻟﻤﺠﺎل‬

‫اﻟﻔﺴﯿﺢ ﻟﻠﺘﻌﺒﯿﺮ ‪.‬‬

‫إن اﻟﻤﻼﺋﻤﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ ﺣﻔﻆ ﺣﻘﻮق اﻟﻔﺮد و ﺑﯿﻦ اﻹﺳﻼم ﻛﺤﺮﯾﺔ‬

‫اﺧﺘﯿﺎر ﻓﺮدﯾﺔ ‪ ،‬ﺳﯿﺸﻜﻞ اﻟﺘﺤﺪي اﻟﺮﺋﯿﺴﻲ و اﻟﻮاﻗﻌﻲ ﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ إﺷﻜﺎﻟﯿﺔ اﻟﺪﯾﻦ و اﻟﺪوﻟﺔ ﻓﻲ‬

‫اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ و اﻟﻌﺮاق ﻋﻠﻰ وﺟﮫ اﻟﺘﺤﺪﯾﺪ ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺧﻼل رؤﯾﺘﻨﺎ إﻟﻰ أن رؤﯾﺔ اﻟﺼﺪر ـ و ھﻮ ﻣﺆﺳﺲ‬

‫ﺣﺰب اﻟﺪﻋﻮة ـ ﻟﻠﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺗﻨﻢ ﻋﻦ ﻣﻮاﺟﮭﺔ ‪ ،‬ﻓﯿﻤﺎ ﯾﺒﺪو ﻛﻮﻧﮫ اﺧﺘﻼﻓﺎ ﺟﺬرﯾﺎ ﻋﻦ‬

‫اﻟﺮؤﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﻃﺮﺣﮭﺎ اﻟﺨﻤﯿﻨﯿﻮن ﺗﺠﺎه اﻟﻐﺮب و اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة ﺗﺤﺪﯾﺪا ‪ ،‬و ﯾﺒﺪو ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻟﻤﺎذا اﺳﺘﻄﺎع‬

‫ﺣﺰب اﻟﺪﻋﻮة أن ﯾُﻜﯿّﻒ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻌﺮاﻗﯿﺔ ﻣﻊ ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة و اﻟﻐﺮب اﻟﺬي ﻗﺎد ﻋﻤﻠﯿﺔ‬

‫اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺼﺪر ﺑﻌﺪ اﻧﺘﮭﺎﺋﮫ ﻣﻦ ﺳﺮد اﻷﺳﺲ اﻟﺘﻲ ﻗﺎم ﻋﻠﯿﮭﺎ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﻐﺮﺑﻲ‪:‬‬

‫" ھﺬه ھﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻓﻲ رﻛﺎﺋﺰھﺎ اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ‪ ,‬اﻟﺘﻲ ﻗﺎﻣﺖ ﻣﻦ‬

‫اﺟﻠﮭﺎ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﺜﻮرات‪ ,‬وﺟﺎھﺪ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻠﮭﺎ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﺸﻌﻮب واﻷﻣﻢ‪ .‬ﻓﻲ ﻇﻞ‬

‫ﻗﺎدة ﻛﺎﻧﻮا ﺣﯿﻦ ﯾﻌﺒﺮون ﻋﻦ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺠﺪﯾﺪ وﯾﻌﺪوﻧﮭﻢ ﺑﻤﺤﺎﺳﻨﮫ‪ ,‬ﯾﺼﻔﻮن‬

‫اﻟﺠﻨﺔ ﻓﻲ ﻧﻌﯿﻤﮭﺎ وﺳﻌﺎدﺗﮭﺎ‪ ,‬وﻣﺎ ﺗﺤﻔﻞ ﺑﮫ ﻣﻦ اﻧﻄﻼق وھﻨﺎء وﻛﺮاﻣﺔ وﺛﺮاء‪ .‬وﻗﺪ أﺟﺮﯾﺖ ﻋﻠﯿﮭﺎ ﺑﻌﺪ‬

‫ذﻟﻚ ﻋﺪة ﻣﻦ اﻟﺘﻌﺪﯾﻼت‪ ,‬ﻏﯿﺮ أﻧﮭﺎ ﻟﻢ ﺗﻤﺲ ﺟﻮھﺮھﺎ‬

‫ﺑﺎﻟﺼﻤﯿﻢ‪ ,‬ﺑﻞ ﺑﻘﯿﺖ ﻣﺤﺘﻔﻈﺔ ﺑﺄھﻢ رﻛﺎﺋﺰھﺎ وأﺳﺴﮭﺎ‪ ".‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ص ‪.16‬‬

‫إن ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرات و أن ﺑﺪى ﻣﻦ ﺧﻼﻟﮭﺎ ﺑﻌﺾ "اﻟﺘﺤﺎﻣﻞ" أو ﻋﺪم اﻟﺮﺿﺎ ‪ ،‬إﻻ أﻧﮭﺎ ﻻ ﺗﻨﻢ ﻋﻦ‬

‫رﻓﺾ ﻗﻄﻌﻲ و ﻛﻠﻲ ‪ ،‬ﺑﻞ ﯾُﻈﮭﺮ أن اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر اﻷول ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻣﻊ اﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ‬

‫اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻮارد ‪ ،‬ﻓﺎﻹﺳﻼم ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﺴﻮق اﻟﺤﺮة و إن ﻓﺮض ﻋﻠﯿﮭﺎ ﺑﻌﺾ اﻟﻘﯿﻮد اﻟﻤﺎﻧﻌﺔ‬

‫ﻟﻺﺣﺘﻜﺎر ‪ ،‬و إن ﻛﻨﺖ أﻋﺘﻘﺪ أﻧﮫ ﻻ ﺗﻮﺟﺪ ﺻﯿﻐﺔ أو ﻧﻈﺮﯾﺔ ﻣﺘﻜﺎﻣﻠﺔ ﻟﻤﺎ ﯾﻤﻜﻦ ﺗﺴﻤﯿﺘﮫ "إﻗﺘﺼﺎدا‬

‫إﺳﻼﻣﯿﺔ"؟ ﻓﮭﺬا ﯾﺘﻮﻗﻒ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﯾﺨﺮج ﺑﮫ اﻟﺒﺎﺣﺚ ﻣﻦ آراء ﻗﺪ ﯾﺘﻘﺒﻠﮭﺎ اﻟﺒﻌﺾ و ﯾﺮﻓﻀﮭﺎ آﺧﺮون ‪ ،‬ﺑﻞ‬

‫إن اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ـ ﺣﺎﻟﮭﻢ ﺣﺎل ﻛﻞ اﻟﻤﺘﺪﯾﻨﯿﻦ ‪ ،‬وﺟﺪوا ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ﺣﺮﯾﺔ و ﻛﺮاﻣﺔ‬

‫أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻟﺪول "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻧﻔﺴﮭﺎ‪.‬‬


‫‪83‬‬

‫و ﻟﻜﻦ ﯾﺒﻘﻰ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر اﻷول ﯾﻄﺮح ﻣﻮﺿﻮع "اﻟﺤﻞّ اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﻛﺒﺤﺚ ﻋﻦ ھﻮﯾﺔ أو إﻧﺘﻤﺎء‬

‫ﻟﻠﻤﻨﻄﻘﺔ ‪ ،‬دون أن ﯾُﻄﺮح اﻟﺴﺆال اﻷھﻢ و ھﻮ‪ :‬ﻟﻤﺎذا ﯾﻄﺮح اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن دﯾﻨﮭﻢ ﻛـ"ﺑﺪﯾﻞ" ﻟﻜﻞ ﺷﻲء ‪ ،‬و‬

‫ﻟﻤﺎذا ﻧﺠﻌﻞ "اﻹﻗﺘﺼﺎد اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﻛﻨﺪّ و ﺧﺼﻢ ﻟﻼﻗﺘﺼﺎد اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻻ ﺗﺪّﻋﻲ أو‬

‫ﺗﺰﻋﻢ أﻧﮭﺎ "رأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻣﺴﯿﺤﯿﺔ" أو "ﯾﮭﻮدﯾﺔ"!! ﻓﻠﻤﺎذا ﻟﻢ ﯾﻘُﻢ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن ‪ ،‬ﻣﻦ ﺿﻤﻨﮭﻢ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‬

‫اﻷول ‪ ،‬ﺑﺨﻠﻖ ﻇﺮوف إﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ و ﺑﻨﻔﺲ اﻟﻨﺴﻖ و اﻟﺨﻄﻮط اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﮭﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" دون‬

‫ﺻﺒﻐﮭﺎ ﺑﺎﻟﺼﺒﻐﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ‪ ،‬و ﻗﺪ أوﻗﻌﻨﺎ ھﺆﻻء اﻟﺒﺎﺣﺜﻮن ﻓﻲ إﺷﻜﺎل ﻛﺒﯿﺮ آﺧﺮ ‪ ،‬ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﻃﺮح ﻛﻼ‬

‫ﻗﻄُﺐ ـ رﻏﻢ أﻧﻲ أﺷﻜﻚ ﻓﻲ أن ﯾﻜﻮن ﺳﯿﺪ ﻗﻄﺐ ﻣﻔﻜﺮا ـ‬


‫اﻟﻤﻔﻜﺮﯾﻦ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺎﻗﺮ اﻟﺼﺪر و ﺳﯿﺪ ُ‬

‫ﻧﻈﺮﯾﺔ "ﻓﺸﻞ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ"! ﻓﮭﻢ ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻟﻢ ﯾﻀﻌﻮا ﺑﺪﯾﻼ ﺣﻘﯿﻘﯿﺎ ﻟﮭﺬا اﻟﻔﺸﻞ اﻟﻤﻔﺘﺮض ‪ ،‬ﻣﻤﺎ‬

‫ﺳﯿﻌﻨﻲ أﺧﯿﺮا أﻧﻨﺎ ﺳﻨﺮى أھﻞ واﺷﻨﻄﻦ أو ﻟﻨﺪن ـ و ھﻢ ﻣﺴﯿﺤﯿﻮن ﯾﻔﺨﺮون ﺑﺪﯾﻨﮭﻢ و ﻏﯿﺮ ﻣﺴﺘﻌﺪﯾﻦ‬

‫ﻟﻠﺘﺨﻠﻲ ﻋﻨﮫ ـ ﯾﻠﺠﺄون إﻟﻰ اﻟﻔﻘﮭﺎء و اﻟﻤﻼﯾﺔ ﻟﺘﺴﯿﯿﺮ ﺣﯿﺎﺗﮭﻢ اﻟﺠﺪﯾﺪة "اﻟﺴﻌﯿﺪة"!!‬

‫ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أﯾﻀﺎ ‪ ،‬أﻧﮫ ﻻ ﯾﻜﻔﻲ ‪ ،‬ﻟﻜﻲ ﻧﻀﻊ أُﺳﺲ دوﻟﺔ ﻣﺘﻜﺎﻣﻠﺔ ‪ ،‬أن ﻧُـﻨﻈـّـﺮ ﻷﻃﺮوﺣﺎت‬

‫"إﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ" دون أن ﯾﻜﻮن ھﻨﺎك وﺿﻮح ﻓﻲ ﺗﺮﻛﯿﺒﺔ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﻌﻤﻠﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ أو آﻟﯿﺎت ﺗﺒﺎدل اﻟﺴﻠﻄﺔ‬

‫ﺑﺎﻟﻄﺮق اﻟﺴﻠﻤﯿﺔ ‪ ،‬اﻷھﻢ ھﺎ ھﻨﺎ ھﻮ أن أي دوﻟﺔ دﯾﻨﯿﺔ ﻟﻦ ﺗﻨﺠﺢ ﻣﮭﻤﺎ ﻛﺎن اﻗﺘﺼﺎدھﺎ ﻗﻮﯾﺎ ‪ ،‬ﻃﺒﻌﺎ ﻣﻦ‬

‫ﻧﺎﺣﯿﺔ اﻟﺘﻨﻈﯿﺮ ﻓﻜﻞ ﻧﻈﺮﯾﺔ ھﻲ ﻗﻮﯾﺔ إﻟﻰ أن ﯾُﺜﺒﺖ اﻟﻮاﻗﻊ ﻧﺠﺎﺣﮭﺎ أو ﻓﺸﻠﮭﺎ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﺬا اﻟﺠﺎﻧﺐ ﻧﺠﺪ أن‬

‫ھﺠﯿﻦ اﻟﺪﯾﻦ ‪ +‬اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ أو ﺑﻌﺒﺎرة أُﺧﺮى ﻣﺎ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ ﺗﺴﻤﯿﺘﮫ ﺑﻨﻈﺮﯾﺔ "اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" ﻻ ﺣﻆ‬

‫ﻟﮭﺎ ﻣﻦ اﻟﻨﺠﺎح ‪ ،‬ﻣﺜﺎﻟﮫ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ﻓﻲ إﯾﺮان ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺪوﻟﺔ ﺑﻄﺒﻌﮭﺎ ﻻ ﺑُﺪ و أن ﺗﻨﺤﺎز إﻟﻰ أﺣﺪ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ ‪،‬‬

‫إﻣﺎ اﻟﺪﯾﻦ أو اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬ﻷن آﻟﯿﺎت اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻟﻦ ﺗﻌﻤﻞ ﻣﺎ داﻣﺖ ﻣﺼﺒﻮﻏﺔ ﺑﺎﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺪﯾﻦ ﻻ ﺑﺪ‬

‫أن ﯾﺒﺪي اﻟﺪوﻟﺔ ﺑﺒﻌﺾ ﻣﻈﺎھﺮه ‪ ،‬ﻛﺒﻌﺾ اﻟﻤﻈﺎھﺮ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻐﺮب ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻻ ﯾﻤﻜﻨﮫ أن ﯾﻄﻐﻰ ﻋﻠﻰ‬

‫اﻟﺪوﻟﺔ و ﻣﺜﻞ اﻟﺪوﻟﺔ ھﺎ ھﻨﺎ ﻣﺜﻞ "اﻟﺴﯿﺎرة" اﻟﺘﻲ ﺗﺤﺘﺎج إﻟﻰ "ﺑﻌﺾ" اﻟﺰﯾﺖ ﻟﺘﻌﻤﻞ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﺎ أن ﯾﺘﻢ‬

‫إﻏﺮاﻗﮭﺎ ﺑﺎﻟﺰﯾﺖ ﺣﺘﻰ ﺗﺘﻮﻗﻒ ﻛﻠﯿﺎ ‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺪوﻟﺔ "اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ" ھﻲ ﺣﻞ‪ ‬وﺳﻂ ﺑﯿﻦ اﺧﺘﻼف اﻷدﯾﺎن و اﻟﻤﺬاھﺐ و ﺣﺘﻰ اﻹﯾﻤﺎن و‬

‫اﻹﻟﺤﺎد ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ اﻟﻤﻌﺘﺪل ـ ﻣﻦ أﻣﺜﻠﺔ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ اﻟﻤﻌﺘﺪﻟﺔ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة و ﺑﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺎ ـ‬

‫ﻗﺎدر ﻋﻠﻰ اﺳﺘﯿﻌﺎب اﻟﺠﻤﯿﻊ و اﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺟﻠﺐ اﻟﻤﻨﻔﻌﺔ ﻟﮭﻢ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻧﺠﺪ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ و اﻵﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺔ‬

‫اﻟﺸﻤﻮﻟﯿﺔ "أﻣﺜﻠﺔ‪ :‬إﯾﺮان ‪ ،‬أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن ﻃﺎﻟﺒﺎن ‪ ،‬ﻋﺮاق اﻟﺒﻌﺚ و ﻏﯿﺮھﺎ" ﻻ ﺗﻨﺘﺞ إﻻ اﻟﻤﺰﯾﺪ ﻣﻦ اﻟﻔﺮﻗﺔ و‬

‫اﻻﻧﻘﺴﺎم‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼّﺪر ‪:‬‬

‫" وﻛﺎن ﻣﻦ ﺟﺮاء ھﺬه اﻟﻤﺎدﯾﺔ اﻟﺘﻲ زﺧﺮ اﻟﻨﻈﺎم ﺑﺮوﺣﮭﺎ أن أﻗﺼﯿﺖ اﻷﺧﻼق‬

‫ﻣﻦ اﻟﺤﺴﺎب‪ ,‬وﻟﻢ ﯾﻠﺤﻆ ﻟﮭﺎ وﺟﻮد ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻨﻈﺎم‪ ,‬أو ﺑﺎﻷﺣﺮى ﺗﺒﺪﻟﺖ‬

‫ﻣﻔﺎھﯿﻤﮭﺎ وﻣﻘﺎﯾﯿﺴﮭﺎ‪ ,‬وأﻋﻠﻨﺖ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ﻛﮭﺪف أﻋﻠﻰ‪ ,‬واﻟﺤﺮﯾﺎت‬

‫ﺟﻤﯿﻌﺎ ﻛﻮﺳﯿﻠﺔ ﻟﺘﺤﻘﯿﻖ ﺗﻠﻚ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ‪ .‬ﻓﻨﺸﺄ ﻋﻦ ذﻟﻚ أﻛﺜﺮ ﻣﺎ ﺿﺞ ﺑﮫ اﻟﻌﺎﻟﻢ‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻣﻦ ﻣﺤﻦ وﻛﻮارث‪ ,‬وﻣﺂﺳﻲ وﻣﺼﺎﺋﺐ‪.‬‬

‫وﻗﺪ ﯾﺪاﻓﻊ أﻧﺼﺎر اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ‪ ,‬ﻋﻦ وﺟﮭﺔ ﻧﻈﺮھﺎ ﻓﻲ اﻟﻔﺮد‬

‫وﻣﺼﺎﻟﺤﮫ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ﻗﺎﺋﻠﯿﻦ أن اﻟﮭﺪف اﻟﺸﺨﺼﻲ ﺑﻨﻔﺴﮫ ﯾﺤﻘﻖ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ‬

‫اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ‪ ,‬وأن اﻟﻨﺘﺎﺋﺞ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻘﻘﮭﺎ اﻷﺧﻼق ﺑﻘﯿﻤﮭﺎ اﻟﺮوﺣﯿﺔ ﺗﺤﻘﻖ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ‬

‫اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ‪ ,‬ﻟﻜﻦ ﻻ ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ اﻷﺧﻼق ﺑﻞ ﻋﻦ ﻃﺮﯾﻖ اﻟﺪواﻓﻊ‬

‫اﻟﺨﺎﺻﺔ وﺧﺪﻣﺘﮭﺎ‪ .‬ﻓﺈن اﻻﻧﺴﺎن ﺣﯿﻦ ﯾﻘﻮم ﺑﺨﺪﻣﺔ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﯾﺤﻘﻖ ﺑﺬﻟﻚ‬

‫ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺷﺨﺼﯿﺔ أﯾﻀﺎً‪ ,‬ﺑﺎﻋﺘﺒﺎره ﺟﺰءاً ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺬي ﺳﻌﻰ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻠﮫ‪ ,‬وﺣﯿﻦ‬

‫ﯾﻨﻘﺬ ﺣﯿﺎة ﺷﺨﺺ ﺗﻌﺮﺿﺖ ﻟﻠﺨﻄﺮ ﻓﻘﺪ أﻓﺎد ﻧﻔﺴﮫ أﯾﻀﺎً‪ ,‬ﻷن ﺣﯿﺎة اﻟﺸﺨﺺ‬

‫ﺳﻮف ﺗﻘﻮم ﺑﺨﺪﻣﺔ ﻟﻠﮭﯿﺌﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﻓﯿﻌﻮد ﻋﻠﯿﮫ ﻧﺼﯿﺐ ﻣﻨﮭﺎ‪ ,‬وإذن ﻓﺎﻟﺪاﻓﻊ اﻟﺸﺨﺼﻲ واﻟﺤﺲ‬
‫‪84‬‬

‫اﻟﻨﻔﻌﻲ ﯾﻜﻔﯿﺎن ﻟﺘﺄﻣﯿﻦ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ وﺿﻤﺎﻧﮭﺎ‪ ,‬ﻣﺎ‬

‫داﻣﺖ ﺗﺮﺟﻊ ﺑﺎﻟﺘﺤﻠﯿﻞ إﻟﻰ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﺧﺎﺻﺔ وﻣﻨﺎﻓﻊ ﻓﺮدﯾﺔ" ـ ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ص ‪.19‬‬

‫ﻣﺎ ﯾﻌﻨﯿﻨﻲ ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻨﺺ اﻟﺬي اﻗﺘﺒﺴﻨﺎه ‪ ،‬ھﻮ أن اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﯾﺒﻘﻰ ‪ ،‬ﻛﻮﻧﮫ إﺳﻼﻣﯿﺎ ‪ ،‬ﯾﺒﺤﺚ ﻋﻦ‬

‫"اﻟﻤﺜﺎﻟﻲ" ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ اﻟﻮاﻗﻊ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻋﺒﺮ ﺗﺮﺳﯿﺨﮫ ﻟﻤﻔﺎھﯿﻢ "اﻟﺤﺮﯾﺔ" ﻋﻠﻰ ﻛﺎﻓﺔ اﻟﻤﺴﺘﻮﯾﺎت‬

‫‪ ،‬ﯾﺘﺮك اﻟﺒﺎب ﻣﻔﺘﻮﺣﺎ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ رﻗﻲّ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ روﺣﯿﺎ و ﻣﺎدﯾﺎ ‪ ،‬ﺑﻌﺒﺎرة أﺧﺮى ﻓﺈﻧﮫ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أن ﺗﺮﺗﻘﻲ‬

‫اﻷﺧﻼق و اﻟﺮوﺣﺎﻧﯿﺎت دون ﺳﺪّ رﻏﺒﺎت اﻹﻧﺴﺎن و ﺣﺎﺟﺘﮫ اﻟﻤﺎدﯾﺔ ‪ ،‬ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﯾﻘﻮم اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬أي ﻣﺠﺘﻤﻊ‬

‫‪ ،‬ﺑﺤﻞّ ﻛﻞّ اﻟﻤﺸﺎﻛﻞ اﻟﻤﺎدﯾﺔ و اﻟﻨﻔﺴﯿﺔ ﻋﺒﺮ اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺒّﺒﺎﺗﮭﺎ ﻣﻦ ﻃﻐﯿﺎن اﻟﺤﻜﻢ أو اﻷﻏﻨﯿﺎء ‪ ،‬ﻋﻨﺪھﺎ‬

‫ﺳﺘﺠﺪ أن اﻷﻓﺮاد و اﻟﺠﻤﺎﻋﺎت ﺳﯿﺒﺤﺜﻮن و ﺑﻤﻞء إرادﺗﮭﻢ و ﺣﺮﯾﺘﮭﻢ ﻋﻦ اﻟﺮاﺣﺔ اﻟﻨﻔﺴﯿﺔ ﺳﻮاء ﻋﺒﺮ‬

‫اﻟﺪﯾﻦ و ﻃﻘﻮﺳﮫ أو اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺨﯿﺮي‪.‬‬

‫إن اﻟﺪاﻓﻊ اﻟﺸﺨﺼﻲ و اﻟﻔﺮدي ﯾﺸﻜﻞ ﻟُﺐّ و أﺳﺎس ﻛﻞ ﻧﺘﺎج إﻧﺴﺎﻧﻲ ‪ ،‬اﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬اﻟﻨﻈﻢ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ و‬

‫اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ و اﻟﻔﺮدﯾﺔ ‪ ،‬و ﺑﺎﻟﻤﻘﺎﺑﻞ ‪ ،‬ﻓﺤﯿﻨﻤﺎ اﻧﺘﻘﺪ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ھﯿﻤﻨﺔ ﻓﻜﺮة إﻟﻐﺎء اﻟﻔﺮد ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ‬

‫اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ـ ﻛﻤﺎ ھﻮ ﻣﻌﺮوف ﻓﻲ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ و اﻻﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ اﻟﺸﻌﺒﯿﺔ ‪ ،‬إﻻ أﻧﮫ ﻋﺎد ﻟﯿﻨﺘﻘﺪ ﺟﻌﻞ‬

‫"اﻟﻔﺮد" ﻛﻐﺎﯾﺔ ﻟﻜﻞ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪ ،‬إذ ﯾﺒﻘﻰ اﻹﺷﻜﺎل ھﻮ ‪" :‬ھﻞ ﻣﻦ ﺣﻞ وﺳﻂ"؟! و‬

‫اﻟﺠﻮاب اﻟﻮاﺿﺢ ‪ ،‬اﻟﻈﺎھﺮ ﻟﺤﺪّ اﻵن ﻣﻦ ﻛﻞ اﻟﺘﺠﺎرب اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ‪ ،‬أﻧﮫ ﻻ ﺣﻞّ وﺳﻂ ‪ ،‬ﻓﻘﺪ رأﯾﻨﺎ ﺑﺸﺎﻋﺔ‬

‫اﻟﻨﻈﻢ اﻟﺸﻤﻮﻟﯿﺔ ﻛـ"ﻧﻈﺎم اﻟﺒﻌﺚ" ‪" ،‬اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ ﻓﻲ اﻹﺗﺤﺎد اﻟﺴﻮﻓﯿﺘﻲ" ‪" ،‬ﻧﻈﺎﻣﺎ إﯾﺮان و ﻃﺎﻟﺒﺎن‬

‫أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن" ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﺘﻮﻓﺮ اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺘﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬ﻃﺒﻌﺎ ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء ﺑﻌﺾ‬

‫اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﺠﺪﯾﺪة اﻟﺘﻲ ﺣﺪّت ‪ ،‬ﻛﺤﺪّ أدﻧﻰ ‪ ،‬ﻣﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﺤﺮﯾﺎت ﺑﻌﺪ ﻇﮭﻮر اﻟﻨﺰﻋﺔ اﻹﻧﺘﺤﺎرﯾﺔ ﻓﻲ‬

‫اﻹﺳﻼم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ ﺑﻌﺪ أﺣﺪاث ‪ 11‬ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ أﯾﻠﻮل‪.‬‬

‫إن ﻛﻞ ﻧﻈﺎم ﺳﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬ﺑﻤﺎ ﻓﯿﮫ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ‪ ،‬ﻻ ﯾﺨﻠﻮ ﻣﻦ ﻋﯿﻮب و ﻣﻔﺎﺳﺪ و ﺿُﻌﻒ‬

‫إدارة أﺣﯿﺎﻧﺎ ‪ ،‬و ﻛﻤﺎ ﻗﺎل رﺋﯿﺲ وزراء ﺑﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺎ اﻟﺴﯿﺪ ﺗﺸﺮﺷﻞ‪ :‬اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ھﻲ أﻓﻀﻞ أﺳﻮأ اﻟﻨﻈﻢ‬

‫اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ‪ ."..‬و ھﺬا ﯾﻌﻨﻲ أن ھﺬه اﻟ ُﻨﻈُﻢ ﺣﺎﻟﮭﺎ ﺣﺎل ﺻﺎﻧﻌﮭﺎ اﻹﻧﺴﺎن ‪ ،‬ﻣﻠﯿﺌﺔ ﺑﺎﻟﻌﯿﻮب و اﻟﻨﻮاﻗﺺ ‪ ،‬و‬

‫ﻟﻜﻨﮭﺎ ﺗﺘﻄﻮر ﻋﺒﺮ اﻟﺘﺎرﯾﺦ ﻧﺤﻮ اﻷﻓﻀﻞ و اﻷﺣﺴﻦ‪.‬‬

‫ﯾﺤﺎول اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﺑﻌﺪھﺎ أن ﯾﺤﻠّﻞ "ﻧﻈﺮﯾﺎ" ﻟﯿﺨﺮج ﻟﻨﺎ ﺑﺎﺳﺘﻨﺘﺎج ﯾُﻈﮭﺮ ﻋﯿﺒﺎ ـ رﺑﻤﺎ ﯾﺒﺪو ﻓﻲ‬

‫ﻧﻈﺮه أﺳﺎﺳﯿﺎ ﻓﻲ ﺻﻤﯿﻢ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ﺣﯿﺚ ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫" ﻓﺄول ﺗﻠﻚ اﻟﺤﻠﻘﺎت‪ :‬ﺗﺤﻜﻢ اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ ﻓﻲ اﻷﻗﻠﯿﺔ وﻣﺼﺎﻟﺤﮭﺎ وﻣﺴﺎﺋﻠﮭﺎ‬

‫اﻟﺤﯿﻮﯾﺔ‪ .‬ﻓﺈن اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﻨﻲ أن وﺿﻊ اﻟﻨﻈﺎم واﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ وﺗﻤﺸﯿﺘﮭﺎ‬

‫ﻣﻦ ﺣﻖ اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ‪ ,‬وﻟﻨﺘﺼﻮر أن اﻟﻔﺌﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻤﺜﻞ اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ ﻓﻲ اﻷﻣﺔ ﻣﻠﻜﺖ زﻣﺎم‬

‫اﻟﺤﻜﻢ واﻟﺘﺸﺮﯾﻊ‪ ,‬وھﻲ ﺗﺤﻤﻞ اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ‪ ,‬وھﻲ ﻋﻘﻠﯿﺔ‬

‫ﻣﺎدﯾﺔ ﺧﺎﻟﺼﺔ ﻓﻲ اﺗﺠﺎھﮭﺎ‪ ,‬وﻧﺰﻋﺎﺗﮭﺎ وأھﺪاﻓﮭﺎ وأھﻮاﺋﮭﺎ ﻓﻤﺎذا ﯾﻜﻮن ﻣﺼﯿﺮ اﻟﻔﺌﺔ اﻻﺧﺮى؟ أو ﻣﺎذا‬

‫ﺗﺮﺗﻘﺐ ﻟﻸﻗﻠﯿﺔ ﻣﻦ ﺣﯿﺎة ﻓﻲ ﻇﻞ ﻗﻮاﻧﯿﻦ ﺗﺸﺮع ﻟﺤﺴﺎب‬

‫اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ وﻟﺤﻔﻆ ﻣﺼﺎﻟﺤﮭﺎ؟!‪ ,‬وھﻞ ﯾﻜﻮن ﻣﻦ اﻟﻐﺮﯾﺐ ﺣﯿﻨﺌﺬ إذا ﺷﺮﻋﺖ‬

‫اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ ﻋﻠﻰ ﺿﻮء ﻣﺼﺎﻟﺤﮭﺎ ﺧﺎﺻﺔ‪ ,‬وأھﻤﻠﺖ ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻷﻗﻠﯿﺔ واﺗﺠﮭﺖ‬

‫اﻟﻰ ﺗﺤﻘﯿﻖ رﻏﺒﺎﺗﮭﺎ اﺗﺠﺎھﺎ ﻣﺠﺤﻔﺎ ﺑﺤﻘﻮق اﻵﺧﺮﯾﻦ؟ ﻓﻤﻦ اﻟﺬي ﯾﺤﻔﻆ ﻟﮭﺬه اﻷﻗﻠﯿﺔ‬

‫ﻛﯿﺎﻧﮭﺎ اﻟﺤﯿﻮي وﯾﺬب ﻋﻦ وﺟﮭﮭﺎ اﻟﻈﻠﻢ‪ ,‬ﻣﺎ داﻣﺖ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ھﻲ‬

‫ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻛﻞ ﻓﺮد وﻣﺎ داﻣﺖ اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ ﻻ ﺗﻌﺮف ﻟﻠﻘﯿﻢ اﻟﺮوﺣﯿﺔ واﻟﻤﻌﻨﻮﯾﺔ ﻣﻔﮭﻮﻣﺎً ﻓﻲ ﻋﻘﻠﯿﺘﮭﺎ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ‬

‫؟؟ وﺑﻄﺒﯿﻌﺔ اﻟﺤﺎل‪ ,‬إن اﻟﺘﺤﻜﻢ ﺳﻮف ﯾﺒﻘﻰ ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﻨﻈﺎم‬

‫ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﻓﻲ اﻟﺴﺎﺑﻖ وأن ﻣﻈﺎھﺮ اﻻﺳﺘﻐﻼل واﻻﺳﺘﮭﺘﺎر ﺑﺤﻘﻮق اﻵﺧﺮﯾﻦ وﻣﺼﺎﻟﺤﮭﻢ‪ ...‬ﺳﺘﺤﻔﻆ ﻓﻲ‬

‫اﻟﺠﻮ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﮭﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﻛﺤﺎﻟﮭﺎ ﻓﻲ اﻷﺟﻮاء اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ‪ .‬وﻏﺎﯾﺔ ﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﻮﺿﻮع ﻣﻦ‬

‫ﻓﺮق‪ :‬ان اﻻﺳﺘﮭﺘﺎر ﺑﺎﻟﻜﺮاﻣﺔ‬

‫اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﻛﺎن ﻣﻦ ﻗﺒﻞ أﻓﺮاد ﺑﺄﻣﺔ‪ ,‬وأﺻﺒﺢ ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﻣﻦ اﻟﻔﺌﺎت اﻟﺘﻲ‬
‫‪85‬‬

‫ﺗﻤﺜﻞ اﻷﻛﺜﺮﯾﺎت ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ إﻟﻰ اﻷﻗﻠﯿﺎت‪ ,‬اﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜﻞ ﺑﻤﺠﻤﻮﻋﮭﺎ ﻋﺪدًا ھﺎﺋﻼً ﻣﻦ‬

‫اﻟﺒﺸﺮ‪ ".‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ص ‪.21 – 20‬‬

‫و ﻧﺤﻦ ھﺎ ھﻨﺎ ﺳﻨﺤﺎول أن ﻧﺨﺮج ﺑﻨﻘﺪ ﻣﻮﺿﻮﻋﻲ ﻟﮭﺬا اﻟﺮأي ‪ ،‬و أﺟﺰم ﺑﺄن اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻟﻮ ﻛﺎن‬

‫ﺣﺎﺿﺮا ﺑﯿﻨﻨﺎ اﻵن و ﻗﺮأ ھﺬا اﻟﻨﻘﺪ اﻟﻤﺘﻮاﺿﻊ ﻷﻓﻜﺎره ﻟﺮﺣﺐ ﺑﮫ و ﺑﺮﺣﺎﺑﺔ ﺻﺪر ‪ ،‬ﻓﻐﺎﯾﺔ ﻛﻞ ﻓﻜﺮة ھﻲ‬

‫أن ﺗﺨﻠﻖ أﻓﻜﺎرا أُﺧﺮى‪.‬‬

‫ﻟﻮ ﺗﺎﺑﻌﻨﺎ ﺗﻄﺒﯿﻘﺎت اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و أﻛﺜﺮھﺎ ﻗﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس أن اﻷﻏﻠﺒﯿﺔ ھﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻢ ‪ ،‬إﻻ‬

‫أن ھﺬا ﻻ ﯾﻌﻨﻲ ﻗﻂ أن اﻷﻗﻠﯿﺔ ﺗﺒﺘﻠﻊ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ ‪ ،‬ﺳﻮاء ﻛﺎﻧﺖ ھﺬه اﻷﻗﻠﯿﺎت دﯾﻨﯿﺔ أو ﻋﺮﻗﯿﺔ ‪ ،‬إﻻ‬

‫أن ﺣﻘﻮق اﻷﻗﻠﯿﺎت ﺗﺒﻘﻰ ﻣﺜﺒّﺘﺔ ﻓﻲ دﺳﺎﺗﯿﺮ ھﺬه اﻟﺪول و ﺧﺼﻮﺻﺎ أن ﺣﻘﻮق اﻷﻗﻠﯿﺎت ﺗﺼﺒﺢ ﺟﺰءا ﻣﻦ‬

‫ﺣﻘﻮق اﻟﺸﻌﺐ ﺑﻜﻞ أﻓﺮاده ‪ ،‬ﻓﻘﺪ اﻧﺘﻘﻞ ﺑﻨﺎ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻣﻦ ﻧﻘﺪ ﻣﻔﮭﻮم "اﻟﻔﺮد" إﻟﻰ ﻣﻔﮭﻮم آﺧﺮ ﻛﺎن ﻋﻠﯿﮫ‬

‫أن ﯾُﻔﺮِد ﻟﮫ ﺑﺎﺑﺎ أو ﻓﺼﻼ ﺧﺎﺻﺎ ﻣﺴﺘﻘﻼ ﺑﮫ و ھﻮ ﻣﻮﺿﻮع اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ و اﻷﻗﻠﯿﺔ‪.‬‬

‫و اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻵﺧﺮ اﻟﻤﮭﻢ اﻟﺬي ﯾﻈﮭﺮ ﺑﻮﺿﻮح ﻓﻲ ﻛﻞ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ و اﻟﺘﻲ ھﻲ‬

‫اﻵن ﻣﻦ أﻗﻮى أﻧﻈﻤﺔ اﻟﻌﺎﻟﻢ و ﻓﻲ ﻛﺎﻓﺔ اﻟﻤﺠﺎﻻت ‪ ،‬أن ﻛﻞ اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿّﺔ ﻏﯿﺮ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬ﺗﻌﯿﺶ‬

‫ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ و اﻷﻗﻠﯿﺔ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ اﻻﺗﺤﺎد اﻟﺴﻮﻓﯿﺘﻲ ﺗﻔﺘﺖ ﺑﺴﺒﺐ ﺷﻌﻮر اﻷﻗﻠﯿﺎت اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ ﺑﺎﻟﻈﻠﻢ و‬

‫اﻻﺿﻈﮭﺎد ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ دوﻟﺔ دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻣﺘﻌﺪدة اﻟﻘﻮﻣﯿﺎت ﻛـ"ﺳﻮﯾﺴﺮا" راﺳﺨﺔ ﻋﻠﻰ اﻷرض ﻣﻨﺬ ‪ 500‬ﻋﺎم‬

‫‪ ،‬ﻋﻤﻮﻣﺎ ﻓﺈن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ و ﻷﻧﮫ ﯾُﻠﻐﻲ ﻛﻞ اﻟﻔﻮارق اﻟﻄﺒﻘﯿﺔ و اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ و اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ ﻓﮭﻮ ﯾُﻠﻐﻲ‬

‫اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻻﺿﻄﮭﺎد و ﺑﺄﻛﺜﺮ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺳﻠﻤﯿّﺔ ‪ ،‬ﻓﻤﺜﻼ ﻟﻮ ﻧﻈﺮﻧﺎ إﻟﻰ ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﺘﻔﺮﻗﺔ اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ‬

‫ﻣﻮﺟﻮدة ﻓﻲ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة إﻟﻰ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﺴﺘّﯿﻨﯿّﺎت ‪ ،‬ﻟﻮ ﻛﻨﺖ ھﺬه اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﻣﻮﺟﻮدة ﻓﻲ أي دوﻟﺔ أﺧﺮى‬

‫ﻟﻜﺎﻧﺖ ﻛﻔﯿﻠﺔ ﺑﺈﻧﮭﯿﺎرھﺎ و ﺗﻘﺴﯿﻤﮭﺎ ‪.‬‬

‫و ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻢ ھﻨﺎ أﯾﻀﺎ أن ﻧﻮﺿﺢ ﻧﻘﻄﺔ ﻣﮭﻤﺔ ‪ ،‬ﻻ ﺗﻮﺟﺪ ھﻨﺎك و ﻓﻲ ﻛﻞ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻧﻈﺎم دﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ‬

‫ﻗﻮﻣﻲ أو دﯾﻨﻲ ‪ ،‬و ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺪﺧﻞ اﻟﺸﻌﻮر اﻟﺪﯾﻨﻲ أو اﻟﻘﻮﻣﻲ ﻓﻲ ﺻﻠﺐ أي ﻧﻈﺎم ﻓﺈﻧﮫ ﯾﺒﺪأ ﺑﺘﻔﻜﯿﻜﮫ ‪ ،‬ﻣﺜﺎﻟﮫ‬

‫"ﯾﻮﻏﺴﻼﻓﯿﺎ اﻹﺗﺤﺎدﯾﺔ ﺳﺎﺑﻘﺎ" ‪" ،‬اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﯿﺔ" ‪ ،‬و اﻷھﻢ ھﻨﺎ ھﻮ اﻟﻤﺜﺎل اﻟﻌﺮاﻗﻲ اﻟﺬي اﻣﺘﻸ دﺳﺘﻮره‬

‫ﺑﺎﻟﻤﺸﺎﻋﺮ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ و اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ ‪ ،‬و ﻟﮭﺬا اﻟﺴﺒﺐ ﺗﺠﺪ اﻟﻌﺮاق و ھﻮ اﻟﺬي ﺧﺮج ﻣﻦ أﺑﺸﻊ ﻧﻈﺎم ﻋﺮﻓﮫ اﻟﺘﺎرﯾﺦ‬

‫‪ ،‬أﻧﮫ ﻏﯿﺮ ﻣﺴﺘﻘﺮ و ﻣﻨﻈﻢ ﺑﺴﺒﺐ ﺻﺮاع اﻟﮭﻮﯾﺎت ‪.‬‬

‫و اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻓﻲ ﻋﺒﺎراﺗﮫ ھﺬه ﯾﺒﺪو و ﻛﺄﻧﮫ ﯾﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﻛﻞّ ﺣﻜﻮﻣﺔ ﻣﻨﺘﺨﺒﺔ دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺎ ‪ ،‬و ھﺬا ﯾﺘﻢ‬

‫ﻛُﻞّ أرﺑﻌﺔ ﺳﻨﻮات أو ﺧﻤﺴﺔ ‪ ،‬و ﻛﺄﻧﮭﺎ ﺳﺘﺄﺗﻲ ﺑﺪﺳﺘﻮر ﺟﺪﯾﺪ ‪ ،‬ﻣﻊ أن دﺳﺎﺗﯿﺮ ھﺬه اﻟﺪول اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ‬

‫ﻛـ"اﻟﺪﺳﺘﻮر اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ اﻟﺬي ﯾﺰﯾﺪ ﻋﻤﺮه ﻋﻦ ﻣﺎﺋﺘﻲ ﻋﺎم" ﻻ ﯾﺘﻐﯿﺮ إﻻ ﻗﻠﯿﻼ ﺟﺪا و ﺑﻌﺪ أن ﯾﻄﻠﻊ ﻋﻠﯿﮭﺎ‬

‫أﻏﻠﺒﯿﺔ اﻟﺸﻌﺐ و ﺗﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﻮاﻓﻘﺔ ﻓﻲ اﺳﺘﻔﺘﺎء ﻋﺎم ‪ ،‬ﻣﻼﺣﻈﺔ أﺧﺮى ﻣﮭﻤﺔ ‪ :‬ھﻲ أن اﻟﻤﻌﺴﻜﺮ‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻗﺪ رﺳﻢ ﻟﻨﻔﺴﮫ ﺧﻄﻮﻃﺎ ﻋﺎﻣﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻗﺮارات اﻷُﻣﻢ اﻟﻤﺘﺤﺪة و ﻣﻨﻈﻤﺎت ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ‪،‬‬

‫ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﻤﮭﻤﺎ ﺗﻐﯿّﺮت ھﺬه اﻟﺪﺳﺎﺗﯿﺮ ﻓﻤﻦ اﻟﻤﻤﻨﻮع ﻋﻠﯿﮭﺎ ﺧﺮق ﺣﻘﻮق اﻷﻓﺮاد أو اﻟﺤﺮﯾﺎت و اﻷﻗﻠﯿﺎت و‬

‫ﯾﺒﺪو ﻟﻲ أن اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر و ھﻮ ﯾﺼﻒ ﻟﻨﺎ ﻣﺴﺎويء اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ و ﻛﺄﻧﮫ ﯾﻌﻨﻲ ﺑﺪاﯾﺎت‬

‫ﻇﮭﻮر ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﻓﻲ اﻟﻘﺮون ‪ 17‬و ‪ 18‬و ‪ 19‬و ﻟﯿﺲ ﻣﺎ ﺗﻤﺨﺾ ﻋﻨﮫ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻌﺪ اﻟﺤﺮب اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ اﻟﺜﺎﻧﯿﺔ‬

‫‪ ،‬و ﻣﻘﺼﺪُﻧﺎ ھﺬا ﯾﺘﺠﻠّﻰ ﻓﻲ اﺳﺘﻄﺮاده اﻟﺘﺎﻟﻲ‪:‬‬

‫"وﻟﯿﺖ اﻷﻣﺮ وﻗﻒ ﻋﻨﺪ ھﺬا اﻟﺤﺪ‪ ,‬إذاً ﻟﻜﺎﻧﺖ اﻟﻤﺄﺳﺎة ھﯿﻨﺔ‪ ,‬وﻟﻜﺎن اﻟﻤﺴﺮح ﯾﺤﺘﻔﻞ ﺑﺎﻟﻀﺤﻜﺎت‬

‫أﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﯾﻌﺮض ﻣﻦ دﻣﻮع‪ ,‬ﺑﻞ أن اﻷﻣﺮ ﺗﻔﺎﻗﻢ واﺷﺘﺪ ﺣﯿﻦ‬

‫ﺑﺮزت اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻣﻦ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ‪ ,‬ﻓﻘﺮرت اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ‬

‫ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻟﻨﺤﻮ اﻟﺬي ﻋﺮﺿﻨﺎه ﺳﺎﺑﻘﺎً‪ ,‬وأﺟﺎزت ﻣﺨﺘﻠﻒ أﺳﺎﻟﯿﺐ اﻟﺜﺮاء وأﻟﻮاﻧﮫ‬

‫ﻣﮭﻤﺎ ﻛﺎن ﻓﺎﺣﺸﺎً‪ ,‬وﻣﮭﻤﺎ ﻛﺎن ﺷﺎذاً ﻓﻲ ﻃﺮﯾﻘﺘﮫ وأﺳﺒﺎﺑﮫ‪ ,‬وﺿﻤﻨﺖ ﺗﺤﻘﯿﻖ ﻣﺎ‬

‫أﻋﻠﻨﺖ ﻋﻨﮫ‪ .‬ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﻛﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ ﯾﺤﺘﻔﻞ ﺑﺎﻧﻘﻼب ﺻﻨﺎﻋﻲ ﻛﺒﯿﺮ‪ ,‬واﻟﻌﻠﻢ ﯾﺘﻤﺤﺾ ﻋﻦ وﻻدة اﻵﻟﺔ‬

‫اﻟﺘﻲ ﻗﻠﺒﺖ وﺟﮫ اﻟﺼﻨﺎﻋﺔ وﻛﺴﺤﺖ اﻟﺼﻨﺎﻋﺎت اﻟﯿﺪوﯾﺔ وﻧﺤﻮھﺎ" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ـ ص ‪.21‬‬
‫‪86‬‬

‫ﻓﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﯾﻜﻮن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ﻗﺒﯿﺤﺎ و ﺳﯿﺌﺎ ‪ ،‬و ھﺬا اﻟﻮﺻﻒ أﻃﻠﻘﮫ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﻮن ﺑﺸﻜﻞ أﻛﺜﺮ‬

‫ﺗﻄﺮﻓﺎ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻧﺘﺤﺪث ﻋﻨﮭﺎ ھﻨﺎ ﺗﺘﺤﺮك ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ‪ ،‬و‬

‫ﻓﻌﻼ ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ "اﻟﻘﺒﯿﺤﺔ" ﺗﻢّ ﺗﺠﻤﯿﻠﮭﺎ ﺑﻔﻌﻞ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن و ﺣﻤﺎﯾﺔ اﻟﻤﺴﺘﮭﻠﻚ ﻣﻦ‬

‫اﺳﺘﻐﻼل ﻏﯿﺮ أﺧﻼﻗﻲ ‪ ،‬و ﻛﻢ ﻣﻦ ﻣﻮاﻃﻨﯿﻦ ﻓﻲ ھﺬه اﻟﺪول ﺣﺼﻠﻮا ﻋﻠﻰ ﻣﻼﯾﯿﻦ اﻟﺪوﻻرات ﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ‬

‫اﻟﺘﻌﻮﯾﺾ ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ ﺷﺮﻛﺎت أﻧﺘﺠﺖ ﺑﻀﺎﻋﺔ ﻛﺎن ﻓﯿﮭﺎ ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﻀﺮر ﻟﻠﻔﺮد أو اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫"‪ ,‬ﻓﺎﻧﻜﺸﻒ اﻟﻤﯿﺪان ﻋﻦ ﺛﺮاء ﻓﺎﺣﺶ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ اﻷﻗﻠﯿﺔ ﻣﻦ أﻓﺮاد اﻷﻣﺔ‪,‬‬

‫ﻣﻤﻦ أﺗﺎﺣﺖ ﻟﮭﻢ اﻟﻔﺮص وﺳﺎﺋﻞ اﻻﻧﺘﺎج اﻟﺤﺪﯾﺚ وزودﺗﮭﻢ اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ‬

‫ﻏﯿﺮ اﻟﻤﺤﺪودة ﺑﻀﻤﺎﻧﺎت ﻛﺎﻓﯿﺔ ﻻﺳﺘﺜﻤﺎرھﺎ واﺳﺘﻐﻼﻟﮭﺎ إﻟﻰ أﺑﻌﺪ ﺣﺪ‪ ,‬واﻟﻘﻀﺎء ﺑﮭﺎ‬

‫ﻋﻠﻰ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ ﻓﺌﺎت اﻷﻣﺔ اﻟﺘﻲ اﻛﺘﺴﺤﺖ اﻵﻟﺔ اﻟﺒﺨﺎرﯾﺔ ﺻﻨﺎﻋﺘﮭﺎ‪ ,‬وزﻋﺰﻋﺖ‬

‫ﺣﯿﺎﺗﮭﺎ‪ ,‬وﻟﻢ ﺗﺠﺪ ﺳﺒﯿﻼً ﻟﻠﺼﻤﻮد ﻓﻲ وﺟﮫ اﻟﺘﯿﺎر‪ ,‬ﻣﺎ دام أرﺑﺎب اﻟﺼﻨﺎﻋﺎت‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ﻣﺴﻠﺤﯿﻦ ﺑﺎﻟﺤﺮﯾﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ وﺑﺤﻘﻮق اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﻛﻠﮭﺎ‪ ,‬وھﻜﺬا‬

‫ﺧﻼ اﻟﻤﯿﺪان إﻻ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﺼﻔﻮة ﻣﻦ أرﺑﺎب اﻟﺼﻨﺎﻋﺔ واﻻﻧﺘﺎج‪ ,‬وﺗﻀﺎءﻟﺖ اﻟﻔﺌﺔ اﻟﻮﺳﻄﻰ واﻗﺘﺮﺑﺖ إﻟﻰ‬

‫اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﻌﺎم اﻟﻤﻨﺨﻔﺾ‪ ,‬وﺻﺎرت ھﺬه اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ اﻟﻤﺤﻄﻤﺔ‬

‫ﺗﺤﺖ رﺣﻤﺔ ﺗﻠﻚ اﻟﺼﻔﻮة‪ ,‬اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻔﻜﺮ وﻻ ﺗﺤﺴﺐ إﻻ ﻋﻠﻰ اﻟﻄﺮﯾﻘﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ‪ .‬وﻣﻦ‬

‫اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ﺣﯿﻨﺌﺬ ان ﻻ ﺗﻤﺪ ﯾﺪ اﻟﻌﻄﻒ واﻟﻤﻌﻮﻧﺔ إﻟﻰ ھﺆﻻء‪,‬‬

‫ﻟﺘﻨﺸﻠﮭﻢ ﻣﻦ اﻟﮭﻮة وﺗﺸﺮﻛﮭﻢ ﻓﻲ ﻣﻐﺎﻧﻤﮭﺎ اﻟﻀﺨﻤﺔ‪ .‬وﻟﻤﺎذا ﺗﻔﻌﻞ ذﻟﻚ؟! ﻣﺎ دام‬

‫اﻟﻤﻘﯿﺎس اﻟﺨﻠﻘﻲ ھﻮ اﻟﻤﻨﻔﻌﺔ واﻟﻠﺬة‪ ,‬وﻣﺎ داﻣﺖ اﻟﺪوﻟﺔ ﺗﻀﻤﻦ ﻟﮭﺎ ﻣﻄﻠﻖ اﻟﺤﺮﯾﺔ‬

‫ﻓﯿﻤﺎ ﺗﻌﻤﻞ‪ ,‬وﻣﺎ دام اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ﯾﻀﯿﻖ ﺑﺎﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﻤﻌﻨﻮﯾﺔ‬

‫ﻟﻠﺤﯿﺎة وﻣﻔﺎھﯿﻤﮭﺎ اﻟﺨﺎﺻﺔ؟!" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ص ‪.21‬‬

‫ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﺑﺴﯿﻄﺔ ﺑﯿﻦ ﺣﻘﻮق اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻌﻤﺎﻟﯿﺔ و اﻟﻤﮭﻦ اﻟﺒﺴﯿﻄﺔ و ﺑﯿﻦ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻌﻤﺎﻟﯿﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬ﺗُﻈﮭﺮ ﺑﻤﺎ ﻻ ﯾﻘﺒﻞ أدﻧﻰ ﺷﻚ ‪ ،‬اﻟﻔﺎرق اﻟﺸﺎﺳﻊ و اﻟﻜﺒﯿﺮ ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻟﺘﯿﻦ ‪،‬‬

‫ﻓﺎﻟﻀﻤﺎﻧﺎت اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ و اﻟﺼﺤﯿﺔ و دور اﻟﺮﻋﺎﯾﺔ ﻓﻲ ﺑﻠﺪان أﻣﺮﯾﻜﺎ ‪ ،‬اﻟﯿﺎﺑﺎن ‪ ،‬ﺑﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺎ ‪ ،‬اﻟﺪول‬

‫اﻹﺳﻜﻨﺪﻧﺎﻓﯿﺔ ‪ ،‬ﺗﻈﮭﺮ أﻧﮫ ﻟﻢ ﯾﻌﺪ اﻟﻤﻨﺘﻤﻮن إﻟﻰ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻮﺳﻄﻰ و اﻟﻔﻘﯿﺮة "إن ﻛﺎن ﯾﺠﻮز أن ﻧﺴﻤﯿﮭﺎ‬

‫ﺑﺎﻟﻔﻘﯿﺮة" ﻟﻢ ﺗﻌُﺪ ﺗﺄﺑﮫ ﺑﺎﻷﻏﻨﯿﺎء و درﺟﺔ ﻏﻨﺎھﻢ ﻣﺎ دام اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم ﯾﻜﻔﻞ ﻟﮭﻢ ﺣﯿﺎة ﻣﻀﻤﻮﻧﺔ ‪ ،‬و إﻻ ﻓﻠﻤﺎذا‬

‫ﺗﺘﺠﮫ ﻛﻞ أو أﻛﺜﺮ ﺧﻄﻮط اﻟﻠﺠﻮء ﻧﺤﻮ ھﺬه اﻟﺒﻠﺪان ؟! أﻟﯿﺲ ذﻟﻚ ﻋﺎﺋﺪا ﻟﻠﻤﺴﺘﻮى اﻟﻤﻌﯿﺸﻲ اﻟﻤﻤﺘﺎز اﻟﺬي‬

‫ﯾﺤﺼﻞ ﻋﻠﯿﮫ ﻣﻮاﻃﻨﻮا ﺗﻠﻚ اﻟﺪول‪.‬‬

‫ﻓﻤﻦ ﺟﮭﺔ ﯾﻨﺘﻘﺪ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﺗﻠﻚ اﻷﻗﻠﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﺤﻜﻢ و "ﺗﺴﯿّﺮ" اﻻﻗﺘﺼﺎد ‪ ،‬و ﻗﺒﻠﮭﺎ ﺑﻘﻠﯿﻞ ﻛﺎن ﯾﻨﺘﻘﺪ‬

‫"ﺗﺤﻜﱡﻢ" اﻷﻛﺜﺮﯾﺔ ﺑﺎﻷﻗﻠﯿﺔ ‪ ،‬و ھﺬا ﺗﻨﺎﻗﺾ ﻛﻤﺎ أﻇﻦ ‪ ،‬إذ ﯾﺒﻘﻰ أﻛﺜﺮﯾﺔ اﻟﺸﻌﺐ ﻗﺎدرﯾﻦ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﻠﯿﻢ ﻣﻘﺎﻟﯿﺪ‬

‫اﻟﺤﻜﻢ إﻟﻰ ﻣﻦ ﯾﻤﺜﻞ ﻣﺼﺎﻟﺤﮭﻢ ‪ ،‬و ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻢ ھﻨﺎ ﻣﻼﺣﻈﺔ أن اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺎم ﻋﻠﯿﮭﺎ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻐﺮﺑﻲ‬

‫"اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ" أو "اﻟﻤﻨﻔﻌﺔ" اﻟﺘﻲ اﻧﺘﻘﺪھﺎ اﻟﺼﺪر ‪ ،‬ھﻲ إﺣﺪى أھﻢ رﻛﺎﺋﺰ اﻟﻔﻘﮫ و اﻟﺪﯾﻦ اﻹﺳﻼﻣﻲ و‬

‫ﻣﻌﺮوﻓﺔ ﺗﻠﻚ اﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ اﻟﺘﻲ اﺗﻔﻖ ﻋﻠﯿﮭﺎ أرﺑﺎب ﺟﻤﯿﻊ اﻟﻤﺬاھﺐ و اﻟﻘﺎﺋﻠﺔ‪ :‬أن ھﺪف اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ‬

‫ﻐﻠّﺖ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻓﻘﮭﺎء‬


‫اﻷﺳﺎﺳﻲ ھﻮ ﺟﻠﺐ اﻟﻤﻨﻔﻌﺔ و درء اﻟﻤﻔﺴﺪة"!! ﻣﻊ ﻣﻼﺣﻈﺔ أن ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرة اﺳﺘ ِ‬

‫اﻟﺴﻠﻄﺎن ﺑﺸﻜﻞ ﺑﺸﻊ‪.‬‬

‫ﻣﻦ ﺟُﻤﻠﺔ ﺗﻠﻚ اﻻﻧﺘﻘﺎدات اﻟﺘﻲ وﺟﮭﮭﺎ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ھﻮ ﺗﺤﻜﻢ اﻷﻗﻠﯿﺔ "اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ" ﺑﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻟﺪوﻟﺔ‬

‫ﻟﺘﻤﻜّﻨﮭﺎ ﻣﺎدﯾﺎ ‪ ،‬و ﯾﺒﺪو ﻟﻲ أﻧﮫ اﺳﺘﻌﺎر ھﺬه اﻻﻧﺘﻘﺎدات ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ اﻟﻨﻘﺎط اﻟﺘﻲ وﺟﮭﮭﺎ "ﻛﺎرل ﻣﺎرﻛﺲ" و‬

‫"إﻧﺠﻠﺰ" إﻟﻰ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﻐﺮﺑﻲ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" وھﻨﺎ ﯾﺘﺒﻠﻮر اﻟﺤﻖ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﻟﻸﻣﺔ ﻣﻦ ﺟﺪﯾﺪ ﺑﺸﻜﻞ آﺧﺮ ‪ .‬ﻓﺎﻟﻤﺴﺎواة ﻓﻲ‬

‫اﻟﺤﻘﻮق اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﺑﯿﻦ أﻓﺮاد اﻟﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ‪ ,‬وإن ﻟﻢ ﺗﻤﺢ ﻣﻦ ﺳﺠﻞ اﻟﻨﻈﺎم‪ ,‬ﻏﯿﺮ أﻧﮭﺎ‬

‫ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﺑﻌﺪ ھﺬه اﻟﺰﻋﺎزع إﻻ ﺧﯿﺎﻻً وﺗﻔﻜﯿﺮاً ﺧﺎﻟﺼﺎً‪ .‬ﻓﺈن اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ‬
‫‪87‬‬

‫ﺣﯿﻦ ﺗﺴﺠﻞ ﻣﺎ ﻋﺮﺿﻨﺎه ﻣﻦ ﻧﺘﺎﺋﺞ‪ ,‬ﺗﻨﺘﮭﻲ إﻟﻰ اﻻﻧﻘﺴﺎم اﻟﻔﻈﯿﻊ اﻟﺬي ﻣﺮ ﻓﻲ‬

‫اﻟﻌﺮض‪ ,‬وﺗﻜﻮن ھﻲ اﻟﻤﺴﯿﻄﺮة ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻮاﻗﻒ واﻟﻤﺎﺳﻜﺔ ﺑﺎﻟﺰﻣﺎم‪ ,‬وﺗﻘﮭﺮ اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ أﻣﺎﻣﮭﺎ‪.‬‬

‫ﻓﺈن اﻟﻔﺌﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﺑﺤﻜﻢ ﻣﺮﻛﺰھﺎ اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﻣﻦ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‪,‬‬

‫وﻗﺪرﺗﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﺳﺘﻌﻤﺎل ﺟﻤﯿﻊ وﺳﺎﺋﻞ اﻟﺪﻋﺎﯾﺔ‪ ,‬وﺗﻤﻜﻨﮭﺎ ﻣﻦ ﺷﺮاء اﻷﻧﺼﺎر‬

‫واﻷﻋﻮان ‪ ...‬ﺗﮭﯿﻤﻦ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﺎﻟﯿﺪ اﻟﺤﻜﻢ ﻓﻲ اﻷﻣﺔ‪ ,‬وﺗﺘﺴﻠﻢ اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻟﺘﺴﺨﯿﺮھﺎ ﻓﻲ ﻣﺼﺎﻟﺤﮭﺎ واﻟﺴﮭﺮ‬

‫ﻋﻠﻰ ﻣﺂرﺑﮭﺎ‪ ,‬وﯾﺼﺒﺢ اﻟﺘﺸﺮﯾﻊ واﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺧﺎﺿﻌﺎً‬

‫ﻟﺴﯿﻄﺮة رأس اﻟﻤﺎل‪ ,‬ﺑﻌﺪ أن ﻛﺎن اﻟﻤﻔﺮوض ﻓﻲ اﻟﻤﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ أﻧﮫ ﻣﻦ ﺣﻖ‬

‫اﻷﻣﺔ ﺟﻤﻌﺎء‪ .‬وھﻜﺬا ﺗﻌﻮد اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻓﻲ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﻤﻄﺎف ﺣﻜﻤﺎً ﺗﺴﺘﺎﺛﺮ‬

‫ﺑﮫ اﻷﻗﻠﯿﺔ‪ ,‬وﺳﻠﻄﺎﻧﺎً ﯾﺤﻤﻲ ﺑﮫ ﻋﺪة ﻣﻦ اﻷﻓﺮاد ﻛﯿﺎﻧﮭﻢ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎب اﻵﺧﺮﯾﻦ‪,‬‬

‫ﺑﺎﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﻨﻔﻌﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺴﺘﻮﺣﻮﻧﮭﺎ ﻣﻦ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ص ‪.22‬‬

‫و اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻐﺮﺑﻲ ﯾﻌﻜﺲ ﺻﻮرة ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻟﺘﺼﻮرات ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺘﺎج ﺗﻔﻜﯿﺮ ﻣﺤﺾ ﻏﯿﺮ ﻣﺘّﺼﻞ ﺑﺎﻟﻮاﻗﻊ‬

‫اﻟﺘﺠﺮﯾﺒﻲ ‪ ،‬ﻓﺎﻹﺗﺤﺎد اﻷوروﺑﻲ و أﻣﺮﯾﻜﺎ ھﻲ دول أو ﺗﻜﺘﻼت أﻛﺜﺮ ﺗﻤﺎﺳﻜﺎ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﺘﻲ ﺗﺴﯿﱢﺮ ﻧﻔﺴﮭﺎ‬

‫ﺑﻨﻈﻢ أُﺧﺮى ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أﻧﻨﺎ ﻟﻢ ﻧﺴﻤﻊ ﺣﺘﻰ اﻵن أن ﺗﺠﻤﻌﺎت ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﻟﮭﺎ وزﻧﮭﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﺎرض ھﺬه اﻷﻧﻈﻤﺔ‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻣﻦ ﺧﺎرج أراﺿﯿﮭﺎ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن أﻛﺒﺮ دﻟﯿﻞ ﻋﻠﻰ أن ھﺬه اﻷﻧﻈﻤﺔ ﻣﻨﺒﺜﻘﺔ ﻋﻦ‬

‫ﺷﻌﻮﺑﮭﺎ ھﻮ أﻧﮭﺎ اﺳﺘﻮﻋﺒﺖ ﻛﻞ أﻧﻮاع اﻟﻤﻌﺎرﺿﺔ ‪ ،‬ﻣﺎ داﻣﺖ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ اﻟﺮأي و اﻟﻨﻘﺎش اﻟﺤﺮ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ‬

‫ﯾﻌﻨﻲ أن ﺗﻮﻗﻌﺎﺗﻨﺎ ﻋﻦ إﻧﮭﯿﺎر أو "إﺿﻤﺤﻼل" اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ﻣﺘﺠﺴﺪة ﻓﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ‬

‫ﻟﯿﺴﺖ ﺑﺼﺤﯿﺤﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﺗﺤﻮل اﻟﻐﺮب إﻟﻰ ﻛﻮﻧﮫ اﻟﻄﺮف اﻷﻗﻮى ﺣﻀﺎرﯾﺎ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻧﺘﺎج ﺻﺪﻓﺔ أو ﺷﺄن‬

‫إﻋﺘﺒﺎﻃﯿﺎ ‪ ،‬ﺑﻞ ﺗﻨﻈﯿﻤﺎ ﻋﻘﻼﻧﯿﺎ ﺣﯿﺎدﯾﺎ "ﻋﻠﻤﺎﻧﯿﺎ ‪ +‬إﻧﺴﺎﻧﯿﺎ" ﻟﻠﺤﯿﺎة و اﻟﻮاﻗﻊ‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ﻓﻜﺮة رﻓﺾ اﻻﻗﺘﺪاء ﺑﺎﻵﺧﺮ "اﻟﻐﺮب = اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ ‪ +‬اﻟﯿﮭﻮدي" ﺟﻌﻠﺖ ﻣﻦ اﻟﻔﻜﺮ اﻹﺳﻼﻣﻲ‬

‫ﯾﺪور ﺣﻮل اﻟﺬات أو اﻷﻧﺎ اﻟﻤﻐﻠﻘﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺮﯾﺪ إﺑﺪاع ﺟﺪﯾﺪ ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻵﺧﺮ و ﺗﻔﺮض ﻗﯿﻤﻮﻣﺘﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮ ‪،‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" ﺣﯿﻨﻤﺎ أﺧﺬ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﯾﻨﻔﺘﺢ ﻋﻠﻰ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ وﯾﺬﻋﻦ‬

‫ﻹﻣﺎﻣﺘﮫ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ وﻗﯿﺎدﺗﮫ ﻟﻤﻮﻛﺐ اﻟﺤﻀﺎرة ﺑﺪﻻً ﻋﻦ إﯾﻤﺎﻧﮫ ﺑﺮﺳﺎﻟﺘﮫ اﻷﺻﯿﻠﺔ‬

‫وﻗﯿﻤﻮﻣﺘﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﺑﺪأ ﯾﺪرك دوره ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة ﺿﻤﻦ إﻃﺎر اﻟﺘﻘﺴﯿﻢ‬

‫اﻟﺘﻘﺎﻟﯿﺪي ﻟﺒﻼد اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺬي درج ﻋﻠﯿﮫ اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ ﺣﯿﻦ ﻗﺴﻢ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻋﻠﻰ‬

‫أﺳﺎس اﻟﻤﺴﺘﻮي اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﻟﻠﺒﻠﺪ وﻗﺪرﺗﮫ اﻟﻤﻨﺘﺠﺔ إﻟﻰ ﺑﻼد راﻗﯿﺔ اﻗﺘﺼﺎدﯾﺎً وﺑﻼد‬

‫ﻓﻘﯿﺮة أو ﻣﺘﺨﻠﻔﺔ اﻗﺘﺼﺎدﯾﺎً وﻛﺎﻧﺖ ﺑﻼد اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻛﻠﮭﺎ ﻣﻦ اﻟﻘﺴﻢ اﻟﺜﺎﻧﻲ‬

‫اﻟﺬي ﻛﺎن ﯾﺠﺐ ﻋﻠﯿﮫ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻖ اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ أن ﯾﻌﺘﺮف ﺑﺈﻣﺎﻣﺔ اﻟﺒﻼد‬

‫اﻟﺮاﻗﯿﺔ وﯾﻔﺴﺢ اﻟﻤﺠﺎل ﻟﮭﺎ ﻟﻜﻲ ﺗﻨﻔﺚ روﺣﮭﺎ ﻓﯿﮫ وﺗﺨﻄﻂ ﻟﮫ ﻃﺮﯾﻖ اﻹرﺗﻔﺎع‪.‬‬

‫وھﻜﺬا دﺷﻦ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺣﯿﺎﺗﮫ ﻣﻊ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﯾﺐ ﺑﻮﺻﻔﮫ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ‬

‫ﻣﻦ اﻟﺒﻼد اﻟﻔﻘﯿﺮة اﻗﺘﺼﺎدﯾﺎً ووﻋﻰ ﻣﺸﻜﻠﺘﮫ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس أﻧﮭﺎ ھﻲ اﻟﺘﺨﻠﻒ‬

‫اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﻋﻦ ﻣﺴﺘﻮي اﻟﺒﻼد اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ اﻟﺬي أﺗﺎح ﻟﮭﺎ ﺗﻘﺪﻣﮭﺎ اﻻﻗﺘﺼﺎدي‬

‫زﻋﺎﻣﺔ اﻟﻌﺎﻟﻢ وﻟﻘﻨﺘﮫ ﺗﻠﻚ اﻟﺒﻼد اﻟﻤﻘﺘﺪﻣﺔ أن اﻷﺳﻠﻮب اﻟﻮﺣﯿﺪ ﻟﻠﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ واﻻﻟﺘﺤﺎق‬

‫ﺑﺮﻛﺐ اﻟﺒﻼد اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ ھﻮ اﺗﺨﺎذ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ‬

‫ﺗﺠﺮﺑﺔ راﺋﺪة وﻗﺎﺋﺪة وﺗﺮﺳّﻢ ﺧﻄﻮات ھﺬه اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﻟﺒﻨﺎء اﻗﺘﺼﺎد ﻛﺎﻣﻞ ﺷﺎﻣﻞ‬

‫ﻗﺎدر ﻋﻠﻰ اﻻرﺗﻔﺎع ﺑﺎﻟﺒﻼد اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﻤﺘﺨﻠﻔﺔ إﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮي اﻟﺸﻌﻮب اﻷوروﺑﯿﺔ‬
‫‪88‬‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ" إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪.4 – 3‬‬

‫إن ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻛﻮن اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ "ﻣﺘﺨﻠّـﻔﺎ" ﻻ ﯾﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻹﻗﺘﺼﺎدي و اﻹﻧﺘﺎﺟﻲ ‪ ،‬ﺑﻞ‬

‫ﺗﺘﻌﺪى اﻹﻗﺘﺼﺎد ﻧﺤﻮ اﻷھﻢ و ھﻮ اﻟﺘﺨﻠﻒ اﻟﻘﯿﻤﻲ و اﻷﺧﻼﻗﻲ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ‪ ،‬و ﻟﻸﺳﻒ ﻓﺈن ﻣﺠﺮد اﺳﺘﺨﺪاﻣﻨﺎ‬

‫ﻛﺸﺮﻗﯿﯿﻦ ﻟﻜﻠﻤﺔ "أﺧﻼق" ﺗﺠﻌﻞ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﻮاﻋﻲ و اﻟﻼ واﻋﻲ ﺗﻔﺴﺮھﺎ و ﺗﺨﺘﺰﻟﮭﺎ ﻣﻦ ﻛﻠﻤﺔ ﺷﺎﻣﻠﺔ إﻟﻰ‬

‫ﺷﺄن ﺟﻨﺴﻲ ﺑﺤﺖ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﻨﻈﻢ اﻟﻤﺬھﺒﯿﺔ و اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ ھﻲ اﻟﺘﻲ ﺧﻠﻘﺖ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟﻤﺴﺘﺒﺪ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﺤﺎﻛﻢ‬

‫اﻟﻤﺴﺘﺒﺪ ﺑﺪوره ﺧﻠﻖ ﻓﻘﮭﺎء اﻟﺒﻼط ‪ ،‬و ھﻨﺎ ﯾُﻄﺮح اﻟﺴﺆال اﻟﺨﻄﯿﺮ ‪ :‬إذا ﻣﺎ اﻟﺬي أﻏﻔﻞ "اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ"‬

‫اﻟﺬي أﻓﻀّﻞ أن أﺳﻤﯿﮫ ﺑـ"اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻈﻼﻣﻲ" ‪ ،‬ﻋﻦ اﺗﺒﺎع ﻣﻨﮭﺠﮫ اﻟﺨﺎص و رﺳﺎﻟﺘﮫ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ؟! إن‬

‫اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ إن ﻛﺎن ﻟﮭﺎ أن ﺗﻮﺟﺪ ‪ ،‬ﻓﺈﻧﮭﺎ ﻟﻦ ﺗﻮﺟﺪ إﻻ ﺑﻌﺪ أن ﺗﺨﻠﻖ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎ ﻣﺤﺒﺎ ﻟﻠﺤﺮﯾﺔ ﻻ ﻛﻜﻠﻤﺔ‬

‫ﺑﻞ ﻛﺘﻄﺒﯿﻖ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﺑﻌﺾ أُﻃﺮوﺣﺎت اﻟﻤﻔﻜّﺮﯾﻦ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﺑﻤﺎ ﻓﯿﮭﻢ اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼﺪر ‪ ،‬ﺗﺘﺴﻢ ﺑﻨﻮع ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﺜﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬و ﻛﺄن اﻟﻤﻄﻠﻮب ﻣﻦ اﻟﻨﺎس أن ﯾﻜﻮﻧﻮا ﻣﻼﺋﻜﺔ أو أﻧﺒﯿﺎء و ﯾﺘﺨﻠّﻮا ﻋﻦ رﻏﺒﺎﺗﮭﻢ و ﻃﺒﯿﻌﺘﮭﻢ‬

‫ﻛﺒﺸﺮ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" إن ﺷﺪة ﺣﺮﻛﺔ اﻻﻧﺘﺎج وﻗﻮﺗﮭﺎ‪ ,‬ﺑﺪاﻓﻊ ﻣﻦ اﻟﺤﺮص ﻋﻠﻰ ﻛﺜﺮة اﻟﺮﺑﺢ‬

‫ﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔ‪ ,‬وﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔ أﺧﺮى اﻧﺨﻔﺎض اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﻤﻌﯿﺸﻲ ﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ‪,‬‬

‫ﺑﺪاﻓﻊ ﻣﻦ اﻟﺸﺮه اﻟﻤﺎدي ﻟﻠﻔﺌﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ‪ ,‬وﻣﻐﺎﻟﺒﺘﮭﺎ ﻟﻠﻌﺎﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮﻗﮭﺎ‬

‫ﺑﺄﺳﺎﻟﯿﺒﮭﺎ اﻟﻨﻔﻌﯿﺔ‪ ,‬اﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻞ اﻟﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ ﻋﺎﺟﺰﯾﻦ ﻋﻦ ﺷﺮاء اﻟﻤﻨﺘﺠﺎت‬

‫واﺳﺘﮭﻼﻛﮭﺎ ـ ﻛﻞ ذﻟﻚ ﯾﺠﻌﻞ ﻛﺒﺎر اﻟﻤﻨﺘﺠﯿﻦ ﻓﻲ ﺣﺎﺟﺔ ﻣﺎﺳﺔ إﻟﻰ أﺳﻮاق ﺟﺪﯾﺪة‬

‫ﻟﺒﯿﻊ اﻟﻤﻨﺘﺠﺎت اﻟﻔﺎﺋﻀﺔ ﻓﯿﮭﺎ‪ ,‬وإﯾﺠﺎد ﺗﻠﻚ اﻷﺳﻮاق ﯾﻌﻨﻲ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ ﻓﻲ ﺑﻼد‬

‫ﺟﺪﯾﺪة‪ ".‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ص ‪.23‬‬

‫و ھﻜﺬا ﻓﺈن ﻣﺎ اﺻﻄﻠﺢ ﻋﻠﯿﮫ ﺑﺎﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ "اﻧﺨﻔﺎض اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﻤﻌﯿﺸﻲ" ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻗﻂ اﻟﺴﺒﺐ اﻟﻮﺣﯿﺪ‬

‫ﻓﻲ ﺻﺮاع اﻟﺪول اﻟﺼﻨﺎﻋﯿﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺘﻌﻤﺮات ‪ ،‬ﻛﻨﻤﺎذج ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻹﺳﺒﺎﻧﯿﺔ و‬

‫اﻟﺒﺮﺗﻐﺎﻟﯿﺔ و أﻟﻤﺎﻧﯿﺎ أو روﺳﯿﺎ اﻟﻘﯿﺼﺮﯾﺔ دوﻻ دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﻔﺘﺮة اﻟﺼﺮاع ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺘﻌﻤﺮات ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻗﺪ‬

‫ﺷﮭﺪت اﻛﺘﻤﺎل و ﻧﻀﻮج اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬و ﻓﻲ ﻋﺼﺮﻧﺎ اﻟﺤﺎﻟﻲ ﻓﺈن اﻟﻐﺮب ﯾﺴﺘﻔﯿﺪ ﻣﻦ ﺛﺮوات اﻵﺧﺮﯾﻦ‬

‫ﻟﯿﺲ ﻋﺒﺮ اﻟﻐﺰو أو ﻣﺎ ﻛﺎن ﯾُﺴﻤّﻰ "اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر" ‪ ،‬ﺑﻞ ﻋﺒﺮ اﻟﺤﺎﺟﺔ اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻵﺧﺮﯾﻦ ھﻢ‬

‫دوﻣﺎ ﻓﻲ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﺘﺴﻮﯾﻖ ﺛﺮواﺗﮭﻢ اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ و اﻟﺼﻨﺎﻋﯿﺔ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﺳﯿﺨﻠﻖ اﻛﺘﻤﺎﻻ اﻗﺘﺼﺎدﯾﺎ دون أن ﺗُﻄﻠﻖ‬

‫رﺻﺎﺻﺔ واﺣﺪة ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن دﺧﻮل اﻟﻐﺮب إﻟﻰ دول اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺜﺎﻟﺚ اﻟﻔﻘﯿﺮ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻓﯿﮫ ﺳﻠﺒﯿﺎ ـ اﻟﻠﮭﻢ إﻻ‬

‫ﻓﻲ ﻧﻈﺮ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ـ ﻓﻠﻮ ﻻ اﻟﺘﺤﻮل اﻟﺼﻨﺎﻋﻲ و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻟﻠﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ أن ﯾُﻔﻜﺮ و ﻟﻮ‬

‫ﺣﺘﻰ ﻣﺠﺮد ﺗﻔﻜﯿﺮ ﻓﻲ ﻣﺮاﺟﻌﺔ اﻟﺨﻠﻞ ﻓﻲ أﻧﻈﻤﺘﮫ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ و ﺣﺘﻰ اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ‪.‬‬

‫ﺑﻞ إن أﻛﺒﺮ ﻧﻈﺎم رأﺳﻤﺎﻟﻲ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ "اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ" ﻟﻢ ﯾُﻌﺮف ﻋﻨﮭﺎ أﻧﮭﺎ ﻛﺎﻧﺖ أو‬

‫أﺻﺒﺤﺖ دوﻟﺔ "إﺳﺘﻌﻤﺎرﯾﺔ" و ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻠﻰ اﻷﻛﺜﺮ دوﻟﺔ ﺷﺒﮫ ﻣﻨﻌﺰﻟﺔ ﺣﺘﻰ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﺤﺮب اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ اﻟﺜﺎﻧﯿﺔ ‪،‬‬

‫ﻞ دوﻟﺔ رأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻻ ﺑُﺪّ أن ﺗﻜﻮن اﺳﺘﻌﻤﺎرﯾﺔ ـ ﯾﺤﺼﻞ ﻟﻠﻤﻔﻜﺮ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺪرس‬


‫و ھﺬا اﻻﺳﺘﻨﺘﺎج ـ أن ﻛُ ّ‬
‫‪89‬‬

‫اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ و ﯾﺤﻜﻢ ﻋﻠﯿﮭﺎ ﻣﻦ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻟﻤﺎدّي ﻓﻘﻂ ‪ ،‬ﺑﻞ إن ھﻨﺎك دورا ﻛﺒﯿﺮا ﻟﻠﺪﯾﻦ ﻓﻲ ھﺬه اﻟﺪول ‪ ،‬و ھﺬا‬

‫ﻣﺎﻻ ﯾﺘﻨﺎھﻰ إﻟﻰ ﻋﻘﻮﻟﻨﺎ إذا ﺣﻜﻤﻨﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻐﺮب ﻣﻦ ﺧﻼل ﻧﺘﺎﺟﺎﺗﮫ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻓﻘﻂ أو ﻋﺒﺮ إﻧﺘﺎﺟﮫ‬

‫اﻟﺴﯿﻨﻤﺎﺋﻲ و اﻟﺪراﻣﻲ‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ھﻨﺎك ﻧﻈﺮﯾﺔ ﺳﺎﺋﺪة ﺑﯿﻦ اﻟﻤﻔﻜﺮﯾﻦ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻣﻔﺎدھﺎ أن اﻟﻐﺮب ﺗﻮﺳﻊ و اﺳﺘﻌﻤﺮ اﻟﺒﻠﺪان‬

‫ﺑﻔﻌﻞ ﺳﯿﺎدة "اﻟﻨﻈﻢ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ" ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﻮاﻗﻊ ﻣﻌﻜﻮس ﺗﻤﺎﻣﺎ ‪ ،‬إذ ﻛﺎن ﺗﻌﺎﻣﻞ اﻟﻐﺮب ﻣﻊ‬

‫اﻵﺧﺮ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻣﺎ ﺳﻤّﻲ ﺑـ"اﻟﺤﺮوب اﻟﺼﻠﯿﺒﯿﺔ" أو اﺳﺘﻌﻤﺎر اﻟﺒﻠﺪان ﺧﻼل اﻟﻘﺮون اﻟﻮﺳﻄﻰ ‪ ،‬ھﺬه‬

‫اﻻﺣﺘﻜﺎﻛﺎت ﺟﻌﻠﺖ اﻟﻐﺮب ﯾﺪرس ھﺬه اﻟﺸﻌﻮب و ﯾﻔﮭﻢ و ﯾﺴﺘﻮﻋﺐ ﺛﻘﺎﻓﺎﺗﮭﺎ و أدﯾﺎﻧﮭﺎ ﻣﻤﺎ ﺧﻠﻖ ﺗﻄﻮرا‬

‫ﻋﻠﻰ ﻣﺮاﺣﻞ ﻧﺘﺞ ﻣﻨﮭﺎ ﻇﮭﻮر اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ أو ﻣﻔﮭﻮم "اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻟﻤﺤﺎﯾﺪة" اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺘﺤﯿّﺰ ﺑﺎﺗﺠﺎه أي دﯾﻦ أو‬

‫ﻗﻮﻣﯿﺔ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" وھﻜﺬا ﺗﺪرس اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺑﺬھﻨﯿﺔ ﻣﺎدﯾﺔ ﺧﺎﻟﺼﺔ‪ .‬وﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ﻟﻤﺜﻞ ھﺬه‬

‫اﻟﺬھﻨﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﯾﺮﺗﻜﺰ ﻧﻈﺎﻣﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﯿﻢ اﻟﺮوﺣﯿﺔ واﻟﺨﻠﻘﯿﺔ‪ ,‬وﻟﻢ ﯾﺘﻌﺮف ﻣﺬھﺒﮭﺎ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺑﻐﺎﯾﺔ إﻻ‬

‫إﺳﻌﺎد ھﺬه اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻤﺤﺪودة ﺑﻤﺨﺘﻠﻒ اﻟﻤﺘﻊ واﻟﺸﮭﻮات‪...‬‬

‫ان ﺗﺮى ﻓﻲ ھﺬﯾﻦ اﻟﺴﺒﺒﯿﻦ ﻣﺒﺮرًا وﻣﺴﻮﻏﺎً ﻣﻨﻄﻘﯿﺎً ﻟﻼﻋﺘﺪاء ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻼد اﻵﻣﻨﺔ‪ ,‬واﻧﺘﮭﺎك ﻛﺮاﻣﺘﮭﺎ‬

‫واﻟﺴﯿﻄﺮة ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺪراﺗﮭﺎ وﻣﻮاردھﺎ اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ اﻟﻜﺒﺮى واﺳﺘﻐﻼل ﺛﺮواﺗﮭﺎ ﻟﺘﺮوﯾﺞ اﻟﺒﻀﺎﺋﻊ اﻟﻔﺎﺋﻀﺔ‪.‬‬

‫ﻓﻜﻞ ذﻟﻚ أﻣﺮ ﻣﻌﻘﻮل وﺟﺎﺋﺰ ﻓﻲ ﻋﺮف‬

‫اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻔﺮدﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ أﺳﺎﺳﮭﺎ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ واﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺤﺮ‪.‬‬

‫وﯾﻨﻄﻠﻖ ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻋﻤﻼق اﻟﻤﺎدة ﯾﻐﺰو وﯾﺤﺎرب‪ ,‬وﯾﻘﯿﺪ وﯾﻜﺒﻞ‪ ,‬وﯾﺴﺘﻌﻤﺮ وﯾﺴﺘﺜﻤﺮ‪ ,‬إرﺿﺎء‬

‫ﻟﻠﺸﮭﻮات وإﺷﺒﺎﻋﺎً ﻟﻠﺮﻏﺒﺎت‪.‬‬

‫ﻓﺎﻧﻈﺮ ﻣﺎذا ﻗﺎﺳﺖ اﻻﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﻣﻦ وﯾﻼت ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم‪ ,‬ﺑﺎﻋﺘﺒﺎره ﻣﺎدﯾﺎً ﻓﻲ‬

‫روﺣﮫ وﺻﯿﺎﻏﺘﮫ وأﺳﺎﻟﯿﺒﮫ وأھﺪاﻓﮫ‪ ,‬وإن ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻣﺮﻛﺰاً ﻋﻠﻰ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻣﺤﺪدة ﺗﺘﻔﻖ‬

‫ﻣﻊ ﺗﻠﻚ اﻟﺮوح واﻟﺼﯿﺎﻏﺔ‪ ,‬وﺗﻨﺴﺠﻢ ﻣﻊ ھﺬه اﻷﺳﺎﻟﯿﺐ واﻷھﺪاف ﻛﻤﺎ اﻟﻤﻌﻨﺎ إﻟﯿﮫ؟!!" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ص ‪.23‬‬

‫اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أن اﻟﺪول اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ھﻲ آﺧﺮ اﻟﺪول اﻟﺘﻲ ﺗﺸﻦّ اﻟﺤﺮوب ﺿﺪ اﻵﺧﺮﯾﻦ و ھﻲ ﻻ ﺗﻔﻌﻞ ذﻟﻚ‬

‫إﻻ إذا ﻛﺎن ھﻨﺎك ﺗﮭﺪﯾﺪ ﻣﺤﺪق ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ ﻟﻢ ﺗﺪﺧﻞ اﻟﺤﺮب اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ اﻟﺜﺎﻧﯿﺔ إﻟﻰ‬

‫ﺟﺎﻧﺐ ﺑﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺎ ﺿﺪ أﻟﻤﺎﻧﯿﺎ و اﻟﯿﺎﺑﺎن إﻻ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻌﺮﺿﺖ ﻟﺘﮭﺪﯾﺪ دوﻟﺘﯿﻦ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺘﯿﻦ ‪ ،‬اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ‬

‫اﻟﯿﺎﺑﺎﻧﯿﺔ و أﻟﻤﺎﻧﯿﺎ اﻟﻨﺎزﯾﺔ اﻟﻠﺘﺎن أﻋﻠﻨﺘﺎ ﻋﻦ ﻧﯿّﺘﮭﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻣﻘﻮﻣﺎت اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬و ﻻ أﻋﺮف‬

‫ﻣﺎ اﻟﺬي ﯾﻘﺼﺪه اﻟﻌﻼﻣﺔ اﻟﺼﺪر ﺑﻌﺒﺎرة "اﻟﺒﻼد اﻵﻣﻨﺔ" ھﻞ ﻛﺎن ﯾﻘﺼﺪ "اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﯿﺔ" اﻟﺘﻲ‬

‫ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﮭﺎ ھﻢﱡ ﺳﻮى ﺟﻤﻊ اﻟﻀﺮاﺋﺐ ﻣﻦ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﺠﺎﺋﻊ و ﺑﻨﺎء اﻟﺘﻜﺎﯾﺎ و اﻟﺠﻮاﻣﻊ !! أم ﻛﺎن ﯾﻌﻨﻲ ﺑﻼدا‬

‫أﺧﺮى ﻟﻢ ﻧﺴﻤﻊ ﻋﻨﮭﺎ رﺑّﻤﺎ !! و إذا ﻛﺎن ﻃﺮف ﻣﺎ ﯾﺮﯾﺪ أن ﯾﺴﺘﺸﮭﺪ ﺑﺎﺳﺘﻌﻤﺎر ﺑﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺎ ﻟﻠﮭﻨﺪ و ﯾﻌﺰو‬

‫ﺗﺨﻠﻒ اﻟﮭﻨﻮد إﻟﻰ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﮭﻮ اﺳﺘﺸﮭﺎد ﻏﯿﺮ ﻧﺎﺟﺢ ﻷن ھﻨﺎك أﺳﺒﺎﺑﺎ أﺧﺮى إﺿﺎﻓﯿﺔ ﻟﺘﺨﻠﻒ اﻟﮭﻨﺪ‬

‫ﻣﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﻨﻮاﺣﻲ و أﻧﺎ ھﺎ ھﻨﺎ ﻟﺴﺖ ﺑﺼﺪد ﺗﺒﺮﺋﺔ اﻟﺒﺮﯾﻄﺎﻧﯿﯿﻦ ﻛﻠﯿﺎ ‪ ،‬إذ ﻻ ﺗﺨﻠﻮ ﺳﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ أﺧﻄﺎء ‪،‬‬

‫ﻟﻜﻦ اﻟﺪﯾﺎﻧﺘﯿﻦ "اﻟﮭﻨﺪوس ـ اﻟﻤﺆﻣﻨﻮن ﺑﺎﻟﻄﺒﻘﯿﺔ" و "اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن اﻟﺬﯾﻦ ﯾﺘﻌﺎﻃﻮن ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ" ھﻤﺎ أﺣﺪ أھﻢ‬

‫أﺳﺒﺎب اﻟﺘﺨﻠﻒ اﻟﮭﻨﺪي ‪ ،‬و ﻟﻮ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺑﺮﯾﻄﺎﻧﯿﺎ ھﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻢ ﺷﺒﮫ اﻟﻘﺎرة اﻟﮭﻨﺪﯾﺔ ‪ ،‬ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﮭﻨﺪ‬

‫ﻟﺘﺼﺒﺢ دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ھﻲ ذﻟﻚ اﻟﺒﻠﺪ اﻟﻤﻌﺮوف ﺑﺘﻌﺪده اﻹﺛﻨﻲ و اﻟﺪﯾﻨﻲ‪.‬‬

‫إن ھﺬا ھﻮ ﻏﺎﯾﺔ اﻻﻧﺘﻘﺎد اﻟﺬي ﻗﺪم ﻟﮫ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﺗﺠﺎه اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ و ھﻲ ﻻ ﺗﻜﺎد‬

‫ﺗُﻘﺎرن ﺑﺎﻟﻘﺴﻢ اﻷﻛﺒﺮ ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" و اﻟﺬي دﺣﺾ ﻓﯿﮫ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ و رﻛﯿﺰﺗﮭﺎ اﻹﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ ‪ ،‬و ﻧﻌﻢ‬
‫‪90‬‬

‫ﻣﺎ ﻓﻌﻞ ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺠﺎﻧﺐ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ھﻨﺎك ﻧﻘﺎط أُﺧﺮى أوردھﺎ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" ﺣﻮل ﻧﻮع اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ‬

‫ﻣﺎ ﯾُﺴﻤّﻰ "اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ" و "اﻟﺪول اﻟﺼﻨﺎﻋﯿﺔ اﻷورﺑﯿﺔ" ﺣﺪّدھﺎ ﻓﻲ اﻟﻨﻘﺎط اﻟﺘّﺎﻟﯿﺔ‪:‬‬

‫" اﻷول‪ :‬اﻟﺘﺒﻌﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻤﺜﻠﺖ ﻓﻲ ﻣﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺸﻌﻮب اﻷوروﺑﯿﺔ اﻟﺮاﻗﯿﺔ‬

‫اﻗﺘﺼﺎدﯾﺎً ﺣﻜﻢ اﻟﺸﻌﻮب اﻟﻤﺘﺨﻠﻔﺔ ﺑﺼﻮرة ﻣﺒﺎﺷﺮة‪.‬‬

‫اﻟﺜﺎﻧﻲ‪ :‬اﻟﺘﺒﻌﯿﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ اﻟﺘﻲ راﻓﻘﺖ ﻗﯿﺎم ﻛﯿﺎﻧﺎت ﺣﻜﻮﻣﯿﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺣﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﻼد اﻟﻤﺘﺨﻠﻔﺔ وﻋﺒﺮت ﻋﻦ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻓﻲ ﻓﺴﺢ اﻟﻤﺠﺎل‬

‫ﻟﻼﻗﺘﺼﺎد اﻷوروﺑﻲ ﻟﻜﻲ ﯾﻠﻌﺐ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺮح ﺗﻠﻚ اﻟﺒﻼد ﺑﺄﺷﻜﺎل ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ وﯾﺴﺘﺜﻤﺮ‬

‫ﻣﻮادھﺎ اﻷوﻟﯿﺔ وﯾﻤﻸ ﻓﺮاﻏﺎﺗﮭﺎ ﺑﺮؤوس أﻣﻮال أﺟﻨﺒﯿﺔ و ﯾﺤﺘﻜﺮ ﻋﺪداً ﻣﻦ ﻣﺮاﻓﻖ‬

‫اﻟﺤﯿﺎة اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻓﯿﮭﺎ ﺑﺤﺠﺔ ﺗﻤﺮﯾﻦ أﺑﻨﺎء اﻟﺒﻼد اﻟﻤﺘﺨﻠﻔﯿﻦ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻤﻞ أﻋﺒﺎء‬

‫اﻟﺘﻄﻮﯾﺮ اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﻟﺒﻼدھﻢ‪.‬‬

‫اﻟﺜﺎﻟﺚ‪ :‬اﻟﺘﺒﻌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻟﺘﻲ ﻣﺎرﺳﺘﮭﺎ ﺗﺠﺎرب ﻋﺪﯾﺪة ﻓﻲ داﺧﻞ اﻟﻌﺎﻟﻢ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺣﺎوﻟﺖ أن ﺗﺴﺘﻘﻞ ﺳﯿﺎﺳﯿﺎً وﺗﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﺳﯿﻄﺮة اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻷوروﺑﻲ‬

‫اﻗﺘﺼﺎدﯾﺎً وأﺧﺬت ﺗﻔﻜﺮ ﻓﻲ اﻻﻋﺘﻤﺎد ﻋﻠﻰ ﻗﺪرﺗﮭﺎ اﻟﺬاﺗﯿﺔ ﻓﻲ ﺗﻄﻮﯾﺮ اﻗﺘﺼﺎدھﺎ‬

‫واﻟﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﺗﺨﻠﻔﮭﺎ ﻏﯿﺮ أﻧﮭﺎ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ أن ﺗﺨﺮج ﻓﻲ ﻓﮭﻤﮭﺎ ﻟﻄﺒﯿﻌﺔ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻟﺘﻲ‬

‫ﯾﺠﺴﺪھﺎ ﺗﺨﻠﻔﮭﺎ اﻻﻗﺘﺼﺎدي ﻋﻦ إﻃﺎر اﻟﻔﮭﻢ اﻷوروﺑﻲ ﻟﮭﺎ ﻓﻮﺟﺪت ﻧﻔﺴﮭﺎ‬

‫ﻣﺪﻋﻮة ﻻﺧﺘﯿﺎر ﻧﻔﺲ اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻟﺬي ﺳﻠﻜﮫ اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ ﻓﻲ ﺑﻨﺎﺋﮫ اﻟﺸﺎﻣﺦ‬

‫ﻻﻗﺘﺼﺎده اﻟﺤﺪﯾﺚ" ـ إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪.4‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﻌﺮوف أن اﻹﻗﺘﺼﺎد و اﻟﺘﺒﺎدل اﻟﺘﺠﺎري ﻻ ﯾﻌﺮﻓﺎن ﺷﯿﺌﺎ ﻣﻦ ﻣﺴﺌﻠﺔ ﻣﺮاﻋﺎة اﻟﻔﻮارق ﺑﯿﻦ دول‬

‫ذات اﻗﺘﺼﺎدﯾّﺎت ﺿﺨﻤﺔ و أﺳﻮاﻋﺮﯾﻀﺔ و دول أُﺧﺮى ﺑﺎﻟﻜﺎد ﻟﺪﯾﮭﺎ ﺷﻲء إﺳﻤﮫ إﻗﺘﺼﺎد أو ﻟﻨﻘﻞ‪ :‬أﻧﮭﺎ‬

‫ﺗﻌﯿﺶ ﻓﻲ ﻋﺼﺮ "ﻣﺎ ﻗﺒﻞ اﻹﻗﺘﺼﺎد"!! ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﮭﻲ ﺳﺘﻜﻮن ﺗﺎﺑﻌﺔ ‪ ،‬ﺳﻮاء ﺗﻌﻤﺪ اﻷﻗﻮﯾﺎء ذﻟﻚ أم ﻻ !‬

‫ﻓﻘﺒﻞ أن ﺗﺤﺼﻞ أي دوﻟﺔ ﻋﻠﻰ اﻗﺘﺼﺎد ﻗﻮي ﺣﻘﯿﻘﻲ ‪ ،‬ﻋﻠﯿﮭﺎ أن ﺗﺴﺎرع ﻓﻲ إﺻﻼح أﻧﻈﻤﺘﮭﺎ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ و‬

‫اﻟﺜﻘﺎﻓﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﯿﺎﺑﺎن أﯾﺎم اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ ﻏﯿﱠﺮ ﻛﺜﯿﺮا ﻣﻦ آﻟﯿﺎﺗﮫ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ و اﻟﺘﺮﺑﻮﯾﺔ ﻟﯿﺼﺒﺢ ﻓﻲ ﻣﺼﺎف‬

‫اﻟﺪول اﻟﻜﺒﺮى ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮫ ﻛﺎن إﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ﻓﺴﺎرع اﻟﺨﺮاب إﻟﯿﮭﺎ‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﺠﺪ أن ﻟﻮم اﻟﻐﺮب و ﺗﺤﻤﯿﻠﮫ أﺳﺒﺎب ﺗﺨﻠﻒ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﯿﺲ ﻣﻮﺿﻮﻋﯿﺎ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و‬

‫أن اﻷھﻢ ‪ ،‬ﻟﻔﮭﻢ أﺳﺒﺎب اﻟﺘﺨﻠﻒ ‪ ،‬ھﻮ ﻣﺮاﺟﻌﺔ اﻟﺘﺮﻛﯿﺒﺔ اﻟﺠﯿﻮ ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ و اﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﻋﺎﺷﮭﺎ‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن و ﺣﻮﻟﮭﺎ إﻟﻰ ﺗﻘﻠﯿﺪ أﻋﻤﻰ ﻏﯿﺮ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﻨﻘﺪ أو اﻟﺘﻐﯿﯿﺮ "أن روح اﻟﺘﺤﺮي ﻛﺎﻧﺖ ﻋﺼﺐ اﻟﺤﯿﺎة‬

‫ﻓﻲ ﻋﺼﺮ اﻻﺳﻼم اﻟﺬھﺒﻲ ﺑﯿﻦ ﺣﻮاﻟﻲ ‪ 750‬و ‪ 1250‬ﻣﯿﻼدﯾﺔ‪ .‬وﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﻗﻠﺐ اﻻﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ‬

‫اﻻﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﺎن اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﻮن ﯾﻌﻤﻠﻮن ﺟﻨﺒﺎ اﻟﻰ ﺟﻨﺐ ﻣﻊ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻟﺘﺮﺟﻤﺔ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻻﻏﺮﯾﻘﯿﺔ‬

‫واﺣﯿﺎﺋﮭﺎ‪ .‬وﻓﻲ اﺳﺒﺎﻧﯿﺎ ‪ ،‬اﻟﻄﺮف اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻟﻤﺸﺎرف اﻻﺳﻼم ‪ ،‬ﻗﺎم اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﺑﺘﻄﻮﯾﺮ ﻣﺎ ﯾﺴﻤﯿﮫ ﻣﺆرخ‬

‫ﻣﻦ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﯾﺎل "ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺗﺴﺎﻣﺢ" ﻣﻊ اﻟﯿﮭﻮد" اﻟﺨﻠﻞ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم ـ إرﺷﺎد ﻣﻨﺠﻲ ص ‪ .54‬و ﻟﻮ اﺳﺘﻤﺮت‬

‫ﺗﻠﻚ اﻟﻤﻨﺎھﺞ اﻟﻌﻘﻼﻧﯿﺔ ﻟﺮأﯾﻨﺎ ﻋﻼﻗﺔ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﻤﺘﻄﻮر و اﻟﻐﺮب اﻟﻤﺘﻄﻮر ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﺎ‬
‫‪91‬‬

‫ﺣﺪث ھﻮ اﻟﻌﻜﺲ‪.‬‬

‫أﻣﺎ اﻟﻨﻘﻄﺔ اﻷُﺧﺮى ﺣﻮل اﻟﺘﺒﻌﯿﺔ اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﻧﺸﺄت ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﺪول اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻜﻮﻧﺖ ﺧﻼل‬

‫اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ ‪ ،‬ﻓﮭﻲ ﺗﺒﻌﯿﺔ ﻣﻨﻄﻘﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ إن ﺗﺒﻌﯿﺔ إﺳﺒﺎﻧﯿﺎ إﻟﻰ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻛﺎﻧﺖ أﻗﺮب ﺷﺒﮭﺎ ﺑﻤﺎ‬

‫ن اﻟﻔﺎﺗﺤﯿﻦ اﻟﺠﺪد ﻓﺮﺿﻮا ﺣﺘﻰ ﻟﻐﺘﮭﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺤﻜﻮﻣﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﻠﻤﺎذا ﻟﻢ ﯾﺴﺘﻄﻊ‬


‫ﯾُﺼﻄﻠﺢ ﻋﻠﯿﮫ ﺑﺎﻹﺳﺘﻌﻤﺎر ﻷ ّ‬

‫اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ اﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ھﺬه اﻟﺘﺒﻌﯿﺔ؟! و ھﻞ ﻛﺎن ﺑﻤﻘﺪورھﻢ أن ﯾﻔﻌﻠﻮا ﺷﯿﺌﺎ ﻣﻦ ھﺬا اﻟﻘﺒﯿﻞ ‪ ،‬و‬

‫اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟﻤﻄﺮوﺣﺔ ھﺎ ھﻨﺎ ﺗﺸﺒﮫ وﺿﻊ اﻟﻌﺮﺑﺔ أﻣﺎم اﻟﺤﺼﺎن ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻛﺎﻧﻮا أﺻﻼ ﻣﺘﺨﻠﻔﯿﻦ و ﻟﻢ‬

‫ﯾﻜﻦ ﻟﺪﯾﮭﻢ أﺻﻼ ﺷﻲء إﺳﻤﮫ "إﻗﺘﺼﺎد" ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ اﻟﻐﺮب ﺑﺤﺎﺟﺔ إﻟﻰ أن ﯾﺠﻌﻠﮭﻢ ﺗﺎﺑﻌﯿﻦ ﻟﮫ ‪ ،‬ﺑﻞ‬

‫ھﻢ ﺳﺎروا ﻓﻲ ﻃﺮﯾﻖ اﻟﺘﺒﻌﯿﺔ ﻟﻌﺪم اﻣﺘﻼﻛﮭﻢ أﯾﺎ ﻣﻦ أﺳﺒﺎب اﻟﺘﻄﻮر ‪.‬‬

‫إن ﺳﺒﯿﻞ اﻟﺘﻄﻮر و اﻹﻗﺘﺼﺎد اﻟﻨﺎﺟﺢ ﻟﯿﺲ ﻣﺴﺄﻟﺔ أﻣﻮر ﻓﻨﯿﺔ ﻓﻘﻂ ‪ ،‬ﻛﺎﻣﺘﻼك أدوات اﻟﺘﻮزﯾﻊ و اﻹﻧﺘﺎج‬

‫ﻘﯿَﻤﻲ و ﺣﺮﯾّﺘﮫ ‪ ،‬ﻓﻼ إﻗﺘﺼﺎد ﻧﺎﺟﺢ ﺑﺪون أﻓﺮاد أﺣﺮار ‪،‬‬


‫‪ ،‬ﺑﻞ ھﻮ ﯾﻌﺘﻤﺪ أﺳﺎﺳﺎ ﻋﻠﻰ "اﻹﻧﺴﺎن" و وزﻧﮫ اﻟ ِ‬

‫و ﻟﮭﺬا اﻟﺴﺒﺐ ﻛﺎﻧﺖ ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻛﻞ اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾﺎت اﻟﺼﻨﺎﻋﯿﺔ ﻏﯿﺮ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ "اﻹﺗﺤﺎد اﻟﺴﻮﻓﯿﺘﻲ ‪،‬‬

‫اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ اﻟﯿﺎﺑﺎﻧﯿﺔ و أﻟﻤﺎﻧﯿﺎ اﻟﻨﺎزﯾﺔ" ھﻮ اﻹﻧﮭﯿﺎر و اﻟﻔﺸﻞ ‪ ،‬و ﻟﻮ ﻛﺎن اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر أرھﻖ ﻋﻘﻠﮫ‬

‫اﻟﻌﺒﻘﺮي اﻟﺠﺒّﺎر ﻓﻲ ﺧﻠﻖ دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻓﻲ ﻋﻤﻖ اﻟﻔﻜﺮ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬ﻟﻜﺎن ﺑﺎﺳﺘﻄﺎﻋﺘﮫ ﺣﯿﻨﮭﺎ أن ﯾﺘﺤﺪث ﻋﻦ‬

‫إﻗﺘﺼﺎد ﻗﻮي ﻓﻲ ﺑﻼد اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‪.‬‬

‫ﻓﻲ اﻟﻨﻘﻄﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ و اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﺤﺎوﻻت ذاﺗﯿﺔ ﻷھﻞ اﻟﺒﻼد اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﯿﻖ ذات اﻟﻤﻨﮭﺞ‬

‫اﻷوروﺑﻲ و ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻣﻨﺎﻓﺴﺘﮫ ﻓﯿﻤﺎ ﺑﻌﺪ و ھﺬه اﻟﻤﺤﺎوﻻت اﻟﺘﻲ اﻧﺘﮭﺖ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﯾﺒﺪو ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ ـ و ﻟﻸﺳﻒ ﻟﻢ‬

‫ﯾﻀﺮب ﻟﻨﺎ اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼﺪر أي ﻣﺜﺎل واﻗﻌﻲ ـ و ﯾﻌﺰو اﻟﺴﺒﺐ إﻟﻰ اﺗﺨﺎذھﻢ ذات اﻟﻤﻨﮭﺞ اﻟﻐﺮﺑﻲ‬

‫اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ‪ ،‬ﻏﯿﺮ أن اﻟﺼﻮرة ﻟﻢ ﺗﻜﺘﻤﻞ ‪ ،‬و ﻛﻤﺎ ﻗﻠﻨﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻟﯿﺴﺖ "اﻓﺘﻘﺎر إﻟﻰ أدوات أو آﻟﯿﺎت‬

‫اﻹﻗﺘﺼﺎد اﻟﻨﺎﺟﺢ" ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ھﻮ ﻣﺸﻜﻠﺔ "اﻹﺳﺘﻌﻤﺎر اﻟﺪاﺧﻠﻲ" و ﺣﻜﻮﻣﺎت اﻷﻗﻠﯿﺎت اﻟﻤﺴﺘﺒﺪة اﻟﺘﻲ ﺗﺤﺮص‬

‫ﻋﻠﻰ إﺑﻘﺎء اﻟﺸﻌﺐ ﻓﻘﯿﺮا ﻟﻜﻲ ﻻ ﯾﺘﻤﺮد ﻋﻠﻰ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ‪ ،‬و ﻛﺎن اﻟﺼﺪر ﻧﻔﺴﮫ ﺿﺤﯿﺔ ﻷﺣﺪ أﻧﻤﺎط‬

‫اﻟﺤﻜﻢ اﻟﻄﺎﺋﻔﯿﺔ اﻹﺳﺘﺒﺪادﯾﺔ ‪ ،‬و أﻧﺎ ﺣﻘﺎ ﺣﺎﺋﺮ ﻓﻲ ﺗﺮك اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر إﺷﻜﺎﻻ ﺧﻄﯿﺮا ﻛﮭﺬا دون أن ﯾﺒﺤﺜﮫ‬

‫و ﺑﻌﻤﻖ‪.‬‬

‫و اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﯾﺸﯿﺮ إﻟﻰ أن اﻟﻌﻼﻗﺔ "اﻟﺴﯿﺌﺔ" ﺑﯿﻦ اﻟﺸﻌﻮب اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ و اﻟﺪول اﻷوروﺑﯿﺔ‬

‫اﻹﺳﺘﻌﻤﺎرﯾﺔ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ اﻟﺴﯿﺮ ﺑﺎﺗﺠﺎه اﻟﺘﻜﺎﻣﻞ ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺸﻚّ ﻣﻦ ﻧﯿﺎت اﻵﺧﺮ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻣﺴﺘﻌﻤﺮا ذات ﯾﻮم‬

‫‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" ﻓﮭﻨﺎك ﻣﺜﻼً اﻟﺸﻌﻮر اﻟﻨﻔﺴﻲ اﻟﺨﺎص اﻟﺬي ﺗﻌﯿﺸﮫ اﻷﻣﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ‬

‫ﺗﺠﺎه اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر اﻟﺬي ﯾﺘﺴﻢ ﺑﺎﻟﺸﻚ واﻻﺗﮭﺎم واﻟﺨﻮف ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻟﺘﺎرﯾﺦ ﻣﺮﯾﺮ ﻃﻮﯾﻞ‬

‫ﻣﻦ اﻻﺳﺘﻐﻼل واﻟﺼﺮاع‪ ،‬ﻓﺈن ھﺬا اﻟﺸﻌﻮر ﺧﻠﻖ ﻧﻮﻋﺎً ﻣﻦ اﻹﻧﻜﻤﺎش ﻟﺪى‬

‫اﻷﻣﺔ ﻋﻦ اﻟﻤﻌﻄﯿﺎت اﻟﺘﻨﻈﯿﻤﯿﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ وﺷﯿﺌﺎً ﻣﻦ اﻟﻘﻠﻖ ﺗﺠﺎه اﻷﻧﻈﻤﺔ‬

‫اﻟﻤﺴﺘﻤﺪة ﻣﻦ اﻷوﺿﺎع اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﻓﻲ ﺑﻼد اﻟﻤﺴﺘﻌﻤﺮﯾﻦ وﺣﺴﺎﺳﯿﺔ ﺷﺪﯾﺪة ﺿﺪھﺎ‬

‫وھﺬه اﻟﺤﺴﺎﺳﯿﺔ ﺗﺠﻌﻞ ﺗﻠﻚ اﻷﻧﻈﻤﺔ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﺻﺎﻟﺤﺔ وﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﻋﻦ اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر‬
‫‪92‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺣﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﻏﯿﺮ ﻗﺎدرة ﻋﻠﻰ ﺗﻔﺠﯿﺮ ﻃﺎﻗﺎت اﻷﻣﺔ وﻗﯿﺎدﺗﮭﺎ ﻓﻲ ﻣﻌﺮﻛﺔ‬

‫اﻟﺒﻨﺎء ﻓﻼ ﺑﺪ ﻟﻸﻣﺔ إذن ﺑﺤﻜﻢ ﻇﺮوﻓﮭﺎ اﻟﻨﻔﺴﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺧﻠﻘﮭﺎ ﻋﺼﺮ اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر‬

‫واﻧﻜﻤﺎﺷﮭﺎ ﺗﺠﺎه ﻣﺎ ﯾﺘﺼﻞ ﺑﮫ أن ﺗﻘﯿﻢ ﻧﮭﻀﺘﮭﺎ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﻧﻈﺎم اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ‬

‫وﻣﻌﺎﻟﻢ ﺣﻀﺎرﯾﺔ ﻻ ﺗﻤﺖ إﻟﻰ ﺑﻼد اﻟﻤﺴﺘﻌﻤﺮﯾﻦ ﺑﻨﺴﺐ" اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪.9‬‬

‫إن ھﺬا اﻟﻜﻼم ﯾﺤﻮي ﺟﺰءا ﻣﻦ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﺗﺒﻘﻰ ﺟﻮاﻧﺐ أُﺧﺮى ﻏﯿﺮ ﻣﺴﺘﻜﺸﻔﺔ ‪ ،‬ﻓﺮﻓﺾ‬

‫اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﻠﻐﺮب "اﻹﺳﺘﻌﻤﺎري"!! ﻛﺎن رﻓﻀﺎ ﻋﺎﻃﻔﯿﺎ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻛﻮﻧﮫ "ﻓﻜﺮﯾﺎ" ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ھﻨﺎك‬

‫ﺗﺠﺎرب ﻟﺸﻌﻮب "ھﻮﻧﺞ ﻛﻮﻧﺞ ـ إﯾﺮان ﻣﺎ ﻗﺒﻞ اﻟﺜﻮرة ـ ﻣﺜﺎﻻ" ﺳﺎرت ﻓﻲ ﻃﺮﯾﻖ ﺗﻄﻮﯾﺮ إﻗﺘﺼﺎدﯾﺎﺗﮭﺎ و‬

‫أﻧﻈﻤﺘﮭﺎ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ و اﻹﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ‪ ،‬و اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ أﯾﻀﺎ ‪ ،‬أن اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻤﻨﺎ اﻹﺳﻼﻣﻲ ـ ﺑﻤﺎ‬

‫ﻓﯿﮭﺎ إﯾﺮان اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ـ ﺗﻨﺘﮭﺞ داﺋﻤﺎ ﺳﯿﺎﺳﺎت "ﻋﺎﻃﻔﯿﺔ" ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺷﻌﺎرات "ﺗﺤﺮﯾﺮ ﻓﻠﺴﻄﯿﻦ" ‪" ،‬رﻣﻲ‬

‫اﻟﯿﮭﻮد ﻓﻲ اﻟﺒﺤﺮ" ‪" ،‬اﻟﻤﻮت ﻷﻣﺮﯾﻜﺎ"!! و ﻏﯿﺮھﺎ ﻣﻦ اﻟﺸﻌﺎرات اﻟﻌﺒﺜﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺣﻮﻟﺖ إﻗﺘﺼﺎدﯾﺎت ھﺬه‬

‫اﻟﺪول ﺗﻌﯿﺶ ﻛﻞ ﯾﻮم أزﻣﺔ ﺟﺪﯾﺪة ﻣﻊ اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾﺎت اﻟﺠﺒﺎرة ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ﻣﺎ ﯾُﺴﻤّﻰ ﺑﺎﻹﻗﺘﺼﺎد اﻹﺳﻼﻣﻲ‬

‫ﯾﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻋﻘﺒﺎت ﻛﺒﯿﺮة ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أﻧﮫ ﻻ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻛﺜﯿﺮا ﻋﻦ اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾﺎت اﻹﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ و اﻟﺘﻲ ﺗﻮﺟّﮫ‬

‫ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻌﻠﯿﺎ ﻓﻲ اﻟﺪوﻟﺔ ‪ ،‬و ھﻲ ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﺗﺠﺘﻤﻊ ﺧﯿﻮﻃﮭﺎ ﻓﻲ ﯾﺪ "اﻟﻮﻟﻲ اﻟﻔﻘﯿﮫ" أو اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ‬

‫اﻟﻤﻌﻤﻤﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﺤﻜﻢ ﺑﺸﺆون اﻟﻨﻈﺎم‪.‬‬

‫ﻧﻌﻮد إﻟﻰ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﺣﯿﺚ ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫"ﻋﻤﻠﯿﺔ اﻟﺘﻨﻤﯿﺔ‬
‫‪93‬‬

‫اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﻋﻤﻠﯿﺔ ﺗﻤﺎرﺳﮭﺎ اﻟﺪوﻟﺔ وﺗﺘﺒﻨﺎھﺎ وﺗﺸﺮّع ﻟﮭﺎ ﻓﺤﺴﺐ وإﻧﻤﺎ ھﻲ‬

‫ﻋﻤﻠﯿﺔ ﯾﺠﺐ أن ﺗﺸﺘﺮك ﻓﯿﮭﺎ وﺗﺴﺎھﻢ ﺑﻠﻮن وآﺧﺮ اﻷﻣﺔ ﻛﻠﮭﺎ‪ .‬ﻓﺈذا ﻛﺎﻧﺖ‬

‫اﻷﻣﺔ ﺗﺤﺲ ﺑﺘﻨﺎﻗﺾ ﺑﯿﻦ اﻹﻃﺎر اﻟﻤﻔﺮوض ﻟﻠﺘﻨﻤﯿﺔ وﺑﯿﻦ ﻋﻘﯿﺪة ﻻ ﺗﺰال ﺗﻌﺘﺰ‬

‫ﺑﮭﺎ وﺗﺤﺎﻓﻆ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ وﺟﮭﺎت ﻧﻈﺮھﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة ﻓﺴﻮف ﺗﺤﺠﻢ ﺑﺪرﺟﺔ ﺗﻔﺎﻋﻠﮭﺎ‬

‫ﻣﻊ ﺗﻠﻚ اﻟﻌﻘﯿﺪة ﻋﻦ اﻟﻌﻄﺎء ﻟﻌﻤﻠﯿﺔ اﻟﺘﻨﻤﯿﺔ واﻻﻧﺪﻣﺎج ﻓﻲ إﻃﺎرھﺎ اﻟﻤﻔﺮوض" إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪– 11‬‬

‫‪.12‬‬

‫إن ﻣﺼﻄﻠﺢ "اﻷﻣﺔ" ھﺎ ھﻨﺎ ﻻ ﯾﺒﺪو ﻟﻲ أﻧﮫ ﯾﻮاﻓﻖ ﻛﻠﻤﺔ "ﺷﻌﺐ" ‪ ،‬ﻷﻧﻨﺎ إذا ﺗﺮﺟﻤﻨﺎھﺎ إﻟﻰ "اﻟﺸﻌﺐ"‬

‫ﻓﺈن ذﻟﻚ ﻟﻦ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﺬي ﯾﺼﯿﻎ ﻓﯿﮫ اﻟﺸﻌﺐ ﺑﻌﺾ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﻤﻨﻊ ﻣﻼّك رؤوس اﻷﻣﻮال ﻣﻦ إﻧﺠﺎز ﺑﻌﺾ اﻟﺼﻔﻘﺎت اﻟﺘﺠﺎرﯾﺔ و اﻟﺼﻨﺎﻋﯿّﺔ إذا ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺳﺘﻀﺮّ‬

‫ﺑﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﺪوﻟﺔ و اﻟﺸﻌﺐ ‪ ،‬و ﺧﯿﺮ ﻣﺜﺎل ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ أن ﺣﻜﻮﻣﺔ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة اﻷﻣﺮﯾﻜﯿﺔ و ھﻲ رأس‬

‫اﻟﮭﺮم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ﺗﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﺗﻤﻨﻊ ﺑﻌﺾ أﺿﺨﻢ اﻟﺸﺮﻛﺎت ﻣﻦ إﻧﺠﺎز ﺑﻌﺾ اﻟﺼﻔﻘﺎت ﻣﻊ‬

‫دول ﺗﺴﺒﺐ اﻟﻀﺮر ﻟﻠﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ـ و ﻧﻌﻮد إﻟﻰ ﺗﻌﺮﯾﻒ ﻛﻠﻤﺔ "ُأﻣّﺔ" اﻟﻮاردة ﻓﻲ اﻹﻗﺘﺒﺎس ـ‬

‫و أﻇﻦ أن اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﯾﻌﻨﻲ ﺑﮭﺎ ﻗﯿﻤﻮﻣﺔ "رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ" اﻟّﺬﯾﻦ ﯾُﻤﺜﻠﻮن "اﻷﻣّﺔ" ﺣﺴﺐ ﺗﻨﻈﯿﺮه‬

‫ﻟﻺﻗﺘﺼﺎد اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬و ﻗﺪ اﺳﺘﻨﺘﺠﺖ ذﻟﻚ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻋﺒﺎراﺗﮫ اﻟﺘﺎﻟﯿﺔ اﻟﺘﻲ وﺿّﺢ ﻓﯿﮭﺎ أن اﻹﻗﺘﺼﺎد ﯾﺠﺐ‬

‫أن ﻻ ﯾُﻨﺎﻗﺾ أو ﯾﺼﻄﺪم ﺑـ"اﻟﻌﻘﯿﺪة"!! و ھﺬا ﻻ ﯾﺘﻢ ﺑﺪون رﺟﻞ اﻟﺪّﯾﻦ‪.‬‬

‫إن اﻹﻗﺘﺼﺎد "اﻟﻤﺆدﻟﺞ" ‪ ،‬ﺳﻮاء ﻛﺎن ﻗﻮﻣﯿﺎ أو ﻣﺎرﻛﺴﯿﺎ أو إﺳﻼﻣﯿﺎ ‪ ،‬ﻓﺈﻧﮫ ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ ﻣﺠﺎرات‬

‫اﻟﺘﻄﻮرات ﻓﻲ اﻷﺳﻮاق اﻟﺤﺮة ‪ ،‬ﻷن اﻟﺘﺎﺟﺮ أو ﻣﺪﯾﺮ اﻟﺸﺮﻛﺔ ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ إﻣﻀﺎء أي ﺻﻔﻘﺔ ﻣﮭﻤﺔ ﺧﻮﻓﺎ‬

‫ﻣﻦ أن ﺗﻨﺎﻗﺾ "اﻟﻔﺘﻮى اﻟﺸﺮﻋﯿﺔ" أو "اﻟﺨﻂ اﻟﺪّﯾﻨﻲ ﻟﻠﺪوﻟﺔ" ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﺘﻨﻈﯿﺮ و اﻟﺴﯿﺎﺳﺔ اﻵﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺔ‬

‫ﻟﻸﻧﻈﻤﺔ "اﻟﻘﻮﻣﻲ اﻹﺷﺘﺮاﻛﻲ و اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﯾﻌﺮﻗﻠﮭﻤﺎ ﺳﻠﺴﻠﺔ اﻷزﻣﺎت اﻟﺘﻲ ﯾﺘﺴﺒﺐ ﺑﮭﺎ اﻟﺨﻄﺎب‬

‫اﻵﯾﺪوﻟﻮﺟﻲ ‪ ،‬أﻣﺜﻠﺔ ذﻟﻚ واﺿﺤﺔ ﻓﻲ ﻓﺸﻞ إﯾﺮان "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻓﻲ ﺗﺴﻮﯾﻖ ﺑﻀﺎﻋﺘﮭﺎ ﻓﻲ اﻷﺳﻮاق‬

‫اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ ﺑﺴﺒﺐ اﻷزﻣﺎت اﻟﺘﻲ ﯾﺴﺒﺒﮭﺎ ﻗﺎدة اﻟﻨﻈﺎم ‪ ،‬ﻓﺘﺎرة ھﻨﺎك أزﻣﺔ "ﺳﻠﻤﺎن رﺷﺪي" و ﺗﺎرة أﺧﺮى‬

‫اﺗﮭﺎﻣﺎت ﺑـ"دﻋﻢ اﻹرھﺎب" و ﺗﺼﺪﯾﺮ أﺳﻠﺤﺔ إﻟﻰ ﺣﺰب اﷲ و ﺣﺮﻛﺔ ﺣﻤﺎس اﻹرھﺎﺑﯿﺔ ‪ ،‬و أﺧﯿﺮا‬

‫اﻷزﻣﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺒﺮﻧﺎﻣﺞ إﯾﺮان اﻟﻨﻮوي ‪ ،‬ﻓﻠﻢ ﯾﻌﺪ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﯾﺼﺪق ﺗﺼﺮﯾﺤﺎت اﻟﺘﮭﺪﺋﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ﺑﻌﺪ ﻛﻞ‬

‫اﻟﺘﺼﺮﯾﺤﺎت اﻟﻨﺎرﯾﺔ ﻟﻠﻤﺮﺷﺪ "ﻋﻠﻲ اﻟﺨﺎﻣﻨﺌﻲ" و رﺋﯿﺲ ﺟﻤﮭﻮرﯾّﺘﮫ "ﻧﺠﺎد"‪.‬‬

‫ﻛﻤﺎ أن ﺗﺤﻜﯿﻢ "اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ" و "اﻷﺣﻜﺎم اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻟﯿﺲ ﻛﺎﻓﯿﺎ ﻟﺘﺮﺳﯿﺦ أيّ إﻗﺘﺼﺎد ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ‬

‫اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫وﺧﻼﻓﺎً ﻟﺬﻟﻚ ﻻ ﯾﻮاﺟﮫ اﻟﻨﻈﺎم اﻹﺳﻼﻣﻲ ھﺬا اﻟﺘﻌﻘﯿﺪ وﻻ ﯾﻤﻨﻲ ﺑﺘﻨﺎﻗﺾ‬

‫ﻣﻦ ذﻟﻚ اﻟﻘﺒﯿﻞ ﺑﻞ إﻧﮫ إذا وﺿﻊ ﻣﻮﺿﻊ اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ ﺳﻮف ﯾﺠﺪ ﻓﻲ اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‬

‫ﺳﻨﺪاً ﻛﺒﯿﺮاً ﻟﮫ وﻋﺎﻣﻼً ﻣﺴﺎﻋﺪاً ﻋﻠﻰ إﻧﺠﺎح اﻟﺘﻨﻤﯿﺔ اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺔ ﻓﻲ إﻃﺎره ﻷن‬

‫أﺳﺎس اﻟﻨﻈﺎم اﻹﺳﻼﻣﻲ أﺣﻜﺎم اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ وھﻲ أﺣﻜﺎم ﯾﺆﻣﻦ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن‬

‫ﻋﺎدة ﺑﻘﺪﺳﯿﺘﮭﺎ وﺣﺮﻣﺘﮭﺎ ووﺟﻮب ﺗﻨﻔﯿﺬھﺎ ﯾﺤﻒ ﻋﻘﯿﺪﺗﮭﻢ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ وإﯾﻤﺎﻧﮭﻢ‬


‫‪94‬‬

‫)ص(‬
‫‪.‬‬ ‫ﺑﺄن اﻹﺳﻼم دﯾﻦ ﻧﺰل ﻣﻦ اﻟﺸﻤﺎء ﻋﻠﻰ ﺧﺎﺗﻢ اﻟﻨﺒﯿﯿﻦ‬

‫وﻣﺎ ﻣﻦ رﯾﺐ ﻓﻲ أن ﻣﻦ أھﻢ اﻟﻌﻮاﻣﻞ ﻓﻲ ﻧﺠﺎح اﻟﻤﻨﺎھﺞ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﺨﺬ ﻟﺘﻨﻈﯿﻢ‬

‫اﻟﺤﯿﺎة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ اﺣﺘﺮام اﻟﻨﺎس ﻟﮭﺎ وإﯾﻤﺎﻧﮭﻢ ﺑﺤﻘﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﺘﻨﻔﯿﺬ واﻟﺘﻄﺒﯿﻖ" إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪.12‬‬

‫ﻓﻤﺎ داﻣﺖ اﻟﺘﻨﻤﯿﺔ "ﻣﺆﻃّﺮة" و "ﻣﻘﻮﻟﺒﺔ" وﻓﻖ ﻗﻮاﻧﯿﻦ ﻣﻌﯿﻨﺔ ‪ ،‬ﻓﺬﻟﻚ ﻟﯿﺲ إﻻ ﻋﺼﻲّ أُﺧﺮى ﻣﻮﺿﻮﻋﺔ‬

‫ﻓﻲ اﻟﺪواﻟﯿﺐ اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ‪ ،‬ﻓﻤﺎ ﯾُﺴﻤّﻰ ﺑـ"اﻟﺸﺮﯾﻌﺔ" ھﻲ ﻏﺎﻟﺒﺎ آراء ﺷﺨﺼﯿﺔ ﺗﻌﻮد إﻟﻰ اﻟﻔﻘﯿﮫ أو رﺟﻞ‬

‫اﻟﺪّﯾﻦ و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﮭﻲ ﻣﻠﯿﺌﺔ ﺑﺎﻵراء اﻟﻤﺘﻌﺪدة و اﻟﺘﻲ ﺗﻨﺎﻗﺾ ﺑﻌﻀﮭﺎ ﺑﻌﻀﺎ و ﻻ ﺗﺘﻔﻖ إﻻ ﻧﺎدرا ﺟﺪا ‪ ،‬و‬

‫أﻋﺘﻘﺪ أن ﻣﺎﯾُﻄﻠﻖ ﻋﻠﯿﮫ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﺗﻌﺒﯿﺮ "اﻹﻗﺘﺼﺎد اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﯾﻌﻨﻲ ﺑﮭﺎ داﺋﺮة أوﺳﻊ ﻣﻦ اﻟﻤﺬھﺐ‬

‫ﺴ ّﻨﯿّﺔ وﺣﺪھﺎ ﺗﺘﻨﺎﻗﺾ ﺑﯿﻦ ﺑﻌﻀﮭﺎ اﻟﺒﻌﺾ و ﯾُﻜﻔـﱢﺮ أﺣﺪُھﺎ اﻵﺧﺮ ‪ ،‬ﻓﻜﯿﻒ ﻟﮭﺬه‬
‫اﻟﺸﯿﻌﻲ ‪ ،‬و اﻟﻤﺬاھﺐ اﻟ ﱡ‬

‫اﻟﻤﺬاھﺐ أن ﺗﺘﻔﻖ ﻣﻊ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ و ھﻲ ﻻ ﺗﺘﺴﺎﻣﺢ ﺑﯿﻨﮭﺎ ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﻏﯿﺮھﺎ ‪ ،‬اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ھﺎ ھﻨﺎ أﻧﮫ‬

‫ﻣﻦ اﻟﺨﻄﺄ أن ﻧﻌﺎﻣﻞ اﻟﺴﻮق و اﻹﻗﺘﺼﺎد و ﻗﻮاﻧﯿﻨﮫ و ﻛﺄﻧﻨﺎ ﻧﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ آﻟﺔ ﻣﺤﺪﱠدة اﻻﺗﺠﺎھﺎت و اﻟﻌﻤﻞ ‪،‬‬

‫دون أن ﻧﺮﺑﻂ ھﺬه اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺑﻌﻮاﻣﻞ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ و اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ و اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﺈذا ﻣﺎن دﯾﻦ أو ﻣﺬھﺐ ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﺬاھﺐ ﯾﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﺘﺠﺎرة و اﻹﻗﺘﺼﺎد ﻧﻈﺮة ﻣﻠﯿﺌﺔ ﺑﺎﻟﺤﺬر و اﻟﺨﻮف ﻣﻤﺎ ﯾﺴﻤّﯿﮫ اﻟﺒﻌﺾ "اﻻﺧﺘﺮاق‬

‫ﻷﻣّﺔ و أﺧﻼﻗﮭﺎ" ‪ ،‬ﻓﺈن ھﺬه اﻹﻗﺘﺼﺎد ﻣﺤﻜﻮم‬


‫أو اﻟﻐﺰو اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ"!! أو اﻟﺨﻮف و اﻟﺤﺮص ﻋﻠﻰ "ھﻮﯾﺔ ا ُ‬

‫ﻋﻠﯿﮫ ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ ﻣﻘﺪّﻣﺎ و ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﮫ إﻻ أن ﯾﻨﺘﮭﻲ ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ اﻟﺬرﯾﻊ و اﻟﻌﻮدة إﻟﻰ ﻧﻘﻄﺔ اﻟﺼﻔﺮ ‪.‬‬

‫و اﻷﻣﺮ اﻟﻤﮭﻢ اﻵﺧﺮ ‪ ،‬ھﻮ إﻏﻔﺎل ﺣﻘﻮق اﻷﻗﻠﯿﺎت اﻟّﺘﻲ ﻻ ﺗﺆﻣﻦ ﺑـ"اﻹﻗﺘﺼﺎد اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﻣﻦ ﻏﯿﺮ‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ و اﻟﻤﻠﺤﺪﯾﻦ ‪ ،‬إذ ﯾﺆﻣﻦ اﻟﻤﻮاﻃﻦ اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ و اﻟﯿﮭﻮدي أن ﻻ ﻣﺸﻜﻠﺔ ـ ﻣﺜﻼ ـ ﻓﻲ ﺑﯿﻊ اﻟﺨﻤﺮ و‬

‫اﻟﻤﺴﻜﺮات ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن ﯾﻤﻨﻌﻮﻧﮭﺎ ‪ ،‬ﺑﻞ و ﯾُﻌﺎﻗﺒﻮن ﻋﻠﯿﮭﺎ ‪ ،‬و ھﻨﺎك ﺳﺒﺐ آﺧﺮ ﻟﻠﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ أن أي‬

‫إﻗﺘﺼﺎد "إﺳﻼﻣﻲ" ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ ‪ ،‬ھﻮ ﻋﺪم ﺗﻤﺜﯿﻠﮫ ﻟﻜﻞ ﻗﻄﺎﻋﺎت اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬ﻓﮭﻨﺎك ﻓﻲ ﺑﻠﺪاﻧﻨﺎ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‬

‫ﻣﺴﯿﺤﯿﻮن ‪ ،‬ﯾﮭﻮد ‪ ،‬ﺻﺎﺑﺌﺔ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ ﻣﻠﺤﺪون ﻻ ﯾﺆﻣﻨﻮن ﺑﺄي دﯾﻦ ﻓﻀﻼ ﻋﻦ اﻹﺳﻼم ‪ ،‬و ﻋﻠﯿﻨﺎ أن ﻻ‬

‫ﻧﻐﻔﻞ أﯾﻀﺎ أﻧﻨﺎ ﺳﻨﺨﺴﺮ اﺳﺘﺜﻤﺎرا ﻛﺒﯿﺮا ﻟﻤﺴﺘﺜﻤﺮﯾﻦ ﻣﻦ دول ﺑﻌﯿﺪة ﻗﺪ ﯾﺠﺪون ﻓﻲ ﻗﻮاﻧﯿﻨﻨﺎ "اﻟﻔﻘﮭﯿﺔ" ﺳﺪاً‬

‫ﺮ ﯾﻮﻓـﱢﺮ ﺣﺘﻰ ﻟﻠﻤﺘﺪﯾﻦ أن ﯾﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻵﺧﺮﯾﻦ وﻓﻖ ﺷﺮﯾﻌﺘﮫ و‬


‫أﻣﺎم اﺳﺘﺜﻤﺎر أﻣﻮاﻟﮭﻢ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻹﻗﺘﺼﺎد اﻟﺤ ّ‬

‫دﯾﻨﮫ ‪ ،‬ﻛﺄن ﯾﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺑﻨﻮك ﻻ ﺗﺘﻌﺎﻣﻞ ﺑﺎﻟﺮﺑﺎ ‪ ،‬و ھﻮ ﻣﺎ أﻗﺮﺗﮫ ﺑﻨﻮك ﻋﺎﻟﻤﯿﺔ ﺟﺬﺑﺎ ﻟﺮﺳﺎﻣﯿﻞ اﻟﻤﺘﺪﯾﻨﯿﻦ ‪،‬‬

‫ﻣﻤﺎ أﻓﻘﺪ "اﻟﺒﻨﻮك اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ" أي ﻣﯿﺰة ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" وھﺐ أن ﺗﺠﺮﺑﺔ ﻟﻠﺘﻨﻤﯿﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﻣﻨﺎھﺞ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻷوروﺑﻲ‬

‫اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ أن ﺗﻘﻀﻲ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ وﻗﻮﺗﮭﺎ اﻟﺴﻠﺒﯿﺔ ﺗﺠﺎه ﺗﻠﻚ اﻟﻤﻨﺎھﺞ ﻓﺈن‬

‫ھﺬا ﻻ ﯾﻜﻔﻲ ﻟﻠﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ ﻛﻞ اﻟﺒﻨﺎء اﻟﻌﻠﻮي اﻟﺬي ﻗﺎم ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﺗﻠﻚ اﻟﻌﻘﯿﺪة‬

‫ﻋﺒﺮ ﺗﺎرﯾﺦ ﻃﻮﯾﻞ اﻣﺘﺪ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ أرﺑﻌﺔ ﻋﺸﺮ ﻗﺮﻧﺎً وﺳﺎھﻢ ﻋﻠﻰ درﺟﺔ ﻛﺒﯿﺮة ﻓﻲ‬

‫ﺗﻜﻮﯾﻦ اﻹﻃﺎر اﻟﻨﻔﺴﻲ واﻟﻔﻜﺮي ﻟﻺﻧﺴﺎن داﺧﻞ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ‪ .‬ﻛﻤﺎ أن‬

‫اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ﻻ ﯾﻌﻨﻲ إﯾﺠﺎد اﻷرﺿﯿﺔ اﻷوروﺑﯿﺔ ﻟﺘﻠﻚ اﻟﻤﻨﺎھﺞ اﻟﺘﻲ‬

‫ﻧﺠﺤﺖ ﻋﻠﻰ ﯾﺪ اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ ﻷﻧﮭﺎ وﺟﺪت اﻷرﺿﯿﺔ اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﻟﮭﺎ واﻟﻘﺎدرة‬
‫‪95‬‬

‫ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻔﺎﻋﻞ ﻣﻌﮭﺎ" إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪.12‬‬

‫ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻨﺎ أن ﻧﺴﺘﺨﺪم ھﺬه اﻟﻨﻈﺮة اﻟﻌﻘﺎﺋﺪﯾﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﻠﯿﻠﻨﺎ ﻟﻠﻨﻈﺎم اﻹﻗﺘﺼﺎدي اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ‪ ،‬ﻟﺴﺒﺐ ﺑﺴﯿﻂ‬

‫‪ ،‬و ھﻮ أن اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻻ ﺗﺘﺒﻨﻰ أي آﯾﺪوﻟﻮﺟﯿﺔ أﺻﻼ ‪ ،‬ﻓﮭﻲ ﻟﯿﺴﺖ "ﻣﺴﯿﺤﯿﺔ" أو "ﯾﮭﻮدﯾﺔ" ‪ ،‬و ﻗﺪ ﺗﻌﺪّى‬

‫ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻐﺮب ﻛﻤﺮﻛﺰ و اﻧﺘﺸﺮ ﻓﻲ دول ﺟﻨﻮب ﺷﺮق آﺳﯿﺎ "اﻟﯿﺎﺑﺎن" ‪" ،‬ﻛﻮرﯾﺎ اﻟﺠﻨﻮﺑﯿﺔ" ‪،‬‬

‫"ﺗﺎﯾﻮان" و "ﻣﺎﻟﯿﺰﯾﺎ" ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ "ﺟﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻟﺼﯿﻦ اﻟﺸﻌﺒﯿﺔ" اﻟّﺘﻲ ﺗﺘﺒﻨّﻰ "اﻹﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ" ھﻲ "رأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ‬

‫ﻣُﻘﻨﱠﻌﺔ" ‪ ،‬ﻓﻠﻤﺎذا ﯾﺪﺧﻞ اﻟﺠﻤﯿﻊ و ﺑﻨﺠﺎح ﻓﻲ ھﺬه اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ و ﻧﻜﻮن ﻧﺤﻦ اﻹﺳﺘﺜﻨﺎء؟!‪.‬‬

‫و ﻟﻤﺎذا ﻻ ﻧﻘﻞ أن اﻷرﺿﯿﺔ اﻟﻨﺎﺟﺤﺔ ﺗﺘﻮﻓﺮ ﻹﻧﺠﺎح اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﻓﻲ ﺑﻼدﻧﺎ إذا أﺿﻔﻨﺎ إﻟﻰ "اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ"‬

‫ﻧﻈﺎﻣﺎ دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺎ ﻛﺎﻣﻼ ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻌﺪدﯾﺔ اﻟﺤﺰﺑﯿﺔ و اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ و اﻟﻌﻘﺎﺋﺪﯾﺔ‪.‬‬

‫و ﻛﺈﺿﺎﻓﺔ ﺗﻮﺿﯿﺤﯿﺔ ﺣﻮل اﺧﺘﻼف اﻷرﺿﯿﺔ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ و اﻟﻨﻔﺴﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻹﻗﺘﺼﺎد ﺑﯿﻦ‬

‫"اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ" و "اﻟﻐﺮﺑﻲ" ﯾﻘﻮل‪:‬‬

‫" ﻓﮭﻨﺎك ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ أﺧﻼﻗﯿﺔ إﺳﻼﻣﯿﺔ ﺗﻌﯿﺶ ﺑﺪرﺟﺔ وأﺧﺮى داﺧﻞ اﻟﻌﺎﻟﻢ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ وھﻨﺎك أﺧﻼﻗﯿﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻷوروﺑﻲ اﻟﺘﻲ واﻛﺒﺖ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ وﻧﺴﺠﺖ ﻟﮭﺎ‬

‫روﺣﮭﺎ اﻟﻌﺎﻣﺔ وﻣﮭﺪت ﻟﻨﺠﺎﺣﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺼﻌﯿﺪ اﻻﻗﺘﺼﺎدي‪.‬‬

‫واﻷﺧﻼﻗﯿﺘﺎن ﺗﺨﺘﻠﻔﺎن اﺧﺘﻼﻓﺎً ﺟﻮھﺮﯾﺎً ﻓﻲ اﻻﺗﺠﺎه واﻟﻨﻈﺮة واﻟﺘﻘﯿﯿﻢ وﺑﻘﺪر‬

‫ﻣﺎ ﺗﺼﻠﺢ أﺧﻼﻗﯿﺔ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻐﺮﺑﻲ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻟﻤﻨﺎھﺞ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻷوروﺑﻲ ﺗﺘﻌﺎرض‬

‫أﺧﻼﻗﯿﺔ إﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻌﮭﺎ وھﻲ أﺧﻼﻗﯿﺔ راﺳﺨﺔ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ اﺳﺘﺌﺼﺎل‬

‫ﺟﺬورھﺎ ﺑﻤﺠﺮد ﺗﻤﯿﯿﻊ اﻟﻌﻘﯿﺪة اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ" إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪ 12‬ـ ‪.13‬‬

‫أود أن أﺿﯿﻒ إﻟﻰ ﻣﺎ ﻗﺎﻟﮫ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺸﮭﯿﺪ ﻧﻘﻄﺔ أھﻢ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻔﻮارق ﺑﯿﻨﻨﺎ و ﺑﯿﻦ اﻟﻐﺮب ‪ ،‬إن اﻟﻔﺎرق‬

‫ﱡرا ھﻨﺎ ھﻮ أن ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ‬


‫ﺑﯿﻦ اﻷرﺿﯿﺘﯿﻦ ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺠﺮد اﺧﺘﻼف دﯾﻨﻲ و ﻋﻘﺎﺋﺪي ‪ ،‬ﻓﺎﻹﺧﺘﻼف اﻷﻛﺜﺮ ﺗﺠﺬ‬

‫ﻻ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﺤﺮﯾﺔ و ﻛﻞ ﻣﻮاﻃﻦ ﯾﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﮫ "ﺿﺎﺑﻂ ﻣﺨﺎﺑﺮات" ﯾﺘﺠﺴﺲ ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮﯾﻦ ‪ ،‬رﻏﻢ أن‬

‫اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر وﺿﻊ ﻧﺼﺎب ﻋﯿﻨﯿﮫ ھﺬا اﻹﺧﺘﻼف ‪ ،‬ﻟﯿﺲ ﻷﻧﮫ ﯾﺮﻓﺾ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻟﻤﺠﺮد‬

‫اﻟﻌﺎﻃﻔﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ ﻷﻧﮫ ﯾﻌﺘﻘﺪ أﻧﻨﺎ ﻟﻦ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ اﻟﻨﺠﺎح ﻓﻲ ﻣﺎ أﺳﻤﺎه "اﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﺿﺪ اﻟﺘﺨﻠﻒ" ﻣﺎ ﻟﻢ ﻧﺴﺘﺠﺐ‬

‫ﻟﻠﺸﺮوط اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﯿﺔ و ﻣﺮاﻋﺎة اﻟﻤﻨﻄﻖ اﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﻨﻲ أﻋﺘﻘﺪ أنّ ھﺬا ﻣﺎ ﺳﯿﺰﯾﺪ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ‬

‫ﺗﻌﻘﯿﺪا و ﺳﯿﻌﻨﻲ ھﺮوﺑﺎ ﻟﻸﻣﺎم ‪ ،‬ﻷﻧﻨﺎ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻧﻌﻠﻢ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ و ﻣﻮاﻃﻨﯿﻨﺎ ﺛﻘﺎﻓﺔ "اﻟﺤﺮﯾﺔ" و "اﺣﺘﺮام اﻟﺮأي‬

‫اﻵﺧﺮ" ‪ ،‬ﻓﺈن ﻛﻞ ﻣﺸﺮوع إﻗﺘﺼﺎدي ﻣﺤﻜﻮم ﻋﻠﯿﮫ ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أﻧﻨﺎ إذا ﺗﻌﺎﻣﻠﻨﺎ ﻣﻊ ﻋﻘﻠﯿﺔ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ‬

‫ﺑﺎﻹﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺸﺮوﻃﮫ اﻟﻀﯿﻘﺔ ‪ ،‬ﻓﺈن ذﻟﻚ ﯾﻌﻨﻲ أﻧﻨﺎ ﻧﺸﺠّﻊ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ ﻋﻠﻰ أن ﯾﻮﻏﻞ ﻓﻲ ﺗﻌﺼّﺒﮫ و اﻧﻐﻼﻗﮫ‬

‫و ﺳﻨﺨﺴﺮ اﻟﻮﻗﺖ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ أي ﺷﻲء ‪ ،‬ﻓﻼ ﺑﺄس ﻣﻦ أن ﯾﺘﻌﺮﺿﻨﺎ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ "اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﻟﻀﺮﺑﺔ ﺛﻘﺎﻓﯿﺔ ‪،‬‬

‫ﯾﻔﯿﻖ ﻣﻨﮭﺎ ﻗﻮﯾﺎ و واﻋﯿﺎ ‪ ،‬ﻓﺬﻟﻚ أﻓﻀﻞ ﻣﻦ اﻹﻧﻌﺰال ﻋﻠﻰ ﻃﺮﯾﻘﺔ اﻟﮭﻨﻮد اﻟﺤﻤﺮ اﻟﺬﯾﻦ اﻧﻘﺮﺿﻮا أو ﻛﺎدوا‬

‫ﺑﻤﺠﺮد رؤﯾﺘﮭﻢ ﻟﻺﻧﺴﺎن اﻷﺑﯿﺾ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" إن اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻷرض داﺋﻤﺎً ﻻ إﻟﻰ اﻟﺴﻤﺎء وﺣﺘﻰ‬
‫‪96‬‬

‫اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ ﺑﻮﺻﻔﮭﺎ اﻟﺪﯾﻦ اﻟﺬي آﻣﻦ ﺑﮫ ھﺬا اﻹﻧﺴﺎن ﻣﺌﺎت اﻟﺴﻨﯿﻦ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ أن‬

‫ﺗﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺰﻋﺔ اﻷرﺿﯿﺔ ﻓﻲ اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ ﺑﻞ ﺑﺪﻻً ﻋﻦ أن ﺗﺮﻓﻊ‬

‫ﻧﻈﺮه إﻟﻰ اﻟﺴﻤﺎء اﺳﺘﻄﺎع ھﻮ أن ﯾﺴﺘﻨﺰل إﻟﮫ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ ﻣﻦ اﻟﺴﻤﺎء إﻟﻰ اﻷرض‬

‫وﯾﺠﺴﺪه ﻓﻲ ﻛﺎﺋﻦ أرﺿﻲ" إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪.13‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر ﻣﻦ ﺧﻼﻟﮭﺎ أن ﯾﺠﻌﻞ "أوروﺑﺎ"‬


‫أود ھﺎ ھﻨﺎ أن أﻋﻠﻖ ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرات اﻟﺘﻲ ﺣﺎول اﻟ ّ‬

‫ﻣﻜﺎﻧﺎ ﻟﮫ ﻇﺮوﻓﮫ و ﻋﻘﻠﯿﺘﮫ اﻟﺨﺎﺻﺔ اﻟﻤﺘﻼﺋﻤﺔ ﻣﻊ "اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ" ﻛﻨﻈﺎم ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ و ﻷنّ اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ‬

‫ذو ﻣﻨﻄﻖ "أرﺿﻲ ـ ﻣﺎدّي" ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﺣﻮل اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ ﻣﻦ دﯾﻦ ﺳﻤﺎوي إﻟﻰ دﯾﻦ أرﺿﻲ ‪ ،‬و ﺣﻘﯿﻘﺔ أﻧﻨﻲ‬

‫ﻣﺴﺘﻐﺮب ﻣﻦ ھﺬا اﻻﺳﺘﻨﺘﺎج ‪ ،‬ﻓﺎﻷدﯾﺎن اﻟّﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ "اﻟﺘﺜﻠﯿﺚ" و "ﻧﺰول إﺑﻦ اﻹﻟﮫ إﻟﻰ‬

‫اﻷرض و ﻣﻮﺗﮫ ﻓﺪاءا ﻟﻠﺒﺸﺮﯾﺔ" ‪ ،‬ھﺬه اﻟﻌﻘﺎﺋﺪ و اﻟﺜﻘﺎﻓﺎت اﻟّﺘﻲ ﺳﺒﻘﺖ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿّﺔ ‪ ،‬ﻛﺎﻧﺖ ﺳﺎﺋﺪة ﻓﻲ اﻟﺸّﺮق‬

‫اﻷوﺳﻂ ‪" ،‬اﻟﻜﻨﻌﺎﻧﯿّﻮن" ‪" ،‬اﻟﻔﺮاﻋﻨﺔ" ‪" ،‬اﻟﺒﺎﺑﻠﯿﻮن" ‪ ..‬و "ﻋﻮدة إﯾﺰﯾﺲ إﻟﻰ اﻟﺤﯿﺎة" ﻓﻲ اﻷﺳﺎﻃﯿﺮ‬

‫اﻟﻔﺮﻋﻮﻧﯿﺔ ﻛﺎﻧﺖ أﺷﮭﺮ ﻣﻦ أي أُﺳﻄﻮرة أُﺧﺮى ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈن ﻓﺮض ﻧﻤﻂ ﻣﻌﯿﻦ ﻣﻦ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ ﻋﻠﻰ ﺑﻘﻌﺔ‬

‫أرﺿﯿﺔ ﻣﺎ ﻟﯿﺲ ﺑﺎﻹﺳﺘﻨﺘﺎج اﻟﺴﻠﯿﻢ ‪ ،‬ﺧﺬ ﻣﺜﻼ أدﯾﺎن اﻟﺸﺮق اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ ﻛﻌﺒﺎدة "ﻋﺸﺘﺎر" ‪" ،‬رع" ‪" ،‬ﺑﻌﻞ" و‬

‫ﻏﯿﺮھﺎ ﻣﻦ اﻵﻟﮭﺔ ‪ ،‬ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﺴﻢ ﺑﺤﻔﻼت ﺟﻨﺴﯿّﺔ ﺟﻤﺎﻋﯿﺔ ﯾُﺸﺎرك ﻓﯿﮭﺎ آﻻف اﻟﻨﺴﺎء و اﻟﺮﺟﺎل ﻣﻦ ﻏﯿﺮ‬

‫ﺣﺮج ‪ ،‬ﺑﻞ إن اﻹﺣﺘﻔﺎل ﺑﺎﻟﺘﺤﻮل اﻟﺼّﯿﻔﻲ ﻓﻲ "ﺑﺎﺑﻞ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ" ﻛﺎن ﯾﺼﺎﺣﺒﮫ اﺣﺘﻔﺎﻻت ﺗﺘﺨﻠﻠﮭﺎ ﻋﻼﻗﺎت‬

‫ﺟﻨﺴﯿﺔ و ﺑﺸﻜﻞ ﻋﻠﻨﻲ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻃﺒﯿﻌﺔ ﺷﻌﻮب اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﺗﻐﯿﺮت ﻣﻨﺬ ﻇﮭﻮر اﻟﻤﺪّ اﻟﺪّﯾﻨﻲ اﻷول "اﻟﯿﮭﻮدﯾﺔ" ﺛﻢّ‬

‫"اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ و اﻹﺳﻼم" ﻟﯿﺘﺤﻮل اﻟﺸﺮﻗﻲ إﻟﻰ ﺷﺨﺺ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺗﻤﺎﻣﺎ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺣﺪث ﻓﻲ اﻟﻐﺮب ﻋﻜﺲ ذﻟﻚ‬

‫ﺗﻤﺎﻣﺎ ﺣﯿﺚ أن "اﻟﺠﻨﺲ" و اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻤﺎدﯾﺔ ھﻲ ﻣﻦ أﻛﺜﺮ اﻷﻣﻮر اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة ‪.‬‬

‫إذا ﻟﻤﺎذا ﺣﺪث ذﻟﻚ؟ أﻋﺘﻘﺪ أن ﻟﻸﻣﺮ ﻋﻼﻗﺔ ﺑـ"ردود اﻟﻔﻌﻞ" ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺸﺮق و ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﯾﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ‬

‫ﻣﻮﺿﻮﻋﺔ "اﻟﺠﻨﺲ" ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ "ﻣﺘﻌﺔ" ﻻ أﻛﺜﺮ ‪ ،‬أﺻﺎﺑﮫ و ﻣﻦ ﺧﻼل أﺟﯿﺎل ﻣﻦ اﻟﻮﻋﻆ و اﻟﺘﻘﺮﯾﻊ ردﱡ‬

‫ﻓﻌﻞ ﻏﯿﺮ ﻣﺘﻨﺎﺳﺐ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ ﺗﻨﻈﯿﻢ ھﺬه اﻟﻌﻼﻗﺔ اﻟﺠﻨﺴﯿﺔ ﻟﻺﺳﺘﻔﺎدة ﻣﻦ ﻣﯿﺰاﺗﮭﺎ و دﻓﻊ‬

‫أﺿﺮارھﺎ ‪ ،‬ﺣﻮﻟﮭﺎ إﻟﻰ "ﺣﺮام" و "ﻣﻤﻨﻮع" و ﺗﻢ ﺗﻀﯿﯿﻘﮭﺎ ﻓﻲ أﺿﯿﻖ اﻟﺤﺪود ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﺟﻌﻞ ﺷﺨﺼﯿﺔ‬

‫اﻟﺸﺮﻗﻲ "اﻟﻤﺴﻠﻢ ﺗﺤﺪﯾﺪا" ﺷﺨﺼﯿﺔ إﻧﻄﻮاﺋﯿﺔ و "ﻣﻜﺒﻮﺗﺔ"‪ .‬أﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﻐﺮب ﻓﻘﺪ ﺣﺪث اﻟﻌﻜﺲ ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﻛﺎن‬

‫ﻘﯿَﻢ اﻟﻌﺸﺎﺋﺮﯾﺔ و اﻟﻘﺒﻠﯿﺔ ‪ ،‬ﺛﻢ اﻧﺘﻘﻞ ﻣﻦ اﻟﻌﺸﯿﺮة اﻟﺘﻲ ﺗﻀﯿّﻖ‬


‫اﻷوروﺑﻲ اﻟﻘﺪﯾﻢ ﯾﻌﯿﺶ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺗﺴﻮده اﻟ ِ‬

‫ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ إﻟﻰ ﻧﻈﺎم "اﻟﻜﻨﯿﺴﺔ" و "اﻟﺒﺎﺑﻮﯾﺔ" اﻟﺘﻲ ﺗﻌﺎﻣﻠﺖ ﺑﺼﺮاﻣﺔ ﻣﻊ ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﻌﻔﺔ و‬

‫ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ أن ﺣﺼﻠﺖ ردّة ﻓﻌﻞ ﻗﻮﯾﺔ و ﻣﻌﺎﻛﺴﺔ ﺑﺎﺗﺠﺎه اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﻤﻄﻠﻘﺔ‪.‬‬

‫و أﺧﺸﻰ ‪ ،‬ﺑﻞ ھﺬا ﻣﺎ ﻧﺮﺟﻮه ‪ ،‬أن اﻟﺸﺮق اﻹﺳﻼﻣﻲ ـ و ھﻢ ﻟﯿﺴﻮا اﺳﺘﺜﻨﺎء ﻓﻲ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ـ‬

‫ﺳﯿﺤﺪث ﻟﮫ ردّ ﻓﻌﻞ ﻣﻤﺎﺛﻞ ﺑﺎﺗﺠﺎه اﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺗﻘﻠﯿﺪ و إﻋﺎدة دور اﻟﻌﻘﻞ ﻓﻲ ﺻﯿﺎﻏﺔ اﻟﻤﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ‬

‫و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ‪.‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬
‫ﯾﻘﻮل اﻟ ّ‬

‫" ﻛﻤﺎ أن اﻧﻘﻄﺎع اﻟﺼﻠﺔ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ ﺑﺎﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ وﻧﻈﺮﺗﮫ إﻟﻰ‬

‫اﻷرض ﺑﺪﻻً ﻋﻦ اﻟﻨﻈﺮة إﻟﻰ اﻟﺴﻤﺎء اﻧﺘﺰع ﻣﻦ ذھﻨﮫ أي ﻓﻜﺮة ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ﻋﻦ‬
‫‪97‬‬

‫ﻗﯿﻤﻮﻣﺔ رﻓﯿﻌﺔ ﻣﻦ ﺟﮭﺔ أﻋﻠﻰ أو ﺗﺤﺪﯾﺪات ﺗﻔﺮض ﻋﻠﯿﮫ ﻣﻦ ﺧﺎرج ﻧﻄﺎق ذاﺗﮫ‬

‫وھﯿﺄه ذﻟﻚ ﻧﻔﺴﯿﺎً وﻓﻜﺮﯾﺎً ﻟﻺﯾﻤﺎن ﺑﺤﻘﮫ ﻓﻲ اﻟﺤﺮﯾﺔ وﻏﻤﺮه ﺑﻔﯿﺾ ﻣﻦ اﻟﺸﻌﻮر‬

‫ﺑﺎﻻﺳﺘﻘﻼل واﻟﻔﺮدﯾﺔ اﻷﻣﺮ اﻟﺬي اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ ﺑﻌﺪ ھﺬا أن ﺗﺘﺮﺟﻤﮫ إﻟﻰ اﻟﻠﻐﺔ‬

‫اﻟﻔﻠﺴﻔﯿﺔ أو ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻨﮫ ﻋﻠﻰ اﻟﺼﻌﯿﺪ اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻛﺒﺮى ﻓﻲ ﺗﺎرﯾﺦ أوروﺑﺎ‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ وھﻲ اﻟﻮﺟﻮدﯾﺔ إذ ﺗﻮﺟﺖ ﺗﻠﻚ اﻟﻤﺸﺎﻋﺮ اﻟﺘﻲ ﻏﻤﺮت اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺚ ﺑﺎﻟﺼﯿﻐﺔ اﻟﻔﻠﺴﻔﯿﺔ ﻓﻮﺟﺪ ﻓﯿﮭﺎ إﻧﺴﺎن أوروﺑﺎ اﻟﺤﺪﯾﺚ أﻣﺎﻟﮫ وأﺣﺎﺳﯿﺴﮫ‪ ".‬إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪.14‬‬

‫إن ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻹﻟﺤﺎد ﻓﻲ اﻟﻐﺮب و ﺗﺤﻮل اﻟﺘﯿﺎر اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ و اﻟﻌﻘﺎﺋﺪي اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻧﺤﻮ رﻓﺾ "اﻟﺪّﯾﻦ" ﻓﻲ‬

‫ﺗﻔﺴﯿﺮه اﻟﺬي ﺣﺎول اﻟﮭﯿﻤﻨﺔ ﺑﺎﺗﺠﺎه ﺗﻌﻠﯿﻞ ﻛﻞ ﺷﻲء ‪ ،‬ﻟﯿﺲ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺠﯿﻨﺎت أو ﻣﻮرّﺛﺎت اﻹﻧﺴﺎن‬

‫اﻷوروﺑﻲ و اﻟﻐﺮﺑﻲ ‪ ،‬ﺑﻞ ھﻲ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺪور اﻟﺴّﻠﺒﻲ اﻟﺬي ﻟﻌﺒﮫ اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ اﻟﻘﺮون اﻟﻮﺳﻄﻰ و ﺧﺼﻮﺻﺎ‬

‫ھﯿﻤﻨﺔ "اﻟﺒﺎﺑﻮﯾﺔ" ﻓﻲ روﻣﺎ و اﺳﺘﻐﻼل رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ ﻹﺳﻢ اﻟﻤﺴﯿﺢ و اﻟﻜﺮﺳﻲ اﻟﺮﺳﻮﻟﻲ ﻓﻲ روﻣﺎ‬

‫ﻟﻠﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺰﯾﺪ ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻄﺔ و اﻟﻨﻔﻮذ و وﻗﻒ أي ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﻌﻘﻼﻧﯿﺔ ﯾﺼﻄﺪم ﻣﻊ ﻣﺼﺎﻟﺢ‬

‫اﻹﻛﻠﯿﺮوس و اﻟﻤﺠﺎﻣﻊ اﻟﻜﻨﺴﯿﺔ ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﺗﻈﮭﺮ ﺣﺮﻛﺔ اﻹﺻﻼح اﻟﺪّﯾﻨﻲ ‪(Religion‬‬

‫)‪ Reformation‬ﺧﻼل اﻟﻘﺮن ‪ 16‬اﻟﻤﯿﻼدي ‪ ،‬إﻧﻘﻠﺐ ﻋﻠﻰ إﺛﺮه اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻷوروﺑﻲ إﻟﻰ ﻣﻌﺴﻜﺮﯾﻦ ‪،‬‬

‫ﻛﺎﺛﻮﻟﯿﻜﻲ و ﺑﺮوﺗﯿﺴﺘﺎﻧﺘﻲ ‪ ،‬و ﻧﺘﺞ ﻋﻦ ﺻﺮاع اﻟﻔﻜﺮﺗﯿﻦ "ﻧﺰع اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻋﻦ اﻟﺒﺎﺑﻮﯾﺔ ﻣﻘﺎﺑﻞ ھﯿﻤﻨﺘﮭﺎ‬

‫اﻟﺸﺎﻣﻠﺔ" ﺳﻘﻮط ﻣﻼﯾﯿﻦ اﻟﻘﺘﻠﻰ و اﻟﺠﺮﺣﻰ ‪ ،‬ﺑﻞ إن رﺑﻊ ﺳﻜﺎن أﻟﻤﺎﻧﯿﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﻗﺪ ﻗﺘﻠﻮا ﺑﻔﻌﻞ ھﺬه اﻟﺤﺮب‬

‫ﻓﻲ ﺑﺪاﯾﺔ اﻟﻘﺮن ‪ 17‬و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﯾﺘﻮﺻﻞ اﻟﻌﻘﻞ اﻷوروﺑﻲ إﻟﻰ ﺻﯿﺎﻏﺔ ﺟﺪﯾﺪة ﻟﺪور‬

‫اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة ‪ ،‬ﺻﺤﯿﺢ أن اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﺪﯾﻦ ﻛﺎن ﯾﺘﺤﻮل ﻓﻲ ﻓﺘﺮة ﻣﻦ اﻟﻔﺘﺮات إﻟﻰ ﺗﻌﺎﻣﻞ ﻣﺘﻄﺮف‬

‫ﺿﺪ اﻟﺪﯾﻦ ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺘﺮاﻛﻢ اﻟﺴّﻲء اﻟﺬي ﺗﺮﻛﮫ اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﻌﻘﻞ اﻷوروﺑﻲ ‪ ،‬و ﻻ ﯾﻌﻨﻲ ھﺬا أن‬

‫اﻟﻐﺮب أو أوروﺑﺎ ﺗﺤﺪﯾﺪا ﻟﻢ ﺗﺤﺎول اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﻧﻈﺮﯾﺔ ﺑﺪﯾﻠﺔ ‪ ،‬ﻓﻜﺎﻧﺖ أن ﺗﻨﺎزﻋﺖ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﺸﻮﻓﯿﻨﯿﺔ‬

‫"اﻟﻨﺎزﯾﺔ و اﻟﺒﻠﺸﻔﯿﺔ" ﻋﻠﻰ اﻟﺴﯿﻄﺮة و اﻟﮭﯿﻤﻨﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻘﻞ اﻷوروﺑﻲ ‪ ،‬و ﻣﻘﺎﺑﻠﮭﺎ أﯾﻀﺎ ﻛﺎﻧﺖ "اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ‬

‫اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" ﺗﺤﺎول ﺗﻘﺪﯾﻢ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻛﺒﺪﯾﻞ ﻟﻠﻔﺮاغ اﻟﺬي ﺗﺮﻛﮫ اﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬أﺛﺒﺘﺖ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ ﻓﺸﻠﮭﺎ ﺧﻼل اﻟﺤﺮب‬

‫اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ اﻟﺜّﺎﻧﯿﺔ و اﻧﺪﺣﺎر اﻟﻨﺎزﯾﺔ اﻟﮭﺘﻠﺮﯾﺔ ‪ ،‬ﺛﻢ ﺗﻼھﺎ اﻹﺗﺤﺎد اﻟﺴﻮﻓﯿﺘﻲ و اﻟﻤﻌﺴﻜﺮ اﻟﺸﺮﻗﻲ ﻓﻲ ﻧﮭﺎﯾﺎت‬

‫اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ ‪ ،‬و اﺳﺘﻘﺮ اﻷﻣﺮ أﺧﯿﺮا ‪ ،‬ﻓﻲ اﻟﺘﻨﻈﯿﺮ اﻷوروﺑﻲ ﻟﻤﻔﮭﻮم "اﻟﺪوﻟﺔ" ‪ ،‬ﻋﻠﻰ أن ﺗﻜﻮن‬

‫اﻟﺪوﻟﺔ ﺟﮭﺎزا ﻣﺤﺎﯾﺪا ﻟﻠﺤﻜﻢ و ﻻ ﯾﺸﻌِﺮَ أي ﻣﻮاﻃﻦ ﺑﺄن ھﻨﺎك ﺗﻤﯿﯿﺰا ﺿﺪه ‪ ،‬و ﻟﺤُﺴﻦ ﺣﻆ اﻟﺠﺎﻟﯿﺎت‬

‫اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ و اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ﻓﻲ أوروﺑﺎ و اﻟﻐﺮب أن اﻟﺴﻠﻄﺔ ھﻨﺎك ﻻ ﺗﻘﯿﺲ اﻷﻣﻮر ﺑﻤﻘﺎﯾﯿﺲ دﯾﻨﯿّﺔ ‪ ،‬و إﻻ ﻟﻜﺎﻧﻮا‬

‫ﻃُﺮِدوا ﻣﻦ ھﻨﺎك ﻣﻨﺬ أﺣﺪاث ‪ 11‬ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ‪ 2001‬و ﺗﻔﺠﯿﺮات ﻟﻨﺪن و ﻣﺪرﯾﺪ‪.‬‬

‫إذا ﻓﺎﻟﻌﻘﻞ اﻷوروﺑﻲ ‪ ،‬ﺣﺎﻟﮫ ﻛﺤﺎل ﻛﻞ ﻣﺠﺘﻤﻊ إﻧﺴﺎﻧﻲ ‪ ،‬ﯾﻌﻜﺲ ﻃﻮال ﺗﺎرﯾﺨﮫ ردود ﻓِﻌﻞ ﻣﻌﯿﻨﺔ ﻋﻠﻰ‬

‫ﻣﻮاﺿﯿﻊ ﺧﺎرﺟﯿﺔ ﻣﻌﯿﻨﺔ ‪ ،‬ﻓﻼ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻨﺎ أن ﻧﺠﺎري اﻟﻨﺎزﯾﺔ ﻓﻨﻘﻮل أن ﻟﻜﻞ ﻋﺮق أو ﺷﻌﺐ ﺗﺮﻛﯿﺒﺔ ﺟﯿﻨﯿﺔ‬

‫ﻣُﻌﯿﱠﻨﺔ ﺗﺠﻌﻠﮫ ﯾﻔﻜﺮ ﺑﻄﺮﯾﻘﺔ ﻣﺎ "ﯾﺒﺪو اﻷﻣﺮ ﻛﺤﺘﻤﯿﺔ ﻋﻘﺎﺋﺪﯾﺔ" ﻣﻤﺎ ﯾﻮﺻﻠﻨﺎ إﻟﻰ اﻹﻗﺮار ﺑﻨﻈﺮﯾﺔ "ﻧﯿﺘﺸﺔ"‬

‫اﻟﺘﻲ اﻧﺘﮭﺖ ﺑﺎﻟﻔﻜﺮ اﻷﻟﻤﺎﻧﻲ إﻟﻰ اﻟﺤﺰب اﻟﻘﻮﻣﻲ اﻹﺷﺘﺮاﻛﻲ "اﻟﻨﺎزي" ﻟﯿﻘﻮدھﻢ ھﺘﻠﺮ ﻧﺤﻮ اﻟﻤﻮت‬

‫اﻟﺸﺎﻣﻞ‪ .‬ﺑﻞ إن ردود اﻟﻔﻌﻞ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﺮﻓﺾ اﻟﺨﻔﯿﻒ أو اﻟﺮﻓﺾ اﻟﻌﻨﯿﻒ و اﻟﻤﺘﻄﺮف ﯾﺒﻘﻰ ﻧﺘﯿﺠﺔ‬
‫‪98‬‬

‫ﻟﺘﺮاﻛﻤﺎت ﻣﻌﯿﱠﻨﺔ و ﯾﺘﻮﻗﻒ أﯾﻀﺎ ﻋﻠﻰ ﻧﻮع و درﺟﺔ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻢ ﺧﻮﺿﮭﺎ‪.‬‬

‫ﻟﻜﻦ اﻟﺴّﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﺑﺎﻟﻤﻘﺎﺑﻞ و ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺤﺪﺛﻨﺎ ﻋﻦ ﺗﺮﻛﯿﺒﺔ اﻟﻔﺮد "اﻟﻤﺴﻠﻢ" ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﮫ ﻻ ﯾﺒﺪو ﻟﻨﺎ إن‬

‫ﻛﺎن ﯾﺬمّ اﻟﻔﮭﻢ اﻟﺴﻲء ﻟﻠﺪﯾﻦ إﻟﻰ ﺣﺪّ أن اﻟﻜﺴﻞ ﻛﺎن ﯾﻘﻨﻊ ﺑﻠﺒﺎس اﻟﺘﻘﻮى و اﻟﺰھﺪ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﯾﺒﺪو ﻟﻨﺎ اﻟﻤﺴﻠﻢ‬

‫اﻟﺸﺮﻗﻲ ﻛﺎﺋﻨﺎ أﻗﺮب إﻟﻰ ﻋﺎﻟﻢ اﻷﻣﻮات و ﻻ ﯾﻤﻠﻚ رﻏﺒﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة و ھﻮ ﺑﺎﻧﺘﻈﺎر اﻟﻤﻮت ﻋﻠﻰ‬

‫ﻛﻞّ ﺣﺎل ‪ ،‬و ﻻ ﯾَﮭﻢﱡ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ﻣﺎ إذا ﻛﺎن اﻟﺤﻜﻢ اﻟﺬي ﯾﻌﯿﺶ ﻓﻲ ﻇﻠﮫ ھﺬا اﻟﻤﺴﻠﻢ ‪ ،‬دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺎ أم‬

‫دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺎ إﺳﺘﺒﺪادﯾﺎ! ﻷﻧﮫ ﻓﻘﺪ اﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة ﻋﻠﻰ ﻛُﻞّ ﺣﺎل‪.‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬
‫ﯾﻘﻮل اﻟ ّ‬

‫" وھﺬه اﻟﻐﯿﺒﯿﺔ اﻟﻌﻤﯿﻘﺔ ﻓﻲ ﻣﺰاج اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻤﺴﻠﻢ ﺣﺪدت ﻣﻦ ﻗﻮة أﻏﺮاء‬

‫اﻟﻤﺎدة ﻟﻺﻧﺴﺎن اﻟﻤﺴﻠﻢ وﻗﺎﺑﻠﯿﺘﮭﺎ ﻷﺛﺎرﺗﮫ اﻷﻣﺮ اﻟﺬي ﯾﺘﺠﮫ ﺑﺎﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ ﺣﯿﻦ ﯾﺘﺠﺮد ﻋﻦ دواﻓﻊ ﻣﻌﻨﻮﯾﺔ ﻟﻠﺘﻔﺎﻋﻞ ﻣﻊ اﻟﻤﺎدة وإﻏﺮاﺋﮫ ﺑﺎﺳﺘﺜﻤﺎرھﺎ‬

‫إﻟﻰ ﻣﻮﻗﻒ ﺳﻠﺒﻲ ﺗﺠﺎھﮭﺎ ﯾﺘﺨﺬ ﺷﻜﻞ اﻟﺰھﺪ ﺗﺎرة واﻟﻘﻨﺎﻋﺔ أﺧﺮى واﻟﻜﺴﻞ ﺛﺎﻟﺜﺔ‪.‬‬

‫وﻗﺪ روّﺿﺘﮫ ھﺬه اﻟﻐﯿﺒﯿﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺮﻗﺎﺑﺔ ﻏﯿﺮ ﻣﻨﻈﻮرة ﻗﺪ ﺗﻌﺒﺮ ﻓﻲ وﻋﻲ‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻟﺘﻘﻲ ﻋﻦ ﻣﺴﺆوﻟﯿﺔ ﺻﺮﯾﺤﺔ ﺑﯿﻦ ﯾﺪي اﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ وﻗﺪ ﺗﻌﺒﺮ ﻓﻲ ذھﻦ ﻣﺴﻠﻢ‬

‫آﺧﺮ ﻋﻦ ﺿﻤﯿﺮ ﻣﺤﺪّد وﻣﻮﺟّﮫ وھﻲ ﻋﻠﻰ أي ﺣﺎل ﺗﺒﺘﻌﺪ ﺑﺈﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ‬

‫ﻋﻦ اﻹﺣﺴﺎس ﺑﺎﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ واﻟﺤﺮﯾﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ ﺑﺎﻟﻄﺮﯾﻘﺔ اﻟﺘﻲ أﺣﺲ ﺑﮭﺎ‬

‫إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪.16‬‬ ‫اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ"‪.‬‬

‫ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرات ذات اﻟﻤﻐﺰى ‪ ،‬ﺗﻮﺿﺢ ﻟﻨﺎ و إﻟﻰ أﺑﻌﺪ اﻟﺤﺪود ‪ ،‬ﻣﺪى ذوﺑﺎن "اﻟﻔﺮد" ﻛﺬات إﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﻓﻲ‬

‫ﻧﻘﯿﻀﮭﺎ "اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ" ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺎﻟﺸﺒﮫ ﺑﯿﻦ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ و ﻣﺠﺘﻤﻌﺎت اﻟﺤﯿﻮان "اﻟﻨﺤﻞ" ‪" ،‬اﻟﺰﻧﺎﺑﯿﺮ"‬

‫‪" ،‬اﻟﻨﻤﻞ" و ﻏﯿﺮھﺎ ‪ ،‬ﺷﺒﮭﺎ ﻛﺒﯿﺮا ‪ ،‬ھﺬا إن ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ أﻛﺜﺮ ﺟﻤﻮدا ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻨﺤﻞ و ﻣﻨﺬ آﻻف اﻟﺴﻨﯿﻦ‬

‫ﯾﻨﻔﺬ ﻣﮭﺎﻣﮫ ﺑﺸﻜﻞ آﻟﻲ ﻣﺘﻜﺮّر و دون أن ﯾﻄﺮأ ﻋﻠﯿﮭﺎ أي ﺗﻐﯿﯿﺮ ﯾُﺬﻛﺮ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﻼ أﻣﻞ ﻣﻦ ﺗﻐﯿﯿﺮ أو‬

‫ﺗﻄﻮﯾﺮ ھﻜﺬا ﻣﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬و ﻻ داﻋﻲ أﯾﻀﺎ أن ﯾﺮھﻖ اﻟﻤﻔﻜّﺮون أﻧﻔﺴﮭﻢ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ "ﻓﻠﺴﻔﺎت إﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ" ‪،‬‬

‫ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺛﻨﺎﺋﯿﺎ اﻟﻔﺮد و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻻ ﯾﻤﻠﻜﺎن اﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة ‪ ،‬و ھﻲ اﻟﺮﻏﺒﺔ اﻷﺳﺎس ﻷي إﻗﺘﺼﺎد ‪ ،‬و ﻛﻤﺎ‬

‫ﻗﺎل اﻟﺼﺪر ﺣﺮﻓﯿﺎ "و ھﻲ ـ ﯾﻘﺼﺪ ﺿﻤﯿﺮ و ﻋﻘﻞ اﻟﻤﺴﻠﻢ ـ ﻋﻠﻰ أي ﺣﺎل ﺗﺒﺘﻌﺪ ﺑﺈﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ‬

‫ﻋﻦ اﻹﺣﺴﺎس ﺑﺎﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ و اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ ﺑﺎﻟﻄﺮﯾﻘﺔ اﻟﺘﻲ أﺣﺲ ﺑﮭﺎ اﻹﻧﺴﺎن اﻷوروﺑﻲ"!!‬

‫إﻧﮭﺎ ﻛﻠﻤﺎت ﻛﺒﯿﺮة و ﻣﺆﻟﻤﺔ و ﺗﻤﺲﱡ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ‪ ،‬و ﺑﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻨﺘﻈﺮ أن ﺗﺘﺤﻮل إﺻﮭﺎرات ﺛﻘﺎﻓﺔ‬

‫رﻓﺾ اﻟﻈﻠﻢ و اﻟﻄﻐﯿﺎن اﻟﺘﻲ زرﻋﮭﺎ اﻟﺤﺴﯿﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ و روّاھﺎ ﺑﺪﻣﺎﺋﮫ و أﺑﻨﺎءه ﻓﻲ ﻋﻤﻖ ﻋﺎﻟﻤﻨﺎ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﻲ إﻟﻰ ﺛﻮرة "ﻋﻘﻠﯿﺔ" و أﺳﺎﺳﺎ ﻟﺤﺮﯾﺔ ﺗﺠﻌﻞ ﻣﻦ اﻹﻧﺴﺎن إﻧﺴﺎﻧﺎ ﯾﺤﺐ اﻟﺤﯿﺎة ﻟﻨﻔﺴﮫ و ﻟﻐﯿﺮه ‪ ،‬إﻻ‬

‫أن اﻟﻤﺆﻣﻨﯿﻦ ﺑﺎﻟﺜﻮرة رﺿﺨﻮا ﻟﻠﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ و ﺧﻠﻘﻮا ﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺗﮭﻢ "ﺛﻮاﺑﺖ" و "ھﻮﯾﺎت" و "ﺗﻘﺎﻟﯿﺪ"‬

‫ﯾﺠﺐ اﻟﺪﻓﺎع ﻋﻨﮭﺎ ﻛﻤﺎ داﻓﻊ أﺑﻮ ﺳﻔﯿﺎن ﻋﻦ ﻗِﯿﻢ اﻟﻌﺸﯿﺮة و اﻟﻘﺒﯿﻠﺔ ‪" ،‬ھُﺒﻞ" ‪" ،‬اﻟﻼت" ‪" ،‬اﻟﻌُﺰّى"‪.‬‬

‫اﻹﻗﺘﺼﺎد اﻟﻤﻄﺮوح ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻛﺒﺮﻧﺎﻣﺞ ﻣﺘﻜﺎﻣﻞ ‪ ،‬ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﺗﻄﺒﯿﻘﮫ إﻻ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺷﻌﺐ‬

‫ﻓﯿﻠﺴﻮف ﯾﻜﻮن أﻓﺮاده ﻧﺴﺨﺎ أﺧﺮى ﺗﺸﺒﮫ ﻋﺒﻘﺮﯾﺔ اﻟﺼﺪر و ھﺬا ﻏﯿﺮ ﻣﻤﻜﻦ ﻃﺒﻌﺎ ‪ ،‬و ﻗﺒﻞ أن ﻧﺘﺤﺪث ﻋﻦ‬
‫‪99‬‬

‫أي إﻗﺘﺼﺎد ﻻ ﯾﻤﻠﻚ ﺣﺮﯾﺔ ﻟﯿﺒﺪي رأﯾﮫ ﻓﻲ أﺑﺴﻂ ﻣﺸﺎﻛﻠﮫ اﻟﺤﯿﺎﺗﯿﺔ ﻓﻀﻼ ﻋﻦ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿّﺔ و اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾّﺔ ‪،‬‬

‫ﻟﺬﻟﻚ ﻛﺎن اﻷوﻟﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﺻﯿﻐﺔ اﻟﺒﺤﺚ اﻟﺬي ﺻﺎﻏﮫ اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮان "ﺣﺮﯾّﺘﻨﺎ" ﻗﺒﻞ أن‬

‫ﺗﻜﻮن "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" أو "إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" ‪ ،‬إذ أن اﻟﺘﻌﺎﯾﺶ ﻣﻊ اﻟﻄﻐﺎة ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ھﺬه اﻷﻣﺔ "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ"! ھﻮ أﻛﺒﺮ‬

‫دﻟﯿﻞ ﻋﻠﻰ ﻓﺸﻞ ھﺬه اﻷﻣﺔ ‪ ،‬و ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ ﻓﺈن اﻟﺼﺪر ﻟﻢ ﯾﺴﺘﻄﻊ أن ﯾﻜﻮن ﻣﺜﻠﮭﻢ و ﻓﻀّﻞ اﻟﻤﻮت ﺣﺮّا ﻋﻠﻰ‬

‫أن ﯾﻌﯿﺶ ذﻟﯿﻼ ﻟﻄﺎﻏﯿﺔ ﺳﻔـّﺎح‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" وﻗﺪ ﻋﺰز ﻓﻜﺮة اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻟﺪى اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻹﻃﺎر‬


‫‪100‬‬

‫اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻟﺮﺳﺎﻟﺔ اﻹﺳﻼم اﻟﺬي ﯾﻨﯿﻂ ﺑﺤﻤﻠﺔ ھﺬه اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻣﺴﺆوﻟﯿﺔ وﺟﻮدھﺎ ﻋﺎﻟﻤﯿﺎً‬

‫واﻣﺘﺪادھﺎ ﻣﻊ اﻟﺰﻣﺎن واﻟﻤﻜﺎن ﻓﺈن ﺗﻔﺎﻋﻞ إﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﺮ اﻟﺘﺎرﯾﺦ‬

‫ﻣﻊ رﺳﺎﻟﺔ ﻋﺎﻟﻤﯿﺔ ﻣﻨﻔﺘﺤﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ﯾﺮﺳﺦ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﮫ اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ‬

‫واﻻرﺗﺒﺎط ﺑﺎﻟﺠﻤﺎﻋﺔ‪ .‬وھﺬه اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻌﯿﺸﮭﺎ إﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ إذا‬

‫ﻻﺣﻈﻨﺎھﺎ ﺑﻮﺻﻔﮭﺎ ﺣﻘﯿﻘﺔ ﻣﺎﺋﻠﺔ ﻓﻲ ﻛﯿﺎن اﻷﻣﺔ ﯾﻤﻜﻦ اﻻﺳﺘﻔﺎدة ﻣﻨﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﮭﺠﺔ‬

‫ﻟﻼﻗﺘﺼﺎد داﺧﻞ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ووﺿﻌﮫ ﻓﻲ إﻃﺎر ﯾﻮاﻛﺐ ﺗﻠﻚ اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ‬

‫ﻟﻜﻲ ﺗﺼﺒﺢ ﻗﻮة دﻓﻊ وﺗﺤﺮﯾﻚ ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ أﺧﻼﻗﯿﺔ ﻣﻨﺎھﺞ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻷوروﺑﻲ‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﺎﻣﻼً ﻛﺒﯿﺮاً ﻓﻲ إﻧﺠﺎح ﺗﻠﻚ اﻟﻤﻨﺎھﺞ ﻟﻤﺎ ﺑﯿﻨﮭﻤﺎ ﻣﻦ اﻧﺴﺠﺎم" إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ص ‪.17 – 16‬‬

‫ﻓﻠﯿﻌﺬرﻧﻲ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن و ﺣﺰب اﻟﺪﻋﻮة ﺧﺼﻮﺻﺎ إن أﺑﺪﯾﺖ ﺗﺤﻔّﻈﺎﺗﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﻌﺒﯿﺮ "ُأﻣّﺔ" ‪ ،‬ﻓﮭﻲ ﺗﺒﺪو‬

‫ﻟﻲ ﻛﻠﻤﺔ ﺿﺒﺎﺑﯿﺔ و ﻏﯿﺮ واﺿﺤﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﻮاﻗﻊ ﯾﻨﻔﯿﮭﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻣﺘﺪادا ﻣﻦ إﻧﺪوﻧﯿﺴﯿﺎ و ﺣﺘﻰ ﻣﻮرﯾﺘﺎﻧﯿﺎ و‬

‫ﻣﺎﻟﻲ ‪ ،‬ﻻ ﺗﻮﺟﺪ دوﻟﺔ إﺳﻼﻣﯿﺔ ﺗﻌﯿﺶ ﻧﻮﻋﺎ ﺣﻘﯿﻘﯿﺎ ﻣﻦ اﻻﺳﺘﻘﺮار و اﻹﻧﺴﺠﺎم ‪ ،‬و إن وﺟﺪ ﺷﻲء ﻣﻦ ذﻟﻚ‬

‫ﻓﮭﻮ ﻇﺎھﺮي و ﯾﺨﻔﻲ ﺗﺤﺘﮫ ﻛﺜﯿﺮا ﻣﻦ اﻟﻘﺴﺮ و اﻹﻛﺮاه ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ إﺗﺤﺎد ﯾﺘﺠﺎوز ﺣﺘﻰ اﻹﺟﺒﺎر إﻟﻰ‬

‫"اﻹرھﺎب" ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﻌﺮاق اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟﺬي ﯾﺘﻢ ﺻﯿﺎﻏﺘﮫ ﺑﻌﺪ اﻹﻃﺎﺣﺔ ﺑﺎﻟﻄﺎﻏﯿﺔ ﺻﺪّام ‪ ،‬ﻓﮭﻮ ﯾﺤﺎول ﺧﻠﻖ‬

‫أول ﺗﺠﺮﺑﺔ ﻣﻦ ﻧﻮﻋﮭﺎ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ھﺎ ھﻨﺎ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ إﺗﺤﺎد إﺟﺒﺎري "ﺑﺼﯿﻎ ﻗﺎﻧﻮﻧﯿﺔ" و ﻟﯿﺲ اﻹﺗﺤﺎد‬

‫اﻹﺟﺒﺎري ﻋﻠﻰ ﻃﺮﯾﻘﺔ اﻟﺪول اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ اﻟﻄﺎﺋﻔﯿﺔ‪.‬‬

‫ﻓﻤﻨﻄﻘﺘﻨﺎ ﺗﻔﺘﻘﺪ "اﻹﻧﺴﺠﺎم اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺮﯾﺔ" ‪ ،‬و ﻻ إﻧﺴﺠﺎم ﺑﺪون اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ﺣﺮﯾﺔ اﻹﺧﺘﯿﺎر ‪،‬‬

‫و أي إﻧﺴﺠﺎم ﯾﻈﮭﺮ إﻟﻰ اﻟﺴﻄﺢ ﺗﺤﺖ ﺣﺮاب اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ و أﻧﻈﻤﺔ اﻟﺒﻮﻟﯿﺲ ھﻮ إﻧﺴﺠﺎم ﻛﺎذب و ﯾﻨﻔﺮط‬

‫ﻋﻘﺪه ﺑﻤﺠﺮد ﺿﻌﻒ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮر أو ﻣﻮﺗﮫ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن اﻟﻼزم ﻟﺘﻮﻓﯿﺮ ﺑﯿﺌﺔ إﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ اﻟﺘﮭﯿﺌﺔ ﻟﮭﺎ ﻋﺒﺮ‬

‫ﺗﻮﻓﯿﺮ اﻟﺤﺮﯾﺔ و اﺧﺘﯿﺎر "ﺻﯿﻐﺔ ﺗﻌﺎﯾﺶ" ﺑﯿﻦ اﻟﺸﻌﻮب ﯾﻜﻮن اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ اﻟﺤﺮّ أﺳﺎﺳﮭﺎ ‪ ،‬أﻣﺎ اﻹﻧﺴﺠﺎم اﻟﺪﯾﻨﻲ‬

‫و اﻟﻤﺬھﺒﻲ أو اﻟﻘﻮﻣﻲ ﻓﮭﻮ إﻧﺴﺠﺎم "ﺻﻮري" ﻻ "ﺟﻮھﺮي" ﻧﺎﺗﺞ ﻋﻦ إﺧﺘﯿﺎر ﺣﺮّ ﻟﻸﻓﺮاد اﻟﺬﯾﻦ ﯾﺸﻜﻠﻮن‬

‫اﻟﻤﺠﻤﻮع‪.‬‬

‫إن اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻹﻧﺴﺎن و اﻟﺒﯿﺌﺔ ﯾﺮﺑﻄﮭﺎ ﻣﻌﺘﻘﺪه و أُﻟﻮب ﻓﮭﻤﮫ ﻟﻠﺒﯿﺌﺔ و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻤﻠﺤﺪ اﻟﻤﺎدّي‬

‫اﻟّﺬي ﻻ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺄي ﺷﻲء ﻋﺪا اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﻤﺎدﯾﺔ ‪ ،‬ﯾﻨﺘﮭﻲ اﻟﺤﺎل ﺑﮫ إﻟﻰ أن ﯾﻜﻮن ھﻮ اﻵﺧﺮ ﺟﺰءا ﻣﻦ‬

‫اﻟﻤﺤﯿﻂ اﻟﺠﺎﻣﺪ و اﻟﻐﯿﺮ إﻧﺴﺎﻧﻲ ‪ ،‬و اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻤﻮﻏﻞ ﻓﻲ اﻟﺘﺪﯾﻦ أﯾﻀﺎ ﯾﻤﺜﻞ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻟﺴﻠﺒﻲ اﻟﻤﻘﺎﺑﻞ‬

‫ﻟﻠﻤﻠﺤﺪ ‪ ،‬إذ ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﯾﻜﻮن ھﺆﻻء اﻟﻤﺘﺪﯾّﻨﻮن إﻧﻄﻮاﺋﯿﯿﻦ و ﻣﻨﻐﻠﻘﯿﻦ و ﻛﺴﺎﻟﻰ "ﺗﺤﺖ ﺷﻌﺎر اﻟﺘّﻮﻛﻞ ﻋﻠﻰ‬

‫اﷲ" ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﯾﺒﻘﻰ ھﺬا اﻟﻤﻮﺿﻮع ﺷﺄﻧﺎ ﺷﺨﺼﯿﺎ ‪ ،‬إذ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻷيّ أﺣﺪ أن ﯾﻔﺮض ھﺬه اﻟﻘﻨﺎﻋﺔ أو ﺗﻠﻚ‬

‫ﻋﻠﻰ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ "ﺻﺎﺣﺐ رأس اﻟﻤﺎل" ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻓﻲ اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ـ و ﺗﺤﺪﯾﺪا ﻓﻲ اﻟﻨﻤﻮذج اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ ـ‬

‫ﻧﺠﺪ اﻟﻤﻼّك و اﻷﻏﻨﯿﺎء ﯾﺘﺒﺮﻋﻮن ﺑﻤﻼﯾﯿﻦ اﻟﺪوﻻرات ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ اﻟﻤﺴﺎﺟﺪ ‪ ،‬و اﻷﻋﻤﺎل‬

‫اﻟﺨﯿﺮﯾّﺔ ﻛﺎﻹﻧﻔﺎق ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺸﺮدﯾﻦ و اﻟﺬﯾﻦ ﯾﺤﺘﺎﺟﻮن اﻟﻤﺴﺎﻋﺪة ‪ ،‬و ھﺬا ﻣﻤﺎ ﯾﺆﻛﺪ أن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ‬

‫دﯾّﺔ" و اﺳﺘﻄﺎع ﺧﻠﻖ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ أﺻﺤﺎب اﻷﻣﻮال و‬


‫اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ﻗﺪ ﺗﺨﻄﻰ ﺗﺤﺪّي "اﻹﻏﺮاق ﻓﻲ اﻟﻤﺎ ّ‬

‫اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺨﯿﺮي ‪.‬‬


‫‪101‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" ﻓﻨﻈﺮة إﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ إﻟﻰ اﻟﺴﻤﺎء ﻗﺒﻞ اﻷرض ﯾﻤﻜﻦ أن ﺗﺆدي إﻟﻰ‬

‫ﻣﻮﻗﻒ ﺳﻠﺒﻲ ﺗﺠﺎه اﻷرض وﻣﺎ ﻓﻲ اﻷرض ﻣﻦ ﺛﺮوات وﺧﯿﺮات ﯾﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ‬

‫اﻟﺰھﺪ أو اﻟﻘﻨﺎﻋﺔ أو اﻟﻜﺴﻞ إذا ﻓﺼﻠﺖ اﻷرض ﻋﻦ اﻟﺴﻤﺎء وأﻣﺎ إذا أﻟﺒﺴﺖ‬

‫اﻷرض إﻃﺎر اﻟﺴﻤﺎء وأﻋﻄﻲ اﻟﻌﻤﻞ ﻣﻊ اﻟﻄﺒﯿﻌﺔ ﺻﻔﺔ اﻟﻮاﺟﺐ وﻣﻔﮭﻮم اﻟﻌﺒﺎدة‬

‫ﻓﺴﻮف ﺗﺘﺤﻮل ﺗﻠﻚ اﻟﻨﻈﺮة اﻟﻐﯿﺒﯿﺔ ﻟﺪى اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻤﺴﻠﻢ إﻟﻰ ﻃﺎﻗﺔ ﻣﺤﺮﻛﺔ وﻗﻮة‬

‫دﻓﻊ ﻧﺤﻮ اﻟﻤﺴﺎھﻤﺔ ﺑﺄﻛﺒﺮ ﻗﺪر ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻲ رﻓﻊ اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻻﻗﺘﺼﺎدي‪ .‬وﺑﺪﻻً ﻋﻤﺎ‬

‫ﯾﺤﺴﮫ اﻟﯿﻮم اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻟﺴﻠﺒﻲ ﻣﻦ ﺑﺮود ﺗﺠﺎه اﻷرض أو ﻣﺎ ﯾﺤﺴﮫ اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻟﻨﺸﯿﻂ‬

‫اﻟﺬي ﯾﺘﺤﺮك وﻓﻖ أﺳﺎﻟﯿﺐ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺤﺮ أو اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ ﻣﻦ ﻗﻠﻖ ﻧﻔﺴﻲ ﻓﻲ‬

‫أﻛﺜﺮ اﻷﺣﯿﺎن وﻟﻮ ﻛﺎن ﻣﺴﻠﻤﺎً ﻣﺘﻤﯿﻌﺎً ﺳﻮف ﯾﻮﻟﺪ اﻧﺴﺠﺎم ﻛﺎﻣﻞ ﺑﯿﻦ ﻧﻔﺴﯿﺔ‬

‫إﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ودوره اﻻﯾﺠﺎﺑﻲ اﻟﻤﺮﺗﻘﺐ ﻓﻲ ﻋﻤﻠﯿﺔ اﻟﺘﻨﻤﯿﺔ" إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ـ ص ‪.17‬‬

‫ﻘﯿَﻢ‬
‫إنّ ﻛﻼم اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ھﺎ ھﻨﺎ ﯾﺒﺪو ﻟﻲ و ﻛﺄﻧﮫ اﺳﺘﺸﺮاف ﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻌﻼﻗﺔ اﻟﻮاﺟﺐ إﯾﺠﺎدھﺎ ﺑﯿﻦ اﻟ ِ‬

‫اﻟﺪﯾﻨﯿّﺔ و اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾّﺔ اﻟﺪﻧﯿﻮﯾّﺔ ‪ ،‬اﻷﻣﺮ اﻟﺬي ﺳﯿﺤﻘﻖ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ ھﺪﻓﯿﻦ أﺳﺎﺳﯿﯿﻦ ھﻤﺎ‪ :‬أوﻻ‪ :‬ﺗﻨﺸﯿﻂ اﻟﺘﺠﺎرة‬

‫و ﺣﺮﻛﺘﮭﺎ اﻟﺴﺮﯾﻌﺔ ﻓﻲ ﺗﺒﺎدل رؤوس اﻷﻣﻮال و اﻷرﺑﺎح‪ .‬ﺛﺎﻧﯿﺎ‪ :‬ﺗﻮﻓﯿﺮ اﻟﻤﺎل ﻟﻠﻌﻤﻞ اﻟﺨﯿﺮي و اﻟﺨﺪﻣﺎت‬

‫اﻷﺳﺎﺳﯿّﺔ ﻣﻦ ﻃﻌﺎم و ﻣﺄوى ﻟﻠﻤﺴﺤﻮﻗﯿﻦ أو اﻟﺬﯾﻦ ﻟﻢ ﯾﻨﺠﺤﻮا ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة‪ .‬ﻟﻜﻦ ﯾﺒﻘﻰ اﻷﻣﺮ ھﺎ ھﻨﺎ ھﻮ‬

‫ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﻨﻈﯿﻢ ﻗﻮاﻧﯿﻦ ﻻ ﺗﺘﻐﻠﻒ ﺑﻐﻼف اﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن أي ﻗﻮاﻧﯿﻦ ﯾُﺼﺎﺣﺒﮭﺎ ﺧﻄﺎب دﯾﻨﻲ أو وﻋﻆ ‪،‬‬

‫ﺗُﻘﺎﺑَﻞ ﻋﺎدة ﺑﺎﻟﺮﻓﺾ و اﻟﺘﮭﺮب ‪ ،‬و ﻷﻧﮫ ﻻ ﯾﻮﺟﺪ إﻧﺴﺎن ﻛﺎﻣﻞ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ أؤﻟﺌﻚ اﻟّﺬﯾﻦ راﻓﻘﻮا اﻷﻧﺒﯿﺎء‬

‫ﻛﺎﻧﻮا ﺑﺸﺮا ﻟﮭﻢ رﻏﺒﺎت و ﺷﮭﻮات و ﺣﺘﻰ أن ﻛﺜﯿﺮا ﻣﻨﮭﻢ أﻃﺎع اﻟﺸﯿﻄﺎن ‪ ،‬إذا ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻨﺎ أن ﻧﺘّﮭﻢ‬

‫إﻗﺘﺼﺎدا ﻣﻦ اﻹﻗﺘﺼﺎدات ‪ ،‬ﻛﺎﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿّﺔ ھﻨﺎ ‪ ،‬ﺑﺄﻧﮭﺎ ﻓﺎﺷﻠﺔ ﻷنّ ﺑﻌﺾ اﻷﻏﻨﯿﺎء و اﻟﻤﺘﺮﻓﯿﻦ ﺗﮭﺮّﺑﻮا ﻣﻦ‬

‫دﻓﻊ اﻟﻀّﺮﯾﺒﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ ‪ ،‬و ﺣﺘﻰ ﻓﻲ إﯾﺎم اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﻋُﺮف أﺣﺪ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ و ھﻮ "ﺛﻌﻠﺒﺔ" ﺑﺄﻧﮫ ﺑﺨﻞ و ﻟﻢ‬

‫ﯾﺪﻓﻊ اﻟﺰﻛﺎة و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺗﺮﻛﮫ اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪ و ﻗﺮر أن ﻻ ﯾﻜﻠّﻤﮫ إﻟﻰ أن ﻣﺎت ﺛﻌﻠﺒﺔ و ﻛﺎن ﻋﻘﺎﺑﮫ اﻟﻮﺣﯿﺪ ھﻮ‬

‫أن اﻟﻨﺒﻲ ﻣﺤﻤﺪا ﻟﻢ ﯾُﻜﻠّﻤﮫ‪.‬‬

‫إن اﻟﺼﺪر ﻓﻲ ﻣﺤﺎوﻟﺘﮫ ﺧﻠﻖ ﻋﻼﻗﺔ ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ "اﻟﻤﺴﻠﻢ" و اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ و اﻟﺒﯿﺌﯿّﺔ ‪،‬‬

‫ﻗﺪ ﻧﺠﺢ إﻟﻰ ﺣﺪّ ﻛﺒﯿﺮ ﻓﻲ ﻓﮭﻢ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻹﻗﺘﺼﺎد و ﺧﺪﻣﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﯾﺒﻘﻰ اﻹﺷﻜﺎل ھﺎ ھﻨﺎ ھﻮ ‪:‬‬

‫ھﻞ ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ وﺿﻊ رﻗﺎﺑﺔ ﻓﻮﻗﯿﺔ "دﯾﻨﯿﺔ" ﻋﻠﻰ اﻹﻗﺘﺼﺎد؟ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أن اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﻛﺎن‬

‫أﻗﻮى ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﯾُﺪﯾﺮ ﺗﺠﺎرﺗﮫ و ﺗﻌﺎﻣﻼﺗﮫ ﻓﻲ ﻇﻞ ﻧﻈﺎم اﻟﺸﺎه اﻟﺬي ﻛﺎن ﻗﺪ ﻓﺘﺢ أﺑﻮاب اﻹﻗﺘﺼﺎدﯾّﺎت‬

‫اﻟﻜﺒﺮى أﻣﺎم اﻹﯾﺮاﻧﯿﯿﻦ ‪ ،‬و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻤﺪارس اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ﻓﻲ إﯾﺮان ﺗﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﻼﯾﯿﻦ اﻟﺪوﻻرات ﻣﻦ‬

‫اﻟﺘﺒﺮﻋﺎت و اﻟﺼّﺪَﻗﺎت ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﻨﺬ ﺛﻮرة ‪ 1979‬و ھﯿﻤﻨﺔ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻨﻲ ‪ ،‬ﺗﺮاﺟﻌﺖ ﻣﺪاﺧﯿﻞ اﻟﺪّوﻟﺔ‬

‫اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ و راﺣﺖ ﺑﻌﺾ ﻣﺪارس اﻟﺪوﻟﺔ "اﻟﺪّﯾﻨﯿﺔ" ﺗﺘﻠﻘﻰ أﻣﻮاﻻ ﺣﻜﻮﻣﯿﺔ ﻻ ﺗﺴﺘﺤﻘﮭﺎ ﺑﺎﻟﻤﻔﮭﻮم اﻟﺪّﯾﻨﻲ ‪،‬‬

‫ّﺼﺮف ﺑﮭﺬه اﻷﻣﻮال ﻷﻧﮭﺎ ﺗﻌﻮد ﻟﻠﻘﻄﺎع اﻟﻌﺎم‪.‬‬


‫ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﮫ ﻻ ﯾﺠﻮز ﻟﮭﻢ أﺻﻼ اﻟﺘ‬

‫إن اﻟﻈّﻦ ﺑﺄن إﻗﺘﺼﺎدا "إﺳﻼﻣﯿﺎ" ﻗﺎﺋﻤﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺒﺎديء اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ ﺳﯿﻜﻮن ﻧﺎﺟﺤﺎ ‪ ،‬ھﻮ ﻇﻦﱡ ﺧﺎﻃﻲء ‪،‬‬
‫‪102‬‬

‫ﻓﻤﺎ أﺳﮭﻞ ﻋﻠﻰ ﺗﺎﺟﺮ أو رأﺳﻤﺎﻟﻲ أﻧﺎﻧﻲ أن ﯾُﻄﯿﻞ اﻟﻠّﺤﯿﺔ و ﯾﺤﻤﻞ ﻣﺴﺒﺤﺔ و ﯾﺘﻤﺴّﺢ ﺑﺎﻟﻜﻌﺒﺔ و اﻟﻘﺮآن و‬

‫ﯾﺬرف دﻣﻮع "اﻟﺘﻘﻮى و اﻟﻮرع" ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻓﻲ اﻟﺴّﻮق و اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ اﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻻ ﺗﺠﺪه ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﻋﻦ أﺳﻮأ‬

‫اﻟﻤﺮاﺑﯿﻦ و اﻟﻤﺤﺘﺎﻟﯿﻦ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫"وﻣﻔﮭﻮم إﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻋﻦ اﻟﺘﺤﺪﯾﺪ اﻟﺪاﺧﻠﻲ واﻟﺮﻗﺎﺑﺔ اﻟﻐﯿﺒﯿﺔ اﻟﺬي‬

‫ﯾﺠﻌﻠﮫ ﻻ ﯾﻌﯿﺶ ﻓﻜﺮة اﻟﺤﺮﯾﺔ ﺑﺎﻟﻄﺮﯾﻘﺔ اﻷوروﺑﯿﺔ ﯾﻤﻜﻦ أن ﯾﺴﺎﻋﺪ إﻟﻰ درﺟﺔ‬

‫ﻛﺒﯿﺮة ﻓﻲ ﺗﻔﺎدي اﻟﺼﻌﺎب اﻟﺘﻲ ﺗﻨﺠﻢ ﻋﻦ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﺤﺮ واﻟﻤﺸﺎﻛﻞ اﻟﺘﻲ‬

‫ﺗﻮاﺟﮭﮭﺎ اﻟﺘﻨﻤﯿﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﻓﻲ ﻇﻠﮫ ﻋﻦ ﺗﺨﻄﯿﻂ ﻋﺎم ﯾﺴﺘﻤﺪ ﻣﺸﺮوﻋﯿﺘﮫ ﻓﻲ ذھﻦ‬

‫إﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻦ ﻣﻔﮭﻮﻣﮫ ﻋﻦ اﻟﺘﺤﺪﯾﺪ اﻟﺪاﺧﻠﻲ و اﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﻏﯿﺮ اﻟﻤﻨﻈﻮرة‬

‫أي ﯾﺴﺘﻨﺪ إﻟﻰ ﻣﺒﺮرات أﺧﻼﻗﯿﺔ" إﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ ـ ص ‪.17‬‬

‫و اﻟﻤﺒﺮرات اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ ھﻨﺎ ﻻ ﻓﺎﺋﺪة ﻣﻨﮭﺎ ‪ ،‬ﻋﻠﻰ ﺻﻌﯿﺪ اﻟﻤﻠﻤﻮس ‪ ،‬ﻷنّ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿّﺔ ﺗﺒﻘﻰ ﻣﺴﺄﻟﺔ‬

‫ﺷﺨﺼﯿّﺔ و ذاﺗﯿﺔ ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﯾُﻤﻜﻦ ﻓﺮض ﻗﻮاﻧﯿﻦ ـ و ھﺬا ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻲ ﻛﻞّ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت و اﻹﻗﺘﺼﺎد اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ‬

‫ﻣﻌﺮوف ﺑﻀﺮاﺋﺒﮫ اﻟﺒﺎھﻈﺔ و ﻋﻘﻮﺑﺎﺗﮫ اﻟﺸّﺪﯾﺪة ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺨﺎﻟﻔﯿﻦ ـ و ﺑﻤﻮﺟﺐ ھﺬه اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﻤﺸﺪّدة ‪ ،‬اﻟّﺘﻲ‬

‫ﺗﺮاعِ ﻣﺼﻠﺤﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ أن ﯾﺘﺮدّد اﻟﺘﺎﺟﺮ و اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ و اﻟﻤﺴﺘﺜﻤﺮ أﻟﻒ ﻣﺮّة ﻗﺒﻞ أن ﯾُﻘﺪم ـ‬

‫ﻣﺜﻼ ـ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﮭﺮب ﻣﻦ اﻟﻀّﺮﯾﺒﺔ‪.‬‬

‫أردﻧﺎ ﻣﻦ ھﺬا اﻟﻨﻘﺪ اﻟﺒﺴﯿﻂ ﻟﺒﻌﺾ أﻓﻜﺎر اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼّﺪر اﻷول أن ﻧﻮﺿﺢ أن ﺣﺰب اﻟﺪﻋﻮة ـ و ﻣﻦ‬

‫ﺧﻼل ﻣﺆﺳّﺴﮫ ـ ھﻮ أﻗﺮب إﻟﻰ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻣﻦ اﻟﺤﺮﻛﺎت اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻷُﺧﺮى ‪ ،‬و ﻛﺄن ھﻨﺎك ﺧﻄﻮة‬

‫واﺣﺪة ﺑﻘﯿﺖ ﻟﻠﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻟﯿﻜﻮن ﻓﻲ وﺳﻂ اﻟﻤﻌﺴﻜﺮ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪ ،‬إذ أﻧﮫ ﻟﻢ ﯾﻨﺘﻘﺪ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ‬

‫اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ إﻻ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى ﺑﺴﯿﻂ إذا ﻣﺎ ﻗﻮرن ﺑﻤﻮاﺟﮭﺘﮫ ﻟﻠﻨﻈﺎﻣﯿﻦ اﻹﺷﺘﺮاﻛﻲ ‪ ،‬اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ ‪ ،‬و اﻟﻘﻮﻣﻲ‬

‫‪ ..‬إذ ﻛﺎن ﻧﻘﺪه ﻟﮭﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺎت ﻧﻘﺪا ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى "اﻟﺼﺮاع" و إﯾﻘﺎف اﻣﺘﺪاد ھﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾﺎت اﻟﺸّﻤﻮﻟﯿّﺔ ‪،‬‬

‫و اﻟﻤﻼﺣﻆ أﻧﮫ ﻟﻢ ﯾﻨﺘﻘﺪ "اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ" ‪ ،‬رﺑّﻤﺎ ﻷﻧﮫ أﻋﺘﻘﺪ أنّ ﻋﻠﯿﮫ اﻻﻃﻼع أﻛﺜﺮ ﻋﻠﻰ‬

‫ﻣﺰاﯾﺎ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم أو ﻟﻘﻨﺎﻋﺘﮫ أﻧﮫ أﻓﻀﻞ ﻧﻈﺎم ﻣﻮﺟﻮد‪.‬‬

‫إن ﺣﺰب اﻟﺪﻋﻮة و ﻣﻦ ﺧﻼل ﻣﺘﺎﺑﻌﺘﻲ ﻟﺘﺼﺮﯾﺤﺎت اﻟﺪﻛﺘﻮرﯾﻦ اﻟﺠﻌﻔﺮي و اﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ‪ ،‬ﻣﻌﺠﺒﺎن‬

‫ﺑﺎﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﺘﺮﻛﯿﺔ اﻟﺤﺎﻟﯿﺔ و اﻟﺘﻲ ﺿﻤﻨﺖ ﻣﺸﺎرﻛﺔ "إﺳﻼﻣﯿّﯿﻦ" ﻓﻲ اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ "ﻋﻠﻤﺎﻧﯿّﺔ"‬

‫و ﺣﯿﺎدﯾّﺔ اﻟﺪوﻟﺔ ‪ ،‬و ﻓﻌﻼ ﻓﻤﻨﺬ ﺧﺮوج اﻟﺤﺰب ﻣﻦ اﻟﻌﺮاق ﻓﻲ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﺴﺒﻌﯿﻨﯿﺎت و ﻟﺠﻮءه إﻟﻰ إﯾﺮان و‬

‫اﻟﻐﺮب ‪ ،‬ﻓﺈنّ اﻟﺪﻋﻮة دﺧﻞ ﻓﻲ ﺧﻼﻓﺎت ﻣﻊ "اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪّﯾﻨﻲ ﻓﻲ إﯾﺮان" ﺣﻮل اﺳﺘﻘﻼﻟﯿﺘﮫ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ و‬

‫ﺗﻤﺴﱡﻜﮫ ﺑﺎﻟﺨﯿﺎر اﻟﻮﻃﻨﻲ اﻟﻌﺮاﻗﻲ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﻨﻲ أﺳﺘﺜﻨﻲ و أﺗﺤﻔﻆ ﻋﻠﻰ "اﻟﺼﺪرﯾﯿﻦ ـ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻣُﻘﺘﺪى اﻟﺼﺪر"‬

‫اﻟّﺬﯾﻦ ﺷﻮھﻮا ﺣﺰب اﻟﺪّﻋﻮة ﻋﺒﺮ ﺗﺒﻨﯿﮭﻢ اﻟﺨﻄﺎب اﻟﻤﺘﻄﺮف ‪ ،‬و ﻣﮭﻤﺎ ﺣﺎول "اﻟﺒﻌﺜﯿﻮن" و آﺧﺮون‬

‫ﯾﺮﯾﺪون إزاﺣﺔ ھﺬا اﻟﺤﺰب ﻣﻦ اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ ‪ ،‬و رﻏﻢ ﺗﺤﻔـّﻈﺎﺗﻲ ﻋﻠﻰ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻮاﻗﻒ و آراء ﺣﺰب اﻟﺪﻋﻮة ‪،‬‬

‫إﻻّ أﻧﮫ و ﻟﻠﺤﻘﯿﻘﺔ أﻛﺜﺮ ﺗﻤﺴّﻜﺎ ﺑﺎﻟﺒﺮاﻣﺞ اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ ﻣﻦ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻷﺣﺰاب اﻟﺘﻲ ﺗﺮﻓﻊ "ﺷﻌﺎر" اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ و‬

‫اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ و ھﻲ ﻟﯿﺴﺖ إﻻ ﻋﺼﺎﺑﺎت وراﺛﯿﺔ‪.‬‬

‫اﻟﻌﺮاق اﻟﺬي ﺗﺸﻜّﻞ ﺑﻌﺪ ﺗﺤﺮﯾﺮه ﻣﻦ ﻧﻈﺎم اﻟﺒﻌﺚ و ﺣﻜﻢ ﺻﺪام ﻓﻲ ‪ 2003‬ھﻮ ﺑﯿﺌﺔ ﺧﺼﺒﺔ ﻟﻨﺸﺮ‬
‫‪103‬‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬رﻏﻢ ﻛﻞّ ﻣﺎ ﯾﺠﺮي ﻣﻦ أﻋﻤﺎل إرھﺎﺑﯿﺔ ﯾﺸﻨﮭﺎ ﺑﻌﺜﯿﻮن ﻣﻦ أﻧﺼﺎر اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻘﺪﯾﻢ و ﺳﻠﻔﯿﯿﻦ‬

‫ﺗﻜﻔﯿﺮﯾﯿﻦ "اﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﻮھﺎﺑﯿﺔ" و أﺣﺰاب ﻗﻮﻣﯿﺔ و ﻃﺎﺋﻔﯿﺔ ﻟﻢ ﺗﺘﻤﻜﻦ ﺑﻌﺪ ﻣﻦ ﻓﮭﻢ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ ،‬و اﻷﺻﺢ‬

‫أﻧﮭﺎ ﻻ ﺗﺮﯾﺪ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﺑﺎﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻛﻮﻧﮭﺎ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟـ"ﻗﻮﻣﯿّﺔ" ﻋﻠﻰ ﻧﺴﻖ "ﺣﺰب اﻟﺒﻌﺚ" إﻻ أﻧﮭﺎ ﻗﺪ ﺗﻜﻮن‬

‫ﻣﻨﺘﻤﯿﺔ إﻟﻰ ﻗﻮﻣﯿّﺔ أُﺧﺮى ﻏﯿﺮ ﻋﺮﺑﯿّﺔ ‪ ،‬و اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻌﯿﺸﮭﺎ اﻟﻌﺮاﻗﯿﻮن اﻵن ‪ ،‬ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ اﻟﻔﻠﺘﺎن‬

‫اﻷﻣﻨﻲ ‪ ،‬ھﻮ دﺳﺘﻮرھﻢ اﻟﻤﻠﻲء ﺑﺎﻟﺜﻐﺮات و اﻟﺬي ﺳﯿﺘﺴﺒﺐ ﻣﺴﺘﻘﺒﻼ ـ و أرﺟﻮ أن أﻛﻮن ﻣﺨﻄﺌﺎ ـ ﻓﻲ‬

‫إﻓﺸﺎل اﻟﻌﻤﻠﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ ﺑﺮﻣّﺘﮭﺎ و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ دﺧﻮل اﻟﻌﺮاق ﻓﻲ ﻧﻔﻖ ﻣﻈﻠﻢ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﻛﻤﺎ وﺻﻒ اﻟﺒﻌﺾ‬

‫دﺳﺘﻮره اﻟﺠﺪﯾﺪ ‪ ،‬ﺧﻠﻄﺔ ﻣﺜﯿﺮة ﻟﻠﻌﺠﺐ و ﻟﻺﺷﻤﺌﺰاز ﻓﻲ آن واﺣﺪ ‪ ،‬ﻓﻼ ھﻮ دوﻟﺔ ﻋﻠﻤﺎﻧﯿﺔ و ﻻ إﺳﻼﻣﯿﺔ‬

‫دﯾﻨﯿﺔ ‪ ،‬و ﻻ ھﻮ ﻓﺪراﻟﯿﺔ أو ﻣﺮﻛﺰﯾﺔ أو ﺣﺘﻰ ﻣﺆﻟّﻒ ﻣﻨﮭﻤﺎ ‪ ،‬إﻧﮫ ﺑﺎﺧﺘﺼﺎر دﺳﺘﻮر ﻣﻮزّع ﻋﻠﻰ ھﯿﺌﺎت‬

‫ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ﻣﻌﯿّﻨﺔ ‪ ،‬و إﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ اﻟﺘﺸﻮھﺎت اﻟﺠﯿﻨﯿﺔ اﻟﺘﻲ أﺿﺎﻓﮭﺎ اﻟﻘﻮﻣﯿﻮن "اﻟﻌﺮب و ﻏﯿﺮ اﻟﻌﺮب" إﻟﻰ‬

‫ھﺬا اﻟﺪﺳﺘﻮر ﺣﻮل ھﻮﯾﺔ اﻟﻌﺮاق "اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" ‪ ،‬ﻋﻤﻞ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن إﯾﻀﺎ ـ ﺳ ّﻨﯿﱡﮭﻢ و ﺷﯿﻌﯿﱡﮭﻢ ـ ﻋﻠﻰ ﺗﺸﻮﯾﮫ‬

‫اﻟﺪﺳﺘﻮر ﺑﺈﺿﺎﻓﺔ ﻧﺼﻮص دﯾﻨﯿﺔ ﯾﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﯿﺮھﺎ ﺣﺘﻰ أﺻﺤﺎب اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﻮاﺣﺪ‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﺼﻌﺐ ‪ ،‬إن ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﺤﯿﻞ ‪ ،‬إﻗﺎﻣﺔ ﻧﻈﺎم دﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ راﺳﺦ و ﻗﻮي ‪ ،‬ﻓﻲ ﻇﻞ ﺳﻠﻄﺔ ﻣﺮﻛﺰﯾﺔ‬

‫ھﺰﯾﻠﺔ و ﺻﻮرﯾّﺔ و ﻻ ﺗﻤﻠﻚ ﺳﻠﻄﺔ ﻓﻌﻠﯿﺔ ‪ ،‬و أيﱡ ﻣﺮاﺟﻌﺔ ﻟﻸﻧﻈﻤﺔ اﻟﻔﺪراﻟﯿﺔ اﻟﻌﺎﻟﻤﯿّﺔ ‪ ،‬ﺗﻈﮭﺮ ﻟﻨﺎ و‬

‫ﺑﻮﺿﻮح أھﻤﯿﺔ ﺗﻘﻮﯾﺔ اﻟﻤﺮﻛﺰ ﻟﻠﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻨﺎﺳﻖ ﺑﯿﻦ اﻷﻗﺎﻟﯿﻢ و اﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺎت ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ھﺬه اﻟﺪوﻟﺔ ﺗﺴﯿﺮ‬

‫ﺑﺼﻌﻮﺑﺔ ﻷنّ ﻛﻞ ﻃﺮف ﻛﻮّن ﻟﻨﻔﺴﮫ ﻧﻈﺮﯾّﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ و ﺷﺎﻣﻠﺔ ﻋﻦ ﻣﻔﮭﻮم اﻟﺪّوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق و ﻟﻜﻲ ﺗﺘﻨﺎﺳﻖ‬

‫اﻟﺪوﻟﺔ ﻣﻊ "ﻣﻔﮭﻮﻣﮭﺎ" ﻟﺪى ﻛﻞ ﺣﺰب ‪ ،‬ﻻ ﺑُﺪّ ﻣﻦ اﻟﺒﺪء ﻣﻦ اﻟﺼﻔﺮ ‪ ،‬ﻓﺎﻹﺳﻼﻣﻲ ﯾﺪﻋﻮ إﻟﻰ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ‬

‫و اﻟﺤﺮﯾﺔ ﻣﻀﺎﻓﺎ إﻟﯿﮭﺎ ﻋﺒﺎرة "و ‪ ..‬ﻟﻜﻦ" ‪ ،‬ﻓﻤﻦ إﺣﺘﺮام "اﻹﺳﻼم" ﻣﺮورا ﺑـ"ﺛﻮاﺑﺖ اﻹﺳﻼم" ﺛﻢّ‬

‫"ﺷﺨﺼﯿﺎت اﻟﺘﺎرﯾﺦ اﻹﺳﻼﻣﻲ"! ‪ ،‬ﺗﺼﺒﺢ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و اﻟﺤﺮﯾﺔ ﻣﺠﺮد ﻛﻠﻤﺎت رﻧّﺎﻧﺔ ‪ ،‬و ﻧﻔﺲ اﻟﺸﻲء‬

‫ﯾﺤﺪث ﻣﻊ اﻷﺣﺰاب اﻟﻤﺆﻣﻨﺔ ﺑﺎﻟﺼﺮاع اﻟﻘﻮﻣﻲ و ﺑﻨﺎء دوﻟﺔ داﺧﻞ اﻟﺪوﻟﺔ ‪ ،‬إذ ﻻ ﯾﺠﻮز اﻟﺘﻄﺎول ﻋﻠﻰ‬

‫"اﻟﮭُﻮﯾّﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿّﺔ" و واﺟﺐ ھﻮ "إﺣﺘﺮام اﻟﻤﻨﺎﺿﻠﯿﻦ" اﻟﻤﻮﺟﻮدﯾﻦ ﻓﻲ اﻟﺴﻠﻄﺔ و أن اﻟﻮﻃﻦ اﻟﻌﺮاﻗﻲ ﻧﻔﺴﮫ‬

‫ﺣﺎﻓﻞ ﺑﺎﻷﻋﺪاء !!‪ ..‬إن اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺠﺮّد اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت ـ رﻏﻢ أھﻤﯿّﺔ اﻹﻧﺘﺨﺎﺑﺎت اﻟﺤﺮّة و اﻟﻨﺰﯾﮭﺔ ـ‬

‫إﻟﻰ أن ھﻨﺎك ﺣﺮﯾّﺎت ﺗﻌﺘﺒﺮ ﻣﻦ أﺳﺎﺳﯿّﺎت ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن و اﻟﻤﻮاﻃﻨﺔ و ﻻ ﺗﺴﺘﻄﯿﻊ أي أﻛﺜﺮﯾّﺔ أو أﻗﻠﯿﺔ‬

‫أن ﺗُﻠﻐﻲ ھﺬه اﻟﺤﻘﻮق ﻛﻮﻧﮭﺎ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﺑﺬاﺗﮭﺎ‪.‬‬

‫و ﺳﻨﻮاﺻﻞ ﻧﻘﺪ ﺟﻮاﻧﺐ أﺧﺮى ﻣﻦ أُﻃﺮوﺣﺎت اﻟﺼّﺪر اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ و ﺳﻨﺮﻛﺰ اﻵن ﻋﻠﻰ ﻣﺎھﯿّﺔ‬

‫اﻟﻔﺮد ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ‪.‬‬

‫اﻟﻔــــــــــﺮد و اﻟﺪّوﻟـــــــــــــــــــﺔ‬

‫""اﻟﮭﻤﺠﻲ" ھﻮ أﯾﻀﺎً ﻣﺘﻤﺪن ﺑﻤﻌﻨﻰ ھﺎم ﻣﻦ ﻣﻌﺎﻧﻲ اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ‪ ،‬ﻷﻧﮫ ﯾُﻌﻨﻰ ﺑﻨﻘﻞ ﺗﺮاث اﻟﻘﺒﯿﻠﺔ إﻟﻰ‬

‫أﺑﻨﺎﺋﮫ‪ -‬وﻣﺎ ﺗﺮاث اﻟﻘﺒﯿﻠﺔ إﻻ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ اﻷﻧﻈﻤﺔ واﻟﻌﺎدات اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ واﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ واﻟﻌﻘﻠﯿﺔ واﻟﺨﻠﻘﯿﺔ‪،‬‬

‫اﻟﺘﻲ ھﺬﺑﺘﮭﺎ أﺛﻨﺎء ﺟﮭﺎدھﺎ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ اﻻﺣﺘﻔﺎظ ﺑﺤﯿﺎﺗﮭﺎ ﻋﻠﻰ ھﺬه اﻷرض واﻻﺳﺘﻤﺘﺎع ﺑﺘﻠﻚ اﻟﺤﯿﺎة‪،‬‬

‫وﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﺤﯿﻞ ﻓﻲ ھﺬا اﻟﺼﺪد أن ﻧﻠﺘﺰم ﺣﺪود اﻟﻌﻠﻢ‪ ،‬ﻷﻧﻨﺎ ﺣﯿﻦ ﻧﻄﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﻏﯿﺮﻧﺎ ﻣﻦ اﻟﻨﺎس اﺳﻢ‬
‫‪104‬‬

‫"اﻟﮭﻤﺞ" أو "اﻟﻤﺘﻮﺣﺸﯿﻦ" ﻓﻘﺪ ﻻ ﻧﻌﺒﺮ ﺑﻤﺜﻞ ھﺬه اﻷﻟﻔﺎظ ﻋﻦ ﺣﻘﯿﻘﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﯿﺔ ﻗﺎﺋﻤﺔ‪ ،‬ﺑﻞ ﻧﻌﺒﺮ ﺑﮭﺎ‬

‫ﻋﻦ ﺣﺒﻨﺎ اﻟﻌﺎرم ﻷﻧﻔﺴﻨﺎ ﻻ أﻛﺜﺮ؛ وﻋﻦ اﻧﻘﺒﺎض ﻧﻔﻮﺳﻨﺎ واﻧﻜﻤﺎﺷﮭﺎ إذا ﻣﺎ أﻟﻘﯿﻨﺎ أﻧﻔﺴﻨﺎ إزاء ﺿﺮوب‬

‫ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻮك ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻋﻤﺎ أﻟﻔﻨﺎه؛ ﻓﻼ ﺷﻚ أﻧﻨﺎ ﻧﺒﺨﺲ ﻣﻦ ﻗﯿﻤﺔ ھﺎﺗﯿﻚ اﻟﺸﻌﻮب اﻟﺴﺎذﺟﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﻄﯿﻊ‬

‫أن ﺗﻌﻠﻤﻨﺎ ﻛﺜﯿﺮًا ﺟﺪاً ﻣﻦ اﻟﺠﻮد وﺣﺴﻦ اﻟﺨﻠﻖ؛ ﻓﻠﻮ أﻧﻨﺎ أﺣﺼﯿﻨﺎ أﺳﺲ اﻟﻤﺪﻧﯿﺔ وﻣﻘﻮﻣﺎﺗﮭﺎ ﻟﻮﺟﺪﻧﺎ أن‬

‫اﻷﻣﻢ اﻟﻌُﺮﯾﺎﻧﺔ ﻗﺪ أﻧﺸﺄﺗﮭﺎ أو أدرﻛﺘﮭﺎ ﺟﻤﯿﻌﺎً إﻻ ﺷﯿﺌﺎً واﺣﺪاً‪ ،‬وﻟﻢ ﺗﺘﺮك ﻟﻨﺎ ﺷﯿﺌﺎً ﻧﻀﯿﻔﮫ ﺳﻮى ﺗﮭﺬﯾﺐ‬

‫ﺗﻠﻚ اﻷﺳﺲ واﻟﻤﻘﻮﻣﺎت ﻟﻮ اﺳﺘﺜﻨﯿﻨﺎ ﻓﻦ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ‪ ،‬وﻣﻦ ﯾﺪري ﻓﻠﻌﻠﮭﻢ ﻛﺬﻟﻚ ﻛﺎﻧﻮا ﯾﻮﻣﺎً ﻣﺘﺤﻀﺮﯾﻦ ﺛﻢ‬

‫ﻧﻔﻀﻮا ﻋﻦ أﻧﻔﺴﮭﻢ ﺗﻠﻚ اﻟﺤﻀﺎرة ﻟﻤﺎ ﻟﻤﺴﻮه ﻓﯿﮭﺎ ﻣﻦ ﺷﻘﺎء اﻟﻨﻔﺲ؛ وﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﻓﯿﻨﺒﻐﻲ أن ﻧﻜﻮن‬

‫ﻋﻠﻰ ﺣﺬر ﺣﯿﻦ‬

‫ﺗﺴﺘﻌﻤﻞ أﻟﻔﺎﻇﺎً ﻣﺜﻞ "ھﻤﺠﻲ" و "ﻣﺘﻮﺣﺶ" ﻓﻲ إﺷﺎرﺗﻨﺎ إﻟﻰ "أﺳﻼﻓﻨﺎ اﻟﺬﯾﻦ ﯾﻌﺎﺻﺮوﻧﻨﺎ اﻟﯿﻮم"؛‬

‫وﻟﻘﺪ آﺛﺮﻧﺎ أن ﻧﺴﺘﻌﻤﻞ ﻛﻠﻤﺔ "ﺑﺪاﺋﻲ" ﻟﻨﺪل ﻋﻠﻰ ﻛﻞ اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺘﺨﺬ اﻟﺤﯿﻄﺔ‪ ،‬أو ﻻ ﺗﻜﺎد ﺗﺘﺨﺬھﺎ‪،‬‬

‫ﺑﺤﯿﺚ ﺗﺪﺧﺮ اﻟﻘﻮت ﻟﻸﯾﺎم اﻟﻌﺠﺎف‪ ،‬واﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺴﺘﺨﺪم اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ أو ﻻ ﺗﻜﺎد ﺗﺴﺘﺨﺪﻣﮭﺎ؛ وﻓﻲ ﻣﻘﺎﺑﻞ ذﻟﻚ‪،‬‬

‫ﺳﻨﻄﻠﻖ ﻟﻔﻆ اﻟﺘﻤﺪن ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻮام اﻟﺘﻲ ﻓﻲ وﺳﻌﮭﺎ أن ﺗﻜﺘﺐ‪ ،‬وأن ﺗﺪﺧﺮ ﻓﻲ أﯾﺎم ﯾﺴﺮھﺎ ﻷﯾﺎم ﻋﺴﺮھﺎ"‬

‫ـ ﻗﺼﺔ اﻟﺤﻀﺎرة ﻟﻠﻜﺎﺗﺒﯿﻦ اﻟﻜﺒﯿﺮﯾﻦ ول و آرﯾﯿﻞ دﯾﻮراﻧﺖ‪ .‬ج ‪ 1‬ص ‪ 18‬ـ ‪.19‬‬

‫ﯾُﻤﺜّﻞ اﻟﻔﺮد ﻗﻤّﺔ اﻟﻮﺟﻮد اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ھﻲ ﺗﻌﺪد اﻷﻓﺮاد ‪ ،‬و اﻹﻧﺴﺎن ﻛﻤﺨﻠﻮق ﯾﺤﻤﻞ ﻓﻲ داﺧﻠﮫ‬

‫ﺗﺼﻮره اﻟﺨﺎص ﻟﻠﺤﯿﺎة و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ و ﻛﻞ اﻟﻤﻨﺘﺞ اﻟﺒﺸﺮي ‪ ،‬و ﻣﮭﻤﺎ ﺗﺸﺎﺑﮭﺖ ﻗﻨﺎﻋﺔ ﺟﻤﺎﻋﺔ أو دﯾﻦ ﻣﻦ‬

‫اﻷدﯾﺎن ‪ ،‬ﯾﺒﻘﻰ اﻟﻔﺮد ﻓﻲ داﺧﻠﮫ ـ ذاﺗﮫ ـ ﺣُﺮّا ﻓﻲ أن ﯾﺆﻣﻦ أو ﻻ ﯾﺆﻣﻦ ‪ ،‬ﯾُﺼﺪّق أو ﻻ ﯾﺼﺪّق ‪ ،‬ﻓﮭﻮ ﻣﺎﻟﻚ‬

‫ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬و أرى "ﺳﺎرﺗﺮ" ﻣﺤﻘﺎ ﻓﻌﻼ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺆﻛﺪ أن اﻹﻧﺴﺎن ھﻮ اﻟّﺬي ﯾﺨﻠﻖ ﻣﺎ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﮫ ‪ ،‬ﻓﺸﺨﺺ ﻣﺎ ﻗﺪ‬

‫ﯾﻜﻮن ﻣﺆﻣﻨﺎ ﺑﺪﯾﻦ ﻣﻦ اﻷدﯾﺎن إﻟﻰ ﺣﺪّ أﻧﮫ ﻣﺴﺘﻌﺪ أن ﯾﻤﻮت ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻠﮫ ‪ ،‬ﺛﻢ ﺗﺤﺚ ﺗﺤﻮﻻت ﻓﻜﺮﯾﺔ ﻟﺪﯾﮫ‬

‫ﻓﯿﺼﺒﺢ ھﺬا اﻟﻤﺘﺪﯾﱢﻦ "ﻣﺎرﻛﺴﯿﺎ" ﻣﺜﻼ و ﯾﺼﻒ اﻟﺪّﯾﻦ اﻟّﺬي ﻛﺎن ﯾﺆﻣﻦ ﺑﮫ ﺑﺎﻷﻣﺲ أﺷﺪّ اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺄﻧﮫ‪:‬‬

‫أﻓﯿﻮن اﻟﺸّﻌﻮب ‪ !"..‬ﺛﻢ ﻧﺮاه ﻣﺴﺘﻌﺪا أﯾﻀﺎ أن ﯾﻤﻮت ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ" ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﻣﺴﺘﻌﺪا ﺑﺎﻷﻣﺲ‬

‫أن ﯾﻤﻮت ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ ﷲ ‪ !!..‬و ﻓﻲ ﻛﻼ اﻟﺤﺎﻟﺘﯿﻦ ﻓﺈﻧﮫ ﻛﺎن ﯾﻌﺘﻘﺪ أﻧﮫ ﻗﺪ ﺗﻮﺻّﻞ إﻟﻰ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ‪.‬‬

‫إنّ اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ ﺟﻮھﺮه ھﻮ "ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ردود أﻓﻌﺎل" و ھﻮ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﮫ ﻻ ﯾﻘﻮم ﺑﺮدّ اﻟﻔﻌﻞ اﻋﺘﺒﺎﻃﯿﺎ‬

‫أو آﻟﯿﺎ! ﺑﻞ إن اﻹﻧﺴﺎن ـ ﻛﻞ إﻧﺴﺎن ـ ﻟﺪﯾﮫِ رﻏﺒﺔ ﻣﺎ ﻧﺤﻮ ﺷﻲء ﻣﺎ ‪ ،‬ﺳﻮاء ﺗﻌﻠﻖ ذﻟﻚ اﻟﺸّﻲء ﺑﺬاﺗﮫ أو‬

‫ﺑﻤﺤﯿﻄﮫ ‪ ،‬و ھﻮ ﻟﻜﻲ ﯾﺼﻞ إﻟﻰ ﻛﻤﺎل اﻟﺬّات "اﻷﻧﺎ اﻟﺒﺮاﻗﺔ" ﻓﺈﻧﮫ ﯾﺒﺤﺚ ﻋﻦ وﺳﺎﺋﻞ ﻟﻠﻮﺻﻮل إﻟﻰ ھﺬا‬

‫اﻟﻜﻤﺎل اﻟّﺬي ﯾﺮاه اﻟﻔﺮد ﻛﻤﺎﻻ ‪ ،‬و ھﻮ ﻣﺎ ﻗﺪ ﻻ ﯾﻜﻮن ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ آﺧﺮ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ ﻣﺮﺗﺒﺔ دﯾﻨﯿﺔ‬

‫أو اﻟﻘﯿﺎم ﺑﻔﺮض دﯾﻨﻲ أو ﻗﺘﻞ أﺣﺪھﻢ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ اﷲ !! ﯾﺒﺪو ﻓﻲ ﻋﯿﻦ اﻟﻤﺘﺪﯾﻦ "ﻛﻤﺎﻻ" و ﺑﺮﯾﻘﺎ ﻟﺬاﺗﮫ‬

‫اﻟﻌﻄﺸﺔ ﻟﻸﻓﻀﻞ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﯾﺤﺘﻘﺮ اﻟﻤﺎرﻛﺴﻲ "ﻣﺜﻼ" ﻛﻞّ ذﻟﻚ و ﯾﻌﺘﺒﺮ اﻟﻜﻤﺎل ﻓﻲ أن ﯾﺼﺒﺢ "رﻓﯿﻘﺎ" ﻓﻲ‬

‫ﺣﺰب ﯾﺴﺎري أو ﯾﻘﺘﻞ ﻋﺪوا ﻣﻦ أﻋﺪاء اﻟﺜﻮرة و اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻜﺎدﺣﺔ!!‪.‬‬

‫إن اﻹﻧﺴﺎن ھﻮ ذاﺗﮫ ﺳﻮاء ﻛﺎن ﻓﺮدا ﻣﻦ ﻗﺒﯿﻠﺔ ﺗﻌﯿﺶ ﻓﻲ أﻛﺜﺮ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت رﺟﻌﯿﺔ أو ﺑﺮوﻓﯿﺴﻮرا ﻓﻲ‬

‫أرﻗﻰ ﺟﺎﻣﻌﺎت اﻟﻌﺎﻟﻢ ‪ ،‬ﯾﺒﻘﻰ ﯾﻤﺘﻠﻚ اﻟﺮﻏﺒﺎت و اﻟﻄﻤﻮح و أن ﯾﻜﻮن أﻓﻀﻞ ﻣﻦ ﻏﯿﺮه ﻣﻤﺘﺎزا ﻋﻤﺎ ﺳﻮاه ‪،‬‬

‫و ﯾﺘﻔﻖ ﻣﻌﻲ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" إذ ﯾﺠﻌﻞ "ﺣُﺐّ اﻟﺬّات" ﻣﺤﺮﻛﺎ ﻟﻠﺘﺎرﯾﺦ ‪ ،‬ﻓﺎﻹﻧﺴﺎن و‬

‫ﻷﻧﮫ ﯾﺤﺐ ذاﺗﮫ و ھﻮ ﺷﻌﻮر ﻣﻐﺮوس ﻓﻲ ﻧﻔﺴﮫ ‪ ،‬ﻓﺈﻧﮫ ﯾﻨﺎﻓﺲ اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻓﻲ ھﺬه اﻟﺤﯿﺎة و ﻛﺄﻧﮫ ﻟﻦ ﯾﻤﻮت ‪،‬‬

‫و ﺣﺘﻰ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﺪّﯾﻦ ﻓﺬﻟﻚ ﻷﻧﮫ ﯾﺒﺤﺚ ﻟﻨﻔﺴﮫ ـ ذاﺗﮫ ـ ﻋﻦ اﻟﺨﻠﻮد و اﻻﻧﺒﻌﺎث ﻣﻦ اﻟﻤﻮت اﻟّﺬي‬

‫ﺳﯿﻌﺘﺮﯾﮫ ﺣﺘﻤﺎ ‪ ،‬ﺑﻌﺪ ﻛﻞّ ھﺬا اﻟﻮﺿﻮح ﻓﻲ ﻣﺮﻛﺰﯾﺔ "اﻟﻔﺮد" و ﻛﻮﻧﮫ أﺳﺎس ﻛﻞّ ﻣﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬ﻻ ﺑُﺪّ ﻣﻦ أن‬

‫ﻧﻘﻮم ﺑﺘﺮﺳﯿﺦ ھﺬا اﻟﻤﺤﺮك اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ اﻟﻀﺨﻢ‪.‬‬

‫***‬

‫ﺗﺘّﺴﻢ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ اﻟﺸﺮﻗﯿﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﺑﻜﻮﻧﮭﺎ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﻏﺮﯾﺰة أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻣﺘﻼﻛﮭﺎ اﻟﻌﻘﻞ ‪ ،‬و اﻟﻐﺮﯾﺰة ﻗﺪ‬

‫ﺗﺼﯿﺐ أﺣﯿﺎﻧﺎ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮭﺎ ﺗﺨﻄﻲء أﻛﺜﺮ ﻣﻨﮭﺎ ﺣﯿﻦ ﺗﺼﯿﺐ ‪ ،‬و اﻟﻐﺮﯾﺰة ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﺗﻌﺠﺐ ﺑﺎﻟﺨﺒﺮة اﻟﻤﻮروﺛﺔ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﺎﺿﯿﻦ و ﺗﺮى ﻓﻲ ﻋﻤﻠﮭﻢ ‪ ،‬ﺣﺘّﻰ و إن ﻛﺎن "ﻣﻨﻄﻘﺎ ﻋﻘﻠﯿﺎ" ‪ ،‬ﻏﺮﯾﺰة ﻣﻘﺪﺳﺔ ﻻ ﯾﺠﻮز اﻟﺘﺠﺎوز أو‬

‫اﻟﺘﺤﺎور ﺣﻮﻟﮭﺎ ﺑﻤﻨﻄﻖ "اﻟﻨﻘﺪ" اﻟﺒﺎﺣﺚ ﻋﻦ ﻣﻮاﻃﻦ اﻹﺻﺎﺑﺔ و اﻟﺨﻄﺄ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﯾﺨﺴﺮ اﻟﻤﻔﻜﺮ ـ اﻟﺬي‬
‫‪105‬‬

‫أﺑﺪع اﻟﻔﻜﺮة ـ ﻷنّ ﻣﺎ ﻛﺎن ﯾﻨﺘﻈﺮه اﻟﻤﻔﻜﱢﺮ ﻣﻦ ﺗﻄﻮﯾﺮ ﻟﻔﻜﺮﺗﮫ ﻟﻢ ﯾﺘﺤﻘﻖ ﺑﻞ ﺗﻢّ إﺿﺎﻓﺔ إﻧﺠﺎزه اﻟﻔﻜﺮي إﻟﻰ‬

‫ﻗﺎﺋﻤﺔ "اﻟﻤﻘﺪّﺳﺎت" اﻟّﺘﻲ ﻻ ﺗﻘﺒﻞ اﻟﻨﻘﺎش أو اﻟﻨﻘﺪ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ واﺟﺐ اﻟﻤﻔﻜﱢﺮﯾﻦ اﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻧﻘﺪ‬

‫أﻓﻜﺎر اﻟﻤﺒﺪﻋﯿﻦ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ ﻟﺆﻟﺌﻚ اﻟّﺬﯾﻦ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﻣﻨﺠﺰاﺗﮭﻢ ﺑﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ اﻟّﺘﻲ ﺗﻌﺎﻧﻲ اﻷﻣﺮّﯾﻦ ﻣﻦ اﻟﺘﺨﻠﻒ و‬

‫اﻟﺠﮭﻞ و اﻟﺘﻘﻠﯿﺪ‪.‬‬

‫ﻣﺸﻜﻠﺘﻨﺎ ﻣﻊ اﻟﻤﻘﺪﱠس ـ ﻛﺸﺮﻗﯿﯿﻦ ـ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ أﻧّﮫ ﻏﯿﺮ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﻤﻨﺎﻗﺸﺔ و اﻟﺤﻮار ‪ ،‬و اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ اﻟﺸﺮﻗﯿﺔ‬

‫ﻟﻠﻤﻤﻨﻮع ﻋﻦ اﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ ﺗﺘﻤﺤﻮر ﻓﻲ ﺛﻼث ﻛﻤﺎ ﯾﺼﻨﻔﮭﺎ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻔﻜّﺮﯾﻦ "اﻟﺪّﯾﻦ" ‪" ،‬اﻟﺴّﯿﺎﺳﺔ" و‬

‫"اﻟﺠﻨﺲ" ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻧﺠﺪ اﻟﺸﺮﻗﻲ ﯾﺒﻘﻰ ﯾﺪور ﻓﻲ داﺋﺮة ﻣﻔﺮﻏﺔ و ھﻮ ﯾﺤﺎول أن ﯾﻜﻮن "ﻣﻔﻜﱢﺮا" دون اﻟﻤﺲ‬

‫ﺑﺎﻟﻤﻘﺪﺳﺎت ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﻐﺮﺑﻲ ﯾﻔﻜﺮ ﺑﺼﻮت ﻋﺎﻟﻲ دون أن ﯾﺨﺸﻰ ﻣﻦ ﻣﺤﺎﻛﻢ اﻟﺘﻔﺘﯿﺶ أو ﺗﮭﻤﺔ اﻟﮭﺮﻃﻘﺔ و‬

‫اﻟﻜﻔﺮ ﻓﺘﻜﻮن اﻟﺤﺼﯿﻠﺔ ﺳﻠﺴﻠﺔ ﻣﻦ اﻹﻧﺠﺎزات اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن أﻏﻠﺐ اﻟﻜُﺘّﺎب و اﻟﺒﺎﺣﺜﯿﻦ‬

‫اﻟﺸﺮﻗﯿﯿﻦ ﯾﻘﻮﻣﻮن ﺑﺈﻧﺸﺎء أﺑﺤﺎث ـ ھﺬا إذا ﺟﺎز أن ﻧﺴﻤﯿﮭﺎ أﺑﺤﺎﺛﺎ ـ ﺗﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﺗﻤﺠﯿﺪ و ﺗﻌﻈﯿﻢ اﻟﻤﻔﻜﺮ و‬

‫ﻓﻜﺮﺗﮫ أو اﻟﻌﻜﺲ ﻓﻲ أن ﯾﻘﻮم اﻟﺒﺎﺣﺚ ﺑﺘﺴﻔﯿﮭﮫ و ﺗﺴﺨﯿﻔﮫ و اﻟﺤﻂ ﻣﻦ ﺷﺄن ﻓﻜﺮﺗﮫ ‪ ،‬ﻓﻠﯿﺲ ھﻨﺎك ﻣﻮﻗﻒ‬

‫ﱢر اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ھﻮ ﯾﺮﯾﺪه و ﯾﺸﺘﮭﯿﮫ ﻻ‬


‫ﻣﺘﻮازن ﻟﻠﻐﺮﯾﺰة ‪ ،‬ﺑﻞ ھﻲ ﺗﺒﻘﻰ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺷﮭﻮة و ذوق ‪ ،‬ﻓﯿﺼﻮ‬

‫ﻋﻠﻰ ﺣﻘﯿﻘﺘﮫ و واﻗﻌﮫ‪.‬‬

‫ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻗﺮأت ﻛﺘﺎب "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" أول ﻣﺮة ﺗﺄﺛﺮتُ ﻛﺜﯿﺮا و أدرﻛﺖ أن ﻣﺆﻟﻔﮫ "اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼﺪر اﻷول" ﺣﻤﻞ‬

‫ﻓﻲ ﻧﻔﺴﮫ ﻋﻠﻤﺎ و ﻓﻜﺮا ﺟﻤّﺎ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﻨﻲ و ﺑﻌﺪ ﺳﻨﻮات ﻣﻦ اﻟﺒﺤﺚ و اﻟﺪّراﺳﺔ وﺟﺪت أن ھﻨﺎك ﺧﻠﻼ ھﺎﺋﻼ ﻓﻲ‬

‫ﻧﻤﻂ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ اﻟﺴﺎﺋﺪ ‪ ،‬ﺣﺘﻰ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﻘﻤﻢ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ ﻣﻦ ﻣﺮﺗﺒﺔ اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼﺪر ‪ ،‬و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أن ﺗﮭﻤﯿﺶ‬

‫"اﻟﻔﺮد" ﻛﻘﯿﻤﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ و ﻣﻮﺿﻮﻋﯿﺔ ﯾﺠﻌﻞ اﻟﻤﻨﺠَﺰ اﻟﻔﻜﺮي ﯾﺒﻘﻰ ﺷﺒﯿﮭﺎ ﺑﺄﻧﻤﺎط اﻟﻔﻠﺴﻔﺎت اﻻﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ و‬

‫اﻟﺸّﯿﻮﻋﯿّﺔ و اﻟﻘﻮﻣﯿّﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ إن ﻋﻨﻮان ﻛﺘﺎﺑﯿﮫ اﻟﻤﺸﮭﻮرﯾﻦ "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" و "اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" ﯾﻨﻄﻠﻖ ﻣﻦ ﻣﻨﻄﻖ‬

‫ﻷﻣّﺔ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻄﻲ اﻧﻄﺒﺎﻋﺎ ﺑﺄنّ ﻣﺎھﯿّﺘﻨﺎ و ھُﻮﯾﱠﺘﻨﺎ ھﻲ "ﺟﻤﺎﻋﯿّﺔ"‬


‫اﻟﻤﺘﺤﺪﱢث ﺑﻠﺴﺎن اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ أو اﻟﺪﱢﯾﺎﻧﺔ و ا ُ‬

‫ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﻤﻀﺎﻣﯿﻦ "اﻟﻔﺮد" ﻷن ﻟﺴﺎن اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ و اﻟﻌﻘﻞ اﻟﻨﻈﺮي "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" ﻻ ﯾﻘﻮم إﻻ ﻋﻠﻰ "روح‬

‫اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ" و ﺗﻌﺮﯾﻔﮫ ھﻮ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻧﻔﺴﮭﺎ ‪ ،‬و ﻛﺬﻟﻚ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻨّﺴﺒﺔ ﻟﻠﻌﻘﻞ اﻟﺘﻄﺒﯿﻘﻲ "اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" اﻟّﺬي ﻻ‬

‫ﯾﻮﺟﺪ ﻓﻲ ﺣﯿﱢﺰ اﻟﻮاﻗﻊ إﻻ ﻋﺒﺮ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ‪.‬‬

‫إن أﺳﺎس اﻷدﯾﺎن و اﻟﻤﻨﻄﻖ اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ـ ﺣﺘﻰ اﻹﻟﺤﺎدي ﻣﻨﮭﺎ ـ إﻧﻤﺎ ھﻮ اﻹﻧﺴﺎن ﻛﻔﺮد أوﻻ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﺗﺄﺗﻲ‬

‫اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻓﻲ ﺗﻌﺮﯾﻔﺎﺗﮭﺎ ﻛﺤﺼﯿﻠﺔ ﻟﻘﻨﺎﻋﺎت اﻷﻓﺮاد ‪ ،‬ﻓﺈﺑﺮاھﯿﻢ و ﻧﻮح و ﻣﻮﺳﻰ و ﻋﯿﺴﻰ و ﻣﺤﻤﺪ ھﻢ‬

‫ﻛﺜُﺮ ﯾﺆﻣﻨﻮن ﺑﮭﺬه اﻷﻓﻜﺎر ﻧﺘﺠﺖ اﻷﻣﻢ ﻛﻤﺠﺎﻣﯿﻊ‬


‫أﻓﺮاد روّﺟﻮا و دﻋﻮا ﻷﻓﻜﺎر ﻣﻌﯿﻨﺔ و ﺑﻨﺸﻮء أﻓﺮاد ُ‬

‫أﻓﺮاد ﯾﺘﻔﻘﻮن ﻋﻠﻰ إﯾﻤﺎن ﻣُﻌﯿﱠﻦ ‪ ،‬و اﻷﻣﺮ ﯾﺘﻜﺮر ﻓﻲ اﻟﺪول و اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿّﺔ اﻟّﺘﻲ ﺗﺘﻔﻖ ﺷﻌﻮﺑﮭﺎ ﻋﻠﻰ‬

‫"ﻋﻘﺪ اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ" ﻣﺎ ﯾﺘﻨﺎزل ﺑﻤﻮﺟﺒﮫ اﻷﻓﺮاد ﻋﻦ ﺟﺰء ﻣﻦ ﺣﺮﯾّﺘﮭﻢ ﻟﺤﻔﻆ ھﺬه اﻟﺤﺮﯾّﺔ‪.‬‬

‫و ﺣﯿﺚ ﯾﻜﻮن "اﻟﻔﺮد" ﺗﺤﺖ اﻟﻘﻤﻊ و ﺣﯿﺚُ ﯾُﻤﻨﻊ ﻣﻦ إﺑﺪاء رأﯾﮫ دون ﺧﻮف ‪ ،‬ﻻ ﯾﻜﻮن ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ أيﱡ ﻗﯿﻤﺔ‬

‫‪ ،‬ﻷﻧﮫ و ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻟﻘﻤﻊ اﻷﻓﺮاد و ﻣﻨﻌﮭﻢ ﻣﻦ اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ اﻟﺤُﺮّ ﻋﻦ اﻷﻓﻜﺎر و اﻟﻤﻌﺘﻘﺪات ‪ ،‬ﺗﻜﻮن اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻣﺠﺮد‬

‫ﻛﺘﻠﺔ ﺑﺸﺮﯾّﺔ ﻻ ﻗﯿﻤﺔ ﻟﮭﺎ ‪ ،‬أو ﺑﺘﻌﺒﯿﺮ آﺧﺮ "ﺟﺴﺪا ﺑﻼ روح" ‪ ،‬إن ﺣﻘﻮق اﻟﻔﺮد ﻻ ﺗﻌﻨﻲ ﺑﺤﺎل ﻣﻦ اﻷﺣﻮال‬

‫إﻟﻐﺎء اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﺣﺎﺟﺎت و ﺣﻘﻮق اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻻ ﺗﻤﺘﻠﻚ اﻷﺳﺒﻘﯿﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮق اﻟﻔﺮد ‪ ،‬ﻷنّ‬

‫اﻟﻔﺮد و إن ﺗﺤﺼّﻦ ﺑﺎﻟﺠﻤﺎﻋﺔ و اﻟﺪوﻟﺔ ‪ ،‬إﻟﻰ أن اﻟﻔﺮد ھﻮ اﻟﺨﻠﯿّﺔ و اﻟﻌﻨﺼﺮ اﻷﺳﺎﺳﻲ ﻷيّ ﺟﻤﺎﻋﺔ ‪ ،‬و‬

‫اﻟﺘﺮﻛﯿﺰ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد ﻟﻦ ﯾﻌﻨﻲ ﻣُﻄﻠﻘﺎ إﺛﺎرة ﻣﺎ ﻗﺪ ﯾﺴﻤّﯿﮫ اﻟﺒﻌﺾ "أﻧﺎﻧﯿّﺔ ﺷﺨﺼﯿﺔ" ﻷنّ اﻟﺘﺮﻛﯿﺰ ﻋﻠﻰ‬

‫اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ھﻮ أﺧﻄﺮ ﻛﻮﻧﮫ ﺳﯿﺤﻮل اﻟﻜﺘﻠﺔ اﻟﺒﺸﺮﯾّﺔ إﻟﻰ ﻃﺎﻋﺔ أﻓﺮاد ﻣﻌﺪودﯾﻦ و ﻣﻦ ﺛُﻢّ ﻃﺎﻋﺔ اﻟﻔﺮد‬

‫اﻟﻮاﺣﺪ "اﻷﻧﺎﻧﯿّﺔ اﻟﻌﻈﻤﻰ" اﻟّﺘﻲ ﺗﺘﺠﺴّﺪ ﻓﻲ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟﻤُﺴﺘَﺒﺪّ ‪ ،‬ﺳﻮاء ﺣﻜﻢ ﺑﺎﻟﺤﻖ اﻹﻟﮭﻲ ﻛﻤﺎ ﻓﻲ اﻟﺪّوﻟﺔ‬

‫اﻟﺪّﯾﻨﯿّﺔ أو ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ اﻹﻟﺤﺎد "اﻟﻨﻤﻮذج اﻟﺸّﯿﻮﻋﻲ" أو اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ اﻟﻌﻨﺼﺮﯾّﺔ "ﻧﻤﻮذج ھﺘﻠﺮ و‬

‫ﺻﺪام" ‪ ،‬إن اﻟﻤﺎﻧﻊ ﻣﻦ ھﯿﻤﻨﺔ اﻷﻧﺎﻧﯿّﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس اﻟﻔﺮد و ﺣﻘﻮﻗﮫ ﻛﻮﻧﮫ‬

‫اﻟﻐﺎﯾﺔ ﻣﻦ ﻛﻞ "ﻓﻜﺮة" ﻛﺎﻟﺪﯾﻦ و اﻟﺪوﻟﺔ و اﻟﻮﻃﻨﯿﺔ ‪ ،‬ھﻮ وﺟﻮد ﻣﺠﻤﻮع أﻧﺎﻧﯿّﺎت ﺗﺘﺤﺪ و ﺗﺘﻨﺎزل ﻋﻦ‬

‫ھﯿﻤﻨﺘﮭﺎ ﺑﻔﻌﻞ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ اﻟﯿﻮﻣﻲ و اﻟﺘﺪاﺧﻞ اﻟﻮﻇﯿﻔﻲ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ھﺬه اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿّﺔ ﺗﺘﯿﺢ ﻟﻠﺪّﯾﻦ ‪ ،‬رﻏﻢ‬
‫‪106‬‬

‫ﻓﺼﻠﮫ ﻋﻦ اﻟﺴّﯿﺎﺳﺔ ‪ ،‬ﺑﺄن ﯾﻘﻮم ﺑﺘﮭﺬﯾﺐ اﻹﻧﺴﺎن و ﺟﻌﻠﮫ ﻛﺎﺋﻨﺎ ﺣﺮّا و ﻓﻌﺎﻻ و اﻟﻨﻤﻮذج اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ أﺻﺪق‬

‫ﻣﺜﺎل ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ‪.‬‬

‫**********‬

‫ﻣﻦ ﺧﻼل ھﺬه اﻟﻤُﻘﺪّﻣﺔ أود أن أﺷﯿﺮ إﻟﻰ أن ﺗﻌﺎﻣﻠﻨﺎ ﻣﻊ ﻣﺤﯿﻄﻨﺎ ﻛﺒﺸﺮ ﻻ ﺑُﺪﱠ أن ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ أﺳﺎس أنّ‬

‫اﻟﻔﺮد ھﻮ اﻷﺳﺎس و اﻟﻤﻨﻄﻠﻖ ﻟﻠﻔﻜﺮة و ﻟﻺﯾﻤﺎن اﻟﺪّﯾﻨﻲ أﯾﻀﺎ ‪ ،‬و ﻟﻮ ﻓﺮﺿﻨﺎ ﺟﺪﻻ أنّ اﻟﺪّﯾﻦ ھﻮ ﻣﺴﺄﻟﺔ‬

‫"وراﺛﺔ" ـ ﻛﻤﺎ ﯾﺮﯾﺪ اﻟﻤﺸﺎﯾﺦ و اﻟﻤﻨﻐﻠﻘﻮن ﻓﻜﺮﯾّﺎ ـ إذا ﻟﻜﺎن ﻟﺰاﻣﺎ ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮﯾﻦ رﻓﺾ دﻋﻮة اﻟﻨﺒﻲ‬

‫ﻣﺤﻤﺪ ﻣُﻘﺪﱠﻣﺎ ﻛﻮن ھﺬه اﻟﺪﻋﻮة ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﻌﺎرض و ﺗﻨﺎﻗِﺾ ﻋﻘﺎﺋﺪ و ﻣﻮروﺛﺎت و ﺗﻘﺎﻟﯿﺪ اﻟﻌﺮب و اﻟﺸّﻌﻮب‬

‫ﺴﮭُﻢ ﻟﻦ ﯾﻌﻮد ﻓﻲ إﻣﻜﺎﻧﮭﻢ دﻋﻮة اﻵﺧﺮﯾﻦ إﻟﻰ دﯾﻨﮭﻢ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ‬


‫ﻔ ُ‬
‫اﻷُﺧﺮى ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أنّ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ أﻧ ُ‬

‫اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ و اﻟﺠﻤﺎﻋﯿّﺔ ﺗﺸﻜﻞ اﻟﻌﻨﺼﺮ اﻷﺳﺎس ﻷي ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻧﺎﺟﺢ‪.‬‬

‫و أﻧﺎ ھﻨﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ أﻗﻮم ﺑﻨﻘﺪ "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" و "اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" ﻻ أرﯾﺪ ﻣﻦ اﻵﺧﺮﯾﻦ أن ﯾﻨﻈﺮوا إﻟﻰ اﻟﻤﻮﺿﻮع‬

‫ﺑﻤﻨﻈﺎر ﻗﺪﯾﻢ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﯾﻌﺘﺒﺮون اﻟﻨﻘﺪ ﻣﺴﺄﻟﺔ "ﻣﺸﺎﻋﺮ" ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻜﺮاھﯿﺔ أو اﻟﻤﺤﺒّﺔ ‪ ،‬ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﺗﺤﺐﱡ‬

‫ﺷﺨﺼﺎ ـ ﺣﺴﺐ اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ ـ ﻻ ﯾﻤﻜﻨﻚ أن ﺗﻨﺘﻘﺪه ‪ ،‬و ھﺬا ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿّﺔ و اﻟﺸﺨﺼﯿّﺔ‬

‫‪ ،‬ﻟﻜﻨﮫ ﻣﺮﻓﻮض ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺘﻌﻠﻖ اﻟﻤﻮﺿﻮع ﺑﻨﻈﺮﯾﺔ ﻓﻠﺴﻔﯿﺔ أو اﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ و ﻏﯿﺮھﺎ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ اﻟّﺘﻲ ﺗﺘﺪاﺧﻞ‬

‫ﻣﻊ اﻟﻨﻈﻢ اﻟﻌﺎﻣﺔ و اﻟﮭﯿﻜﻠﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿّﺔ ‪ ،‬و "ﻛﻠﻤﺔ ﺣﻖ ﻋﻨﺪ ﺳﻠﻄﺎن ﺟﺎﺋﺮ" ﺗﻤﺜّﻞ ﻗﻤّﺔ اﻟﻜﻤﺎل اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ‬

‫ﺑﺘﺸﺠﯿﻊ اﻟﻨﺎس و اﻷﻓﺮاد ﻋﻠﻰ إﺑﺪاء اﻟﺮأي ﺿﺪ ﻣﻦ ﯾﺮﻓﺾ ﺗﻌﺪد اﻟﺮأي "اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟﺠﺎﺋﺮ" ‪ ،‬و ﺳﻮاء ﻛﺎن‬

‫اﻟﻤﺤﺘﻜﺮ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ "ﺷﺨﺼﺎ" ‪" ،‬ﺟﻤﺎﻋﺔ" ‪ ،‬أو "ﻓﻜﺮة" ! ﻓﺄنّ اﻟﻨﻘﺪ ﯾﻤﺜّﻞ اﻟﻐﺎﯾﺔ و اﻟﻤﺤﺮك اﻟّﺬي ﺳﻮف‬

‫ﯾﺘﺒﻌﮫ ﺳﻠﺴﻠﺔ ﻣﻦ ﻋﻤﻠﯿﺎت اﻟﻨﻘﺪ اﻟﻤﺘﻮاﺻﻠﺔ و اﻟّﺘﻲ ﺳﯿُﻘﻀﻰ ﺑﻤﻮﺟﺒﮭﺎ ﻋﻠﻰ "اﺣﺘﻜﺎر" اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣﻦ أي‬

‫ﻃﺮف ‪ ،‬و ﻛﺜﯿﺮا ﻣﺎ ﯾُﺘﺤﻔﻨﺎ اﻟﻤُﻔﻜّﺮون اﻹﺳﻼﻣﯿّﻮن ﺑﺎﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ "اﻻﺣﺘﻜﺎر اﻻﻗﺘﺼﺎدي" و ﻟﻜﻨّﮭﻢ‬

‫ﯾﺘﺠﺎھﻠﻮن "اﻻﺣﺘﻜﺎر اﻟﺴّﯿﺎﺳﻲ" رﺑّﻤﺎ ﻷﻧّﮭﻢ ﯾُﺪرﻛﻮن ﻣﺴﺒﻘﺎ أﻧّﮭﻢ أﯾﻀﺎ ﯾﺪّﻋﻮن اﺣﺘﻜﺎر اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ‪.‬‬

‫إن أزﻣﺔ ﻋﺎﻟﻤﻨﺎ اﻟﺸّﺮﻗﻲ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﯿﺴﺖ أزﻣﺔ "ھﻮﯾﺔ" أو ﺑﺤﺚ ﻋﻦ "اﻟﺬّات" ﻛﻤﺎ ﯾُﺼِﺮّ اﻟﻤﻔﻜﺮون‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿّﻮن ‪ ،‬و اﻟﺼﺪر واﺣﺪ ﻣﻨﮭﻢ ‪ ،‬ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ھﻲ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺗﺮﺗﺒﻂ ﺑﺎﻟﻜﯿﻨﻮﻧﺔ و اﻟﺼّﯿﺮورة ﻓﻲ آن واﺣﺪ ‪،‬‬

‫ﻓﻨﺤﻦ ﻧﻄﺮح اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ "اﻟﻌﻈﻤﺔ" و "اﻟﺪور اﻷﺳﺎﺳﻲ" ﻟﺤﻀﺎرﺗﻨﺎ اﻟﻤﺰﻋﻮﻣﺔ و ﻟﻜﻨﻨﺎ ﻻ ﻧﺠﺪ أﻣﺜﻠﺔ‬

‫ﻟﻤﻨﺠﺰات ﺗﺴﺘﺤﻖ اﻟﺬّﻛﺮ ﻻ ﻓﻲ اﻟﻤﺎﺿﻲ و ﻻ ﻓﻲ اﻟﺤﺎﺿﺮ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈن اﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ھﻮ ﻣﺠﺮد ﻓﺮاغ ‪ ،‬إنّ‬

‫أزﻣﺔ ﺣﻀﺎرﺗﻨﺎ ﺗﺘﻤﺤﻮر ﺣﻮل ﻧﻘﻄﺔ أﺳﺎﺳﯿّﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﮭﺎ ﻛﻞ اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺎت و اﻹﺷﻜﺎﻟﯿﺎت اﻟﻼﺣﻘﺔ و ھﻲ‬

‫"ﺣُﺮﯾّﺔ اﻟﻔﺮد" ‪ ،‬و ھﺬه اﻟﻜﻠﻤﺔ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﺑﻘﯿﺖ دون ﺟﻮاب ﻓﺈن "ﺣﻀﺎرﺗﻨﺎ ـ ﻻﺣﻆ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﺠﻤﻌﻲ" ﺳﺘﺒﻘﻰ‬

‫ﺗﺪور ﻓﻲ ﻓﻠﻚ ﻣﻦ اﻷﺳﺌﻠﺔ اﻟﻔﺎرﻏﺔ اﻟّﺘﻲ ﻻ ﺟﻮاب ﻟﮭﺎ ‪ ،‬ﻷن أﻓﺮاد ھﺬه اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺗﺪور ﻓﻲ أﻓﻼﻛﮭﺎ ﺑﺸﻜﻞ‬

‫ﻗﻠﻖ و ﻣﺴﯿﱠﺮ ﻓﻲ أﻏﻠﺐ اﻷﺣﯿﺎن و اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ ھﻲ ﻋﺠﺰ ﻓﻲ ﻛُﻞّ اﻟﻤﺠﺎﻻت‪.‬‬

‫ﯾﻌﯿﺶ "أﻓﺮاد" ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ اﻟﺘﻨﺎﻗﺾ اﻟﻤﻨﻄﻘﻲ اﻟﻤﺘﻮاﺻﻞ ‪ ،‬ﻓﺒﯿﻨﻤﺎ ﯾﻨﺸﺄ اﻟﻔﺮد ﻋﻠﻰ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺗُﻠﻘّﻨﮫ أن‬

‫"اﻹﺳﻼم" ھﻮ دﯾﻦ اﻟﺘﻜﺎﻣﻞ و أﻧﮫ اﻟﺤﻞ اﻟﺴّﺤﺮي ﻟﻜﻞ اﻹﺷﻜﺎﻻت و ﯾﻤﻨﻊ اﻟﻈﻠﻢ ‪ ،‬ﯾﺠﺪ ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ ﻧﻘﯿﻀﺎ‬

‫ﻟﻜﻞ ذﻟﻚ ‪ ،‬ﻓﺒﺪءا ﺑﺎﻻﺳﺘﺒﺪاد اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ و ﻣﺮورا ﺑﺎﺳﺘﺒﺪاد اﻵﺑﺎء و ھﯿﻤﻨﺔ اﻟﺮّﺟﺎل ﻋﻠﻰ اﻟﻨّﺴﺎء و اﻟﺘﻔﺎوت‬

‫اﻟﻄﺒﻘﻲ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﺜّﺮاء اﻟﻔﺎﺣﺶ و اﻟﻔﻘﺮ اﻟﻤﺪﻗﻊ و أﺧﯿﺮا اﻟﻈﻠﻢ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ و ﻓﻘﺪان اﻟﺤﺮﯾّﺔ ‪ ،‬ھﺬه‬

‫اﻟﺼّﻮرة اﻟﻼ ﻣﻨﻄﻘﯿّﺔ ﺟﻌﻠﺖ اﻟﻔﺮد اﻟﻤﺴﻠﻢ و اﻟﺸّﺮﻗﻲ ﺗﺤﺪﯾﺪا ﯾﻌﯿﺶ ﻣﻨﻄﻖ "اﻟﻼ ﻣﻨﻄﻖ"‪.‬‬

‫ذات ﻣﺮّة ﺳﺄﻟﻨﻲ ﺻﺪﯾﻖ‪ :‬ھﻞ اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻗﺎﺑﻠﻮن ﻷن ﯾﺼﺒﺤﻮا دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﯿﻦ ؟؟ ﻓﺄﺟﺒﺘﮫ‪ :‬ﻟﻘﺪ ﻛﺎن اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن‬

‫ﻗﺒﻞ ‪ 1000‬ﻋﺎم أﻛﺜﺮ ﻗﺎﺑﻠﯿّﺔ ﻟﻠﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ‪ !!"..‬و ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﻛﺎن ھﻮ ﻣﺬھﻮﻻ ﻟﻠﺠﻮاب ﻛﻨﺖ ﻣﻄﻤﺌﻨﺎ ﻟﮭﺬا‬

‫اﻟﺠﻮاب ‪ ،‬ﻓﻘﺒﻞ أﻟﻒ ﻋﺎم ﻛﺎﻧﺖ ﺣﻀﺎرﺗﻨﺎ ﺗﺘﯿﺢ "ﻟﻠﻔﺮد" أن ﯾﻜﻮّن ﻧﻤﻂ ﺣﯿﺎﺗﮫ و ﺗﻔﻜﯿﺮه ‪ ،‬و ﻛﻨﺎ ﻧﺠﺪ ـ ﻛﻤﺎ‬

‫ﻧﻘﺮأ ﻓﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺦ ـ ﻣﺠﺎﻟﺲ ﯾﺘﻨﺎﻇﺮ ﻓﯿﮭﺎ اﻟﻤﻔﻜّﺮون ‪ ،‬اﻟﻤﻠﺤﺪ و اﻟﻤﺘﺪﯾﻦ و اﻟﺴﻨّﻲ و اﻟﺸﯿﻌﻲ و اﻟﻤﺴﻠﻢ و‬

‫ﻏﯿﺮ اﻟﻤﺴﻠﻢ ‪ ،‬ﺑﻞ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ أن ﯾﺴﺄل أﺣﺪھﻢ و ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺲ ﻋﺎم ﻋﻦ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﺧﻄﯿﺮة أﻋﺘﻘﺪ أﻧﮭﺎ ﻟﻮ‬

‫ﻃُﺮﺣﺖ اﻵن ﻟﻜﺎن ﻛﻔﯿﻼ أن ﺗﺼﺪر ﺑﺤﻘّﮫ ﻓﺘﻮى ﻗﺘﻞ ‪ ،‬و ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻮاﺿﯿﻊ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﺑﯿﻦ اﻟﺮّﺟﺎل و اﻟﻨﺴﺎء‬

‫راﺋﺠﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺎﻟﺲ اﻟﻌﺎﻣّﺔ‪.‬‬


‫‪107‬‬

‫و ﻟﻜﻲ ﻧﻔﮭﻢ ﻣﻜﺎﻧﺔ "اﻟﻔﺮد" ﻓﻲ ﻣﺠﻤﻞ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻛﻤﺎ وﺿﻌﮭﺎ اﻟﺼّﺪر اﻷول ‪ ،‬ﻻ ﺑﺪ ﻟﻨﺎ ﻣﻦ أن‬

‫ﻧﺪرس و ﻧﺘﺎﺑﻊ ﻣﺎ ﻃﺮﺣﮫ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﯿﮫ "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" و "اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" ‪ ،‬و أول إﺷﻜﺎل ﯾﻮاﺟﮭﻨﺎ ﻓﻲ ﺗﻌﺎﻣﻠﮫ ﻣﻊ‬

‫ﻗﻀﯿﺔ "اﻟﻔﺮد" و "اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ" ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ أﻧﮫ ﺻﻨّﻒ اﻟﻔﺮد ـ و ھﻮ ﺟﺰء ﻣﻦ ﻛﻞّ ـ إﻟﻰ ﻓﺮد ﯾﻨﺘﻤﻲ إﻟﻰ‬

‫ﻣﺠﺘﻤﻊ "ﺷﺮﻗﻲ" ‪" ،‬إﺳﻼﻣﻲ" ‪ ،‬و آﺧﺮ "ﻏﺮﺑﻲ" ‪" ،‬ﻣﺴﯿﺤﻲ" ‪" ،‬ﯾﮭﻮدي" و "ﻣﻠﺤﺪ" ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺛُﻢّ اﻧﺘﻘﻞ‬

‫إﻟﻰ ﺟﻌﻞ اﻟﺸﺮﻗﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺧﺎﺻّﺔ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ اﻵﺧﺮ اﻟﻐﺮﺑﻲ ‪ ،‬و اﻋﺘﺒﺮ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻟﺸﺮﻗﻲ "ﻣﺘﺪﯾﻨﺎ"‬

‫ﺑﺎﻟﻔﻄﺮة أو ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ أن اﻟﻨﻤﻮذج اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﻠﺒﺮاﻟﻲ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أن ﯾﻨﺴﺠﻢ ﻣﻊ "اﻟﻔﺮد" و‬

‫ﺸﻚّ ﻓﻲ ﺻﺤﺘﮫ ‪ ،‬ﻓﺎﻹﻧﺴﺎن ھﻮ اﻹﻧﺴﺎن ﻻ ﯾﺨﺘﻠﻒ إﻻ ﺑﺎﺧﺘﻼف‬


‫"اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ" اﻟﺸّﺮﻗﯿﯿﻦ ‪ ،‬و ھﻮ اﺳﺘﻨﺘﺎج ﻧ ُ‬

‫اﻟﻈﺮوف اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﯿّﺔ ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼّﺪر ﻓﻲ ﻣﻌﺮض ﺣﺪﯾﺜﮫ ﻋﻦ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ‪:‬‬

‫"‪ .‬ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺬي أﻃﺎح ﺑﻠﻮن ﻣﻦ‬

‫اﻟﻈﻠﻢ ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ‪ ,‬وﺑﺎﻟﺤﻜﻢ اﻟﺪﻛﺘﺎﺗﻮري ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ‪ .‬وﺑﺠﻤﻮد اﻟﻜﻨﯿﺴﺔ وﻣﺎ إﻟﯿﮭﺎ‬

‫ﻓﻲ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ‪ ,‬وھﯿﺄ ﻣﻘﺎﻟﯿﺪ اﻟﺤﻜﻢ واﻟﻨﻔﻮذ ﻟﻔﺌﺔ ﺣﺎﻛﻤﺔ‬

‫ﺟﺪﯾﺪة ﺣﻠﺖ ﻣﺤﻞ اﻟﺴﺎﺑﻘﯿﻦ‪ ,‬وﻗﺎﻣﺖ ﺑﻨﻔﺲ دورھﻢ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ أﺳﻠﻮب‬

‫ﺟﺪﯾﺪ‪.‬‬

‫وﻗﺪ ﻗﺎﻣﺖ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻋﻠﻰ اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﻟﻔﺮد إﯾﻤﺎﻧﺎ ﻻ ﺣﺪ ﻟﮫ‪ .‬وﺑﺎن ﻣﺼﺎﻟﺤﮫ اﻟﺨﺎﺻﺔ‬

‫ﺑﻨﻔﺴﮭﺎ ﺗﻜﻔﻞ ـ ﺑﺼﻮرة ﻃﺒﯿﻌﯿﺔ ـ ﻣﺼﻠﺤﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻲ ﻣﺨﺘﻠﻒ‬

‫اﻟﻤﯿﺎدﯾﻦ ‪ ...‬وان ﻓﻜﺮة اﻟﺪوﻟﺔ إﻧﻤﺎ ﺗﺴﺘﮭﺪف ﺣﻤﺎﯾﺔ اﻷﻓﺮاد وﻣﺼﺎﻟﺤﮭﻢ اﻟﺨﺎﺻﺔ‪,‬‬

‫ﻓﻼ ﯾﺠﻮز أن ﺗﺘﻌﺪى ﺣﺪود ھﺬا اﻟﮭﺪف ﻓﻲ ﻧﺸﺎﻃﮭﺎ وﻣﺠﺎﻻت ﻋﻤﻠﮭﺎ" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫ﺣﻘﯿﻖ ھﻨﺎ ﺑﺄن ﻧﻄﺮح اﻟﺴﺆال‪ :‬إذا ﻛﺎن اﻟﻤﻨﺠﺰ اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻓﯿﻤﺎ ﯾﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺤﯿﺎة اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾّﺔ و إﻟﻐﺎء‬

‫اﻟﺪّﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ و ﻣﻨﻊ اﺳﺘﻐﻼل اﻟﺪﯾﻦ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﻓﺌﺔ ﻣﻦ اﻟﻨّﺎس ‪ ،‬ﻛﻞّ ھﺬه اﻟﻤﻨﺠﺰات إذا ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻛﺎﻓﯿﺔ و ﺑﻘﻲ ﻟﻨﺎ‬

‫ﺷﻲء ﻣﻦ "ﺣﺐّ اﻟﻨﻘﺪ" ﻟﻤﺠﺮد اﻟﻨﻘﺪ ! ﻓﻼ ﻣﻌﻨﻰ ﻷي ﺑﺮاﻣﺞ ﺳﯿﺎﺳﯿﺔ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أﻧﮫ ﻻ ﯾﻮﺟﺪ ﻓﻲ ﺑﺎﻃﻦ‬

‫اﻟﺘﺎرﯾﺦ و ﻻ ﻓﻲ اﻟﺤﺎﺿﺮ اﻟّﺬي ﻧﻌﯿﺸﮫ دوﻟﺔ أو ﻧﻈﺎم ﺳﯿﺎﺳﻲ "ﻣﺜﺎﻟﻲ" ﻻ ﯾﻮﺟﺪ ﻓﯿﮫ أيّ ﻋﯿﺐ ‪ ،‬و ﻛﻤﺎ‬

‫ﺳﺒﻖ و ﻗﻠﻨﺎ ﻗﻲ أﺑﺤﺎث أﺧﺮى ‪ ،‬ﻓﺈن اﻟﻌﻘﻞ اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﯾﻔﻜﺮ دوﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺜﺎﻟﯿّﺎت ‪ ،‬و ﯾﺒﻘﻰ اھﺘﻤﺎﻣﮫ‬

‫ﻣﻨﺼﺒّﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ "اﻷﺗﻘﻰ" و "اﻷﻧﻘﻰ" و "اﻷﻛﺜﺮ ﻋﺪاﻟﺔ و ورﻋﺎ" ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﻮاﻗﻊ ﺑﺨﻼف ذﻟﻚ ‪،‬‬

‫و ﺣﺘّﻰ ﻟﻮ واﻓﻖ اﻟﻤﺠﺎدل ﺑﺄن اﻟﻨّﺒﻲ "ﻣﺜﻞ ﻣﻮﺳﻰ و ﻣﺤﻤﺪ" اﻟّﺬي ﯾﻘﻒ ﻋﻠﻰ رأس ھﺮم اﻟﺴﻠﻄﺔ ھﻮ‬

‫"ﻣﺜﺎﻟﻲ"! ﻓﺈن اﻟﻤﺤﯿﻄﯿﻦ ﺑﮫ ﻟﻢ ﯾﻜﻮﻧﻮا ﻛﺬﻟﻚ ‪ ،‬ﻓﻜﻢ ﻣﻦ ﻣﺨﺎﻟﻔﺎت و ﺗﻌﺪﯾﺎت ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮق ﺧﺎﺻﺔ أو ﻋﺎﻣﺔ‬

‫‪ ،‬ﻛﺬﻟﻚ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ إﻟﻰ اﻷﺋﻤﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ إن إﺑﻦ ﻋﺒﺎس " و ھﻮ أﺧﻠﺺ ﺧﻠﺼﺎء اﻹﻣﺎم ﻋﻠﻲ ‪ ،‬ارﺗﻜﺐ‬

‫ﻣﺨﺎﻟﻔﺎت ﻣﺎﻟﯿﺔ أﻏﻀﺒﺖ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻤﺜﺎﻟﻲ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ أﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ ‪ ،‬و رﺑّﻤﺎ ﯾﻜﻮن ﻣﻦ اﻟﻤﺜﯿﺮ أﯾﻀﺎ ﻟﻮ ﻗﻠﻨﺎ أن‬

‫ﻋﻠﯿّﺎ ﻟﻢ ﯾﺤﻜﻢ ﺣﻘﯿﻘﺔ ﻷن ﻣﺠﺘﻤﻌﮫ و اﻟّﺬي ﻛﺎن ﯾﻌﯿﺶ ﺣﺎﻟﺔ إﻧﮭﯿﺎر إﺧﻼﻗﯿﺔ ﻓﻲ ﺗﻌﺮﯾﻒ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻛﻢ‬

‫و اﻟﻤﺤﻜﻮم ‪ ،‬ﻟﻢ ﯾﺴﺘﻄﻊ اﺳﺘﯿﻌﺎب ﻋﻈﻤﺔ ﺷﺨﺼﯿّﺔ ﻋﻠﻲّ ﺑﻞ و أﺻﺮّ ﻋﻠﻰ اﺿﻄﮭﺎد رﺟﻞ ﻧﺰﯾﮫ وﺟﺪ ﻧﻔﺴﮫ‬

‫ﻓﻲ ﻗﻤّﺔ اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬و اﻷﻣﺮ اﻵﺧﺮ ھﺎ ھﻨﺎ ھﻮ أنّ اﻟﺒﺤﺚ اﻟّﺬي ﻃﺮﺣﮫ اﻟﺼّﺪر ﻟﯿﺲ ﺑﺤﺜﺎ ﺣﻮل "ﺗﺎرﯾﺦ‬

‫أﻧﻈﻤﺔ اﻟﺤﻜﻢ" ‪ ،‬ﺑﻞ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻜﺮﯾّﺔ ﻟﻠﻮﺻﻮل إﻟﻰ أﻓﻀﻞ ﺻﯿﻐﺔ ﺣﻜﻢ أو ﻧﻈﺎم ﺣﻜﻢ أو ﻋﻘﺪ اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ‬

‫ﯾﻨﺎﺳﺐ ﻇﺮوف اﻟﺸّﻌﻮب اﻟﺸﺮﻗﯿّﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أﻧّﮫ ﻣﮭّﺪ ﻟﻜﺘﺎﺑﮫ "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" ﺑﺎﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ أھﻤﯿّﺔ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر‪:‬‬
‫اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟ ّ‬

‫" وﯾﺘﻘﺎﺳﻢ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﯿﻮم ـ ﻛﻼم اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﯾﻌﻨﻲ أواﺳﻂ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ و ﻟﯿﺲ اﻟﻘﺮن اﻟﺤﺎﻟﻲ ـ‬

‫إﺛﻨﺎن ﻣﻦ ھﺬه اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻷرﺑﻌﺔ‪ .‬ﻓﺎﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ‬

‫اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ ھﻮ أﺳﺎس اﻟﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﺑﻘﻌﺔ ﻛﺒﯿﺮة ﻣﻦ اﻷرض‪ ,‬واﻟﻨﻈﺎم اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ ھﻮ‬

‫اﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﺑﻘﻌﺔ ﻛﺒﯿﺮة أﺧﺮى‪ .‬وﻛﻞ ﻣﻦ اﻟﻨﻈﺎﻣﯿﻦ ﯾﻤﻠﻚ ﻛﯿﺎﻧﺎً ﺳﯿﺎﺳﯿﺎً ﻋﻈﯿﻤﺎً‪,‬‬

‫ﯾﺤﻤﯿﮫ ﻓﻲ ﺻﺮاﻋﮫ ﻣﻊ اﻵﺧﺮ‪ ،‬وﯾﺴﻠﺤﮫ ﻓﻲ ﻣﻌﺮﻛﺘﮫ اﻟﺠﺒﺎرة اﻟﺘﻲ ﯾﺨﻮﺿﮭﺎ أﺑﻄﺎﻟﮫ ﻓﻲ‬

‫ﺳﺒﯿﻞ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ ﻗﯿﺎدة اﻟﻌﺎﻟﻢ‪ ,‬وﺗﻮﺣﯿﺪ اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﯿﮫ" ‪.‬‬
‫‪108‬‬

‫إن ﻏﺎﻟﺒﯿﺔ ﻣﻀﺎﻣﯿﻦ ﻛﺘﺎﺑﯿﮫ "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" و "اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" ﺗﺘﻤﺤﻮر ﺣﻮل ﻓﻜﺮة "ﺧﻠﻖ ﻣﻌﺴﻜﺮ آﺧﺮ ﻟﻠﺼّﺮاع ﻣﻊ‬

‫اﻟﻤﻌﺴﻜﺮﯾﻦ اﻟﺸّﯿﻮﻋﻲ و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ" و ھﻮ أﻣﺮ ﻟﻢ ﯾﻌُﺪ ﻓﻲ اﻹﻣﻜﺎن اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻨﮫ ﻣﻨﺬ إﻧﮭﯿﺎر اﻟﻤﻌﺴﻜﺮ‬

‫اﻟﺸّﯿﻮﻋﻲ اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ ﻋﺎم ‪ 1991‬م و ﺗﺤﻮل اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻟﯿﺲ ﻧﺤﻮ "اﻟﻘﻄﺐ اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ اﻷوﺣﺪ" ﻛﻤﺎ ﻗﺪ ﯾُﻄﻠﻖ‬

‫ﻋﻠﯿﮫ اﻟﺒﻌﺾ! ﻟﻜﻨﻨﺎ ﻧﻔﻀﻞ أن ﻧﺴﻤّﯿﮫ اﻟﻘﻄﺐ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ "ﺣﺮﯾّﺎت اﻟﻔﺮد" و إن ﻛﺎﻧﺖ‬

‫اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة أﺑﺮز اﻟﻤﺪاﻓﻌﯿﻦ ﻋﻦ ھﺬه اﻟﻤﺒﺎديء‪.‬‬

‫و ھﻨﺎ ﯾﻘﻒ اﻹﺳﻼﻣﯿّﻮن ﻋﻠﻰ ﻣﻔﺘﺮق ﻃﺮق ‪ ،‬ﻓﺈﻣّﺎ أن ﯾﺒﺬﻟﻮا ﻛﻞّ اﻟﺠﮭﻮد ﺑﺎﺗﺠﺎه ﺗﺮﺳﯿﺦ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺪّﯾﻦ‬

‫و اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﻔﺮدﯾّﺔ و اﻟﺠﻤﺎﻋﯿﺔ و اﻟﺘﺼﺎﻟﺢ ﻣﻊ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و ﺗﻌﺪد اﻵراء ! أو اﻟﺒﻘﺎء ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﻤﻨﻄﻖ‬

‫اﻟﻘﺪﯾﻢ اﻟّﺬي ﯾﺆﻣﻦ ﺑﮭﯿﻤﻨﺔ اﻟﺪّﯾﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﯿﺎة و ﺗﺤﺪﯾﺪ اﻟﺤﺮﯾﺔ و ﺗﻘﯿﯿﺪھﺎ ﺑﻘﯿﻮد ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ھﯿﻤﻨﺔ "ﻧﻤﻂ‬

‫واﺣﺪ" ﻣﻦ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﺴّﺎﺣﺔ اﻟﻔﻜﺮﯾّﺔ ‪ ،‬و اﻟﻤِﺜﺎل اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﺧﯿﺮ ﻧﻤﻮذج ‪ ،‬ﻓﻔﻲ ﻇﻞ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﯾﺘﺮدّد‬

‫ﺷﻌﺎر "اﻟﻌﺪاﻟﺔ" و "اﻟﺤﺮﯾﺔ" ﺑﻜﺜﺮة ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻟﻜﻼ اﻟﻤﺼﻄﻠﺤﯿﻦ ﺗﻌﺮﯾﻒ ﻣُﺤﺪّد و ﻣُﻘﯿﱠﺪ ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ "ﺣﺮﯾّﺔ"‬

‫ﺷﻜﻠﯿّﺔ ﺻﻮرﯾﺔ و ﻏﯿﺮ ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ‪.‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر‪:‬‬
‫ﯾﻘﻮل اﻟ ّ‬

‫" وأﻣﺎ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ واﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﻮﺟﻮدھﻤﺎ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻓﻜﺮي ﺧﺎﻟﺺ‪ ,‬ﻏﯿﺮ أن‬

‫اﻟﻨﻈﺎم اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﺮ ﺑﺘﺠﺮﺑﺔ ﻣﻦ أروع اﻟﻨﻈﻢ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ واﻧﺠﺤﮭﺎ‪ ,‬ﺛﻢ‬

‫ﻋﺼﻔﺖ ﺑﮫ اﻟﻌﻮاﺻﻒ ﺑﻌﺪ إن ﺧﻼ اﻟﻤﯿﺪان ﻣﻦ اﻟﻘﺎدة اﻟﻤﺒﺪﺋﯿﯿﻦ أو ﻛﺎد‪ ,‬وﺑﻘﯿﺖ‬

‫اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﻓﻲ رﺣﻤﺔ أﻧﺎس ﻟﻢ ﯾﻨﻀﺞ اﻹﺳﻼم ﻓﻲ ﻧﻔﻮﺳﮭﻢ‪ ,‬وﻟﻢ ﯾﻤﻼ أرواﺣﮭﻢ ﺑﺮوﺣﮫ وﺟﻮھﺮة ﻓﻌﺠﺰت‬

‫ﻋﻦ اﻟﺼﻤﻮد واﻟﺒﻘﺎء‪ ,‬ﻓﺘﻘﻮض اﻟﻜﯿﺎن اﻹﺳﻼﻣﻲ‪ ,‬وﺑﻘﻲ ﻧﻈﺎم‬

‫اﻹﺳﻼم ﻓﻜﺮة ﻓﻲ ذھﻦ اﻷﻣﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ‪ ،‬وﻋﻘﯿﺪة ﻓﻲ ﻗﻠﻮب اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‪ ,‬وأﻣﻼً‬

‫ﯾﺴﻌﻰ إﻟﻰ ﺗﺤﻘﯿﻘﮫ أﺑﻨﺎؤه اﻟﻤﺠﺎھﺪون‪ .‬وأﻣﺎ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ ﻓﮭﻮ ﻓﻜﺮة ﻏﯿﺮ ﻣﺠﺮﺑﺔ‬

‫ﺣﺘﻰ اﻵن ﺗﺠﺮﺑﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ‪ ,‬وإﻧﻤﺎ ﺗﺘﺠﮫ ﻗﯿﺎدة اﻟﻤﻌﺴﻜﺮ اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ اﻟﯿﻮم إﻟﻰ ﺗﮭﯿﺌﺔ ﺟﻮ اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﮫ ﺑﻌﺪ‬

‫أن ﻋﺠﺰت ﻋﻦ ﺗﻄﺒﯿﻘﮫ ﺣﯿﻦ ﻣﻠﻜﺖ زﻣﺎم اﻟﺤﻜﻢ ﻓﺄﻋﻠﻨﺖ‬

‫اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ وﻃﺒﻘﺘﮫ ﻛﺨﻄﻮة إﻟﻰ اﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫إنّ اﻟﻨﻈﺎﻣﯿﻦ "اﻟﺸﯿﻮﻋﻲ ـ اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ" و "اﻻﺷﺘﺮاﻛﻲ ـ اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﻟﯿﺴﺎ إﻻّ ﺣﻠﻤﺎ ﻣﺜﺎﻟﯿﺎ ﻏﯿﺮ ﻗﺎﺑﻞ‬

‫ﻟﻠﺘﻄﺒﯿﻖ ‪ ،‬و ﻧﺤﻦ ھﻨﺎ ﺳﻨﻄﻠﻖ ﻋﻠﻰ "اﻹﺳﻼﻣﯿّﺔ" ﺻﻔﺔ "اﻻﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ" ﻷﻧﮭﺎ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﺗﺘﻜﻮن ﻣﻦ ﻣﺠﺘﻤﻊ‬

‫"اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ" و ھﻮ ﻣﺎ ﻻ ﯾﻨﻄﺒﻖ إﻻّ ﻋﻠﻰ ﺗﺠﺎرب ﺻﻐﯿﺮة ﻣﺤﺪودة ﺑﺤﺪود اﻟﻤﺼﺎدر اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ ‪ ،‬و اﻟّﺘﻲ ﻗﺪ‬

‫ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ وﺻﻒ أي ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺑﺄﻧﮭﺎ ﺧﯿّﺮة أو ﺷﺮﯾﺮة ‪ ،‬ﻓﻤﺎ ﯾﺮاه اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻣﺜﻼ "ﻣﺜﺎﻟﯿﺎ" و ﺧﯿﺮا ﻛﺎﻣﻼ ‪،‬‬

‫ﯾﻨﻈﺮ إﻟﯿﮫ ﻏﯿﺮ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ـ ﻗﻄﺎع ﻻ ﺑﺄس ﺑﮫ ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ ـ ﻋﻠﻰ أﻧﮫ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺷﺮﯾﺮة و ﻗﻤﻌﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﻤﺠﺘﻤﻌﺎت‬

‫اﻷﻧﺒﯿﺎء ‪ ،‬ﻣﻮﺳﻰ ‪ ،‬اﻟﻤﺴﯿﺢ و ﻣﺤﻤﺪ ‪ ،‬ھﻲ ﺗﺠﺎرب ﻓﻲ ﻗﯿﺪ اﻟﻤﺎﺿﻲ و ﻟﯿﺴﺖ ﺗﺠﺎرب واﻗﻌﯿّﺔ ﻣﻌﺎﺷﺔ اﻵن‬

‫‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أﻧﻨﺎ ﻧﻌﯿﺶ اﻵن ﻓﻲ ﻋﺼﺮ اﻟﻌﻮﻟﻤﺔ و ﺗﻌﺪد وﺳﺎﺋﻞ اﻻﺗﺼﺎل و ﻃﺒﻌﺎ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﺤﯿﻞ ﻓﺮض‬

‫ﻧﻈﺮﯾّﺔ ﺑﻌﯿﻨﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺠّﻨﺲ اﻟﺒﺸﺮي ‪ ،‬ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟّﺘﻲ ﺗﻨﻈﺮ ﺑﻨﻈﺮة "ﻧﺴﺒﯿّﺔ" إﻟﻰ ﻛﻞ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ ‪.‬‬

‫إن اﻟﺘﺮاﺑﻂ ﺑﯿﻦ اﻟﻔﺮد ﻛﺬات ﻣﮭﻤﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ و اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ ﻛﻨﻈﺎم ﺣﻜﻢ ھﻮ ﺗﺮاﺑﻂ ﺣﯿﻮي ﺿﺮوري‬

‫ن اﻟﻔﺮد ﻣﺨﻠﻮق ﻋﻠﻰ أﻧﮫ ﺣﺮّ ﻓﻲ ﺗﻔﻜﯿﺮه و ﻣﻌﺘﻘﺪه و أﻗﻮى اﻷﻧﻈﻤﺔ و أﻛﺜﺮھﺎ ﺑﻮﻟﯿﺴﯿﺔ ﻻ ﺗﺴﺘﻄﯿﻊ أن‬
‫‪ ،‬ﻷ ّ‬

‫ﺗﻘﮭﺮه ﻗﻨﺎﻋﺎت اﻟﻔﺮد اﻟﻤﻮﺟﻮدة ﻓﻲ وﻋﯿﮫِ اﻟﺬّاﺗﻲ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻔﺮد ﻣﺨﻮﱠل ﻣﻦ اﷲ أن ﯾﻜﻮن ﺣﺮّا ‪ ،‬و ﻗﮭﺮ ﺣﺮﯾّﺘﮫ‬

‫ھﻮ أﻣﺮ ﻃﺎريء اﺧﺘﺮﻋﮫ اﻟﺒﺸﺮ ﻋﺒﺮ ﻣﺮاﺣﻞ ﺗﻜﻮن اﻟﺪوﻟﺔ ﺑﻔﮭﻮﻣﮭﺎ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﺗﻤﺜﱢﻞ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ‬

‫اﻟﻤﻌﺘﺪﻟﺔ ﺟﻮھﺮ ﻛﻞّ اﻟﺤﻠﻮل اﻟﻮﺳﻄﻰ ﺑﯿﻦ ﻛﻞّ اﻷدﯾﺎن و اﻟﻤﻌﺘﻘﺪات و ﺣﺘﻰ اﻵﯾﺪﯾﻮﻟﻮﺟﯿّﺎت اﻟﻘﻮﻣﯿّﺔ ‪ ،‬ﻓﻼ‬

‫ﺑﺪّ إذا ﻣﻦ ﺧﻠﻖ ﻇﺮوف ﻣﻮﺿﻮﻋﯿﺔ ﻹﯾﺠﺎد أرﺿﯿﺔ ﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻤﺎﻧﻲ ﯾﺤﻤﻲ ﺣﻘﻮق اﻷﻓﺮاد و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﯾﺘﻤﺘﻊ‬

‫ﻛﻞ ﻓﺮد ﺑﺤﺮﯾﺘﮫ ﻓﻲ إﯾﻄﺎر ﻗﺎﻧﻮﻧﻲ ﯾﺤﻤﻲ اﻟﺴﻠﻢ اﻷھﻠﻲ‪.‬‬

‫و ﻟﻨﻌﺪ إﻟﻰ اﻷﻓﻜﺎر اﻟﻌﺎﻣّﺔ اﻟﺘﻲ ﻃﺮﺣﮭﺎ اﻟﺸّﮭﯿﺪ اﻟﺼّﺪر ‪ ،‬ﺣﯿﺚ أﻧﮫ و ﺑﻌﺪ أن ﯾﺴﺮد وﺟﮭﺔ ﻧﻈﺮ‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﯿﻦ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ دور اﻟﻔﺮد ﻓﻲ اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿّﺔ ‪ ،‬اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ‪،‬‬
‫‪109‬‬

‫اﻟﻔﻜﺮﯾّﺔ و اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ‪ ،‬ﻓﺈﻧﮫ ﯾﺤﺎول إﯾﺠﺎد ﻣﺴﺎﺣﺔ اﺿﻄﺮاب "ﺛﻐﺮة" ﻟﯿﺴﺘﻄﯿﻊ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﮭﺎ أن ﯾﻨﺘﻘﺪ ﻗﻮام‬

‫ھﺬه اﻟﺤﺮﯾّﺔ‪:‬‬

‫" وﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻧﻈﺎم ﻣﺎدي ﺧﺎﻟﺺ‪ ,‬أﺧﺬ ﻓﯿﮫ‬

‫اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻨﻔﺼﻼً ﻋﻦ ﻣﺒﺪﺋﮫ‪ ,‬وآﺧﺮﺗﮫ‪ ,‬ﻣﺤﺪوداً ﺑﺎﻟﺠﺎﻧﺐ اﻟﻨﻔﻌﻲ ﻣﻦ ﺣﯿﺎﺗﮫ‬

‫اﻟﻤﺎدﯾﺔ‪ ,‬واﻓﺘﺮض ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻟﺸﻜﻞ‪ .‬وﻟﻜﻦ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﻓﻲ ﻧﻔﺲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي‬

‫ﻛﺎن ﻣﺸﺒﻌﺎً ﺑﺎﻟﺮوح اﻟﻤﺎدﯾﺔ اﻟﻄﺎﻏﯿﺔ‪ ...‬ﻟﻢ ﯾﺒﻦ ﻋﻠﻰ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻣﺎدﯾﺔ ﻟﻠﺤﯿﺎة وﻋﻠﻰ‬

‫دراﺳﺔ ﻣﻔﺼﻠﺔ ﻟﮭﺎ‪ .‬ﻓﺎﻟﺤﯿﺎة ﻓﻲ اﻟﺠﻮ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﮭﺬا اﻟﻨﻈﺎم‪ ,‬ﻓﺼﻠﺖ ﻋﻦ ﻛﻞ‬

‫ﻋﻼﻗﺔ ﺧﺎرﺟﺔ ﻋﻦ ﺣﺪود اﻟﻤﺎدة واﻟﻤﻨﻔﻌﺔ‪ ,‬وﻟﻜﻦ ﻟﻢ ﯾﮭﯿﺄ ﻹﻗﺎﻣﺔ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﻓﮭﻢ‬

‫ﻓﻠﺴﻔﻲ ﻛﺎﻣﻞ ﻟﻌﻤﻠﯿﺔ اﻟﻔﺼﻞ ھﺬه‪ .‬وﻻ أﻋﻨﻲ ﺑﺬﻟﻚ أن اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻓﯿﮫ‬

‫ﻣﺪارس ﻟﻠﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﻤﺎدﯾﺔ وأﻧﺼﺎر ﻟﮭﺎ‪ ,‬ﺑﻞ ﻛﺎن ﻓﯿﮫ إﻗﺒﺎل ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺰﻋﺔ اﻟﻤﺎدﯾﺔ‪ :‬ﺗﺄﺛﺮاً ﺑﺎﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﺘﺠﺮﯾﺒﯿﺔ‬

‫اﻟﺘﻲ ﺷﺎﻋﺖ ﻣﻨﺬ ﺑﺪاﯾﺔ اﻻﻧﻘﻼب اﻟﺼﻨﺎﻋﻲ وﺑﺮوح اﻟﺸﻚ واﻟﺘﺒﻠﺒﻞ اﻟﻔﻜﺮي اﻟﺬي أﺣﺪﺛﮫ اﻧﻘﻼب اﻟﺮأي‪,‬‬

‫ﻓﻲ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ اﻷﻓﻜﺎر ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﺪ‬

‫ﻣﻦ أوﺿﺢ اﻟﺤﻘﺎﺋﻖ وأﻛﺜﺮھﺎ ﺻﺤﺔ وﺑﺮوح اﻟﺘﻤﺮد واﻟﺴﺨﻂ ﻋﻠﻰ اﻟﺪﯾﻦ‬

‫اﻟﻤﺰﻋﻮم‪ ,‬اﻟﺬي ﻛﺎن ﯾﺠﻤﺪ اﻷﻓﻜﺎر واﻟﻌﻘﻮل‪ ,‬وﯾﺘﻤﻠﻖ ﻟﻠﻈﻠﻢ واﻟﺠﺒﺮوت‪ ,‬وﯾﻨﺘﺼﺮ‬

‫ﻟﻠﻔﺴﺎد اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﯾﺨﻮﺿﮭﺎ ﻣﻊ اﻟﻀﻌﻔﺎء واﻟﻤﻀﻄﮭﺪﯾﻦ ﻓﮭﺬه اﻟﻌﻮاﻣﻞ اﻟﺜﻼﺛﺔ ﺳﺎﻋﺪت‬

‫ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺚ اﻟﻤﺎدﯾﺔ‪ ,‬ﻓﻲ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﻌﻘﻠﯿﺎت اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ‪ "...‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫دﯾّﺘﮫ ھﺬه ﻗﺪ ﻓﺼﻞ ﺑﯿﻦ‬


‫و ﺑﻌﺪ أن ﯾﻨﺘﮭﻲ ﻣﻦ ﻃﺮﺣﮫ ھﺬا ﻓﺈﻧﮫ ﯾﺨﻠﺺ إﻟﻰ أن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻋﺒﺮ ﻣﺎ ّ‬

‫اﻟﻘﺼﺪ ﻣﻦ ﺧﻠﻖ اﻹﻧﺴﺎن و اﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻦ ﺧﻠﻘﮫ و أن ﯾﻜﻮن ﻟﻠﺪﯾﻦ دور ﻓﻲ ﺑﻨﺎء اﻹﻧﺴﺎن و ﻣﺠﺘﻤﻌﮫ ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ‬

‫ﻓﮭﻮ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻣﻀﻄﺮب ﻟﺘﺨﻠﯿﮫ ﻋﻦ ﺿﺮورة وﺟﻮد اﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﺴﺆال اﻟﺨﻄﯿﺮ اﻟّﺬي ﺳﯿﻄﺮح ﻧﻔﺴﮫ ﻓﻲ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼﺪر ﻓﻲ أﻃﺮوﺣﺘﮫ و ھﻮ‪ :‬ﻟﻮ ﺳﻠّﻤﻨﺎ ﺑﺄن ﯾﻜﻮن ﻟﻠﺪّﯾﻦ دور ﻓﻲ رﺳﻢ ﻣﻌﺎﻟﻢ اﻟﻨﻈﺎم‬
‫ﺣﺎل اﺗّﻔﻘﻨﺎ ﻣﻊ اﻟ ّ‬

‫اﻟﺴّﯿﺎﺳﻲ و اﻻﻗﺘﺼﺎدي؟ ﻓﺈﻟﻰ أي ﺣﺪّ ﺳﻨﺴﻤﺢ ﻟﻠﺪﯾﻦ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ و ﻣﺘﻰ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ اﻟﻘﻮل أن رﺟﻞ اﻟﺪﯾﻦ أو‬

‫ﺣﺘّﻰ ﻓﻜﺮة اﻟﺪﯾﻦ ﺗﺨﻄّﺖ ﺣﺪودھﺎ؟ و ﻣﻦ ﯾﻀﻤﻦ أن ﻻ ﯾﻘﻮم اﻟﺒﻌﺾ ﺑﺎﺳﺘﻐﻼل اﻟﺪﯾﻦ ﻷھﺪاف ﺷﺨﺼﯿّﺔ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر‬
‫أﻧﺎﻧﯿّﺔ ‪ ،‬و ﻻ ﯾﻜﻔﻲ أن ﻧﻤﺘﻠﻚ ﺑﻀﻊ أﻓﺮاد ﻣﻦ ذوي اﻟﻨﯿﺔ اﻟﺼﺎدﻗﺔ و اﻟﻄﯿﺒﺔ ﻣﻦ أﻣﺜﺎل اﻟ ّ‬

‫ﻟﻨﻀﻤﻦ ﻋﺪم ﺣﺼﻮل ذﻟﻚ ‪ ،‬و اﺳﺘﻐﻼل اﻟﻨﻈﺎﻣﯿﻦ اﻟﺴﻌﻮدي و اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﻟﻠﺪﯾﻦ ﻻ ﯾﺤﺘﺎج إﻟﻰ ﺑﺮھﺎن‪.‬‬

‫ﻓﺄن ﻧﻔﺼﻞ اﻟﺪﯾﻦ ﻋﻦ اﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﺴّﯿﺎﺳﯿّﺔ ﻻ ﯾﻌﻨﻲ ﻓﺼﻞ اﻟﺪﯾﻦ ﻋﻦ اﻟﺤﯿﺎة! ﺑﻞ ھﻮ ﻣﻨﻊ و ﻓﺼﻞ ﺑﯿﻦ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼﺪر ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﻘﻮل‪:‬‬


‫اﻟﺪﯾﻦ و ﻣﻦ ﯾﺮﯾﺪ اﺣﺘﻜﺎره و ﻧﺤﻦ ﻻ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﻧﻠﻮم رأي اﻟ ّ‬

‫"وإذن ﻓﻤﺴﺎﻟﺔ اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﷲ واﻧﺒﺜﺎق اﻟﺤﯿﺎة ﻋﻨﮫ‪ ,‬ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻓﻜﺮﯾﺔ ﺧﺎﻟﺼﺔ‬

‫ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺎﻟﺤﯿﺎة‪ ,‬ﻟﺘﻔﺼﻞ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻻت اﻟﺤﯿﺎة وﯾﺸﺮع ﻟﮭﺎ ﻃﺮاﺋﻘﮭﺎ ودﺳﺎﺗﯿﺮھﺎ‪,‬‬

‫ﻣﻊ اﻏﻔﺎل ﺗﻠﻚ اﻟﻤﺴﺎﻟﺔ وﻓﺼﻠﮭﺎ‪ ,‬ﺑﻞ ھﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﺘﺼﻞ ﺑﺎﻟﻌﻘﻞ واﻟﻘﻠﺐ واﻟﺤﯿﺎة‬

‫ﺟﻤﯿﻌﺎً" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫ﻓﺎﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ھﻨﺎ ﻟﯿﺴﺖ إن ﻛﻨﺎ ﻧﺆﻣﻦ ﺑﺎﷲ ﻋﻦ ﻋﺪﻣﮫ ‪ ،‬ھﺬا اﻟﻤﻮﻗﻒ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ ﺟﺎء ﻛﻨﺘﯿﺠﺔ ﻃﺒﯿﻌﯿﺔ‬

‫ﻗﺒَﻞ أﻗﻠﯿﺔ ﻟﻠﮭﯿﻤﻨﺔ ﻋﺎﺷﺘﮭﺎ و ﻻ ﺗﺰال ﺷﻌﻮب ﺗﻌﺎﻧﻲ ﻣﻨﮭﺎ ﻓﻲ‬


‫ﻟﺘﺠﺎرب ﻣُﺮّة و ﻣﺆﻟﻤﺔ ﻓﻲ ﺗﺴﺨﯿﺮ اﻟﺪﯾﻦ ﻣﻦ ِ‬

‫آﺳﯿﺎ و أﻓﺮﯾﻘﯿﺎ ‪ ،‬و ﺳﺒﻖ ﻷورﺑﺎ أن ﻋﺎﻧﺖ ﻗﺒﻞ اﻹﺻﻼح اﻟﺪﯾﻨﻲ و ﻗﺒﻞ وﺿﻊ اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻧﮫ اﻟﺼﺤﯿﺢ ‪،‬‬

‫إن اﻟﻔﺮق ﺑﯿﻦ اﻹﺳﻼم و اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ واﺿﺢ ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻤﺠﺎل ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ ﻛﺎﻧﺖ دوﻣﺎ ﻓﻜﺮة ﻣﺒﺴﻄﺔ و ﻣﻦ‬

‫اﻟﺴﮭﻞ إﺻﻼﺣﮭﺎ ‪ ،‬أﻣﺎ اﻹﺳﻼم ﻓﻘﺪ ارﺗﺒﻂ دوﻣﺎ ﺑﺸﻤﻮﻟﯿﺔ ﺗﺴﺘﻮﻋﺐ ﻛﻞ ﺗﻔﺎﺻﯿﻞ اﻟﺤﯿﺎة ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن‬

‫اﻟﺘﺮاﻛﻢ اﻟﻔﻘﮭﻲ ‪ ،‬أﺟﯿﺎل اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ و اﻟﻤﺬاھﺐ اﻷرﺑﻌﺔ ﻋﻨﺪ اﻟﺴﻨﺔ ‪ ،‬و اﻟﻜﻢ اﻟﮭﺎﺋﻞ ﻣﻦ اﻟﺮواﯾﺎت ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ‬

‫و اﻷﺋﻤﺔ اﻹﺛﻨﻲ ﻋﺸﺮ ﻓﻲ اﻟﺘﺮاث اﻟﻔﻘﮭﻲ اﻟﺸﯿﻌﻲ اﻟّﺘﻲ ﺗﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺠﺎﻻت اﻟﺤﯿﺎة ‪ ،‬ﻛُﻞّ ھﺬا ﻛﺎن ﻟﮫ‬

‫ﺗﺄﺛﯿﺮ ﺳﻠﺒﻲ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺔ اﻟﺪّﯾﻦ ﺑﺎﻟﺪّوﻟﺔ ‪ ،‬ﻏﯿﺮ أن ھﻨﺎك ﻧﻘﻄﺔ أﻣﻞ وﺣﯿﺪة ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸﯿﻌﻲ و ھﻮ ﻓﺼﻞ‬

‫ﺗﻘﺪﯾﺲ اﻷﺋﻤﺔ اﻟﻤﻌﺼﻮﻣﯿﻦ ﻋﻦ أؤﻟﺌﻚ اﻟﻔﻘﮭﺎء "اﻟﻤﺠﺘﮭﺪﯾﻦ" اﻟﺬﯾﻦ ھﻢ ﻏﯿﺮ ﻣﻌﺼﻮﻣﯿﻦ ﻣﻊ ﻣُﻼﺣﻈﺔ أنّ‬

‫ﺴﯿّﺪ ـ و ھﻮ ﺳﻠﯿﻞ اﻟﻨّﺒﻲ ﻣﺤﻤّﺪ ﻣﻦ‬


‫ﻋﺎﻣّﺔ اﻟﺸﻌﺐ و اﻟﻔﺌﺎت ﻏﯿﺮ اﻟﻤُﺜﻘّﻔﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ اﻟﺸّﯿﻌﻲ ﺗُﻘﺪﱢس "اﻟ ّ‬
‫‪110‬‬

‫أﺑﻨﺎء ﻓﺎﻃﻤﺔ" ﺗﻘﺪﯾﺴﺎ ﻣﺒﺎﻟﻐﺎ ﻓﯿﮫِ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن اﻹﺻﻼح ﯾﺠﺪ ﻧﻔﺴﮫ أﻣﺎم ﻛﻢّ ھﺎﺋﻞ ﻣﻦ اﻟﻨﺼﻮص اﻟﻤﻘﺪّﺳﺔ‬

‫اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻘﺒﻞ اﻟﺘﺄوﯾﻞ و ﻣﻦ ﺛﻢّ ﻛﺎن "اﻻﺟﺘﮭﺎد" ‪ ،‬ﺣﺘﻰ ﻓﻲ اﻟﻤﺪرﺳﺔ اﻟﺸﯿﻌﯿﺔ ﯾﺪور ﻓﻲ ﻓﻠﻚ اﻟﺜﻮاﺑﺖ و ﻻ‬

‫ﺳﻨّﺔ ُﺗﺘّﺒﻊ ﻧﺘﯿﺠﺔ اﻟﺘّﺮاﻛﻢ‪.‬‬


‫ﻷﻃُﺮْ اﻟﺘّﻘﻠﯿﺪﯾّﺔ و اﻟّﺘﻲ أﺻﺒﺤﺖ ُ‬
‫ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻤﺮاﺟﻊ اﻟﺸّﯿﻌﺔ ﻣﻦ اﻟﺨﺮوج ﻋﻦ ھﺬه ا ُ‬

‫إن ھﻨﺎك ﻓﺮﻗﺎ ﻛﺒﯿﺮا ﺑﯿﻦ أن ﻧﺆﻣﻦ ﺑﺎﷲ و ﺑﯿﻦ أن ﻧﺴﺘﻐﻞ اﺳﻢ اﷲ ﻟﻔﺮض ھﯿﻤﻨﺘﻨﺎ و ﺗﻔﺴﯿﺮﻧﺎ اﻟﺨﺎص‬

‫ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮﯾﻦ ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺛﻢّ ﻧﻔﺮض اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد و ﻧﻠﻐﻲ ﻓﮭﻤﮫ و دوره اﻷﺻﯿﻞ ﻓﻲ رﻓﺾ أو ﻗﺒﻮل‬

‫اﻟﺪﯾﻦ ‪ ،‬و ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﻠﯿﺲ ﺗﻐﻨﻲ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﺑﺎﻟﺤﺮﯾﺔ ﻟﯿﺲ إﻻ أﻏﻨﯿﺔ ﯾﻐﻨﻮﻧﮭﺎ و ﯾﻤﻜﻦ أن ﻧﻀﯿﻔﮭﺎ إﻟﻰ‬

‫اﻷﻏﺎﻧﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ ﻛـ"ﻃﻠﻊ اﻟﺒﺪر ﻋﻠﯿﻨﺎ" ﻓﮭﻲ ﻣﺤﺾ وھﻢ ‪ ،‬إن اﻟﺤﺮﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻜﺮ اﻹﺳﻼم اﻟﻤﻮﺟﻮد اﻵن‬

‫ﻻ ﺗﻌﻨﻲ إﻻ أن ﯾﻜﻮن اﻟﻤﺮء ﺣﺮّا ﻓﻲ داﺋﺮة ﺿﯿﻘﺔ ‪ ،‬و ھﺬا ﯾﺸﺒﮫ رﺑﻂ اﻟﻘﻂ ﺑﺤﺒﻞٍ ﻗﺼﯿﺮ ﺛﻢ ﺗﺮﻛﮫ ﺣﺮا ﻓﻲ‬

‫ﺗﻠﻚ اﻟﺒﻘﻌﺔ اﻟﻀﯿﻘﺔ ‪ ،‬ﻓﺄي ﺣﺮﯾﺔ ﺗﻠﻚ اﻟﺘﻲ ﺗﻘﺘﻞ ﺑﺘﮭﻤﺔ "اﻻرﺗﺪاد" أو "اﻟﻜﻔﺮ اﻟﺒﻮاح" أو "رﺟﻢ اﻟﺰاﻧﻲ" و‬

‫"ﻗﻄﻊ اﻷﯾﺪي و اﻷرﺟﻞ" ﻣﻦ ﺧﻼف ‪ !.‬و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ أنّ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿّﺔ ﻛﺎﻧﺖ أﯾﻀﺎ ﻋﺎﺋﻘﺎ ﻓﻲ وﺟﮫ اﻟﺘّﻄﻮر و‬

‫ﺮﯾّﺎت اﻟﻔﺮدﯾّﺔ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ و ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻜﻨﯿﺴﺔ اﻟﻜﺎﺛﻮﻟﯿﻜﯿﺔ ﺗُﻌﺎﻗِﺐ اﻟﻤﺨﺎﻟﻔﯿﻦ و اﻟﻤﮭﺮﻃﻘﯿﻦ ﺑﺄﻗﺴﻰ‬
‫اﻟﺤُ ّ‬

‫اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت ﻛﺎﻟﺤﺮق أو اﻟﻨّﻔﻲ أو اﻟﺘّﻮﺑﺔ ﺗﺤﺖ اﻟﺘّﻌﺬﯾﺐ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﻨﺬ ﻇﮭﻮر اﻹﺻﻼح اﻟﺪّﯾﻨﻲ ﻋﻠﻰ أﯾﺪي‬

‫‪Rationalism‬ﻣﺎرﺗﻦ ﻟﻮﺛﺮ و ﻛﺎﻟﻔﻦ و ﺗﺮﺳﯿﺦ ﻣﺪرﺳﺔ اﻟﻌﻘﻼﻧﯿّﺔ‬ ‫ﺗﺤﻮﻟﺖ أورﺑﺎ و اﻟﻐﺮب إﻟﻰ‬

‫ﻣﺠﺘﻤﻌﺎت ﻣﺘﻮازﻧﺔ ‪ ،‬ﯾﻌﯿﺶ ﻓﯿﮭﺎ اﻟﻤﺆﻣﻦ اﻟﻤﺘﺪﯾﱢﻦ إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﻤﻠﺤﺪ اﻟّﺬي ﻻ ﯾﻠﺘﺰم ﺑﺸﻲء ﺳﻮى اﻟﻘﺎﻧﻮن ‪،‬‬

‫و ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﺪرك أھﻤﯿّﺔ ﺑﺪء ﻋﻤﻠﯿﺔ اﻹﺻﻼح ﻣﻦ ﺧﻼل إﺻﻼح اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺪّﯾﻨﻲ و ﺗﮭﻤﯿﺶ اﻟﻤﺘﻄﺮﻓﯿﻦ اﻟّﺬﯾﻦ‬

‫ﯾﺮﯾﺪون ﻋﻠﻮّا ﻓﻲ اﻷرض‪.‬‬

‫إنّ اﻟﻔﻜﺮة اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻨﮭﺾ ﺑﻨﻔﺴﮭﺎ و ﻻ ﺗﺴﺘﻐﻨﻲ ﻋﻦ "اﻟﻘﯿﺎدات اﻟﻤﺆﻣﻨﺔ" ﻟﻜﻲ ﺗﻨﺠﺢ! ﻟﯿﺴﺖ إﻻ‬

‫ﻧﻈﺮﯾﺎت ﻃﻮﺑﺎوﯾﺔ ﻏﯿﺮ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺘﻄﺒﯿﻖ ‪ ،‬ﻷﻧﮭﺎ ﺑﺒﺴﺎﻃﺔ ﻣﻔﺮوﺿﺔ ﻣﻦ أﻋﻠﻰ ‪ ،‬و اﻟﻤﺴﻠﻢ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﻨﻈﺮ‬

‫إن ﻓﺮض ﻣﻨﮭﺞ‬ ‫ﻟﻸﻋﻠﻰ ﯾﺠﺪ "اﻟﺤﺎﻛﻢ" و "اﻟﺴﻠﻄﺎن" و "اﻟﺮﺋﯿﺲ" أوﻻ ‪ ،‬ﺛﻢ ﯾﺄﺗﻲ اﷲ ﺑﺎﻟﻤﺮﺗﺒﺔ اﻟﺜﺎﻧﯿﺔ ‪،‬‬

‫ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺄﺳﻠﻮب ﻣﺤﺪد ﻟﻠﺤﯿﺎة ھﻮ ـ ﻋﺪى ﻛﻮﻧﮫ دﻛﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ ـ ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻟﻨﺎس اﻟﺘﻲ ﯾﺠﺐ أن ﺗﺴﯿﺮ‬

‫ﺑﺸﻜﻠﮭﺎ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻻ ﺗﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻣﻦ أﻋﻠﻰ و ﻣﻦ ﻣﻨﻄﻠﻖ "اﻷﺑﻮة" ﺑﻞ ﻣﻦ‬

‫ﻣﻨﻄﻠﻖ "اﻷﺧﻮة" و "اﻟﻤﺴﺎواة" ﺑﯿﻦ ﻛﻞ اﻟﻤﻮاﻃﻨﯿﻦ ﻋﻠﻰ اﺧﺘﻼف أدﯾﺎﻧﮭﻢ و ﺟﻨﺴﮭﻢ "اﻟﺬﻛﺮ و اﻷﻧﺜﻰ" أو‬

‫ﻗﻮﻣﯿﺎﺗﮭﻢ‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻏﯿﺮ راض ﻋﻦ ھﺬه اﻟﻤﻌﺎدﻟﺔ ﺣﺘﻰ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺤﺎول اﻟﺤﺪﯾﺚ‬

‫ﻋﻨﮭﺎ ﺑﺸﻜﻞ ﺣﯿﺎدي‪:‬‬

‫" واﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ ﺗﻌﻨﻲ أن ﯾﻌﯿﺶ اﻟﻨﺎس أﺣﺮاراً ﻓﻲ ﻋﻘﺎﺋﺪھﻢ وأﻓﻜﺎرھﻢ‪.‬‬

‫ﯾﻔﻜﺮون ﺣﺴﺐ ﻣﺎ ﯾﺘﺮاءى ﻟﮭﻢ وﯾﺤﻠﻮ ﻟﻌﻘﻮﻟﮭﻢ‪ ,‬وﯾﻌﺘﻘﺪون ﻣﺎ ﯾﺼﻞ إﻟﯿﮫ‬

‫اﺟﺘﮭﺎدھﻢ أو ﻣﺎ ﺗﻮﺣﯿﮫ إﻟﯿﮭﻢ ﻣﺸﺘﮭﯿﺎﺗﮭﻢ وأھﻮاؤھﻢ ﺑﺪون ﻋﺎﺋﻖ ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻄﺔ‪.‬‬

‫واﻹﻋﻼن ﻋﻦ أﻓﻜﺎره وﻣﻌﺘﻘﺪاﺗﮫ‪ ,‬واﻟﺪﻓﺎع ﻋﻦ وﺟﮭﺎت ﻧﻈﺮه واﺟﺘﮭﺎده‪.‬‬

‫واﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﺗﺤﺮر اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ ﺳﻠﻮﻛﮫ اﻟﺨﺎص ﻣﻦ ﻣﺨﺘﻠﻒ‬

‫أﻟﻮان اﻟﻀﻐﻂ واﻟﺘﺤﺪﯾﺪ‪ .‬ﻓﮭﻮ ﯾﻤﻠﻚ إرادﺗﮫ وﺗﻄﻮﯾﺮھﺎ وﻓﻘﺎً ﻟﺮﻏﺒﺎﺗﮫ اﻟﺨﺎﺻﺔ‪ ,‬ﻣﮭﻤﺎ‬

‫ﻧﺠﻢ ﻋﻦ اﺳﺘﻌﻤﺎﻟﮫ ﻟﺴﯿﻄﺮﺗﮫ ھﺬه ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻮﻛﮫ اﻟﺨﺎص ﻣﻦ ﻣﻀﺎﻋﻔﺎت وﻧﺘﺎﺋﺞ‪,‬‬


‫‪111‬‬

‫ﻣﺎ ﻟﻢ ﺗﺼﻄﺪم ﺑﺴﯿﻄﺮة اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻮﻛﮭﻢ‪ .‬ﻓﺎﻟﺤﺪ اﻟﻨﮭﺎﺋﻲ اﻟﺬي ﺗﻘﻒ ﻋﻨﺪه‬

‫اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ﻟﻜﻞ ﻓﺮد‪ :‬ﺣﺮﯾﺔ اﻵﺧﺮﯾﻦ‪ .‬ﻓﻤﺎ ﻟﻢ ﯾﻤﺴﮭﺎ اﻟﻔﺮد ﺑﺴﻮء ﻓﻼ ﺟﻨﺎح‬

‫ﻋﻠﯿﮫ أن ﯾﻜﯿﻒ ﺣﯿﺎﺗﮫ ﺑﺎﻟﻠﻮن اﻟﺬي ﯾﺤﻠﻮ ﻟﮫ وﯾﺘﺒﻊ ﻣﺨﺘﻠﻒ اﻟﻌﺎدات واﻟﺘﻘﺎﻟﯿﺪ" اﻟﻤﺼﺪر‬

‫ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫ﻓﻤﺎ ﯾﻈﻨﮫ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﺿﺮرا ﯾﺘﺮﺗﺐ ﻣﻦ ﺳﻠﻮك "اﻟﻔﺮد" ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻻ ﺷﻚّ ﻓﯿﮭﺎ ‪ ،‬إذ ﻻ ﯾﻮﺟﺪ ﻣﺠﺘﻤﻊ‬

‫ﻛﻠّﮫ ﻻ ﯾﺘﺴﺒﺐ أﻓﺮاده أو ﻣﻜﻮﻧﺎﺗﮫ ﺑﺄﯾﺬاء ﺑﻌﻀﮫ اﻟﺒﻌﺾ ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء أن اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت‬


‫ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ و اﻟﺘﺎرﯾﺦ ُ‬

‫ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ درﺟﺔ و ﺣﺠﻢ اﻟﻤﺸﺎﻛﻞ و ﻧﻮﻋﮭﺎ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ﻟﻢ ﺗﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﻤﻮﺿﻮع و اﻹﺷﻜﺎل‬

‫ﻣﻦ ھﺬه اﻟﺰاوﯾﺔ ‪ ،‬ﻷن اﻟﻤُﺸﺮّﻋﯿﻦ اﻟﻐﺮﺑﯿﯿﻦ وﺟﺪوا أن اﻟﻔﺮد ﻓﻲ ﺣﺮﯾﺘﮫ اﻟﺨﺎﺻﺔ ﻻ ﯾﺘﺴﺒﺐ ﺑﻔﺴﺎد و‬

‫إﺷﻜﺎﻻت ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟﺬي ﯾﺘﺮﺗﺐ ﻋﻦ اﻟﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺣﯿﺎﺗﮫ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ‪ ،‬ﺛﻢ ﻣﻦ ﻗﺎل أن اﻟﻨﻈﻢ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ و‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻻ ﺗﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺳﻠﻮك اﻷﻓﺮاد ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾُﺨﺸﻰ وﻗﻮع اﻟﻀﺮر ‪ ،‬ﻓﻤﻦ اﻟﻤﻌﺮوف أن ﻣﻦ ﺣﻖ‬

‫اﻟﺪوﻟﺔ أن ﺗﺘﺪﺧﻞ إذا ﻛﺎن ﻓﺮد ﻣﻦ اﻷﻓﺮاد ﯾﺘﺴﺒﺐ ﺑﺄﯾﺬاء أﻓﺮاد آﺧﺮﯾﻦ ‪ ،‬و ﻛﻨﻤﺎذج ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﯾﺘﻌﺮض‬

‫اﻵﺑﺎء اﻟﺬﯾﻦ ﯾﺴﯿﺌﻮن ﻷﺑﻨﺎﺋﮭﻢ أو زوﺟﺎﺗﮭﻢ أو أيّ ﻛﺎن إﻟﻰ ﻋﻘﻮﺑﺎت و ﻏﺮاﻣﺎت زاﺟﺮة ‪ ،‬و ﻛﺬﻟﻚ ﯾﺪﺧﻞ‬

‫ھﺆﻻء ﻓﻲ ﻋﻼج ﻧﻔﺴﻲ ﻟﺘﻐﯿﯿﺮ اﻟﺴﻠﻮك اﻟﻌﻨﯿﻒ و اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ أﺳﺒﺎﺑﮫ‪.‬‬

‫ﺗﺮى ﻣﺎ اﻟﻘﺒﯿﺢ أو اﻟﻤﺸﯿﻦ ﻓﻲ أن ﯾﻌﺘﻘﺪ اﻟﻤﺮء ﻣﺎ ﯾﺸﺎء ؟ أم أن ﻋﻘﻠﻨﺎ "اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﯾﺄﺑﻰ إﻻ أن ﯾﻌﯿﺶ‬

‫ﻓﻲ ﻧﻤﻂ واﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ ! ھﺬا ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ ﻣﺎ ﯾﺒﺪو ﻟﻲ و إﻻ ﻓﻠﻤﺎذا ﯾﮭﺮب اﻟﺠﻤﯿﻊ ﻃﺎﻟﺒﯿﻦ اﻟﻠﺠﻮء إﻟﻰ‬

‫اﻟﺪول اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ؟ ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻌﻘﻞ اﻹﺳﻼﻣﻲ أﻧﮫ ﯾﻘﯿﺲ اﻷﻣﻮر و ﯾﺤﻜﻢ ﻋﻠﯿﮭﺎ ﻣﻦ ﺧﻼل‬

‫"اﻟﻌﻘﻞ اﻟﻨﻈﺮي" ﻓﻘﻂ ‪ ،‬و اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ اﻟﺒﺤﻮث و اﻟﻨﻈﺮﯾﺎت ﻛﺄﻧﮭﺎ ﻗﺮآن ﻣﻄﺒّﻖ ﺣﺮﻓﯿﺎ ‪ ،‬ﻣﻊ أن ھﺬه‬

‫اﻟﺒﺤﻮث ﻋﻠﯿﮭﺎ إﺿﺎﻓﺎت و ﺗﻄﺒﯿﻘﺎت أﺧﺮى ﯾﻀﻔﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻋﻠﯿﮭﺎ ﻧﻈﺮﯾﺘﮫ و ﻗﻨﺎﻋﺘﮫ ﻓﻲ اﻟﻨﮭﺎﯾﺔ ‪ ،‬ﻓﻔﻲ‬

‫ﻇﻞ اﻟﺤﺮﯾﺔ ﯾﺘﻌﺎﯾﺶ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﻤﺎدّي و اﻟﺪّﯾﻨﻲ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ ﯾﻨﺘﮭﻲ ﺗﺪﺧﻞ اﻟﺪﯾﻦ ﻓﻲ ﺗﻔﺎﺻﯿﻞ اﻟﺤﻜﻢ ﺑﻔﻘﺪان اﻟﺤﺮﯾﺔ‬

‫‪ ،‬ﻣﻦ اﻟﻤﺆﺳﻒ ﺣﻘﺎ أن اﻟﻌﻘﻞ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻻ ﯾﺴﺘﻮﻋﺐ اﻟﺤﺮﯾﺔ و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ إﻻ ﻣﻦ ﺧﻼل إﻃﺎر ﺿﯿﻖ‬

‫ﺟﺪا‪.‬‬

‫و ﻟﻜﻲ ﯾﻜﻮن اﻟﻌﻘﻞ ﺣﺮّا ﻓﻲ ﺣﻜﻤﮫ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺎت و اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ ‪ ،‬ﻋﻠﯿﮫ اﻟﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﻤﻮﺿﻮع ﻣﻦ‬

‫ﺧﺎرج ﻻ ﻣﻦ داﺧﻞ اﻟﺬات ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺤﻜﻢ ﻣﻦ اﻟﺪاﺧﻞ ھﻮ ﺗﺤﺼﯿﻞ ﺣﺎﺻﻞ و إﻋﺎدة إﻧﺘﺎج ﻷﻓﻜﺎر ﻣﺴﺒﻘﺔ ‪ ،‬و‬

‫ﺴﻨّﺔ"‬
‫ﻣﻌﺮوف ﻟﺪى اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ أن اﻟﺪّور ﻓﻠﺴﻔﯿﺎ ﺑﺎﻃﻞ ‪ ،‬ﻣﺜﺎﻻ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﻧﺴﺘﻌﯿﺮ ﻣﺴﺄﻟﺔ أﺧﺬ اﻟﻔﻘﮭﺎء "اﻟ ّ‬

‫ﺑﺈﺟﻤﺎع اﻟﻔﻘﮭﺎء ﻛﻤﺼﺪر ﻟﻠﺘﺸﺮﯾﻊ و ﺣﯿﻦ ﯾﺴﺘﺪﻟﻮن ﺑﻨﺼﻮص ﺷﺮﻋﯿﺔ ﯾﺄﺗﻮن ﺑﺄﺣﺎدﯾﺚ آﺣﺎد و ﻋﻨﺪﻣﺎ‬

‫ﺠﯿّﺔ أﺣﺎدﯾﺚ اﻵﺣﺎد" ﯾﻌﻮدون إﻟﻰ اﻻﺳﺘﺪﻻل ﺑﺎﻹﺟﻤﺎع اﻟﺬي ﯾﻌﺘﻤﺪ أﺻﻼ ﻓﻲ‬
‫ﯾُﻄﺮح اﻟﺴﺆال ﺣﻮل "ﺣ ّ‬

‫ﺿﻤﻦ ﻣﺎ ﯾﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﯿﮫ ﻋﻠﻰ أﺣﺎدﯾﺚ اﻵﺣﺎد ‪ ،‬و ﻛﺬﻟﻚ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ إﻟﻰ اﻹﯾﻤﺎن ﺑﺎﻹﺳﻼم أو اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﺔ أو‬

‫أي دﯾﻦٍ آﺧﺮ ‪ ،‬إذ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻠﻤﺆﻣﻦ ﺑﺎﻹﺳﻼم أن ﯾﻔﺮض رأﯾﮫ ﻋﻠﻰ اﻵﺧﺮﯾﻦ إﺳﺘﻨﺎدا إﻟﻰ آﯾﺔ ﻗﺮآﻧﯿﺔ أو‬

‫ﺣﺪﯾﺚ ﻷن ھﻨﺎك ﻣﻦ ﻻ ﯾﺆﻣﻦ ﺑﻘﺪﺳﯿّﺔ ھﺬه اﻟﻨﺼﻮص أﺻﻼ‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻢ ھﻨﺎ أن ﯾﻔﺘﺮض اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻟﻨﻔﺴﮫ ﻣﻮﻗﻔﺎ ﻧﺴﺒﯿﺎ ﻣﻦ ﻛﻞ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ ‪ ،‬ﺻﺤﯿﺢ أن ﻣﻦ ﺣﻘّﮫ أن‬

‫ﯾﺪاﻓﻊ ﻋﻦ اﻣﺘﻼﻛﮫ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ـ و ھﻲ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﺣﺴﺐ رأﯾﮫ ھﻮ ـ و ﻟﻜﻦ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﻔﺮض ﻧﻈﺮﯾّﺘﮫ ھﻮ‬

‫ﻋﻦ اﻟﺪﯾﻦ ﻓﺈﻧﮫ ﯾﻌﻄﻲ اﻵﺧﺮﯾﻦ اﻟﺤﻖ ﻓﻲ أن ﯾﻔﺮﺿﻮا ﻋﻠﯿﮫ ﻣﺎ ﯾﺮوﻧﮫ ﺻﻮاﺑﺎ و ﺣﻘﺎ ‪ ،‬ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﺤﺮﯾﺔ أﻧﮭﺎ‬

‫دﯾّﺎ ﯾﻤﻜﻦ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ‬


‫ﻏﯿﺮ واﺿﺤﺔ اﻟﺤﺪود ﻋﻠﻰ اﻷﻏﻠﺐ رﻏﻢ أن اﻟﻔﺮد ﯾﺸﻌﺮ ﺑﮭﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺤﺮﯾﺔ ﻟﯿﺴﺖ أﻣﺮا ﻣﺎ ّ‬

‫ﻣﻌﮫ ﺣﺴﺐ اﻟﻜﯿﻒ و اﻟﻜﻢ و اﻟﺤﺪود ‪ ،‬ﺑﻞ ھﻲ أﻣﺮ ﻧﻈﺮي ﯾﺘﻮﻗﻒ ﻋﻠﻰ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ و اﻟﺪﯾﻦ و أﻣﻮر أﺧﺮى ‪،‬‬

‫ﻓﻘﺪ ﯾﻀﯿّﻘﮭﺎ دﯾﻦ ﻣﺎ ﺑﯿﻨﻤﺎ ﯾﺮﺣﺐ ﺑﮭﺎ دﯾﻦ آﺧﺮ ﺑﺸﻜﻞ أﻛﺜﺮ ﺗﺴﺎﻣﺤﺎ‪.‬‬

‫ﻓﻔﻲ ﻇﻞ رﻓﺾ "اﻟﻔﻜﺮ اﻹﺳﻼﻣﻲ" ﻓﻲ أﻏﻠﺒﮫ ﻟﻤﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ و ﺣﻆ اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻋﻠﻰ ﻗﺘﻞ‬

‫"اﻟﻤﺮﺗﺪ" أو اﻟﺬي ﯾﻨﻜﺮ ﺛﺎﺑﺘﺎ دﯾﻨﯿﺎ و ﻣﻨﻊ اﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ﻣﻦ اﻟﺰواج ﺑﻐﯿﺮ اﻟﻤﺴﻠﻢ و ﺛﻘﺎﻓﺔ اﻟﻌﻨﻒ ‪ ،‬ﻛﻞ ھﺬه‬

‫اﻷﻣﻮر ﺗﺠﻌﻞ اﻟﺪﯾﻦ ﯾﻘﻒ ﻣﻮﻗﻔﺎ ﺳﻠﺒﯿﺎ ﻣﻦ ﻣﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺤﺮﯾّﺔ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿﺔ و ﻣﻦ ﻛﺮاﻣﺔ اﻟﻔﺮد اﻟّﺘﻲ ﻻ ﺗﻌﻨﻲ ﻓﻲ‬
‫‪112‬‬

‫اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ إﻻ ﺗﺸﺎﺑﮫ اﻟﺼﻮرة ﺑﯿﻨﻤﺎ ھﻲ ﻣﺘﺠﺴّﺪة ﻓﻲ اﻟﻔﺮد و ﻻ ﺣﻘﯿﻘﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺪون اﻟﻔﺮد ‪ ،‬و ﻣﺎ دام اﻟﻔﺮد ﻻ‬

‫ﯾﻤﺘﻠﻜﮭﺎ ﻓﺎﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻻ ﺗﻤﻠﻚ أي ﻛﺮاﻣﺔ إذ ﻻ ﻗﯿﻤﺔ ﻟﻤﻜﻮﻧﮭﺎ أﻻ و ھﻮ اﻟﻔﺮد‪.‬‬

‫ﻓﻠﻨﻨﻈﺮ إﻟﻰ ﺑﻌﺾ آراء اﻟﺸﮭﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫ﻓﻲ ﻋﻤﻠﮫ وﻧﺸﺎﻃﮫ‪ ,‬ھﻲ‬ ‫" واﻟﮭﺪف اﻟﺤﻘﯿﻘﻲ ﻟﻠﻔﺮد ـ ﯾﺘﺤﺪث ھﻨﺎ ﻋﻦ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ـ‬

‫ﺧﯿﺮ ﺿﻤﺎن ﻟﻠﻤﺼﻠﺤﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ‬

‫وإن اﻟﺘﻨﺎﻓﺲ اﻟﺬي ﯾﻘﻮم ﻓﻲ اﻟﺴﻮق اﻟﺤﺮة‪ ,‬ﻧﺘﯿﺠﺔ ﻟﺘﺴﺎوي‬

‫اﻟﻤﻨﺘﺠﯿﻦ واﻟﻤﺘﺠﺮﯾﻦ ﻓﻲ ﺣﻘﮭﻢ ﻣﻦ اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ‪ ,‬ﯾﻜﻔﻲ وﺣﺪه ﻟﺘﺤﻘﯿﻖ روح‬

‫اﻟﻌﺪل واﻹﻧﺼﺎف‪ ,‬ﻓﻲ ﺷﺘﻰ اﻻﺗﻔﺎﻗﺎت واﻟﻤﻌﺎﻣﻼت‪ .‬ﻓﺎﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ ﻟﻼﻗﺘﺼﺎد‬

‫ﺗﺘﺪﺧﻞ ـ ﻣﺜﻼً ـ ﻓﻲ ﺣﻔﻆ اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ﻟﻠﺜﻤﻦ‪ ,‬ﺑﺼﻮرة ﺗﻜﺎد أن ﺗﻜﻮن آﻟﯿﺔ‪,‬‬

‫وذﻟﻚ أن اﻟﺜﻤﻦ إذا ارﺗﻔﻊ ﻋﻦ ﺣﺪوده اﻟﻄﺒﯿﻌﯿﺔ اﻟﻌﺎدﻟﺔ‪ ,‬اﻧﺨﻔﺾ اﻟﻄﻠﺐ‬

‫ﺑﺤﻜﻢ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ اﻟﺬي ﯾﺤﻜﻢ ﺑﺄن ارﺗﻔﺎع اﻟﺜﻤﻦ ﯾﺆﺛﺮ ﻓﻲ اﻧﺨﻔﺎض‬

‫اﻟﻄﻠﺐ‪ ,‬واﻧﺨﻔﺎض اﻟﻄﺐ ﺑﺪوره ﯾﻘﻮم ﺑﺘﺨﻔﯿﺾ اﻟﺜﻤﻦ‪ ,‬ﺗﺤﻘﯿﻘﺎً ﻟﻘﺎﻧﻮن ﻃﺒﯿﻌﻲ‬

‫آﺧﺮ‪ ,‬وﻻ ﯾﺘﺮﻛﮫ ﺣﺘﻰ ﯾﻨﺨﻔﺾ ﺑﮫ إﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮاه اﻟﺴﺎﺑﻖ وﯾﺰول اﻟﺸﺬوذ ﺑﺬﻟﻚ‪.‬‬

‫واﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ﺗﻔﺮض ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد داﺋﻤﺎً اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ ﻓﻲ ﻛﯿﻔﯿﺔ ازادة اﻹﻧﺘﺎج وﺗﺤﺴﯿﻨﮫ‪,‬‬

‫ﻣﻊ ﺗﻘﻠﯿﻞ ﻣﺼﺎرﯾﻔﮫ وﻧﻔﻘﺎﺗﮫ‪ .‬وذﻟﻚ ﯾﺤﻘﻖ ﻣﺼﻠﺤﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‪ ,‬ﻓﻲ ﻧﻔﺲ‬

‫اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﯾﻌﺘﺒﺮ ﻣﺴﺎﻟﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻔﺮد أﯾﻀﺎً‪.‬‬

‫واﻟﺘﻨﺎﻓﺲ ﯾﻘﺘﻀﻲ ـ ﺑﺼﻮرة ﻃﺒﯿﻌﯿﺔ ـ ﺗﺤﺪﯾﺪ أﺛﻤﺎن اﻟﺒﻀﺎﺋﻊ وأﺟﻮر اﻟﻌﻤﺎل واﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﯿﻦ‬

‫ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎدل‪ ,‬ﻻ ﻇﻠﻢ ﻓﯿﮫ وﻻ إﺟﺤﺎف‪ .‬ﻷن ﻛﻞ ﺑﺎﺋﻊ أو ﻣﻨﺘﺞ‬

‫ﯾﺨﺸﻰ ﻣﻦ رﻓﻊ أﺛﻤﺎن ﺑﻀﺎﺋﻌﮫ‪ ,‬أو ﺗﺨﻔﯿﺾ أﺟﻮر ﻋﻤﺎﻟﮫ‪ ,‬ﺑﺴﺒﺐ ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ‬

‫اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻟﮫ ﻣﻦ اﻟﺒﺎﺋﻌﯿﻦ واﻟﻤﻨﺘﺠﯿﻦ" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ ‪.‬‬

‫ن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟّﺬي ﯾﻮرد اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻧﻈﺮﯾﺎﺗﮫ ﺑﺼﯿﻐﺔ اﻟﺘّﺸﻜﯿﻚ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ‬
‫ﻣﻦ اﻟﻤﻼﺣﻆ أ ّ‬

‫ﻓﻌﻞ ﻣﻊ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿّﺔ و إن ﻛﺎن ﻧﻘﺪه ﻟﻠﻤﺎرﻛﺴﯿّﺔ أﻗﻮى و أﻛﺜﺮ ﺻﺮاﻣﺔ ‪ ،‬ﻗﺪ ﻧﺠﺤﺖ ھﺬه‬

‫اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿّﺎت ﻓﻌﻼ و ﻋﻠﻰ أرض اﻟﻮاﻗﻊ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎت ﺗﺘﺴﻢ ﺑﺎﻟﺤﺮﯾﺔ و رﺧﺺ اﻷﺳﻌﺎر و ﺧﻔﺾ‬

‫ﻣﺴﺘﻮﯾﺎت اﻟﻔﻘﺮ و اﻟﺤﺎﻟﺔ ھﺬه ﻓﺈن اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿّﺔ ﻟﻦ ﺗﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ أي ﻧﻜﺴﺔ "دوﻏﻤﺎﺗﯿﺔ"‬

‫ﻋﻘﺎﺋﺪﯾﺔ ﻛﻮﻧﮭﺎ ﻻ ﺗﺤﺎول ﺗﻔﺴﯿﺮ ﻛﻞ ﺷﻲء ‪ ،‬ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻠﺖ اﻟﻨﻈﺮﯾّﺔ اﻟﺸّﯿﻮﻋﯿّﺔ أو اﻹﺳﻼﻣﯿّﺔ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و‬
‫‪113‬‬

‫ﻷﻧﮭﺎ ﻧﺴﺒﯿّﺔ ﺗﻀﻊ أﻣﺎﻣﮭﺎ اﺣﺘﻤﺎﻻت اﻟﺨﻄﺄ و اﻟﺸﻄﻂ ﻷﻧﮭﺎ أﺻﻼ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻋﻘﻠﯿّﺔ ﻧﻘﺪﯾّﺔ ﻻ ﺗﺴﺘﺒﻌﺪ أي‬

‫اﺣﺘﻤﺎل أو ﻧﻈﺮﯾّﺔ ﻣﻦ اﻟﺒﺤﺚ و اﻟﺘﺤﻘﯿﻖ و ھﻲ ﻟﯿﺴﺖ ﻧﻈﺮﯾّﺔ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ "ﻣﻘﺪّس" ﺗﺘﻘﻮم ﺑﻨﺠﺎﺣﮫ أو ﻓﺸﻠﮫ‬

‫ﻓﺎﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿّﺔ و اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿّﺔ ﻛﻼھﻤﺎ ﺗﺤﻮﯾﺎن "ﻣﻘﺪﺳﺎت" إذا ﻣﺎ ﺷﻚّ ﻓﯿﮭﺎ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﺒﺸﺮي ﺗﮭﺎوت‬

‫اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ ﻣﻦ اﻷﺳﺎس ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻟﺪﯾﮭﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎت ﺑﺴﯿﻄﺔ ﺗﺘﻼﺋﻢ ﺣﺘّﻰ ﻣﻊ ﺟﻮھﺮ اﻷدﯾﺎن ﻛﻘﺪﺳﯿّﺔ‬

‫اﻹﻧﺴﺎن "و ﻧﺼﻮص ﺗﻜﺮﯾﻢ ﺑﻨﻲ آدم ﻻ ﺣﺼﺮ ﻟﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺐ اﻟﻤﻘﺪّﺳﺔ" و ﻗﺪﺳﯿّﺔ اﻟﺤﺮﯾّﺔ و ﺣﻖ اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ‬

‫ﻋﻦ اﻟﺮأي ﺑﺪون ﺧﻮف‪.‬‬

‫" ‪ ...‬واﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ ﺗﻌﻨﻲ أن ﯾﻌﯿﺶ اﻟﻨﺎس أﺣﺮاراً ﻓﻲ ﻋﻘﺎﺋﺪھﻢ وأﻓﻜﺎرھﻢ‪.‬‬

‫ﯾﻔﻜﺮون ﺣﺴﺐ ﻣﺎ ﯾﺘﺮاءى ﻟﮭﻢ وﯾﺤﻠﻮ ﻟﻌﻘﻮﻟﮭﻢ‪ ,‬وﯾﻌﺘﻘﺪون ﻣﺎ ﯾﺼﻞ إﻟﯿﮫ‬

‫اﺟﺘﮭﺎدھﻢ أو ﻣﺎ ﺗﻮﺣﯿﮫ إﻟﯿﮭﻢ ﻣﺸﺘﮭﯿﺎﺗﮭﻢ وأھﻮاؤھﻢ ﺑﺪون ﻋﺎﺋﻖ ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻄﺔ‪.‬‬

‫واﻹﻋﻼن ﻋﻦ أﻓﻜﺎره وﻣﻌﺘﻘﺪاﺗﮫ‪ ,‬واﻟﺪﻓﺎع ﻋﻦ وﺟﮭﺎت ﻧﻈﺮه واﺟﺘﮭﺎده‪.‬‬

‫واﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﺗﺤﺮر اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ ﺳﻠﻮﻛﮫ اﻟﺨﺎص ﻣﻦ ﻣﺨﺘﻠﻒ‬

‫أﻟﻮان اﻟﻀﻐﻂ واﻟﺘﺤﺪﯾﺪ‪ .‬ﻓﮭﻮ ﯾﻤﻠﻚ إرادﺗﮫ وﺗﻄﻮﯾﺮھﺎ وﻓﻘﺎً ﻟﺮﻏﺒﺎﺗﮫ اﻟﺨﺎﺻﺔ‪ ,‬ﻣﮭﻤﺎ‬

‫ﻧﺠﻢ ﻋﻦ اﺳﺘﻌﻤﺎﻟﮫ ﻟﺴﯿﻄﺮﺗﮫ ھﺬه ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻮﻛﮫ اﻟﺨﺎص ﻣﻦ ﻣﻀﺎﻋﻔﺎت وﻧﺘﺎﺋﺞ‪,‬‬

‫ﻣﺎ ﻟﻢ ﺗﺼﻄﺪم ﺑﺴﯿﻄﺮة اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻮﻛﮭﻢ‪ .‬ﻓﺎﻟﺤﺪ اﻟﻨﮭﺎﺋﻲ اﻟﺬي ﺗﻘﻒ ﻋﻨﺪه‬

‫اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ﻟﻜﻞ ﻓﺮد‪ :‬ﺣﺮﯾﺔ اﻵﺧﺮﯾﻦ‪ .‬ﻓﻤﺎ ﻟﻢ ﯾﻤﺴﮭﺎ اﻟﻔﺮد ﺑﺴﻮء ﻓﻼ ﺟﻨﺎح‬

‫ﻋﻠﯿﮫ أن ﯾﻜﯿﻒ ﺣﯿﺎﺗﮫ ﺑﺎﻟﻠﻮن اﻟﺬي ﯾﺤﻠﻮ ﻟﮫ وﯾﺘﺒﻊ ﻣﺨﺘﻠﻒ اﻟﻌﺎدات واﻟﺘﻘﺎﻟﯿﺪ‬

‫واﻟﺸﻌﺎﺋﺮ واﻟﻄﻘﻮس اﻟﺘﻲ ﯾﺴﺘﺬوﻗﮭﺎ‪ ,‬ﻷن ذﻟﻚ ﻣﺴﺎﻟﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﺗﺘﺼﻞ ﺑﻜﯿﺎﻧﮫ‬

‫وﺣﺎﺿﺮه وﻣﺴﺘﻘﺒﻠﮫ‪ ,‬وﻣﺎ دام ﯾﻤﻠﻚ ھﺬا اﻟﻜﯿﺎن ﻓﮭﻮ ﻗﺎدر ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺼﺮف ﻓﯿﮫ ﻛﻤﺎ‬

‫ﯾﺸﺎء‪ ".‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‬

‫ﺳﺒﻖ ﻟﻨﺎ و أن ﻧﺎﻗﺸﻨﺎ ﻣﻮﺿﻮع اﻟﻔﺮد ﻓﻲ اﻹﺳﻼم و ﻣﻘﺎرﻧﺘﮫ ﺑﺎﻟﻔﺮد ﻓﻲ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪،‬‬

‫ﻟﻜﻦ اﻹﺷﻜﺎل اﻟّﺬي ﯾﻄﺮﺣﮫ اﻟﺼﺪر اﺗﺠﺎه "ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻔﺮد" ﻓﻲ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻟﯿﺲ إﺷﻜﺎﻻ ﻗﻮﯾﺎ أﺻﯿﻼ ‪،‬‬

‫ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﯾﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺟﻮھﺮه اﺧﺘﻼﻓﺎ ﻓﻲ ﻧﻈﺮة اﻟﺪﯾﻦ إﻟﻰ اﻟﻔﺮد ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺤﺮﯾّﺔ اﻟﻔﺮدﯾّﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿّﺔ ھﻲ أﯾﻀﺎ ﻧﺘﺎج‬

‫دﯾﻨﻲ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻟﻤﺴﯿﺤﯿّﺔ اﺳﺘﻮﻋﺒﺖ ھﺬه اﻟﻤﺴﺎﺣﺔ اﻟﮭﺎﺋﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﺤﺮﯾّﺔ اﻟﻔﺮدﯾّﺔ ﻛﻮﻧﮭﺎ ﻻ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﺷﺮﯾﻌﺔ‬

‫ُﺿﯿﻒ إﻟﯿﮭﺎ ﺗﺮاﻛﻢ ﺗﺮاﺛﻲ ھﺎﺋﻞ ‪ ،‬ﻻ ﯾﺴﻤﺢ‬


‫ﻣﻔﺼّﻠﺔ ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻹﺳﻼم ﯾُﻤﺜّﻞ ﻓﻲ ﺷﺮﯾﻌﺘﮫ اﻟﻤﻔﺼّﻠﺔ و اﻟّﺘﻲ أ‬

‫ﺑﻮﺟﻮد ﺣﺮﯾّﺔ ﻛﺒﯿﺮة ﻟﻠﻔﺮد ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﺈنّ ھﺬه اﻟﻨﻤﻄﯿّﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿّﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﺿﺪّ اﻟﺪﯾﻦ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ھﻲ ﺗﺠﺴﯿﺪ‬

‫ﻟﻤﺴﺎﺣﺎت ﻓﺮاغ ﻛﺒﯿﺮة ﺗﺮﻛﺘﮭﺎ اﻟﻤﺴﯿﺤﯿّﺔ ﻟﻠﻌﻘﻞ ﻟﻜﻲ ﯾﻤﻸه ‪ ،‬ﯾﻀﯿﻒ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬

‫" ‪ ..‬وﻟﯿﺴﺖ اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ ـ ﻓﻲ رأي اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻨﺎدي ﺑﮭﺎ ـ إﻻ ﺗﻌﺒﯿﺮاً ﻋﻦ اﻟﺤﺮﯾﺔ‬
‫‪114‬‬

‫اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ ﻓﻲ ﺟﺎﻧﺒﮭﺎ اﻟﻌﻘﺎﺋﺪي‪ ,‬وﻋﻦ اﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺠﺎﻧﺐ‬

‫اﻟﻌﻤﻠﻲ‪ ,‬اﻟﺬي ﯾﺘﺼﻞ ﺑﺎﻟﺸﻌﺎﺋﺮ واﻟﺴﻠﻮك‪.‬‬

‫وﯾﺘﻠﺨﺺ ﻣﻦ ھﺬا اﻟﻌﺮض أن اﻟﺨﻂ اﻟﻔﻜﺮي اﻟﻌﺮﯾﺾ ﻟﮭﺬا اﻟﻨﻈﺎم ـ ﻛﻤﺎ‬

‫اﻟﻤﺤﻨﺎ إﻟﯿﮫ ـ ھﻮ‪ :‬أن ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺑﻤﺼﺎﻟﺢ اﻷﻓﺮاد‪ .‬ﻓﺎﻟﻔﺮد ھﻮ اﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﺘﻲ‬

‫ﯾﺠﺐ أن ﯾﺮﺗﻜﺰ ﻋﻠﯿﮭﺎ اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ‪ ,‬واﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ھﻲ اﻟﺠﮭﺎز اﻟﺬي‬

‫ﯾﺴﺨﺮ ﻟﺨﺪﻣﺔ اﻟﻔﺮد وﺣﺴﺎﺑﮫ‪ ,‬واﻹدارة اﻟﻘﻮﯾﺔ ﻟﺤﻔﻆ ﻣﺼﺎﻟﺤﮫ وﺣﻤﺎﯾﺘﮭﺎ‪.‬‬

‫ھﺬه ھﻲ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ﻓﻲ رﻛﺎﺋﺰھﺎ اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ‪ ,‬اﻟﺘﻲ ﻗﺎﻣﺖ ﻣﻦ‬

‫اﺟﻠﮭﺎ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﺜﻮرات‪ ,‬وﺟﺎھﺪ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻠﮭﺎ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﺸﻌﻮب واﻷﻣﻢ‪ .‬ﻓﻲ ﻇﻞ‬

‫ﻗﺎدة ﻛﺎﻧﻮا ﺣﯿﻦ ﯾﻌﺒﺮون ﻋﻦ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺠﺪﯾﺪ وﯾﻌﺪوﻧﮭﻢ ﺑﻤﺤﺎﺳﻨﮫ‪ ,‬ﯾﺼﻔﻮن‬

‫اﻟﺠﻨﺔ ﻓﻲ ﻧﻌﯿﻤﮭﺎ وﺳﻌﺎدﺗﮭﺎ‪ ,‬وﻣﺎ ﺗﺤﻔﻞ ﺑﮫ ﻣﻦ اﻧﻄﻼق وھﻨﺎء وﻛﺮاﻣﺔ وﺛﺮاء‪ .‬وﻗﺪ أﺟﺮﯾﺖ‬

‫ﻋﻠﯿﮭﺎ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ﻋﺪة ﻣﻦ اﻟﺘﻌﺪﯾﻼت‪ ,‬ﻏﯿﺮ أﻧﮭﺎ ﻟﻢ ﺗﻤﺲ ﺟﻮھﺮھﺎ‬

‫ﺑﺎﻟﺼﻤﯿﻢ‪ ,‬ﺑﻞ ﺑﻘﯿﺖ ﻣﺤﺘﻔﻈﺔ ﺑﺄھﻢ رﻛﺎﺋﺰھﺎ وأﺳﺴﮭﺎ"‪ .‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼﺪر ﻟﻠﺤﺮﯾﺔ اﻟﻔﺮدﯾّﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿّﺔ ﻧﻘﺪا "ﻧﻈﺮﯾﺎ" ﻻ ﯾﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻄﺒﯿﻖ‬
‫ﺣﺘﻰ آﺧﺮ ﻛﻠﻤﺔ ﺑﻘﻲ ﻧﻘﺪ اﻟ ّ‬

‫اﻟﻮاﻗﻌﻲ اﻟﻤﻮﺟﻮد ﻋﻠﻰ اﻷرض ‪ ،‬و ﻛﺎن ﻣﻦ اﻷﻓﻀﻞ ـ و ﻟﯿﺘﮫ ﻓﻌﻞ ـ ﻟﻮ أﻧﮫ ﻗﺎم ﺑﺒﺤﺚ ﻓﻠﺴﻔﻲ ﻧﻘﺪي ﻋﻦ‬

‫"اﻟﻔﺮد و اﻟﺤﺮﯾﺔ ﻓﻲ اﻹﺳﻼم" ﺣﯿﺚ أنّ إﺷﻜﺎﻟﯿّﺔ اﻟﻔﺮد ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻟﺪوﻟﺔ ھﻲ أﺣﺪ رﻛﺎﺋﺰ اﻟﻔﻮﺿﻰ اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ و‬

‫ّﺘﻲ ﯾﻌﯿﺸﮭﺎ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻵن ‪ ،‬ﻓﻤﻘﺎﺑﻞ اﻟﺪوﻟﺔ ﯾﻀﻊ اﻟﻔﺮد اﻟﻤﺴﻠﻢ ﻧﻔﺴﮫ ﻛﺒﺪﯾﻞ ﻟﮭﺎ ‪ ،‬و‬
‫اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ اﻟ‬

‫اﻟﻤﻔﺎرﻗﺔ ھﻲ أن ھﺬا ﯾﺤﺪث ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻋﯿﻨﮫ ﺣﯿﻦ ﺗﻘﻮم اﻟﺪوﻟﺔ ﺑﺈﻟﻐﺎء اﻟﻔﺮد ﻛﻮﺟﻮد ﻓﻌّﺎل و ﻣﮭﻢ ‪ ،‬و‬

‫ن اﻟﻔﺮد "اﻟﻤﺴﻠﻢ" ﯾﻨﻈﺮ دوﻣﺎ إﻟﻰ اﻟﺪوﻟﺔ ﻋﻠﻰ أﻧﮭﺎ "ﺷﺮّ" و "ﻋﺪو" ﯾﺠﺐ‬
‫اﻟﺨﻄﯿﺮ ﻓﻲ اﻟﻤﻮﺿﻮع ھﻮ أ ّ‬

‫اﻟﺤﺬر ﻣﻨﮫ ‪ ،‬و ھﺬا ﯾﺮﺟﻊ إﻟﻰ ﻃﺒﯿﻌﺔ ﺗﻜﻮﯾﻦ اﻟﻔﺮد "اﻟﻤﺴﻠﻢ" ﻓﻲ اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ ﺗﺤﺪﯾﺪا ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺒﯿﺌﺔ و‬

‫اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺒﺪوﯾﺔ ‪ ،‬و ھﻲ ﻧﻘﯿﺾ اﻟﺪوﻟﺔ و ﺗﻨﺘﻤﻲ إﻟﻰ ﻋﻘﻠﯿﺔ "ﻣﺎ ﻗﺒﻞ اﻟﺪّوﻟﺔ" ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن ھﺬه اﻟﺪّوﻟﺔ‬

‫اﻟّﺘﻲ ﺗﺸﻜﻠﺖ ﻓﯿﻤﺎ ﺑﻌﺪ ﻋﮭﺪ اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر أو ھﯿﻤﻨﺔ اﻟﻐﺮب رﻓﻌﺖ ﺷﻌﺎر "اﻟﺪّوﻟﺔ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿّﺔ" و ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ‬

‫ﻧﻔﺴﮫ أﺑﻘﺖ اﻷﻓﺮاد ﯾﻌﺎﻧﻮن ﻣﻦ اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ و اﻟﺴّﯿﺎﺳﯿّﺔ ‪ ،‬ﻣﻤّﺎ ﺗﺴﺒّﺐ ﻓﻲ ﺧﻠﻖ ﻗﻄﯿﻌﺔ ﺑﯿﻦ‬

‫ھﺬا اﻟﻔﺮد اﻟّﺬي أﺧﺬ ﯾﻌﺎﻧﻲ اﻏﺘﺮاﺑﺎ ﻓﻲ وﻃﻨﮫ و اﻧﻔﺼﺎﻣﺎ ﻧﻜﺪا ﺑﯿﻨﮫ و ﺑﯿﻦ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻤﮫ‪.‬‬

‫إﺷﻜﺎﻟﯿﺔ اﻟﻔﺮد و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ و اﻟﺪوﻟﺔ ﻓﻲ ﺷﺮﻗﻨﺎ "اﻟﻤﺴﻠﻢ" ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ أﻧّﮫ ﻗﺪ ﺗﻢّ ﺗﻜﯿﯿﻒ ﻛُﻞّ ﺷﻲء ﻟﯿﺘﻼﺋﻢ ﻣﻊ‬

‫ﻋﻘﻠﯿﺘﻨﺎ "اﻟﺒﺪوﯾﺔ" ‪" ،‬اﻟﻌﺸﺎﺋﺮﯾﺔ و اﻟﻘﺒﻠﯿﺔ" ‪ ،‬و ﻣﺮاﺟﻌﺔ ﺑﺴﯿﻄﺔ ﻷﺑﺤﺎث اﻟﺪﻛﺘﻮر اﻟﻤﺮﺣﻮم "ﻋﻠﻲ‬

‫اﻟﻮردي" و أﺑﺤﺎث "ﻣﺤﻤﺪ ﻋﺎﺑﺪ اﻟﺠﺎﺑﺮي" ﻓﻲ ﻧﻘﺪه "اﻟﻌﻘﻞ اﻟﻌﺮﺑﻲ" ﺗﻈﮭﺮ ذﻟﻚ ﺑﻮﺿﻮح ‪ ،‬ﻣﻊ ﻣﻼﺣﻈﺔ‬

‫أن اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺗﺘﻌﺪى اﻟﻌﺮب ﻟﺘﺸﻤﻞ "اﻷﻛﺮاد" و "اﻟﺘﺮﻛﻤﺎن" و "اﻟﻔﺮس" و ﻏﯿﺮھﻢ ‪ ،‬ﺑﻞ إن اﻟﺪّﯾﻦ ﻧﻔﺴﮫ‬

‫ﻛﱢﯿﻒَ ﻟﯿﺼﺒﺢ ﻣﻼﺋﻤﺎ ﻟﺜﻘﺎﻓﺔ "اﻟﺘّﻨﺎزع" اﻟّﺘﻲ ﺗﺠﺴّﺪ ﻗﻤﺔ اﻟﺒﺪاوة اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺻﺮاع اﻟﺒﻘﺎء ‪ ،‬و‬
‫ﺗﻜﯿّﻒ أو ُ‬
‫‪115‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ﻓﻲ ﺑﯿﺌﺔ ﻛﮭﺬه أن ﺗﺴﻮد اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿّﺔ اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ اﻟّﺘﻲ ﻻ ﺗﻔﻜﱢﺮ إﻻ ﺑﻤﻨﻄﻖ اﻟﺼﺮاع و‬

‫ّﺘﻲ ﺗﻤﺜّﻞ اﻟﻤﻌﻀﻠﺔ اﻷﺳﺎﺳﯿﺔ‬


‫إﺑﺎدة اﻵﺧﺮ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻢ أن ﻧﺤﻞّ ھﺬه اﻹﺷﻜﺎﻟﯿﺔ اﻟﺨﻄﯿﺮة و اﻟ‬

‫ﻟﺘﺨﻠﻔﻨﺎ ‪.‬‬

‫إن ﺛﻨﺎﺋﯿﺔ "اﻟﺪّﯾﻦ" و "اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" ﺗﻤﺜﻞ اﻟﺴّﺮﻃﺎﻧﯿﻦ اﻟّﺬﯾﻦ ﯾﻨﮭﺸﺎن ﻋﻘﻞ اﻟﺸﺮﻗﻲ "اﻟﻤﺴﻠﻢ" ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺪّﯾﻦ ﺑﺪﻻ ﻣﻦ‬

‫أن ﯾُﻨﺒّﮫ اﻟﻔﺮد إﻟﻰ أن ﯾﻜﻮن ﺣﺬرا ﻓﻲ أن ﻻ ﯾﻘﺒﻞ ﺑﮭﯿﻤﻨﺔ أﺣﺪ ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾّﺘﮫ اﻟﻔﻜﺮﯾّﺔ و اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ و ﺣﺘﻰ‬

‫اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ‪ ،‬ﺣﺎل إﻟﻰ ﺳﺒﺐ آﺧﺮ ﻣﻦ اﻷﺳﺒﺎب اﻟﻜﺜﯿﺮة اﻟّﺘﻲ أﻟﻐﺖ ﻃﺎﺑﻊ "اﻟﻔﺮداﻧﯿّﺔ" ﻓﻲ اﻟﻤﺴﻠﻢ ‪ ،‬و‬

‫ﺑﺎﻟﺘّﺎﻟﻲ أﺻﺒﺢ ﻻزﻣﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد "اﻟﻤﺴﻠﻢ" أن ﯾُﻠﻐﻲ ذاﺗﮫ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ اﻵﺧﺮﯾﻦ ‪ ،‬و ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾُﻠﻐﻲ ﻛﻞّ ﻓﺮد‬

‫ّﻨﺎ ﻧﻠﻐﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟّﺬي ﯾﻘﻮم أﺳﺎﺳﺎ ﻋﻠﻰ اﻷﻓﺮاد ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أنّ اﻟﻨﺰﻋﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ "و ھﻮ‬
‫ﻧﻔﺴﮫ ﺗﻜﻮن اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ أﻧ‬

‫اﻷﻣﺮ اﻟّﺬي ﻻ ﯾﺘﻮﻗﻒ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺮب وﺣﺪھﻢ" ﺗﻠﻐﻲ ﻛﻞ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ اﻟﻔﺮدﯾﺔ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ اﻟﻘﻀﺎﯾﺎ‬

‫اﻟّﺘﻲ ﺗﮭﻢّ اﻟﺤﺎﻛﻢ "اﻟﻄﺎﻏﯿﺔ" و ﺣﺜﺎﻟﺘﮫ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻨﺰﻋﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ ھﻲ ﻧﺰﻋﺔ "ﺣﯿﻮاﻧﯿﺔ" ﻗﺪﯾﻤﺔ ﺗﻌﻮد إﻟﻰ أﯾﺎم ﻛﺎن‬

‫اﻹﻧﺴﺎن ﯾﺘﺼﺎرع ﻣﻊ اﻟﻄﺒﯿﻌﺔ و اﻷﻧﺎس اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺒﻘﺎء ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ آﺧﺮ أﻧﮭﺎ ﺗﻤﺜّﻞ إﺣﺪى ﻃﺮق‬

‫اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ اﻟّﺘﻲ ﺗﻌﻮد إﻟﻰ ﻋﺼﺮ "ﻣﺎ ﻗﺒﻞ اﻟﺪّوﻟﺔ"! و ﻟﻜﻨﮭﺎ ﺧﻠﻘﺖ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻣﻈﮭﺮا ﺣﺪاﺛﯿّﺎ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ ﻓﻲ‬

‫اﻟﺘﺠﺮﺑﺘﯿﻦ اﻟﻨﺎزﯾّﺔ ﻓﻲ أﻟﻤﺎﻧﯿﺎ و اﻟﺒﻌﺜﯿّﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ‪ ،‬ﻓﻤﻦ ﺧﻼل ﻣﻨﻄﻖ ﺗﻔﻜﯿﻜﻲ ﺑﺴﯿﻂ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﻧﺴﺘﻨﺘﺞ‬

‫أنّ "اﻟﻘﻮﻣﯿﺔ" ھﻲ ﻧﺰﻋﺔ ﺗﻘﻒ ﺑﺎﻟﻀّﺪ ﻣﻦ ﻣﻔﮭﻮم "اﻟﻤﻮاﻃﻨﺔ" ﻓﻲ اﻟﺪّوﻟﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ‪.‬‬

‫إنّ ﻣﻨﻄﻖ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﻓﻲ ﻧﻘﺪھﻢ ﻟﻠﻤﻔﮭﻮم اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻟﺤﻘﻮق اﻟﻔﺮد ﯾﻀﻌﮭﻢ ﻓﻲ ﻣﺄزق ﺣﻘﯿﻘﻲ ‪ ،‬ﻓﻤﻦ ﺟﮭﺔ‬

‫ﺣﯿﻦ ﯾﺮﻓﺾ اﻟﻤﻔﻜّﺮون اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن ـ و اﻟﺘﻘﺎﻃﻊ ھﻨﺎ ﯾﻘﻊ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ اﻟّﺬﯾﻦ ﻻ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼﺪر واﺣﺪ ﻣﻨﮭﻢ ـ اﻟﻤﻔﮭﻮم اﻟﻐﺮﺑﻲ ﻟﻠﺤﺮﯾّﺔ ‪ ،‬ﯾﻘﻌﻮن ﻓﻲ‬


‫ﯾﻔﺼﻠﻮن ﺑﯿﻦ اﻟﺪّﯾﻦ و اﻟﺴّﯿﺎﺳﺔ و اﻟ ّ‬

‫ﻣﻮاﺟﮭﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿّﺔ أﺧﺮى ﻣﻊ اﻟﻤﻔﮭﻮم اﻟﻤﺎرﻛﺴﻲ اﻟﺸّﯿﻮﻋﻲ ﻟﻠﻔﺮد و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ و اﻟّﺬي ﯾُﻠﻐﻲ ﺑﺪوره اﻟﻔﺮد ﻛّﻠﯿّﺎ‬

‫ن اﻟﻔﺮد ﻓﻲ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿّﺔ ھﻮ "ﻋﺪو" اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﻌﻤّﺎﻟﯿّﺔ و اﻟﻔﺮداﻧﯿّﺔ ھﻲ ﻧﺰﻋﺔ ﺗﺨﺪم أﻋﺪاء اﻟﻄﺒﻘﺔ‬
‫‪ ،‬ﺑﻞ إ ّ‬

‫اﻟﻜﺎدﺣﺔ ‪ ،‬و ھﺬا اﻷﻣﺮ اﺿﻄﺮ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ‪ ،‬ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ اﻟﺼﺪر ‪ ،‬إﻟﻰ أن ﯾﻨﺘﻘﺪوا ﻣﻮﻗﻒ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ ﻣﻦ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر‪:‬‬
‫اﻟﻔﺮد ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟ ّ‬

‫" وأﻣﺎ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺣﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﯿﺔ‪ ,‬ﻓﺎﻟﺸﯿﻮﻋﯿﺔ ﺗﺴﺘﮭﺪف ﻓﻲ ﻧﮭﺎﯾﺔ ﺷﻮﻃﮭﺎ اﻟﻄﻮﯾﻞ‬

‫إﻟﻰ ﻣﺤﻮ اﻟﺪوﻟﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‪ ,‬ﺣﯿﻦ ﺗﺘﺤﻘﻖ اﻟﻤﻌﺠﺰة وﺗﻌﻢ اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﺠﻤﺎﻋﯿﺔ ﻛﻞ‬

‫اﻟﺒﺸﺮ‪ ,‬ﻓﻼ ﯾﻔﻜﺮ اﻟﺠﻤﯿﻊ إﻻ ﻓﻲ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﻤﺎدﯾﺔ ﻟﻠﻤﺠﻤﻮع وأﻣﺎ ﻗﺒﻞ ذﻟﻚ‪ ,‬ﻣﺎ‬

‫داﻣﺖ اﻟﻤﻌﺠﺰة ﻏﯿﺮ ﻣﺤﻘﻘﺔ‪ ,‬وﻣﺎ دام اﻟﺒﺸﺮ ﻏﯿﺮ ﻣﻮﺣﺪﯾﻦ ﻓﻲ ﻃﺒﻘﺔ‪ ,‬واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ‬

‫ﯾﻨﻘﺴﻢ إﻟﻰ ﻗﻮى رأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ وﻋﻤﺎﻟﯿﺔ‪ ...‬ﻓﺎﻟﻼزم أن ﯾﻜﻮن اﻟﺤﻜﻢ ﻋﻤﺎﻟﯿﺎ‬

‫ﺧﺎﻟﺼﺎ‪ ,‬ﻓﮭﻮ ﺣﻜﻢ دﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻓﻲ ﺣﺪود داﺋﺮة اﻟﻌﻤﺎل‪ ,‬ودﯾﻜﺘﺎﺗﻮري ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ إﻟﻰ اﻟﻌﻤﻮم‪ .‬وﻗﺪ‬

‫ﻋﻠﻠﻮا ذﻟﻚ ﺑﺄن اﻟﺪﯾﻜﺘﺎﺗﻮرﯾﺔ اﻟﻌﻤﺎﻟﯿﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﻜﻢ ﺿﺮورﯾﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ اﻟﻤﺮاﺣﻞ‪ ,‬اﻟﺘﻲ ﺗﻄﻮﯾﮭﺎ‬

‫اﻻﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ﺑﺎﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﻔﺮدﯾﺔ‪ ,‬وذﻟﻚ ﺣﻤﺎﯾﺔ ﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻄﺒﻘﺔ‬

‫اﻟﻌﺎﻣﻠﺔ‪ ,‬وﺧﻨﻘﺎ ﻷﻧﻔﺎس اﻟﺮأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ‪ ,‬وﻣﻨﻌﺎ ﻟﮭﺎ ﻋﻦ اﻟﺒﺮوز إﻟﻰ اﻟﻤﯿﺪان ﻣﻦ‬
‫‪116‬‬

‫ﺟﺪﯾﺪ" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫ﻓﮭﺬه "اﻟﻌﻘﻠﯿﺔ اﻟﺠﻤﺎﻋﯿﺔ" اﻟّﺘﻲ ﻃﺮﺣﮭﺎ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿّﻮن ﻻ ﺗﺨﺘﻠﻒ إﻻ ﻗﻠﯿﻼ و ﻣﻦ اﻟﻨّﺎﺣﯿﺔ "اﻟﻄّﻮﺑﺎوﯾّﺔ" ﻓﻘﻂ‬

‫ﻋﻤّﺎ ﯾﻄﺮﺣﮫ اﻹﺳﻼﻣﯿّﻮن ﻋﻦ "اﻟﻔﺮد اﻟﻤﺪﺟﱠﻦ" و اﻟّﺬي ﻻ ﯾُﻔﻜﺮ ﻓﻲ ذاﺗﮫ ‪ ،‬و ھﺬا اﻷﻣﺮ واﺿﺢ ﻣﻤﺎ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼﺪر ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﮫ "اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" ‪ ،‬ﺣﯿﺚ ﯾﻘﻮل‪:‬‬


‫ﻃﺮﺣﮫ اﻟ ّ‬

‫" وﻣﻦ ﻣﻈﺎھﺮ اﻟﻨﻘﺼﺎن اﻟﺒﺎرزة ﻓﻲ اﻟﻔﺮﺿﯿﺔ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ‪ ،‬ﺗﻨﺎﺳﻲ اﻟﻌﻮاﻣﻞ‬

‫اﻟﻔﯿﺰﯾﻮﻟﻮﺟﯿﺔ واﻟﺴﯿﻜﻮﻟﻮﺟﯿﺔ واﻟﻔﯿﺰﯾﺎﺋﯿﺔ‪ ،‬وإھﻤﺎل دورھﺎ ﻓﻲ اﻟﺘﺎرﯾﺦ‪ ،‬ﻣﻊ‬

‫أﻧﮭﺎ ﻗﺪ ﺗﻜﻮن ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻷﺣﺎﯾﯿﻦ ذات ﺗﺄﺛﯿﺮ ﻛﺒﯿﺮ ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وﻛﯿﺎﻧﮫ‬

‫اﻟﻌﺎم‪ ،‬ﻷﻧﮭﺎ ھﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﺪد ﻟﻠﻔﺮد اﺗﺠﺎھﺎﺗﮫ اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ‪ ،‬وﻋﻮاﻃﻔﮫ وﻛﻔﺎءاﺗﮫ‬

‫اﻟﺨﺎﺻﺔ‪ ،‬ﺗﺒﻌﺎً ﻟﻤﺎ ﺗﺘﺤﻔﮫ ﺑﮫ ﻣﻦ ﺗﺮﻛﯿﺐ ﻋﻀﻮي ﺧﺎص‪ ،‬وھﺬه اﻻﺗﺠﺎھﺎت‬

‫واﻟﻌﻮاﻃﻒ واﻟﻜﻔﺎءات‪ ،‬اﻟﺘﻲ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ اﻷﻓﺮاد وﻓﻘﺎً ﻟﺘﻠﻚ اﻟﻌﻮاﻣﻞ‪ ،‬وﺗﺴﺎھﻢ‬

‫ﻓﻲ ﺻﻨﻊ اﻟﺘﺎرﯾﺦ‪ ،‬وﺗﻘﻮم ﺑﺄدوار إﯾﺠﺎﺑﯿﺔ ﻣﺘﻔﺎوﺗﺔ ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ" ـ اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ‪.‬‬

‫ﻓﺈذا ﻛﺎﻧﺖ "اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿّﺔ" ﻗﺪ ﺗﺮﻧّﺤﺖ ﻛﻔﻠﺴﻔﺔ ﺷﻤﻮﻟﯿّﺔ ﺑﻔﻌﻞ ھﺬا اﻟﺨﻠﻞ اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ و ﻟﻜﻨﻨﺎ أﯾﻀﺎ ﺳﻨُﻌﻘّﺐ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر ﻻﺣﻘﺎ ﻓﯿﻤﺎ ﯾﺘﻌﻠﻖ ﺑﺄﻣﺜِﻠﺘﮫ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ أﺳﻤﺎه "دور اﻟﻔﺮد" ﻓﻲ ﻧﻘﺪه اﻟﻤﻤﺘﺎز‬
‫ﻋﻠﻰ أُﻃﺮوﺣﺎت اﻟ ّ‬

‫ﻟﻠﺸﯿﻮﻋﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﺤﯿﻨﻤﺎ ﻧﻌﺘﺮف ﻛﻤﻔﻜّﺮﯾﻦ ﺑﺪور اﻟﻔﺮد ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻻ ﯾﻌﻮد ﻟﻨﺎ ﺣﯿﻨﮭﺎ و ﺑﻌﺪ أن ﻧﺴﻔﻨﺎ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ‬

‫اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿّﺔ أن ﻧﻀﻊ ﺧﻄﻮﻃﺎ ﺣﻤﺮاء أﻣﺎم ﺣﺮﯾّﺔ اﻟﻔﺮد دون أن ﺗﻜﻮن ھﺬه اﻟﺨﻄﻮط ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ أُﺳﺲ‬

‫ﻣﻨﻄﻘﯿﺔ ﺗﻤﺜﻞ ﺿﺮورات ﻋﻘﻠﯿّﺔ ‪ ،‬و ﺣﯿﻨﻤﺎ ﻧﺴﻤﺢ ﺑﻮﺿﻊ ﻗﯿﻮد ﻣﺠﺪدا ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺮﯾّﺔ اﻟﻔﺮدﯾّﺔ ‪ ،‬ﻧﻜﻮن ﻗﺪ‬

‫ﻓﺘﺤﻨﺎ اﻟﺒﺎب ﻟﻨﻈﺮﯾّﺔ ﺷﻤﻮﻟﯿّﺔ أُﺧﺮى ﻟﺘﺤِﻞ ﻣﺤﻞ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿّﺔ و اﻟﻘﻮﻣﯿّﺔ ‪ ،‬ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻧﺘﻔﻖ ﻣﻊ اﻟﻐﺮب ﻓﻲ أن‬

‫ﻣﺴﺎويء اﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﻔﺮدﯾﺔ ھﻲ أﻗﻞّ ﺑﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ ﻣﺴﺎويء ﺧﻨﻖ اﻟﺤﺮﯾّﺎت و ﺗﻘﯿﯿﺪھﺎ ﺑﻘﯿﻮد دﯾﻨﯿﺔ أو ﻗﻮﻣﯿﺔ‬

‫أو ﻧﻈﺮﯾّﺔ أُﺧﺮى‪.‬‬

‫ُﻀﯿﻒ اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر‪:‬‬


‫ﺛﻢ ﯾ‬

‫" ﻓﻜﻠﻨﺎ ﻧﻌﻠﻢ ﺑﺎﻟﺪور اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ‪ ،‬اﻟﺬي ﻟﻌﺒﺘﮫ ﻣﻮاھﺐ ﻧﺎﺑﻠﯿﻮن اﻟﻌﺴﻜﺮﯾﺔ‪،‬‬

‫وﺷﺠﺎﻋﺘﮫ اﻟﻔﺮﯾﺪة‪ ،‬ﻓﻲ ﺣﯿﺎة أوروﺑﺎ‪.‬‬

‫وﻛﻠﻨﺎ ﻧﻌﻠﻢ ﺑﻤﯿﻮﻋﺔ ﻟﻮﯾﺲ اﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋﺸﺮ‪ ،‬وآﺛﺎرھﺎ اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ ﺧﻼل ﺣﺮب‬

‫اﻟﺴﻨﻮات اﻟﺴﺒﻊ‪ ،‬اﻟﺘﻲ ﺧﺎﺿﺘﮭﺎ ﻓﺮﻧﺴﺎ إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﻨﻤﺴﺎ‪ .‬ﻓﻘﺪ اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ اﻣﺮأة‬

‫واﺣﺪة‪ ،‬ﻛﻤﺪام)ﺑﻮﻣﺒﺎدور(‪ ،‬أن ﺗﻤﻠﻚ إرادة اﻟﻤﻠﻚ‪ ،‬وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ أن ﺗﺪﻓﻊ‬

‫ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻟﻼﺷﺘﺮاك ﻣﻊ اﻟﻨﻤﺴﺎ ﻓﻲ ﺣﺮﺑﮭﺎ‪ ،‬وﺗﺤﻤّﻞ اﻟﻌﻮاﻗﺐ اﻟﻮﺧﯿﻤﺔ اﻟﺘﻲ أﺳﻔﺮت‬

‫ﻋﻨﮭﺎ‪.‬‬

‫وﻛﻠﻨﺎ ﻧﻌﻠﻢ ﺑﺎﻟﺪور اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ‪ ،‬اﻟﺬي ﻧﺠﻢ ﻋﻦ ﺣﺎدﺛﺔ ﻏﺮام ﺧﺎﺻﺔ‪ ،‬ﻓﻲ‬

‫ﺣﯿﺎة ﻣﻠﻚ اﻧﺠﻠﯿﺰي ﻛﮭﻨﺮي‪ ،‬إذ أدت ﺗﻠﻚ اﻟﺤﺎدﺛﺔ إﻟﻰ اﻧﻔﺼﺎل اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ اﻟﻤﺎﻟﻜﺔ‪،‬‬

‫وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ اﻧﻜﻠﺘﺮا ﻛﻠﮭﺎ‪ ،‬ﻋﻦ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﻜﺎﺛﻮﻟﯿﻜﻲ‪.‬‬


‫‪117‬‬

‫وﻛﻠﻨﺎ ﻧﻌﻠﻢ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﺘﮫ ﻋﺎﻃﻔﺔ اﻷﺑﻮة‪ ،‬اﻟﺘﻲ دﻓﻌﺖ ﺑﻤﻌﺎوﯾﺔ ﺑﻦ أﺑﻲ ﺳﻔﯿﺎن‪،‬‬

‫إﻟﻰ اﺗﺨﺎذ ﻛﻞ اﻷﺳﺎﻟﯿﺐ اﻟﻤﻤﻜﻨﺔ‪ ،‬ﻷﺧﺬ اﻟﺒﯿﻌﺔ ﻹﺑﻨﮫ ﯾﺰﯾﺪ‪ ،‬اﻷﻣﺮ اﻟﺬي ﻋﺒّﺮ‬

‫ﻓﻲ وﻗﺘﮫ ﻋﻦ ﺗﺤﻮّل ﺣﺎﺳﻢ‪ ،‬ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺮى اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﻌﺎم‪.‬‬

‫ﻓﮭﻞ ﻛﺎن اﻟﺘﺎرﯾﺦ ﺳﯿﺘﻢ ﺑﻨﻔﺲ اﻟﺼﻮرة اﻟﺘﻲ وﺟﺪت ﻓﻌﻼً‪ ،‬ﻟﻮ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ‬

‫ﻧﺎﺑﻠﯿﻮن رﺟﻼً ﻋﺴﻜﺮﯾﺎً ﺣﺪﯾﺪﯾﺎً‪ ،‬وﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﻮﯾﺲ ذاﺋﺒﺎً ﻣﺴﺘﺴﻠﻤﺎً ﻟﻤﺤﻈﯿﺎﺗﮫ‪،‬‬

‫وﻟﻢ ﯾﻌﺸﻖ ھﻨﺮي)آن ﺑﻮﻟﯿﻦ(‪ ،‬وﻟﻢ ﺗﺴﯿﻄﺮ ﻋﺎﻃﻔﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎوﯾﺔ ﺑﻦ أﺑﻲ‬

‫ﺳﻔﯿﺎن‪ ".‬اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ‪.‬‬

‫ﻤﯿّﺔ "اﻟﻔﺮد" ﻓﻲ‬


‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر ھﻨﺎ ﺻﺤﯿﺤﺔ و ﺗﺘﻔﻖ ﻣﻊ ﻣﺎ ذھﺐ إﻟﯿﮫ ﻣﻦ أھ ّ‬
‫اﻷﻣﺜﻠﺔ اﻟّﺘﻲ ﻃﺮﺣﮭﺎ اﻟ ّ‬

‫ﺣﻜّﺎم" و‬
‫ﺣﺮﻛﺔ اﻟﺘﺎرﯾﺦ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮭﺎ ﻛﻠّﮭﺎ ذات ﺳﻤﺔ واﺣﺪة و ھﻲ أنّ ﻛﻞ ھﺆﻻء اﻟّﺬﯾﻦ اﺳﺘﺸﮭﺪ ﺑﮭﻢ ھﻢ " ُ‬

‫ﻟﯿﺴﻮا ﻣﻤﻦ ﺗﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﯿﮭﻢ ﺻﻔﺘﮭﻢ "اﻟﺸﻌﺒﯿّﺔ" ﺧﺼﻮﺻﺎ و أن أﻓﺮاد اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ھﻢ أھﻢ ﻣﻦ أﻓﺮاد اﻟﻄﺒﻘﺎت‬

‫اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ أو اﻟﺤﺰﺑﯿّﺔ ‪ ،‬ﻟﻘﺪ ﻛﺎن اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟﻔﺮد ﻣﮭﻤﺎ و ﻣﺤﻮرﯾﺎ ﻓﻲ اﻟﻐﺮب إﻟﻰ أن ﺑﺰﻏﺖ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و‬

‫ﻃﺮﺣﺖ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻛﺒﺪﯾﻞ ﻋﻦ اﻟﻄﻐﯿﺎن و أﺻﺒﺢ ﺻﻮت اﻟﻤﻮاﻃﻦ "اﻟﻔﺮد" ﻣﮭﻤﺎ ﻓﻲ ﻧﻈﺎم ﯾﻘﻮم أﺳﺎﺳﺎ ﻋﻠﻰ‬

‫أھﻤﯿﺔ اﻟﺼﻮت اﻟﻮاﺣﺪ ﻓﻲ أي اﻧﺘﺨﺎب ‪.‬‬

‫ﻟﻜﻦ اﻟﻔﺮد اﻟﻤﺴﺘﺒﺪ ﻻ ﯾﺰال ﻣﮭﯿﻤﻨﺎ ﻓﻲ ﺷﺮﻗﻨﺎ اﻟﻤﺴﻠﻢ ‪ ،‬و ﻧﺘﺞ ﻋﻦ اﻹﺳﻼم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﺗﺠﺎرب ﺳﯿﺌﺔ و‬

‫ﻓﺎﺷﻠﺔ ﻛﺎﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ و ﻃﺎﻟﺒﺎن أﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎن و اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻮراﺛﻲ اﻟﺴﻌﻮدي ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ اﻷھﻢ ﻓﻲ أي ﺑﺤﺚ‬

‫ھﻮ أن ﻧﻨﻈﺮ إﻟﻰ ﻗﯿﻤﺔ اﻟﻔﺮد ﻓﻲ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ "اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ"! دون ﺗﻠﻚ اﻟﺴّﻌﻮدﯾﺔ ‪ ،‬ﻷن اﻟﺴﻌﻮدﯾﺔ‬

‫ﻟﯿﺲ ﻟﮭﺎ أي ﻧﻈﺮﯾّﺔ ﻓﻠﺴﻔﯿﺔ ﻟﻠﺤﻜﻢ اﻟﻠﮭﻢ إﻻ "ﺣﻜﻢ اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ" و ھﯿﻤﻨﺔ اﻟﻌﺮف اﻟﻘﺒﻠﻲ ‪ ،‬ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻟﻨﻈﺎم اﻹﯾﺮاﻧﻲ‬

‫ﯾﻄﺮح ﻧﻔﺴﮫ ﻋﻠﻰ أﻧﮫ ﻣﺸﺮوع "دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ إﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ "ﻓﻘﮫ" دﯾﻨﻲ ﻛﻌﺬر ﻟﺨﻠﻖ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺗﻤﺘﻠﻚ‬

‫ﻟﻨﻔﺴﮭﺎ ﺟﺬورا ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟّﺬي ﯾﻀﻄﺮ داﺋﻤﺎ أن ﯾﻜﻮن ﻣﺘﺪﯾّﻨﺎ ‪ ،‬و ﻻ أدري ﻣﻦ أي ﻧﻈﺮﯾﺔ ﯾﺴﺘﻤﺪ‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن ھﺬا اﻟﻄﺮح ﺑﺄن "اﻟﺸﺮﻗﻲ" ﻣﺘﺪﯾﻦ أﺻﻼ ‪ ،‬و ﻟﯿﺖ ﺷِﻌﺮي ھﻞ أن "اﻟﺸﺮﻗﻲ" ﯾﺮِثُ اﻟﺘﺪﯾﱡﻦ ﻣﻊ‬

‫ﻣﻮرﱢات اﻵﺑﺎء و اﻷﺟﺪاد! أم أﻧّﮫ ﯾﺮﺛﮭﺎ وراﺛﺔ ﺑﯿﺌﯿﺔ ﻋﺒﺮ اﻟﺘﻘﺎﻟﯿﺪ و اﻟﻌﺎدات و اﻟﺘّﻠﻘﯿﻦ اﻹﺟﺒﺎري‪.‬‬

‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﻨﺤﻦ ﻻ ﻧﺠﺪ اﻟﺸﺮﻗﻲ ﻣﺨﺘﻠﻔﺎ ﻛﺜﯿﺮا ﻋﻦ أﺧﯿﮫ اﻟﻐﺮﺑﻲ أو اﻷﻣﺮﯾﻜﻲ اﻟﺠﻨﻮﺑﻲ أو إﺑﻦ ﺷﺮق‬

‫آﺳﯿﺎ ‪ ،‬و ﻟﻮ ﺳﻨﺤﺖ ﻟﮫ اﻟﻈﺮوف اﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻓﺈﻧﮫ ﺳﯿﻨﺘﺞ ﻣﻦ اﻹﺑﺪاع و اﻟﻨﻈﻢ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﻣﺎ‬

‫ﻻ ﯾﻘﻞ ﻋﻦ أي ﻧﻈﺎم ﻣﺘﻄﻮر آﺧﺮ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈﻧﻨﺎ ﻛﺒﺎﺣﺜﯿﻦ ﻟﻮ ﻗﺒﻠﻨﺎ ﺑﻨﻈﺮﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﺑـﺄن "اﻟﺸّﺮﻗﻲ‬

‫اﻟﻤﺴﻠﻢ" ھﻮ ﻣﺘﺪﯾﱢﻦ اﺿﻄﺮارا و ﺣﺘﻤﺎ ﻓﺴﻨﺤﺼﻞ ﻣﺮة أُﺧﺮى ﻋﻠﻰ ﻓﻠﺴﻔﺔ "ﻋﻨﺼﺮﯾﺔ" ﺗﻘﺴﱢﻢ اﻟﺸﻌﻮب إﻟﻰ‬

‫ﻃﺒﺎﺋﻊ و أﺧﻼق ﺗﺴﺘﻤﺪﱡ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻣﻦ اﻟﻤﻮرﺛﺎت اﻟﺠﯿﻨﯿﺔ و رواﺑﻂ اﻟﺪّم ‪ ،‬و ھﺬا ﻣﺎ ﺳﯿﺮﻓﻀﮫ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن ﻗﺒﻞ‬

‫ﻏﯿﺮھﻢ ﻷن ھﻨﺎك ﻧﺼﻮﺻﺎ دﯾﻨﯿّﺔ ﺻﺮﯾﺤﺔ ﺿﺪ اﻟﻌﻨﺼﺮﯾﺔ و اﻟﺘﻔﺎﺿﻞ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس اﻟﺪّم و اﻟّﻠﻮن أو‬

‫اﻟﻌﺮق ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن ھﺬا اﻟﻌﺬر ﻧﻔﺴﮫ ﺳﺒﺐ ﻛﺎف ﻓﻲ أن ﻧﻘﻮل أن اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﺳﺘﻨﺎﺳﺒﻨﺎ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﻟﻐﺮﺑﯿﯿﻦ‬

‫ﻷن اﻟﻤﺘﺪﯾﻦ ﻓﻲ ﺷﺮﻗﻨﺎ ﺳﯿﻜﻮن ﻣﺘﺪﯾﻨﺎ ﻓﻲ ﻇﻞ ﻧﻈﺎم دﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ‪ ،‬أم رﺑﻤﺎ ﺗﻌﻨﻲ ﻛﻠﻤﺔ "ﻣﺘﺪﯾﻦ" ﻣﻌﻨﻰ‬

‫آﺧﺮ! ﻛﺄن ﻧﻘﻮل ‪ :‬أن اﻟﺸّﺮﻗﻲ "دﻛﺘﺎﺗﻮر ﻣﺘﺪﯾﻦ"! ﻓﮭﺬا أﻣﺮ آﺧﺮ‪.‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر ﯾﺪاﻓﻊ ﻋﻦ ﻧﻈﺮﯾﺘﮫ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ "اﻟﺪّﯾﻦ" و اﻟﺒﺪء ﺑﺘﺤﻘﯿﻖ‬


‫ﻣﻦ ھﻨﺎ ﻓﻠﯿﺲ ﻣﻦ اﻟﻐﺮﯾﺐ أن ﻧﺠﺪ اﻟ ّ‬

‫ذﻟﻚ ﻋﺒﺮ ﻧﻘﺪ أﻧﻈﻤﺔ اﻟﺤﻜﻢ اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿّﺔ و اﻻﺷﺘﺮاﻛﯿﺔ و اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿّﺔ اﻟﺮّأﺳﻤﺎﻟﯿّﺔ ‪ ،‬و ﺣﺴﻨﺎ ﻓﻌﻞ ﺑﻨﻘﺪه‬

‫اﻟﻤﺎرﻛﺴﯿّﺔ ﻛﻮﻧﮭﺎ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺗﻘﻒ ﺑﺎﻟﻀّﺪ ﻣﻦ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿّﺔ و اﻟﺤُﺮﯾّﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮫ ﻛﺎن ﻣﺠﺤﻔﺎ ﻓﻲ ﻧﻘﺪه اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ‬

‫"ذات اﻟﻄﺎﺑﻊ اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ" ﻋﺒﺮ ﻣﻔﺎھﯿﻢ و ﻣﺼﻄﻠﺤﺎت "إﺳﻼﻣﯿﺔ" ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﮭﺎ ﺑﺎﻟﻤﻔﮭﻮم اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ ﻟﻠﻌﻼﻗﺔ‬

‫ﺑﯿﻦ اﻟﻔﺮد و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ و اﻟﺪوﻟﺔ ‪ ،‬ﻓﺒﯿﻨﻤﺎ ﺗﻔﺼﻞ ﻛﻠﻤﺎت اﻟﻤﺴﯿﺢ ﺑﯿﻦ اﻟﺴّﻠﻄﺔ اﻟﺪّﯾﻨﯿّﺔ و اﻟﺪّﻧﯿﻮﯾﺔ ﺑﻌﺒﺎرات‬

‫ﺻﺮﯾﺤﺔ ‪ :‬ﻣﺎ ﷲ ﷲ و ﻣﺎ ﻟﻘﯿﺼﺮ ﻟﻘﯿﺼﺮ"! و ھﻲ ﻋﺒﺎرات ﻃﺎﻟﻤﺎ ﺳﺨﺮ ﻣﻨﮭﺎ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن ‪ ،‬ﺗﻘﻮم اﻟﻔﻜﺮة‬
‫‪118‬‬

‫اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻋﻠﻰ دﻣﺞ اﻟﺪّﯾﻦ و اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ أو اﻟﺪّوﻟﺔ ﻓﻲ ﻧﺴﯿﺞ واﺣﺪ ‪ ،‬ﻛﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﺨﻼﻓﺔ ﻋﻨﺪ "اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ‬

‫ﺴﻨّﺔ" و وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ﻋﻨﺪ "اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ اﻟﺸّﯿﻌﺔ" ‪ ،‬ﻓﮭﻲ دﻣﺞ ﻟﻠﺪّﯾﻦ و اﻟﺪوﻟﺔ ‪ ،‬و ﯾﺒﺪو ﻟﻲ أن ھﺬه‬
‫اﻟ ﱡ‬

‫اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎت اﻟﻤﺘﺨﻠﻔﺔ ﻟﻦ ﺗﺘﺨﻠﻰ ﻋﻦ ھﺎﺗﯿﻦ اﻟﻨﻈﺮﯾﺘﯿﻦ إﻻ ﺑﻌﺪ أن ﺗﺬوق ﻣﻨﮭﺎ اﻟﻮﯾﻼت‪.‬‬

‫إن اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿّﺔ و اﻹﺳﻼم ھﻲ اﻟﺘّﺤﺪّي اﻟﺤﻘﯿﻘﻲ اﻟّﺬي ﯾﺸﮭﺪه اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻵن ‪ ،‬و اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ‬

‫ﻛﻤﺎ أرى و أﻋﺘﻘﺪ ھﻲ أن اﻟﻤﺴﻠﻤﯿﻦ ﻋﻤﻮﻣﺎ و اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ﺧﺼﻮﺻﺎ ﯾﻨﻈﺮون إﻟﻰ ﻣﺎھﯿّﺔ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿّﺔ و‬

‫ﺟﻮھﺮھﺎ ﻣﻦ ﺧﻼل رؤﯾﺘﮭﻢ ﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ أواﺳﻂ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ و ﺑﺎﻷﺧﺺ اﻟﺘﺠﺮﺑﺘﯿﻦ اﻟﺘّﺮﻛﯿّﺔ و اﻟﺘّﻮﻧﺴﯿّﺔ ‪،‬‬

‫ﺮﯾّﺔ اﻟﺪّﯾﻨﯿّﺔ ‪ ،‬ﻣﻤﺎ ﯾﻌﻨﻲ أن اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ ھﻢ أوّل ﻣﻦ ﺳﯿﻔﻘﺪ ھﺎﻟﺘﮭﻢ‬


‫و ھﻤﺎ ﺗﺠﺮﺑﺘﺎن وﻗﻔﺘﺎ ﺑﺎﻟﻀّﺪ ﻣﻦ اﻟﺤ ّ‬

‫اﻟﻤﻘﺪﺳﺔ‪ .‬ﻟﻜﻨّﻨﻲ أﯾﻀﺎ أﺗﻔﮭﻢ أﺳﺒﺎب اﻟﺘﻄﺮف اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ اﻟّﺬي وﺟِﺪ ﻓﻲ اﻟﺪّوﻟﺘﯿﻦ و اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﺘﺮﻛﯿﺔ ﻋﻠﻰ‬

‫وﺟﮫ اﻟﺨﺼﻮص ‪ ،‬ﻓﻠﻮ ﻻ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺗﺮﻛﯿﺎ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ ﺧﻼل اﻟﺴﺒﻌﯿﻦ ﺳﻨﺔ اﻟﻤﺎﺿﯿﺔ ‪ ،‬ﻣﺎ ﻛﻨّﺎ ﻟﻨﺸﮭﺪ ﺗﺠﺮﺑﺔ‬

‫ﺤﻜُﻢ‪.‬‬
‫ﺣﺰب اﻟﺘﻨﻤﯿﺔ و اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻟّﺬي واﺋﻢ ﺑﯿﻦ اﻟﺘﺪﯾﱡﻦ ﻛﻘﻨﺎﻋﺔ ﺷﺨﺼﯿّﺔ و اﻟﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﺔ ﻓﻲ اﻟ ُ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻢ ھﻨﺎ أن ﻧﺨﻠﻖ ﻣﺎ أﺳﺘﻄﯿﻊ ﺗﺴﻤﯿﺘﮫ ﺑﺎﻟﻔﺮد اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ اﻟّﺬي ﻻ ﯾﺘﻨﺎﻗﺾ ﻋﺒﺮ ﻋﻠﻤﺎﻧﯿﺘﮫ ﻣﻊ ﻣﺠﺘﻤﻊ‬

‫"ﻣﺘﺪﯾﻦ" ﻣﺜﻼ ‪ ،‬إن اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ ھﻮ روح ﻛُﻞّ اﻟﻔﻠﺴﻔﺎت و اﻷدﯾﺎن ﻟﺬﻟﻚ ﻓﮭﻮ وﺣﺪه اﻟﻘﺎدر ﻋﻠﻰ ﺟﻠﺐ "ﺛﻘﺎﻓﺔ‬

‫اﻟﺴﻼم" إﻟﻰ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ و إن ﺑﺪا ﻣﺘﺸﻜﻜﺎ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ اﻟﻤﺘﺪﯾﻨﯿﻦ إﻻّ إﻧّﮫ و ﻣﻦ ﺧﻼل ﺷﻜّﮫ ﻋﻠﻰ‬

‫ن ﯾﺼﻞ إﻟﻰ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ‪ ،‬و أﻧﺎ أﻋﺘﻘﺪ أن اﻹﺳﻼم ﻧﻔﺴﮫ ﻛﺪﯾﻦ ﯾﺴﻤﺢ ﺑﻨﻮع ﻣﻦ‬
‫اﻟﻄﺮﯾﻘﺔ "اﻟﺪّﯾﻜﺎرﺗﯿﺔ" ﯾﻤﻜﻨﮫ أ ّ‬

‫ھﺬه اﻟﺘّﺸﻜﯿﻜﯿﺔ ﻛﺨﻄﻮة أوﻟﻰ ﻟﻠﻮﺻﻮل إﻟﻰ اﻟﻤﻌﻨﻰ اﻷﺟﻤﻞ ﻓﻲ اﻟﻨّﺺ اﻟﻤﻘﺪّس ‪ ،‬ﻟﺬﻟﻚ ﻧﺠﺪ ﻓﻲ ﻋُﺮف‬

‫اﻟﻔﻘﮭﺎء و ﻓﻲ ﻛﺎﻓّﺔ ﻣﺬاھﺒﮭﻢ ﻋﺒﺎرات ﻣﺜﻞ "و اﷲ أﻋﻠﻢ"! أو "و اﷲ أﻋﻠﻢ ﺑﻤﺮاده"! و ﻏﯿﺮھﺎ ﻣﻦ‬

‫اﻟﻌﺒﺎرات اﻟّﺘﻲ ﺗﻀﻊ ﺗﺴﺎؤﻻ دﯾﻜﺎرﺗﯿّﺎ ﻛﻨﻮع ﻣﻦ ﻋﺪم اﻟﯿﻘﯿﻦ ﺗﺠﺎه اﻟﻤﻘﺎﺻﺪ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ﻟﻠﻨﺺ ﺗﺠﺎه ﻛﻞّ ﻣﺴﺄﻟﺔ‬

‫ﻓﻘﮭﯿّﺔ أو ﻋﻘﻠﯿّﺔ‪.‬‬

‫إﻧﻄﻼﻗﺎ ﻣﻦ ھﺬه اﻟﻨﻘﻄﺔ اﻟﻌﻤﯿﻘﺔ و اﻟﺸﻚ ﻛﻮﺳﯿﻠﺔ ﻟﻠﯿﻘﯿﻦ ‪ ،‬ﺗﻜﻤﻦ ﻋﻠﻤﺎﻧﯿﺔ اﻹﺳﻼم اﻟّﺘﻲ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻠﻤﺴﻠﻤﯿﻦ‬

‫اﻟﺒﻨﺎء ﻋﻠﯿﮭﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻲ اﻟﻤﺴﻠﻢ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أنّ ﯾُﺸﻜّﻚ ﻓﻲ إي رأي ﻓﻘﮭﻲ ‪ ،‬ﺧﺼﻮﺻﺎ ﺗﻠﻚ اﻵراء اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ‬

‫ﻋﻠﻰ اﻷدﻟﺔ اﻟﻈﻨﯿّﺔ ‪ ،‬دون أن ﯾﻜﻮن ھﻨﺎك أيّ ﺗﺨﻞّ ﻋﻦ إﯾﻤﺎﻧﮫ اﻟﺨﺎص ‪ ،‬و ﺑﻤﺠﻤﻮع اﻷﻓﺮاد اﻟﻌﻠﻤﺎﻧﯿﯿﻦ‬

‫ﯾﻜﻮن اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ "اﻟﻤﺴﻠﻢ اﻟﺸّﺮﻗﻲ" ﻗﺪ ﺣﻘّﻖ اﻟﺨﻄﻮة اﻷوﻟﻰ ﻓﻲ إﻗﺎﻣﺔ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪّﯾﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻓﻲ وﺳﻂ ﻋﺎﻟﻢ‬

‫إﺳﻼﻣﻲ ﻟﻢ ﯾﺴﺒﻖ ﻟﮫ أن اﺧﺘﺒﺮ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿّﺔ ﺑﻤﻔﮭﻮﻣﮭﺎ اﻟﺤﺪﯾﺚ و اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ اﻟّﺘﻲ ﯾﺠﺐ أن ﻧﻌﺘﺮف ﺑﮭﺎ أنّ‬

‫ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻛﻤﺎل "ﻣﺆﺳﺲ ﺗﺮﻛﯿﺎ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ" ﻗﺪّم ﻟﻺﺳﻼم أﺟﻤﻞ ھﺪﯾﺔ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﺣﺮّره ﻣﻦ ﻣﻼﻟﻲ اﻟﻜﮭﻨﻮت و‬

‫ﻣﻦ ﺗﻼﻋﺐ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺰّﻣﻨﯿّﺔ و اﻟﺪّﻧﯿﻮﯾّﺔ ﺑﮫ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻛﺎن اﻟﻔﺮد اﻟﻤﺴﻠﻢ ﻓﻲ ﺗﺮﻛﯿﺎ ﺣﺮّا ﻓﻲ ﺗﺄﻣﱡﻞ اﻟﻨّﺺ‬

‫اﻟﻤﻘﺪّس دون ھﯿﻤﻨﺔ ﻃﺒﻘﺔ رﺟﺎل اﻟﺪﯾﻦ اﻟﻔﺎﺳﺪﯾﻦ‪.‬‬

‫ﯾﻘﻮل اﻟﺴﯿﺪ اﻟﺼﺪر ﻓﻲ "ﻟﻤﺤﺔ ﻓﻘﮭﯿﺔ ﺗﻤﮭﺪﯾﺔ ﻟﺪﺳﺘﻮر اﻟﺠﻤﮭﻮرﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻲ إﯾﺮان"‪:‬‬

‫" إن اﻟﺪوﻟﺔ ﻇﺎھﺮة اﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ أﺻﯿﻠﺔ ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن‪ .‬وﻗﺪ ﻧﺸﺄت ھﺬه اﻟﻈﺎھﺮة ﻋﻠﻰ ﯾﺪ اﻷﻧﺒﯿﺎء‬

‫ورﺳﺎﻻت اﻟﺴﻤﺎء‪ ،‬واﺗﺨﺬت ﺻﯿﻐﺘﮭﺎ اﻟﺴﻮﯾﺔ‪ ،‬وﻣﺎرﺳﺖ دورھﺎ اﻟﺴﻠﯿﻢ ﻓﻲ ﻗﯿﺎدة اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻹﻧﺴﺎﻧﻲ‬

‫وﺗﻮﺟﯿﮭﮫ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻣﺎ ﺣﻘﻘﮫ اﻷﻧﺒﯿﺎء ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻤﺠﺎل ﻣﻦ ﺗﻨﻈﯿﻢ اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻗﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس اﻟﺤﻖ‬

‫واﻟﻌﺪل ﯾﺴﺘﮭﺪف اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ وﺣﺪة اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ وﺗﻄﻮﯾﺮ ﻧﻤﻮھﺎ ﻓﻲ ﻣﺴﺎرھﺎ اﻟﺼﺤﯿﺢ"‪ .‬ﺗﺮى ھﻞ ﺣﻘﺎ‬

‫ﻧﺸﺄت اﻟﺪوﻟﺔ ﺑﻔﻌﻞ رﺟﺎﻻت اﻟﺪﯾﻦ أي اﻷﻧﺒﯿﺎء و اﻟﻘﺪﯾﺴﯿﻦ!! أم أن اﻟﺪوﻟﺔ ھﻲ ﻇﺎھﺮة ﺑﺸﺮﯾﺔ ﻧﺘﺠﺖ ﻣﻦ‬
‫‪119‬‬

‫ﺣﺎﺟﺔ اﻹﻧﺴﺎن إﻟﻰ اﻟﺤﻤﺎﯾﺔ و اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ ﻣﻤﺘﻠﻜﺎﺗﮫ و ﺷﺨﺼﮫ! و اﺳﺘﺸﮭﺎه ﺑﺎﻵﯾﺔ ‪} :‬ﻛﺎن اﻟﻨﺎس أﻣﺔ‬

‫واﺣﺪة ﻓﺒﻌﺚ اﷲ اﻟﻨﺒﯿﯿﻦ ﻣﺒﺸﺮﯾﻦ وﻣﻨﺬرﯾﻦ وأﻧﺰل ﻣﻌﮭﻢ اﻟﻜﺘﺎب ﺑﺎﻟﺤﻖ ﻟﯿﺤﻜﻢ ﺑﯿﻦ اﻟﻨﺎس ﻓﯿﻤﺎ اﺧﺘﻠﻔﻮا‬

‫ﻓﯿﮫ وﻣﺎ اﺧﺘﻠﻒ ﻓﯿﮫ إﻻ اﻟﺬﯾﻦ أوﺗﻮه ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﺟﺎءﺗﮭﻢ اﻟﺒﯿﻨﺎت ﺑﻐﯿﺎً ﺑﯿﻨﮭﻢ ﻓﮭﺪى اﷲ اﻟﺬﯾﻦ آﻣﻨﻮا ﻟﻤﺎ‬

‫اﺧﺘﻠﻔﻮا ﻓﯿﮫ ﻣﻦ اﻟﺤﻖ ﺑﺈذﻧﮫ واﷲ ﯾﮭﺪي ﻣﻦ ﯾﺸﺎء إﻟﻰ ﺻﺮاط ﻣﺴﺘﻘﯿﻢ{ ]اﻟﺒﻘﺮة‪ .[213 :‬ﻻ ﯾﻘﻮم دﻟﯿﻼ‬

‫ﺑﺤﺪ ذاﺗﮫ ﻋﻠﻰ أن اﻷﻧﺒﯿﺎء ھﻢ ﻣﻦ أﺳﺲ اﻟﺪوﻟﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ ﻗﺪ ﯾﻜﻮن اﻟﻌﻜﺲ ھﻮ اﻟﺼﺤﯿﺢ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻷﻧﺒﯿﺎء‬

‫ﺪ ﻓﻲ‬
‫ﻇﮭﺮوا ﻟﯿﺮدوا ﻋﻦ اﻟﻨﺎس ﻇﻠﻢ اﻟﺪوﻟﺔ و ﺗﺤﯿﺰھﺎ ﺿﺪ ﻣﻮاﻃﻨﯿﮭﺎ ‪ ،‬و أﺣﺴﺐ أن اﻟﺪّوﻟﺔ ﻛﻜﺎﺋﻦ وﺟِ َ‬

‫ﻟﺤﻈﺔ ﺗﺎرﯾﺨﯿﺔ ﻣﻌﯿﻨﺔ دون أن ﯾﺪرﻛﮭﺎ ﻣﻮاﻃﻨﻮھﺎ ﻛﻜﺎﺋﻦ ‪ ،‬ﺑﻞ وﻟِﺪت ﻛﻘﺒﯿﻠﺔ ﻛﺒﯿﺮة اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ اﺳﺘﯿﻌﺎب‬

‫ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ ‪ ،‬و أن اﻟﻤﻠﻜﯿﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ و اﻟﺤﺮب اﻟﺘﻲ ﺟﻠﺒﺖ اﻟﻤﺰﯾﺪ ﻣﻦ اﻷﻣﻼك ﻛﺎﻧﺎ أﺣﺪ أھﻢ‬

‫أﺳﺒﺎب ﻧﺸﻮء اﻟﺪوﻟﺔ ﻛﺘﻨﻈﯿﻢ إﻧﺴﺎﻧﻲ ـ أﻧﻈﺮ )ﻗﺼﺔ اﻟﺤﻀﺎرة ـ ول دﯾﻮراﻧﺖ ـ اﻟﺠﺰء اﻷول(‪.‬‬

‫و اﻟﺒﺤﺚ اﻷھﻢ و اﻟّﺬي ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن إﺛﺒﺎﺗﮫ ھﻮ ‪ :‬ﻣﺎ ھﻲ اﻷدﻟﺔ اﻟﺘﺎرﯾﺨﯿﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺜﺒﺖ أن‬

‫"اﻷﻧﺒﯿﺎء" و اﻟﺪّواﻓﻊ اﻟﺮّوﺣﯿﺔ ھﻲ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ اﻷﺳﺎس اﻷوّل ﻹﻧﺸﺎء اﻟﺪّوﻟﺔ إذ ﻻ ﯾﻜﻔﻲ اﺳﺘﺪﻻﻟﮭﻢ‬

‫ﺑﺎﻵﯾﺎت و اﻷﺣﺎدﯾﺚ و ھﻲ اﻟﻘﺎﺑﻠﺔ أﺻﻼ أن ﯾﻜﻮن ﻟﮭﺎ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺗﺄوﯾﻞ و ﻣﻌﻨﻰ دون أن ﯾﺤﺼﻠﻮا ﻋﻠﻰ أﻟﺔ‬

‫ﺗﺎرﯾﺨﯿﺔ ﻣﻠﻤﻮﺳﺔ ﻛﺎﻟﻤﺨﻄﻮﻃﺎت أو أي ﺷﻲء ﯾﺼﻠﺢ ﻟﻼﺳﺘﺪﻻل اﻟﺘﺎرﯾﺨﻲ ‪ ،‬و ﻣﻌﻠﻮم أن اﻟﺪوﻟﺔ ﻻ ﺗﻜﻮن‬

‫ﺿﺮورة إﻻ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾﺼﻞ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺒﺸﺮي إﻟﻰ درﺟﺔ ﻣﻌﯿﻨﺔ ﻣﻦ اﻟﻜﻤﺎل و ﺗﺸﺎﺑﻚ اﻟﺮّﻏﺒﺎت و اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ‬

‫وﺟِﺪَت ﻛﺎﻧﺖ‬
‫و ﺗﻨﺎﻗﻀﮭﺎ و ﺣﺎﺟﺔ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ إﻟﻰ ﺗﺬﻟﯿﻞ اﻟﻌﻘﺒﺎت أو دﻓﻊ اﻷﺧﻄﺎر ‪ ،‬و اﻟﺪوﻟﺔ ﻛﻜﺎﺋﻦ ﺣﯿﻨﻤﺎ ُ‬

‫ﻧﻘﯿﻀﺎ ﻟﻠﻔﺮد ﻓﻲ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﻦ ﺟﻮاﻧﺒﮭﺎ اﻟﺘﺴﻠﻄﯿﺔ ھﺬا اﻟﻔﺮد اﻟّﺬي ﻛﺎن أﻛﺜﺮ ﺣُﺮﯾّﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎت ﻣﺎ ﻗﺒﻞ‬

‫اﻟﺪوﻟﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﻔﺮد اﺳﺘﻌﺎد اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻹﯾﺠﺎﺑﻲ ﻣﻦ ﻋﻼﻗﺘﮫ ﺑﺎﻟﺪّوﻟﺔ اﻟﻜﺎﺋﻦ اﻟﻤﻤﺜﻞ ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ ﺣﯿﺚ أﺻﺒﺤﺖ‬

‫اﻟﺪّوﻟﺔ ﺗﻘﻮم ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد اﻟﺬي ﯾﻤﻨﺢ ﺑﺮﻛﺘﮫ ﻟﻠﺪوﻟﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل ﺗﺼﻮﯾﺘﮫ ﻟﮭﺎ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈن اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻠﯿﺒﺮاﻟﯿّﺔ‬

‫اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ﺗﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﻛﻼ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ ‪ ،‬ﺻﻮت اﻟﻔﺮد و اﻷﻓﺮاد اﻟّﺬﯾﻦ ﯾُﻜﻮّﻧﻮن ﻛﺘﻼ و أﺣﺰاﺑﺎ ﻟﺘﻮﺟﯿﮫ ﻣﺴﺎرھﺎ‬

‫اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ و اﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻲ و اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ‪.‬‬

‫ن اﻟﻔﺮد ﯾﺒﺪع و ﯾُﺘﻘﻦ ﻋﻤﻠﮫ و ﯾﻜﻮن إﯾﺠﺎﺑﯿّﺔ أﻛﺜﺮ ﻣﻨﮫ ﺳﻠﺒﯿّﺔ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﯾُﺪرك ﻗﯿﻤﺔ ذاﺗﮫ و أﻧﮫ ﻟﯿﺲ ﻣﺠﺮد‬
‫إ ّ‬

‫ﺻِﻔﺮ ﻣﻦ اﻷﺻﻔﺎر اﻟّﺘﻲ ﯾﺴﺘﻮﻋﺒﮭﺎ رﻗﻢ ﻣﺎ ‪ ،‬و ﻣﮭﻤﺎ ﻛﺎن ھﯿﺠﻞ و ﻣﺎرﻛﺲ ﻗﺎدرﯾﻦ ﻋﻠﻰ إﻟﻐﺎء أھﻤﯿّﺔ‬

‫اﻟﻔﺮد ﻋﺒﺮ اﻹﺳﺘﺪﻻل اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ‪ ،‬و ﻛﺬﻟﻚ ﯾﻔﻌﻞ اﻹﺳﻼﻣﯿّﻮن و ﻟﻜﻦ ﻋﺒﺮ ﻃﺮﯾﻘﺔ أُﺧﺮى ‪ ،‬إﻻّ أن اﻟﻠﺒﺮاﻟﯿﺔ‬

‫اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ و ﻋﺒﺮ ﻧﺠﺎﺣﺎﺗﮭﺎ ﻛﻮﻧﮭﺎ ﻧﻈﺎﻣﺎ ﻃﺒﯿﻌﯿﺎ أﺛﺒﺘﺖ ﻋﺒﺮ ﺟﺎﻧﺒﮭﺎ اﻟﺘﻄﺒﯿﻘﻲ أن اﻟﻔﺮد ھﻮ اﻷﺳﺎس اﻟّﺬي‬

‫ﺗﻘﻮم ﻋﻠﯿﮫ اﻟﺪّوﻟﺔ و ﻣﮭﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﻔﺮد ذاﺗﯿّﺎ ﻓﻲ ﺗﻔﻜﯿﺮه ﻓﺈﻧﮫ ﯾﻠﺠﺄ إﻟﻰ اﻟﺪّوﻟﺔ ﺷﺎء أم أﺑﻰ ﻷﻧﮭﺎ إﺣﺪى ﺣﺎﺟﺎﺗﮫ‬

‫اﻷﺳﺎﺳﯿّﺔ ﺣﺎﻟﮭﺎ ﺣﺎل اﻟﻤﺎء و اﻟﮭﻮاء و اﻟﻄﻌﺎم ‪ ،‬و ھﻮ رﻏﻢ ﺿﺮورة ھﺬه اﻟﺤﺎﺟﺔ إﻻ أﻧﮫ ﻗﺎدر ﻋﻠﻰ أن‬

‫ﯾُﻌﻄﯿﮭﺎ ﺣﺠﻤﮭﺎ و ﻧﻮﻋﮭﺎ و ﺿﻌﻔﮭﺎ و ﻗﻮﺗﮭﺎ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺪّوﻟﺔ اﻟّﺘﻲ ﯾﻜﻮّﻧﮭﺎ أﻓﺮاد أﻗﻮﯾﺎء اﻹرادة ـ ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧّﮭﻢ‬

‫ﯾﻌﺸﻘﻮن ﺣﺮﯾّﺘﮭﻢ اﻟﻤﻘﯿﺪة ﺑﻘﺎﻧﻮن ـ ﻓﺈنّ ھﺬه اﻟﺪّوﻟﺔ ﺗﻜﻮن ﺧﻔﯿﻔﺔ ﺗﺠﺎه ﻣﻮاﻃﻨﯿﮭﺎ و ﺛﻘﯿﻠﺔ و ﻣُﮭﻤّﺔ ﺗﺠﺎه‬

‫ﻏﯿﺮھﺎ ﻣﻦ اﻟﺪّول ‪ ،‬ﻓﺎﻟﻔﺮد و اﻟﻔﺮدﯾﺔ ﻛﺼﻔﺔ ﻋﺎﻣّﺔ ھﻲ اﻟّﺘﻲ ﺗﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﺗﻜﻮن ﻧﻮاة دوﻟﺔ ﺣﻘﯿﻘﯿّﺔ ‪ ،‬و‬

‫ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﺘﺎرﯾﺦ ـ اﻟﻨﻈﺮﯾّﺔ اﻟّﺘﻲ ﺧﺮج ﺑﮭﺎ ﻓﻮﻛﻮﯾﺎﻣﺎ ـ ﺗﺄﺗﻲ ﻣﻦ ھﺬا اﻟﺠﺎﻧﺐ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أنّ دوﻟﺔ "اﻟﻔﺮد" ﯾﻜﺎد‬

‫ﯾﻜﻮن اﻟﻤﺜﺎل اﻷﺧﯿﺮ ﻟﻠﺪوﻟﺔ اﻟﻤﺘﻜﺎﻣﻠﺔ ‪ ،‬و ﻧﺤﻦ ھﻨﺎ أﺿﻔﻨﺎ ﻋﺒﺎرة اﻟﺘّﺸﻜﯿﻚ ﻟﻸﻣﺎﻧﺔ اﻟﻌﻠﻤﯿﺔ ‪ ،‬ﻓﻘﺪ ﯾﺨﺮج‬

‫ﻋﻠﯿﻨﺎ اﻟﻌﻠﻢ ﺑﻨﻈﺮﯾﺎت أﻓﻀﻞ و أﻛﺜﺮ ﺗﻄﻮرا ﻣﻤﺎ ﻧﺤﻦ ﻋﻠﯿﮫ اﻵن‪.‬‬

‫دﯾّﺔ و اﻟﺮّوﺣﯿّﺔ‬
‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر ﻓﻲ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻜﺮﯾّﺔ ﻣﻨﮫ إﻟﻰ إﯾﺠﺎد ﺣﻞ أو ﺗﻮازن ﻟﻠﻨﺰﻋﺘﯿﻦ اﻟﻤﺎ ّ‬
‫ﯾﻘﻮل اﻟ ّ‬

‫اﻟﻠﺘﯿﻦ ﺗﺘﺼﺎرﻋﺎن ﻓﻲ اﻹﻧﺴﺎن‪:‬‬

‫" اﻷﺳﻠﻮب اﻷول‪ :‬ھﻮ ﺗﺮﻛﯿﺰ اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ اﻟﻮاﻗﻌﻲ ﻟﻠﺤﯿﺎة‪ ,‬وإﺷﺎﻋﺔ ﻓﮭﻤﮭﺎ ﻓﻲ‬

‫ﻟﻮﻧﮭﺎ اﻟﺼﺤﯿﺢ‪ ,‬ﻛﻤﻘﺪﻣﺔ ﺗﻤﮭﯿﺪﯾﺔ إﻟﻰ ﺣﯿﺎة أﺧﺮوﯾﺔ‪ ,‬ﯾﻜﺴﺐ اﻻﻧﺴﺎن ﻓﯿﮭﺎ ﻣﻦ اﻟﺴﻌﺎدة ﻋﻠﻰ‬

‫ﻣﻘﺪار ﻣﺎ ﯾﺴﻌﻰ ﻓﻲ ﺣﯿﺎﺗﮫ اﻟﻤﺤﺪودة ھﺬه‪ .‬ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻞ ﺗﺤﺼﯿﻞ رﺿﺎ‬


‫‪120‬‬

‫اﷲ‪ .‬ﻓﺎﻟﻤﻘﯿﺎس اﻟﺨﻠﻘﻲ ـ أو رﺿﺎ اﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ ـ ﯾﻀﻤﻦ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﺸﺨﺼﯿﺔ‪ ,‬ﻓﻲ‬

‫ﻧﻔﺲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﯾﺤﻘﻖ ﻓﯿﮫ أھﺪاﻓﮫ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ اﻟﻜﺒﺮى‪ .‬ﻓﺎﻟﺪﯾﻦ ﯾﺄﺧﺬ ﺑﯿﺪ‬

‫اﻻﻧﺴﺎن إﻟﻰ اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ ﻓﻲ إﻗﺎﻣﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺴﻌﯿﺪ واﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ ﻗﻀﺎﯾﺎ اﻟﻌﺪاﻟﺔ‬

‫ﻓﯿﮫ‪ ,‬اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻘﻖ رﺿﺎ اﷲ ﺗﻌﺎﻟﻰ‪ ,‬ﻷن ذﻟﻚ ﯾﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺣﺴﺎب رﺑﺤﮫ اﻟﺸﺨﺼﻲ‪,‬‬

‫ﻣﺎ دام ﻛﻞ ﻋﻤﻞ وﻧﺸﺎط ﻓﻲ ھﺬا اﻟﻤﯿﺪان ﯾﻌﻮض ﻋﻨﮫ ﺑﺄﻋﻈﻢ اﻟﻌﻮض وأﺟﻠﮫ‪.‬‬

‫ﻓﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ھﻲ ﻣﺴﺎﻟﺔ اﻟﻔﺮد أﯾﻀﺎً‪ ,‬ﻓﻲ ﻣﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺪﯾﻦ ﻋﻦ اﻟﺤﯿﺎة‬

‫وﺗﻔﺴﯿﺮھﺎ‪ "..‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر ﺗﻨﺒﺜﻖ ﻣﻨﮫ ﺟﻤﻠﺔ إﺷﻜﺎﻻت ﺣﻘﯿﻘﯿّﺔ ‪ ،‬ذﻟﻚ أﻧّﮫ أﺳﻠﻮب‬
‫ھﺬا اﻷُﺳﻠﻮب اﻷول اﻟّﺬي ﻃﺮﺣﮫ اﻟ ّ‬

‫"إﺳﻼﻣﻲ" ﺑﺤﺖ و ﻟﯿﺲ ﻟﮫ ﻧﻈﺮة ﺗﺘﺠﺎوز اﻟﺪّﯾﻦ اﻹﺳﻼﻣﻲ ‪ ،‬ﻣﻊ ﻣﻼﺣﻈﺔ أنّ ﻟﻜﻞ دﯾﻦ ﻣﻔﺎھﯿﻤﮫ و‬

‫ﻣﺼﻄﻠﺤﺎﺗﮫ اﻟﺨﺎﺻﺔ اﻟّﺘﻲ ﯾﺘﺪاوﻟﮭﺎ أﻓﺮاد ﻛُﻞّ دﯾﻦٍ ﺑﻌﯿﻨﮫ دون اﻵﺧﺮ ‪ ،‬ﻓﺎﻹﯾﻤﺎن و اﻟﻀّﻼل و اﻟﻜﻔﺮ ھﻲ‬

‫ﻣﺼﻄﻠﺤﺎت ﺗﺘﺪاوﻟﮭﺎ اﻷدﯾﺎن اﻟﺜﻼث ‪ ،‬اﻟﯿﮭﻮدﯾﺔ ‪ ،‬اﻟﻤﺴﯿﺤﯿّﺔ و اﻹﺳﻼم ‪ ،‬و ﻟﻜﻦ ﻟﻜﻞ ﻣﻨﮭﺎ ﺗﻌﺮﯾﻔﮫ اﻟﺨﺎص‬

‫‪ ،‬ﻓﻠﻮ ﻛﺎن ﻟﮭﺬا اﻟﻤﻨﮭﺞ أيّ درﺟﺔ ﻣﻦ اﻟﻨﺠﺎح ﻟﺮأﯾﻨﺎ دﯾﻨﺎ ﻣﺎ ﯾﺴﺘﻮﻋﺐ اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻓﻲ ﺟﻨﺎﺗﮫ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﯿﮭﻮد ﻻ‬

‫ﯾﺪﻋﻮن أﺣﺪا إﻟﻰ ﺟﻨﺘﮭﻢ و ﻻ ﯾُﺤﺬّرون أﺣﺪا ﻣﻦ ﺟﺤﯿﻤﮭﻢ ﻷن دﯾﻨﮭﻢ ھﻮ ﺷﻲء ﺧﺎصّ ﺑﮭﻢ ‪ ،‬أﻣﺎ‬

‫اﻟﻤﺴﯿﺤﯿﻮن ﻓﺮﻏﻢ ﺗﺴﺎﻣﺤﮭﻢ و اﺳﺘﯿﻌﺎﺑﮭﻢ ﻟﻶﺧﺮﯾﻦ ﻓﻲ ﺣﯿﺎﺗﻨﺎ اﻟﺪّﻧﯿﻮﯾﺔ إﻻ أن اﻵﺧﺮﯾﻦ اﻟّﺬﯾﻦ ﻻ ﯾﺆﻣﻨﻮن‬

‫ﺑﺎﻟﻤﺴﯿﺢ ﻛﻤﺨﻠﺺ ﺳﻮف ﯾﺪﺧﻠﻮن ﺟﮭﻨﻢ ﻣﮭﻤﺎ ﻗﺎﻣﻮا ﺑﺄﻋﻤﺎل ﺟﻠﯿﻠﺔ ‪ ،‬و اﻹﺳﻼم أﺧﻄﺮ ﻣﻦ ھﺬا اﻟﺠﺎﻧﺐ ‪،‬‬

‫ﻓﮭﻮ ﯾﺮﻓﺾ اﻵﺧﺮﯾﻦ ﻓﻲ اﻟﺪّﻧﯿﺎ و اﻵﺧﺮة و ﻻ ﻣﺠﺎل ﻷي ﯾﮭﻮدي أو ﻧﺼﺮاﻧﻲ أو أي دﯾﻦ آﺧﺮ ﻓﻲ‬

‫اﻟﺨﻠﻮد ﻣﻦ دون أن ﯾﺪﺧﻞ اﻹﺳﻼم ‪ ،‬و ﻟﻢ ﯾﺨﺮج ﻋﻠﻰ ھﺬا إﻻ ﻗﻠّﺔ ﻗﻠﯿﻠﺔ ﻛﺎﻟﻤﺮﺣﻮم ﻋﻠﻲ اﻟﺸّﺮﯾﻌﺘﻲ اﻟّﺬي‬

‫ﺠﻨّﺔ ﺑﺄﺳﺘﺎذه اﻟﻤﺴﯿﺤﻲ ‪.‬‬


‫ﻛﺎن ﯾﺆﻣﻦ ﺑﺄﻧﮫ ﺳﯿﻠﺘﻘﻲ ﻓﻲ اﻟ ّ‬

‫ّﺨﺼﻲ إﻟﻰ‬
‫و اﻷھﻢ ھﻨﺎ ‪ ،‬و ھﻮ ﺧﻄﯿﺮ ﺑﻨﻈﺮي ‪ ،‬أنّ ھﺬا اﻷﺳﻠﻮب إﺣﺎﻟﺔ ﺧﻄﯿﺮة ﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟﺨﻼص اﻟﺸ‬

‫اﻟﺴّﻠﻄﺔ أو اﻟﺪّوﻟﺔ ‪ ،‬ﻣﻊ أن اﻟﺪّﯾﻦ ھﻮ ﺷﺄن ﺷﺨﺼﻲ ﺑﺤﺖ ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أي ﺳﻠﻄﺎن زﻣﻨﻲ أو أرﺿﻲ ‪ ،‬و ﻻ‬

‫ﯾﺤﻖ ﻟﮭﺬا اﻟﺴﻠﻄﺎن أﺻﻼ ‪ ،‬أن ﯾﺘﺼﺮف ﻓﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﷲ وﺣﺪه و ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻹﯾﻤﺎن ﻟﯿﺴﺖ ﺑﻀﺎﻋﺔ‬

‫ﺗُﺒﺎع ﻓﻲ ﺳﻮﺑﺮﻣﺎرﻛﺖ أو ﻣﺤﻞ ﻟﻠﺒﻘﺎﻟﺔ و ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻷيّ ﻣﯿﺰان أرﺿﻲ أن ﯾﺰﻧﮭﺎ ‪ ،‬و ﻓﻲ رأﯾﻲ أنّ ھﺬه‬

‫اﻟﻌﺒﺎرات ھﻲ دﻋﻮة ﻣُﻘﻨّﻌﺔ إﻟﻰ وﻻﯾﺔ اﻟﻔﻘﯿﮫ ‪ ،‬و ھﻲ اﻟﻨّﻈﺮﯾّﺔ اﻟّﺘﻲ ﺗﻜﺎد ﺗﮭﺪم اﻟﺒﯿﺖ اﻹﯾﺮاﻧﻲ ﻋﻠﻰ‬

‫رؤوس ﺳﺎﻛﻨﯿﮫ ‪.‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر‪:‬‬
‫ُﻀﯿﻒ اﻟ ّ‬
‫و ﯾ‬

‫" وﻻ ﯾﻤﻜﻦ أن ﯾﺤﺼﻞ ھﺬا اﻷﺳﻠﻮب ﻣﻦ اﻟﺘﻮﻓﯿﻖ ﻓﻲ ﻇﻞ ﻓﮭﻢ ﻣﺎدي‬

‫ﻟﻠﺤﯿﺎة‪ ,‬ﻓﺎن اﻟﻔﮭﻢ اﻟﻤﺎدي ﻟﻠﺤﯿﺎة ﯾﺠﻌﻞ اﻻﻧﺴﺎن ﺑﻄﺒﯿﻌﺘﮫ ﻻ ﯾﻨﻈﺮ إﻻ إﻟﻰ ﻣﯿﺪاﻧﮫ‬

‫اﻟﺤﺎﺿﺮ وﺣﯿﺎﺗﮫ اﻟﻤﺤﺪودة‪ ,‬ﻋﻠﻰ ﻋﻜﺲ اﻟﺘﻔﺴﯿﺮ اﻟﻮاﻗﻌﻲ ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻟﺬي ﯾﻘﺪﻣﮫ‬

‫اﻻﺳﻼم‪ ,‬ﻓﺎﻧﮫ ﯾﻮﺳﻊ ﻣﻦ ﻣﯿﺪان اﻻﻧﺴﺎن‪ ,‬وﯾﻔﺮض ﻋﻠﯿﮫ ﻧﻈﺮة أﻋﻤﻖ إﻟﻰ‬

‫ﻣﺼﺎﻟﺤﮫ وﻣﻨﺎﻓﻌﮫ‪ ,‬وﯾﺠﻌﻞ ﻣﻦ اﻟﺨﺴﺎرة اﻟﻌﺎﺟﻠﺔ رﺑﺤﺎ ﺣﻘﯿﻘﯿﺎً ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻨﻈﺮة‬


‫‪121‬‬

‫اﻟﻌﻤﯿﻘﺔ‪ ,‬وﻣﻦ اﻷرﺑﺎح اﻟﻌﺎﺟﻠﺔ ﺧﺴﺎرة ﺣﻘﯿﻘﯿﺔ ﻓﻲ ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﻤﻄﺎف‪:‬‬

‫ﯿﮭَﺎ(‪ ".‬اﻟﻤﺼﺪر ﻧﻔﺴﮫ‪.‬‬


‫ﻓﻌَ َﻠ ْ‬
‫وﻣَﻦْ َأﺳَﺎء َ‬
‫ﺴﮫِ َ‬
‫ﻔ ِ‬
‫ﻨْ‬‫ﻤﻞَ ﺻَﺎﻟِﺤًﺎ ﻓَ ِﻠ َ‬
‫ﻋِ‬‫)ﻣَﻦْ َ‬

‫و ﺣﺘﻰ ھﺬه اﻵﯾﺔ اﻟّﺘﻲ أوردھﺎ ھﺎ ھﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ اﻻﺳﺘﺪﻻل ﻻ ﺗﺼﻠﺢ إﻻ إﺛﺒﺎت اﻟﻌﻜﺲ و ھﻮ أن‬

‫ﺠﻨّﺔ و اﻟﻨّﺎر و‬
‫ﺴﮫِ" ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻟﺬّات وﺣﺪھﺎ ﺗﻘﺮر اﻟﺬّھﺎب إﻟﻰ ﻃﺮﯾﻖ اﻟ ّ‬
‫اﻹﯾﻤﺎن ھﻮ ﺷﺄن ﺷﺨﺼﻲ "ﻓِﻠﻨَﻔ ِ‬

‫أن ھﺬه اﻷﻣﻮر ﻟﯿﺴﺖ ﻗﻂ ﺷﺄﻧﺎ ﻣﻦ ﺷﺆون اﻟﺪّوﻟﺔ و اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴّﯿﺎﺳﻲ ‪ ،‬ﻓﻤﻦ ﺣﻖ اﻟﻔﺮد أن ﯾﺨﺘﺎر أن ﯾﻜﻮن‬

‫ﻣﺆﻣﻨﺎ أو ﻛﺎﻓﺮا ﺑﺸﺮط أن ﻻ ﯾﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺧﯿﺎرات اﻵﺧﺮﯾﻦ و ﺣﯿﻮاﺗﮭﻢ‪.‬‬

‫ﺛﻢ ﯾﺤﺪﺛﻨﺎ ﻋﻦ اﻷﺳﻠﻮب اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻗﺎﺋﻼ‪:‬‬

‫" وأﻣﺎ اﻷﺳﻠﻮب اﻟﺜﺎﻧﻲ اﻟﺬي ﯾﺘﺨﺬه اﻟﺪﯾﻦ‪ ,‬ﻟﻠﺘﻮﻓﯿﻖ ﺑﯿﻦ اﻟﺪاﻓﻊ اﻟﺬاﺗﻲ‬

‫واﻟﻘﯿﻢ أو اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﻓﮭﻮ اﻟﺘﻌﮭﺪ ﺑﺘﺮﺑﯿﺔ اﺧﻼﻗﯿﺔ ﺧﺎﺻﺔ‪ ,‬ﺗﻌﻨﻰ ﺑﺘﻐﺬﯾﺔ‬

‫اﻻﻧﺴﺎن روﺣﯿﺎ‪ ,‬وﺗﻨﻤﯿﺔ اﻟﻌﻮاﻃﻒ اﻻﻧﺴﺎﻧﯿﺔ واﻟﻤﺸﺎﻋﺮ اﻟﺨﻠﻘﯿﺔ ﻓﯿﮫ‪ .‬ﻓﺎن ﻓﻲ ﻃﺒﯿﻌﺔ‬

‫اﻻﻧﺴﺎن ـ ﻛﻤﺎ اﻟﻤﻌﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘﺎ ـ ﻃﺎﻗﺎت واﺳﺘﻌﺪادات ﻟﻤﯿﻮل ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ‪ ,‬ﺑﻌﻀﮭﺎ ﻣﯿﻮل ﻣﺎدﯾﺔ‬

‫ﺗﺘﻔﺘﺢ ﺷﮭﻮاﺗﮭﺎ ﺑﺼﻮرة ﻃﺒﯿﻌﯿﺔ ﻛﺸﮭﻮات اﻟﻄﻌﺎم واﻟﺸﺮاب واﻟﺠﻨﺲ‪,‬‬

‫وﺑﻌﻀﮭﺎ ﻣﯿﻮل ﻣﻌﻨﻮﯾﺔ ﺗﺘﻔﺘﺢ وﺗﻨﻤﻮ ﺑﺎﻟﺘﺮﺑﯿﺔ واﻟﺘﻌﺎھﺪ‪ ,‬وﻷﺟﻞ ذﻟﻚ ﻛﺎن ﻣﻦ‬

‫اﻟﻄﺒﯿﻌﻲ ﻟﻼﻧﺴﺎن ـ إذا ﺗﺮك ﻟﻨﻔﺴﮫ ـ أن ﺗﺴﯿﻄﺮ ﻋﻠﯿﮫ اﻟﻤﯿﻮل اﻟﻤﺎدﯾﺔ ﻷﻧﮭﺎ ﺗﺘﻔﺘﺢ ﺑﺼﻮرة‬

‫ﻃﺒﯿﻌﯿﺔ‪ ,‬وﺗﻈﻞ اﻟﻤﯿﻮل اﻟﻤﻌﻨﻮﯾﺔ واﺳﺘﻌﺪاداﺗﮭﺎ اﻟﻜﺎﻣﻨﺔ ﻓﻲ اﻟﻨﻔﺲ ﻣﺴﺘﺘﺮة‪.‬‬

‫واﻟﺪﯾﻦ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎره ﯾﺆﻣﻦ ﺑﻘﯿﺎدة ﻣﻌﺼﻮﻣﺔ ﻣﺴﺪدة ﻣﻦ اﷲ‪ ,‬ﻓﮭﻮ ﯾﻮﻛﻞ أﻣﺮ ﺗﺮﺑﯿﺔ اﻻﻧﺴﺎﻧﯿﺔ‬

‫وﺗﻨﻤﯿﺔ اﻟﻤﯿﻮل اﻟﻤﻌﻨﻮﯾﺔ ﻓﯿﮭﺎ إﻟﻰ ھﺬه اﻟﻘﯿﺎدة وﻓﺮوﻋﮭﺎ‪ ,‬ﻓﺘﻨﺸﺎ ﺑﺴﺒﺐ‬

‫ذﻟﻚ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﻮاﻃﻒ واﻟﻤﺸﺎﻋﺮ اﻟﻨﺒﯿﻠﺔ‪ .‬وﯾﺼﺒﺢ اﻻﻧﺴﺎن ﯾﺤﺐ اﻟﻘﯿﻢ‬

‫اﻟﺨﻠﻘﯿﺔ واﻟﻤﺜﻞ اﻟﺘﻲ ﯾﺮﺑﯿﮫ اﻟﺪﯾﻦ ﻋﻠﻰ اﺣﺘﺮاﻣﮭﺎ وﯾﺴﺘﺒﺴﻞ ﻓﻲ ﺳﺒﯿﻠﮭﺎ‪ ,‬وﯾﺰﯾﺢ ﻋﻦ‬

‫ﻃﺮﯾﻘﮭﺎ ﻣﺎ ﯾﻘﻒ أﻣﺎﻣﮭﺎ ﻣﻦ ﻣﺼﺎﻟﺤﮫ وﻣﻨﺎﻓﻌﮫ" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر ﺧﻼل دراﺳﺘﯿﮫ "ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ" و "اﻗﺘﺼﺎدﻧﺎ" ﺑﺎﻷزﻣﺔ اﻟﺤﻘﯿﻘﯿّﺔ اﻟّﺘﻲ‬


‫ﻟﻸﺳﻒ اﻟﺸﺪﯾﺪ ﻟﻢ ﯾﻌﻨﻲ اﻟ ّ‬

‫ﯾﻌﯿﺸﮭﺎ اﻟﺸّﺮق اﻟﻤﺴﻠﻢ ـ ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء ﺗﺮﻛﯿﺎ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ـ و ھﻮ أن ﺷﺒﺎﺑﻨﺎ و إﻧﺴﺎﻧﻨﺎ ﻋﻤﻮﻣﺎ ﯾﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺿﻐﻂ‬

‫اﻟﺮوﺣﺎﻧﯿﺎت و ھﯿﻤﻨﺘﮭﺎ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺗﻔﺎﺻﯿﻞ اﻟﺤﯿﺎة ﺑﺄدق ﻣﺎ ﻓﯿﮭﺎ ‪ ،‬و أن رﺟﻞ اﻟﺪﯾﻦ اﻟﻤﺴﻠﻢ ﺣﻮّل ﻧﻔﺴﮫ إﻟﻰ‬

‫"ﻣﮭﻨﺪس" ‪" ،‬ﻃﺒﯿﺐ" ‪" ،‬ﻓﯿﺰﯾﺎﺋﻲ" و ﺧﺒﯿﺮا ﺣﺘﻰ ﻓﻲ اﻟﻄﺒﺦ ‪ ،‬و اﻟﻠﺬاﺋﺬ اﻟﻤﺎدﯾﺔ ـ ﺣﺘﻰ اﻟﺤﻼل ﻣﻨﮭﺎ‬

‫ﻛﺎﻟﺰواج و اﻟﻐﻨﻰ ـ ﻻ ﺗﻜﺎد ﺗﻮﺟﺪ ﻓﻲ ﺷﺮﻗﻨﺎ ‪ ،‬ﺑﻞ إن اﻟﻤﺴﻠﻢ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﺤﯿﺎة و ﻛﺄﻧﮭﺎ ﻋﺪو ﻟﺪود ﯾﺠﺐ إﻣﺎ‬

‫اﻟﮭﺮب ﻣﻨﮫ أو ﻗﺘﻠﮫ ‪ ،‬إن اﻟﻤﯿﻮل اﻟﻤﻌﻨﻮﯾﺔ ﻻ وﺟﻮد ﻟﮭﺎ ﺑﺸﻜﻞ ﺣﻘﯿﻘﻲ و واﻗﻌﻲ إﻻ ﺑﻌﺪ أن ﯾﺠﺪ اﻹﻧﺴﺎن‬
‫‪122‬‬

‫ﺴﯿّﺪ‬
‫ﻧﻔﺴﮫ ﺣﺮا و ﻣﺮﺗﺎﺣﺎ و ﯾﻨﻌﻢ ﺑﺎﻟﺤﯿﺎة اﻟﺘﻲ ﺗﺘﯿﺢ ﻟﮫ ﻣﺠﺎﻻ ﻟﻠﺘﻔﻜﯿﺮ ‪ ،‬و اﻟﻌﺼﻤﺔ اﻟّﺘﻲ ﺣﺪّﺛﻨﺎ ﻋﻨﮭﺎ اﻟ ّ‬

‫اﻟﺼّﺪر ﻻ ﺗﺘﻮﻓﺮ اﻵن ﺣﺘﻰ ﻓﻲ اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﺸّﯿﻌﻲ ‪ ،‬ﻛﻮن اﻹﻣﺎم اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ اﻟﻤﻌﺼﻮم ﻏﺎﺋﺒﺎ و ﻟﯿﺲ ﻟﮫ‬

‫ﻣُﻤﺜّﻞ ﻣﺒﺎﺷِﺮ ﯾُﻤﻜﻦ أن ﯾﻮﺻﻞ إﻟﯿﻨﺎ ردوده ﺣﻮل اﻹﺷﻜﺎﻻت اﻟﻤﻄﺮوﺣﺔ ﻓﻲ اﻟﺴّﺎﺣﺔ‪.‬‬

‫اﻟﺮّوح ھﻲ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ أﻋﻤﺎق اﻹﻧﺴﺎن و ﻟﯿﺴﺖ اﻟﺪوﻟﺔ ﻛﺎﺋﻨﺎ ﻣﺮﺣﺒﺎ ﺑﮫ ﻟﯿﻤﻜﻦ ﻟﮫ اﻟﺘّﺪﺧﱡﻞ ﻓﻲ ھﺬا‬

‫اﻟﺸّﺄن ‪ ،‬و ﻣﺎ اﻟﺘﺠﺎرب اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ اﻟﻤُﺮّة إﻻّ دﻟﯿﻼ ﻋﻠﻰ أن اﻟﺪﯾﻦ ﯾﻔُﺴﺪ ﺣﯿﻨﻤﺎ ﺗﺘﻼﻋﺐ ﺑﮫ أﯾﺪي ذوي‬

‫اﻟﺴﻠﻄﺔ ‪ ،‬ﻗﺪ ﯾﻜﻮن ﻣﻌﻘﻮﻻ أن ﺗﻘﻮم اﻟﺪوﻟﺔ و اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺑﺤﻤﺎﯾﺔ ﺣُﺮﯾّﺔ اﻟﻔﻜﺮ ! ﻟﻜﻦ إﺿﻔﺎء أي ﺻﺒﻐﺔ دﯾﻨﯿّﺔ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼﺪر ﻓﻲ اﻻﻗﺘﺒﺎس‬


‫ﺪ ذاﺗِﮫ أﻣﺮ ﺧﻄﯿﺮ ‪ ،‬و اﻟﺘﺮﺑﯿﺔ اﻟﺨﺎﺻﺔ اﻟّﺘﻲ ﺣﺪّﺛﻨﺎ ﻋﻨﮭﺎ اﻟ ّ‬
‫ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻠﻄﺔ ﺑﺤ ﱢ‬

‫اﻟﺴﺎﺑﻖ ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ ﺗﻮﻓﯿﺮه ﻓﻲ ﻇﻞ دوﻟﺔ ﻋﻠﻤﺎﻧﯿّﺔ دﯾﻤﻘﺮاﻃﯿّﺔ رأﺳﻤﺎﻟﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﺎﻟﺘّﺎﻟﻲ ﻓﻠﯿﺲ ﺷﺮﻃﺎ أن ﻧﺒﻨﻲ‬

‫دوﻟﺔ "ﺛﯿﻮﻗﺮاﻃﯿﺔ" دﯾﻨﯿّﺔ ﻟﻜﻲ ﻧﺴﺘﻄﯿﻊ ﺗﺮﺑﯿﺔ اﻟﻔﺮد و ﺗﻨﺸﺄﺗﮫ روﺣﯿّﺎ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﻻ ارﺗﺒﺎط ﺑﯿﻦ اﻟﻤﺴﺄﻟﺘﯿﻦ‬

‫ﻻ ﻣﻨﻄﻘﯿّﺎ ﻧﻈﺮﯾﺎ و ﻻ واﻗﻌﯿﺎ ﺗﻄﺒﯿﻘﯿّﺎ ‪ ،‬ﯾﻘﻮل ﻣﺤﻤﺪ ﺑﺎﻗﺮ اﻟﺼّﺪر‪:‬‬

‫" وﻛﻞ ﻧﻈﺎم اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻻ ﯾﻨﺒﺜﻖ ﻋﻦ ذﻟﻚ اﻟﻔﮭﻢ واﻻﺣﺴﺎس ﻓﮭﻮ إﻣﺎ ﻧﻈﺎم‬

‫ﯾﺠﺮي ﻣﻊ اﻟﻔﺮد ﻓﻲ ﻧﺰﻋﺘﮫ اﻟﺬاﺗﯿﺔ‪ ,‬ﻓﺘﺘﻌﺮض اﻟﺤﯿﺎة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ ﻷﻗﺴﻰ‬

‫اﻟﻤﻀﺎﻋﻔﺎت وأﺷﺪ اﻷﺧﻄﺎر‪ ,‬وأﻣﺎ ﻧﻈﺎم ﯾﺤﺒﺲ ﻓﻲ اﻟﻔﺮد ﻧﺰﻋﺘﮫ وﯾﺸﻞ ﻓﯿﮫ ﻃﺒﯿﻌﺘﮫ‬

‫ﻟﻮﻗﺎﯾﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وﻣﺼﺎﻟﺤﮫ‪ .‬ﻓﯿﻨﺸﺄ اﻟﻜﻔﺎح اﻟﻤﺮﯾﺮ اﻟﺪاﺋﻢ ﺑﯿﻦ اﻟﻨﻈﺎم وﺗﺸﺮﯾﻌﺎﺗﮫ‬

‫واﻻﻓﺮاد وﻧﺰﻋﺎﺗﮭﻢ‪ ,‬ﺑﻞ ﯾﺘﻌﺮض اﻟﻮﺟﻮد اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻠﻨﻈﺎم داﺋﻤﺎ ﻟﻼﻧﺘﻜﺎس ﻋﻠﻰ‬

‫ﯾﺪ ﻣﻨﺸﺌﮫ ﻣﺎ دام ھﺆﻻء ذوي ﻧﺰﻋﺎت ﻓﺮدﯾﺔ أﯾﻀﺎً‪ ,‬وﻣﺎ داﻣﺖ ھﺬه اﻟﻨﺰﻋﺎت ﺗﺠﺪ‬

‫ﻟﮭﺎ ـ ﺑﻜﺒﺖ اﻟﻨﺰﻋﺎت اﻟﻔﺮدﯾﺔ اﻷﺧﺮى وﺗﺴﻠﻢ اﻟﻘﯿﺎدة اﻟﺤﺎﺳﻤﺔ ـ ﻣﺠﺎﻻً واﺳﻌًﺎ وﻣﯿﺪاﻧﺎ‬

‫ﻻ ﻧﻈﯿﺮ ﻟﮫ ﻟﻼﻧﻄﻼق واﻻﺳﺘﻐﻼل"‪ .‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫إنّ ﺣﻘﻮق اﻟﻔﺮد ﻻ ﺗﺘﻌﺎرض ﻣﻊ ﺣﻘﻮق اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ‪ ،‬ﻓﻠﯿﺲ ﻣﻦ ﺣﻖ اﻟﻔﺮد ‪ ،‬ﻋﻘﻼ ‪ ،‬أن ﯾﺮوّج ﺑﻀﺎﻋﺔ‬

‫ﺗﺆذي ﺻﺤﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ أو ﺗﮭﺪد أﻣﻨﮫ و اﺳﺘﻘﺮاره ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺻﺤﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﯾﺠﺐ أن ﻻ ﺗﺘﻨﺎول‬

‫اﻷﺧﻼﻗﯿﺎت إﻻ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺤﺪود و ﻣُﻘﻨّﻦ ﻷن اﻷﺧﻼﻗﯿّﺎت أﯾﻀﺎ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺎﻟﺤﺮﯾّﺎت اﻟﻌﻘﻠﯿّﺔ و اﻟﺪّﯾﻨﯿّﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ‬

‫اﻟﻘﯿﻮد ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ ﯾﺠﺐ أن ﯾﺘﻢ ﺣﯿﻦ ﯾﺘﻌﻠﻖ اﻷﻣﺮ ﺑﻔﺮد "ﻗﺎﺻِﺮ" أو ﻏﯿﺮ ﻣﺆھّﻞ ﻋﻘﻼ ﻟﻜﻲ‬

‫ﻻ ﯾﺘﻢ اﺳﺘﻐﻼﻟﮫ ‪ ،‬و ﻛﻤﺜﺎل ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﺷﺮّﻋﺖ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﺪﱡول اﻟﻐﺮﺑﯿّﺔ ﻗﻮاﻧﯿﻦ ﺗﻤﻨﻊ اﺳﺘﻐﻼل اﻷﻃﻔﺎل أو‬

‫ﻏﯿﺮ اﻟﻤﺆھّﻠﯿﻦ ﻋﻘﻼ ‪ ،‬إنّ اﻟﻌﻘﻞ ـ اﻟّﺬي ھﻮ أﺣﺪ ُأﺳُﺲ اﻷدﯾﺎن اﻟﺜّﻼث ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء اﻟﻤﺬھﺐ اﻟﻮھّﺎﺑﻲ ـ ھﻮ‬

‫ﻣﻌﯿﺎر اﻟﺤﻜﻢ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ اﻟّﺬي ﯾُﻘﺮّر أن اﻟﻔﺮد اﻟﻔﻼﻧﻲ ﯾﻤﺘﻠﻚ ﺣﻖّ اﻟﺤُﺮﯾّﺔ أم أنّ ﻣﻦ واﺟﺐ اﻟﺴّﻠﻄﺔ ﻛﻤﻤﺜّﻞ‬

‫ﻟﻠﻌﻘﻞ اﻟﺠﻤﻌﻲ أن ﺗﺘﺪﺧّﻞ ﻟﺤﻤﺎﯾﺘﮫ ‪ ،‬و ﻧﺤﻦ ﻟﻢ ﻧﺴﻤﻊ و ﻟﻢ ﻧﺮى أو ﻧﻘﺮأ ﻋﻦ أي دوﻟﺔ أو ﻧﻈﺎم ﺳﻘﻂ و‬

‫اﻧﮭﺎر ﺑﺴﺒﺐ اﻋﺘﻤﺎده ﻣﺒﺪأ "اﻟﺤﺮﯾّﺔ" ‪ ،‬ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ اﻟﺮوﻣﺎﻧﯿﺔ و اﻟّﺘﻲ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻗﺪ ﺗﺒﻠﻮر ﻓﯿﮭﺎ‬

‫ّﺘﻲ ﯾﻤﺘﻠﻜﻮﻧﮭﺎ أو وﻇﯿﻔﺔ اﻟﻨﻈﺎم ‪ ،‬ﻛﻤﺎ أن اﻟﺤُﺮﯾّﺔ‬


‫ﻋﻘﻞ ﺟﻤﻌﻲ ﻣﻦ ﺧﻼل أﻓﺮاد ﯾُﺪرﻛﻮن ﻣﺎھﯿﺔ اﻟﺤُﺮﯾّﺔ اﻟ‬

‫اﻟﻤﻔﺮﻃﺔ أﯾﻀﺎ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ اﻟﺴّﺒﺐ اﻟﻮﺣﯿﺪ ﻓﻲ ﺳﻘﻮط اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾﺔ اﻟﺮوﻣﺎﻧﯿﺔ ‪ ،‬ﺑﻞ ﻛﺎﻧﺖ أﺳﺒﺎب أُﺧﺮى‬

‫ﻛﺎﻟﺼﺮاﻋﺎت اﻟﺪّﯾﻨﯿّﺔ و ﻣﻮﺟﺎت اﻟﺸﻌﻮب اﻟﺒﺮﺑﺮﯾﺔ ﻛﺎﻟﮭﻮن و اﻟﻮﻧﺪال و اﻟﻘﻮط اﻟّﺘﻲ ﻏﺰت اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﯾّﺔ‬

‫و دﻣّﺮﺗﮭﺎ ‪ ،‬إﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ اﻟﻔﺴﺎد اﻟّﺬي ﻧﺨﺮ ﻓﻲ اﻟﺪوﻟﺔ‪.‬‬


‫‪123‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر‪:‬‬
‫ﺛﻢ ﯾﻀﯿﻒ اﻟ ّ‬

‫" وﻛﻞ ﻓﮭﻢ ﻣﻌﻨﻮي ﻟﻠﺤﯿﺎة وإﺣﺴﺎس ﺧﻠﻘﻲ ﺑﮭﺎ ﻻ ﯾﻨﺒﺜﻖ ﻋﻨﮭﻤﺎ ﻧﻈﺎم ﻛﺎﻣﻞ‬

‫ﻟﻠﺤﯿﺎة ﯾﺤﺴﺐ ﻓﯿﮫ ﻟﻜﻞ ﺟﺰء ﻣﻦ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺣﺴﺎﺑﮫ‪ ,‬وﺗﻌﻄﻰ ﻟﻜﻞ ﻓﺮد ﺣﺮﯾﺘﮫ اﻟﺘﻲ‬

‫ھﺬﺑﮭﺎ ذﻟﻚ اﻟﻔﮭﻢ واﻻﺣﺴﺎس‪ ,‬واﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮم اﻟﺪوﻟﺔ ﺑﺘﺤﺪﯾﺪھﺎ ﻓﻲ ﻇﺮوف اﻟﺸﺬوذ ﻋﻨﮭﻤﺎ ‪...‬‬

‫أﻗﻮل أن ﻛﻞ ﻋﻘﯿﺪة ﻻ ﺗﻠﺪ ﻟﻼﻧﺴﺎﻧﯿﺔ ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم ﻓﮭﻲ ﻻ ﺗﺨﺮج ﻋﻦ‬

‫ﻛﻮﻧﮭﺎ ﺗﻠﻄﯿﻔﺎ ﻟﻠﺠﻮ وﺗﺨﻔﯿﻔًﺎ ﻣﻦ اﻟﻮﯾﻼت وﻟﯿﺴﺖ ﻋﻼﺟﺎً ﻣﺤﺪوداً وﻗﻀﺎءً ﺣﺎﺳﻤﺎً‬

‫ﻋﻠﻰ أﻣﺮاض اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وﻣﺴﺎوﺋﮫ‪ .‬وإﻧﻤﺎ ﯾﺸﺎد اﻟﺒﻨﺎء اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ اﻟﻤﺘﻤﺎﺳﻚ ﻋﻠﻰ ﻓﮭﻢ ﻣﻌﻨﻮي‬

‫ﻟﻠﺤﯿﺎة وإﺣﺴﺎس ﺧﻠﻘﻲ ﺑﮭﺎ ﯾﻨﺒﺜﻖ ﻋﻨﮭﻤﺎ‪ ,‬ﯾﻤﻸ اﻟﺤﯿﺎة ﺑﺮوح ھﺬا‬

‫اﻻﺣﺴﺎس وﺟﻮھﺮ ذﻟﻚ اﻟﻔﮭﻢ" ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫ﻣﻦ اﻟﻤﻼﺣﻆ أن ﺗﺪﺧﱡﻞ اﻟﺪّوﻟﺔ ﻓﻲ ﺣﺮﯾّﺔ اﻟﻔﺮد واﺿﺤﺔ ﻛُﻞ اﻟﻮﺿﻮح ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻌﺒﺎرات ‪ ،‬ﻓﻤﻦ ﯾﺎ ﺗﺮى‬

‫ﯾُﻘﺮّر أن ھﺬه اﻟﺤﺪود أو ﺗﻠﻚ ﺗﻌﻨﻲ ﺧﺮوﺟﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻄّﺒﯿﻌﻲ ‪ ،‬ﻻ ﺑُﺪّ ھﺎ ھﻨﺎ أﯾﻀﺎ ﻣﻦ ﻓﻘﯿﮫ أو ﻣُﻌﻤّﻢ‬

‫ﯾُﻘﺮر ﺗﻠﻚ اﻟﺤﺪود ‪ ،‬و ﻣﻦ ﺟﺪﯾﺪ ﻧﺤﻦ أﻣﺎم ﺗﺠﺮﺑﺔ أُﺧﺮى ﺷﺒﯿﮭﺔ ﺑﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﻜﻨﯿﺴﺔ اﻟﻜﺎﺛﻮﻟﯿﻜﯿﺔ ﺣﯿﻨﻤﺎ‬

‫ﻓﺮﺿﺖ ﻧﻔﺴﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺪوﻟﺔ و اﻟﻨﻈﺎم ‪ ،‬و ﻟﻮ ﻻ أن اﻟﻤﺴﯿﺢ ﻟﻢ ﯾﺄﺗﻲ إﻻ ﺑﺸﺮﯾﻌﺔ ﺧﻔﯿﻔﺔ ﻟﻜﺎﻧﺖ اﻟﻜﺎﺛﻮﻟﯿﻜﯿﺔ‬

‫ﻧﺴﺨﺔ ﻏﺮﺑﯿّﺔ ﻣﻦ اﻹﺳﻼم اﻟﺬي ﯾﺴﻮد ﻓﻲ ﺑﻼدﻧﺎ اﻵن ‪ ،‬ﺑﻞ إن ﻛﻠﻤﺔ "اﻟﺮوح" اﻟّﺘﻲ ﯾُﺮدّدھﺎ اﻹﺳﻼﻣﯿﻮن‬

‫ّﺪر ھﻲ ﻣﺼﻄﻠﺢ ﻣُﻠﻐﺰ و ﯾﺼﻠُﺢ أن ﯾﻜﻮن ﻟﮫُ أﻟﻒ ﺗﻔﺴﯿﺮ و ﺗﻔﺴﯿﺮ ‪ ،‬ﺑﻞ إن‬
‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼ‬
‫و ﻣﻦ ﺿﻤﻨﮭﻢ اﻟ ّ‬

‫ﺷﺨﺼﺎ ﻣﺎ ﻗﺪ ﯾﺮى ﻓﻲ اﻟﺨﻤﺮ أو اﻟﻜﺤﻮل ﻋﻼﺟﺎ أو ﻣﺨﺮﺟﺎ ﻟﻤﺸﺎﻛﻠﮫ اﻟﺮّوﺣﯿّﺔ و ھﻲ ﻧﻔﺴﮭﺎ اﻟّﺘﻲ ﺣﺮّﻣﮭﺎ‬

‫اﻹﺳﻼم ‪ ،‬و اﻷﻣﺮ ﻧﻔﺴﮫ ﯾﺘﻜﺮر ﻣﻊ ﺳﺎﺋﺮ اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿﺔ ‪ ،‬و أﺟﺰم أن اﻹﺳﻼم ﻛﺎن ﺳﯿﻜﻮن أﺧﻒ‬

‫وﻃﺌﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺪﯾﻤﻘﺮاﻃﯿﺔ ﻟﻮ أﻧﮫ اﻣﺘﻠﻚ ﺗﺮاﺛﺎ ﻓﻘﮭﯿﺎ أﺧﻒ ‪ ،‬و ﻟﺮﺑﻤﺎ ﯾﺼﺪق اﻟﺤﺪﯾﺚ اﻟﻨﺒﻮي اﻟﻘﺎﺋﻞ‪:‬‬

‫"اﺧﺘﻼف أﻣّﺘﻲ رﺣﻤﺔ"! ﺑﻤﻌﻨﻰ أن ﺗﻌﺪد اﻵراء ﻗﺪ ﯾﻔﺘﺢ ﻣﺴﺘﻘﺒﻼ ﻟﻘﺒﻮل اﻟﺘﻌﺪّدﯾّﺔ اﻟﺴّﯿﺎﺳﯿّﺔ و اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿّﺔ‬

‫‪ ،‬ﻟﻜﻦ ﺗﺒﻘﻰ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ أن ﻛﻞ ﻃﺮف ﻣﻦ ھﺬه اﻷﻃﺮاف اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﯾﻌﺘﻘﺪ أﻧﮫ ﯾﺤﺘﻜﺮ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ و أن اﻟﺒﺎﻗﯿﻦ إﻟﻰ‬

‫ﺟﺤﯿﻢ‪.‬‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼّﺪر‪:‬‬
‫ﯾﻘﻮل اﻟ ّ‬

‫" وھﺬا ھﻮ اﻻﺳﻼم ﻓﻲ أﺧﺼﺮ ﻋﺒﺎرة وأروﻋﮭﺎ‪ .‬ﻓﮭﻮ ﻋﻘﯿﺪة ﻣﻌﻨﻮﯾﺔ وﺧﻠﻘﯿﺔ‪,‬‬

‫ﯾﻨﺒﺜﻖ ﻋﻨﮭﺎ ﻧﻈﺎم ﻛﺎﻣﻞ ﻟﻼﻧﺴﺎﻧﯿﺔ‪ ,‬ﯾﺮﺳﻢ ﻟﮭﺎ ﺷﻮﻃﮭﺎ اﻟﻮاﺿﺢ اﻟﻤﺤﺪد‪ ,‬وﯾﻀﻊ ﻟﮭﺎ‬

‫ھﺪﻓﺎ أﻋﻠﻰ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﺸﻮط‪ ,‬وﯾﻌﺮﻓﮭﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﻜﺎﺳﺒﮭﺎ ﻣﻨﮫ‪.‬‬

‫وأﻣﺎ أن ﯾﻘﻀﻲ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﮭﻢ اﻟﻤﻌﻨﻮي ﻟﻠﺤﯿﺎة‪ ,‬وﯾﺠﺮد اﻻﻧﺴﺎن ﻋﻦ إﺣﺴﺎﺳﮫ‬

‫اﻟﺨﻠﻘﻲ ﺑﮭﺎ‪ ,‬وﺗﻌﺘﺒﺮ اﻟﻤﻔﺎھﯿﻢ اﻟﺨﻠﻘﯿﺔ أوھﺎﻣﺎً ﺧﺎﻟﺼﺔ ﺧﻠﻘﺘﮭﺎ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺎدﯾﺔ‪,‬‬
‫‪124‬‬

‫واﻟﻌﺎﻣﻞ اﻻﻗﺘﺼﺎدي ھﻮ اﻟﺨﻼق ﻟﻜﻞ اﻟﻘﯿﻢ واﻟﻤﻌﻨﻮﯾﺎت وﺗﺮﺟﻰ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ﺳﻌﺎدة ﻟﻼﻧﺴﺎﻧﯿﺔ‪,‬‬

‫واﺳﻘﺮار اﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﮭﺎ‪ ,‬ﻓﮭﺬا ھﻮ اﻟﺮﺟﺎء اﻟﺬي ﻻ ﯾﺘﺤﻘﻖ إﻻ إذا‬

‫ﺗﺒﺪل اﻟﺒﺸﺮ اﻟﻰ أﺟﮭﺰة ﻣﯿﻜﺎﻧﯿﻜﯿﺔ ﯾﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﺗﻨﻈﯿﻤﮭﺎ ﻋﺪة ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻨﺪﺳﯿﻦ اﻟﻔﻨﯿﯿﻦ"‪ .‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫إن اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻛﻤﺎ ﯾﺸﺮﺣﮭﺎ اﻟﺼّﺪر اﻷول ھﺎ ھﻨﺎ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻹﺳﻼم وﺣﺪه و أن ھﺬا اﻟﻨﻈﺎم "اﻟﻨﻈﺮي" ﻟﻜﻲ‬

‫ﯾﺘﺤﻘﻖ ﻟﮫ اﻟﻨﺠﺎح ـ و اﻟﻨﺠﺎح ﺑﻤﻘﯿﺎس اﻟﻌﻘﻞ ھﻮ أن ﺗﺤﻈﻰ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ ﺑﺮﺿﺎ اﻷﻏﻠﺒﯿّﺔ ـ ﯾﺠﺐ أن ﯾﺆﻣﻦ ﺑﮫ‬

‫ﻛُﻞّ اﻟﻨّﺎس و اﻟﺒﺸﺮﯾّﺔ أﺟﻤﻊ و ھﺬا ﻏﯿﺮ ﻣﻤﻜﻦ ﻋﻘﻼ ‪ ،‬ﻓﮭﻮ ﺣﯿﻦ ﻃﺮح ھﺬه اﻟﻨﻈﺮﯾّﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻓﻘﺪ‬

‫ﻃﺮﺣﮭﺎ ﺑﺎﺗﺠﺎه إﺻﻼح "اﻹﻧﺴﺎﻧﯿّﺔ" و إﻧﻘﺎذھﺎ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ اﻟﺘﻨﺎﻗﺾ اﻟّﺬي ﯾﻄﺮح ﻧﻔﺴﮫ ذاﺗﯿﺎ ھﻨﺎ ھﻮ "ﻣﺎ ﻣﻌﻨﻰ‬

‫أن ﯾﺘﺰﻋﻢ دﯾﻦ ﻣﻦ اﻷدﯾﺎن إﺻﻼح اﻟﺒﺸﺮﯾﺔ"!! و ﻟﻤﺎذا ﻻ ﺗﻜﻮن ھﻨﺎك ﻧﻈﺮﯾﺔ ﻓﻮق دﯾﻨﯿﺔ أو ﻋﺮﻗﯿﺔ‬

‫ﻗﻮﻣﯿّﺔ ﻟﻜﻲ ﺗﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺠﺎح ‪ ،‬و اﻟﻨﺘﯿﺠﺔ و ﻛﺮدﱢ ﻓﻌﻞ ﻟﻠﺤﻜﻢ اﻟﺪّﯾﻨﻲ أن اﻟﻨﺰﻋﺎت اﻟﺪّﯾﻨﯿّﺔ "اﻟﻤﺘﻄﺮﻓﺔ"‬

‫ﺳﺘﻄﺮح ﻧﻔﺴﮭﺎ و ﻧﻜﻮن ﻛﺒﺸﺮ ﻣﻌﺮﺿﯿﻦ ﻟﺤﺮب ﻋﺎﻟﻤﯿّﺔ "دﯾﻨﯿﺔ" ﺗﻜﻮن أﺧﻄﺮ ﻣﻦ ﻛﻞ اﻟﺤﺮوب اﻟّﺘﻲ‬

‫ﻣﺮّت ﺑﺎﻟﺒﺸﺮﯾّﺔ ﻷﻧﮭﺎ ھﺬه اﻟﻤﺮة "ﺣﺮب ﻋﺎﻟﻤﯿّﺔ ﻣُﻘﺪّﺳﺔ" و ﻟﯿﺲ ﻣﻦ ﺷﻲء أﻗﺪس ﻋﻨﺪ اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻦ ﯾﻘﺘُﻞ‬

‫ﻧﻔﺴﮫ ﻟﯿﺼﻞ إﻟﻰ اﻟﺨﻠﻮد‪.‬‬

‫و ﻟﯿﺲ ﺑِﺪَﻋﺎ ﻣﻦ اﻟﻘﻮل أنّ اﻟﻨّﺰﻋﺎت اﻟﺪّﯾﻨﯿّﺔ ﺗﻨﺎﻣﺖ ﺑﺸﻜﻞ ﺧﻄﯿﺮ ﻣﻨﺬ اﻟﺜّﻮرة اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ ‪ ، 1979‬و رﺑّﻤﺎ‬

‫ﻛﺎن اﻟﻐﺮب ﻣﺤﻈﻮﻇﺎ ﺣﯿﻨﮭﺎ ﻓﻘﺪ ھﯿﺄت ﺛﻮرة اﻟﻤﻼﻟﻲ ﻓﺮﺻﺔ ﻛُﺒﺮى ﻹﺳﻘﺎط اﻟﺸّﯿﻮﻋﯿّﺔ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ھﺬه‬

‫اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ "اﻹﺳﻼﻣﻮﯾﺔ" ﻗﺪ ﺧﻠﻘﺖ دﻓﻌﺎ ھﺎﺋﻼ ﺑﺎﺗﺠﺎه اﻟﺼﺮاع اﻟﺪّﯾﻨﻲ ‪ ،‬ﺑﻞ إنّ اﻟﻮﻻﯾﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة ﻧﻔﺴﮭﺎ‬

‫ﻣﮭﺪدة اﻵن ﺑﺎﻟﺘﺤﻮل إﻟﻰ دوﻟﺔ ﻣﺴﯿﺤﯿﺔ ﻛﺮدود ﻓﻌﻞ ﻣﻦ اﻹرھﺎب اﻹﺳﻼﻣﻲ‪.‬‬

‫إنّ اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ اﻹﺳﻼﻣﯿﺔ ﻻ ﺗﻌﺪو أن ﺗﻜﻮن ﻧﻈﯿﺮة ﺧﺼﻤﯿﮭﺎ اﻟﻜﺒﯿﺮﯾﻦ "اﻟﺸّﯿﻮﻋﯿّﺔ" و "اﻟﻘﻮﻣﯿّﺔ" ‪ ،‬ﻓﮭﻲ‬

‫ﺗﺪﱢﻋﻲ أﻧﮭﺎ ﺗﻔﺴﯿﺮ ﻛﺎﻣﻞ و ﺷﺎﻣﻞ ﻟﻜﻞ ﺗﻔﺎﺻﯿﻞ اﻟﺤﯿﺎة ‪ ،‬ﺑﺪءاً ﺑﺎﻟﺤﻜﻢ و اﻧﺘﮭﺎءاً ﺑﺄﺻﻐﺮ و أدق ﺗﻔﺎﺻﯿﻞ‬

‫ّﺨﺼﯿّﺔ ‪ ،‬و ﻟﻮ أنّ ﻣﻄﺎﻟﺐ اﻹﺳﻼﻣﯿﯿﻦ اﻗﺘﺼﺮت ﻋﻠﻰ ﻃﻠﺐ "ﺣﻤﺎﯾﺔ" ﻣﻦ ﻧﻮع ﻣﺎ ﻟﻄﻘﻮس و‬
‫اﻟﺤﯿﺎة اﻟﺸ‬

‫ﺷﻌﺎﺋِﺮ دﯾﻨﯿّﺔ و ﻟﺤﺮﯾّﺔ اﻻﻋﺘﻘﺎد اﻟﺪّﯾﻨﻲ !! ﻟﻜﺎن أﻣﺮاً ﻣﻌﻘﻮﻻ و ﻣﻘﺒﻮﻻ ‪ ،‬ﻟﻜﻨﮭﻢ ھﻨﺎ ﯾُﻄﺎﻟﺒﻮن ﺑﺨﻠﻖ "دوﻟﺔ‬

‫ﺴﯿّﺪ اﻟﺼﺪر‬
‫ﺮﯾّﺔ ﻟﻜﻨﮭﺎ ﺗﻘﻤﻌﮭﺎ ﻣﻦ ﺟﮭﺔ أُﺧﺮى ‪ ،‬ﯾﻘﻮل اﻟ ّ‬
‫ﺷﻤﻮﻟﯿّﺔ" ﺗﺘﺪﺧّﻞ ﻓﻲ ﻛُﻞّ ﺷﻲء ‪ ،‬ﺗﺘﻐﻨﻰ ﺑﺎﻟﺤُ ّ‬

‫ﻣُﻌﻘﱢﺒﺎً ﻋﻠﻰ اﻻﻗﺘﺒﺎس اﻟﺴﺎﺑﻖ‪:‬‬

‫" وﻗﺪ ﺣﻤﻞ اﻻﺳﻼم اﻟﻤﺸﻌﻞ اﻟﻤﺘﻔﺠﺮ ﺑﺎﻟﻨﻮر‪ ,‬ﺑﻌﺪ أن ﺑﻠﻎ اﻟﺒﺸﺮ درﺟﺔ ﺧﺎﺻﺔ‬

‫ﻣﻦ اﻟﻮﻋﻲ‪ ,‬ﻓﺒﺸﺮ ﺑﺎﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﻤﻌﻨﻮﯾﺔ واﻟﺨﻠﻘﯿﺔ ﻋﻠﻰ أوﺳﻊ ﻧﻄﺎق وأﺑﻌﺪ ﻣﺪى‪,‬‬

‫ورﻓﻊ ﻋﻠﻰ أﺳﺎﺳﮭﺎ راﯾﺔ إﻧﺴﺎﻧﯿﺔ‪ ,‬وأﻗﺎم دوﻟﺔ ﻓﻜﺮﯾﺔ‪ ,‬أﺧﺬت ﺑﺰﻣﺎم اﻟﻌﺎﻟﻢ رﺑﻊ‬

‫ﻗﺮن‪ ,‬واﺳﺘﮭﺪﻓﺖ إﻟﻰ ﺗﻮﺣﯿﺪ اﻟﺒﺸﺮ ﻛﻠﮫ‪ ,‬وﺟﻤﻌﮫ ﻋﻠﻰ ﻗﺎﻋﺪة ﻓﻜﺮﯾﺔ واﺣﺪة ﺗﺮﺳﻢ أﺳﻠﻮب‬

‫اﻟﺤﯿﺎة وﻧﻈﺎﻣﮭﺎ‪ .‬ﻓﺎﻟﺪوﻟﺔ اﻻﺳﻼﻣﯿﺔ ﻟﮭﺎ وﻇﯿﻔﺘﺎن‪ :‬إﺣﺪاھﻤﺎ ﺗﺮﺑﯿﺔ اﻻﻧﺴﺎن‬

‫ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﻔﻜﺮﯾﺔ‪ ,‬وﻃﺒﻌﮫ ﻓﻲ اﺗﺠﺎھﮫ وأﺣﺎﺳﯿﺴﮫ ﺑﻄﺎﺑﻌﮭﺎ‪ ,‬واﻷﺧﺮى ﻣﺮاﻗﺒﺘﮫ‬

‫ﻣﻦ ﺧﺎرج‪ ,‬وإرﺟﺎﻋﮫ إﻟﻰ اﻟﻘﺎﻋﺪة إذا اﻧﺤﺮف ﻋﻨﮭﺎ ﻋﻤﻠﯿﺎً‪.‬‬


‫‪125‬‬

‫وﻟﺬﻟﻚ ﻓﻠﯿﺲ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﻟﻼﺳﻼم وﻋﯿﺎً ﻟﻠﻨﺎﺣﯿﺔ اﻟﺸﻜﻠﯿﺔ ﻣﻦ اﻟﺤﯿﺎة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ‬

‫ﻓﺤﺴﺐ‪ ,‬ﺑﻞ ھﻮ وﻋﻲ ﺳﯿﺎﺳﻲ ﻋﻤﯿﻖ‪ ,‬ﻣﺮده إﻟﻰ ﻧﻈﺮة ﻛﻠﯿﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻧﺤﻮ اﻟﺤﯿﺎة واﻟﻜﻮن واﻻﺟﺘﻤﺎع‬

‫واﻟﺴﯿﺎﺳﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎد واﻻﺧﻼق ﻓﮭﺬه‬

‫اﻟﻨﻈﺮة اﻟﺸﺎﻣﻠﺔ ھﻲ اﻟﻮﻋﻲ اﻻﺳﻼﻣﻲ اﻟﻜﺎﻣﻞ"‪ .‬ﻓﻠﺴﻔﺘﻨﺎ‪.‬‬

‫دﯾّﺔ ﺳﺘﻄﺒﻊ‬
‫ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺎت ﺳﺎﺑﻘﺔ ﺷﺒّﮫ اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﻐﺮﺑﯿﺔ ﺑﺎﻷﺟﮭﺰة أو اﻵﻟﺔ ‪ ،‬ﺑﻤﻌﻨﻰ أن اﻟﻤﺎ ّ‬

‫اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺑﻄﺎﺑﻊ واﺣﺪ و ﺗﺠﻌﻞ اﻟﺠﻤﯿﻊ ﯾﻔﻘﺪون أﺣﺎﺳﯿﺴﮭﻢ و ﻋﻼﻗﺎﺗﮭﻢ ﻛﺒﺸﺮ ‪ ،‬ﻟﻜﻦ ھﺎ ھﻨﺎ ﻧﺤﻦ ﻣﻊ‬

‫إﻋﻼن ﺻﺮﯾﺢ ﺑﺄنّ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ أن ﯾﺘﺤﻮّل إﻟﻰ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﺮّوﺣﺎﻧﯿّﯿﻦ و اﻟﻐﺮق ﻓﻲ "اﻟﺸﻌﺎﺋﺮ و‬

‫اﻟﻄّﻘﻮس" اﻟﺪّﯾﻨﯿّﺔ و اﻟّﺘﻲ ﺳﺘﻨﺘﮭﻲ ﺣﺘﻤﺎ ﺑﻨﻤﻂ واﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ و ﯾﻜﻮن اﻟﻔﺮد أو اﻷﻓﺮاد ﻣﺠﺮّد ﺗﻜﺮار‬

‫ﻣﻤِﻞﱟ ﻟﻠﻌﻘﻞ اﻟﺪّﯾﻨﻲ اﻟﺴّﺎﺋﺪ ‪ ،‬ﺑﻞ إن ﻋﺒﺎراﺗﮫ واﺿﺤﺔ ﻻ ﺗﺤﺘﻤﻞ اﻟﺘّﺄوﯾﻞ ﻓﻲ ﺟﻌﻞ اﻹﺳﻼم دﯾﻨﺎ و ﻧﻈﺮﯾّﺔ‬
‫ُ‬

‫ﺷُﻤﻮﻟﯿّﺔ ﻻ أﻣﻞ ﻣﻌﮭﺎ ﻓﻲ أي ﺗﻌﺪﱡدﯾّﺔ ﻓﻜﺮﯾّﺔ ‪ ،‬و أيّ ﻣﺲﱟ ﺑﮭﺬه اﻟﻤﻨﮭﺠﯿّﺔ "اﻟﺸﱡﻤﻮﻟﯿّﺔ" ﺳﯿُﺮَدﱡ ﻋﻠﯿﮭﺎ‬

‫ﺑﻨﻈﺮﯾﺔ ﺗﺂﻣﺮ أﻛﯿﺪة ‪ ،‬ﻷن أيّ ﻧﻘﺪ ﻟﻠﻤُﻌﺘﻘﺪات اﻟﺴّﺎﺋﺪة ﺳﯿﻜﻮن ﻣﻮاﺟﮭﺔ ﻣﻊ اﻟﺪّوﻟﺔ و ﻣﻊ اﷲ ‪ ،‬و ھﺬان‬

‫ﺧﺼﻤﺎن ﻛﻔﯿﻼن ﺑﺈﻓﺸﺎل أي ﻋﻤﻠﯿﺔ ﻧﻘﺪ ‪ ،‬إنّ ﺟﺮّ اﻟﻤُﻘﺪّس إﻟﻰ ﺳﺎﺣﺔ اﻟﺪّوﻟﺔ و اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ ﻛﻔﯿﻞ‬

‫ﺑﺎﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ ‪ ،‬ﻓﺎﻟﺪّﯾﻦ ﺳﯿﺘﺤﻮل ﺣﯿﻨﮭﺎ إﻟﻰ "ﻛﮭﻨﻮت" ﯾﺤﻮل ﺣﯿﺎة اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ إﻟﻰ ﺳﺠﻦ ﺗﺤﺖ‬

‫اﻟﺮّﻗﺎﺑﺔ ‪ ،‬و اﻟﺪّوﻟﺔ إﻟﻰ أداة ﺑﯿﺪِ ھﺬا "اﻟﻜﮭﻨﻮت"‪.‬‬

‫و ﻣﮭﻤﺎ ﻧﻈّﺮوا و ﻧﻈّﺮﻧﺎ ﻟﻠﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟﺪﯾﻨﯿﺔ و رﺑﻄﻨﺎھﺎ ﺑﻌﻮاﻣﻞ اﻗﺘﺼﺎدﯾّﺔ و ا